الثلاثاء، 21 مايو 2013

تعقيب على مقال د. ليلى تكلا : رسالة إلى كل قارئ


تعقيب على مقال د. ليلى تكلا : رسالة إلى كل قارئ
د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

إن المقال المنشور بجريدة الأهرام يوم 18 مايو 2013 فى صفحة "قضايا وآراء"، الموجه كرسالة إلى كل قارئ، يستوجب تعقيبا على أهم ما ورد به من عدم دقة فى الإستشهاد بآيات القرآن الكريم أو فى الغرض المقصود منها أو فيما يطرحه المقال من مغالطات.
فعبارة من قبيل : "إن الفروق بين المسيحية والإسلام أقل مما نظن، والإختلاف بينهما لا يبرر العداء والقتل والتكفير".
وهذه التركيبة الأخيرة مثل صياغة المقال بكله من الواضح أنه موجه للمسلمين، لتلصق بهم تهمة الإرهاب بأسلوب ملتوى ، خاصة العبارة التالية : "والإسلام لا يسئ إلى المسيحية بل يكرّمها حتى وإن رأى البعض ممن يدّعون الإسلام غير ذلك" ! 
فهل معنى ذلك أن من لا يتفق معك فى الرأى يكون من المدّعين المشكوك فى إسلامهم ؟!


ومن أهم المغالطات الواردة بالمقال : "أن الفروق بين المسيحية والإسلام أقل مما نظن" ؛ وأن "نشر العقيدة بالعنف لا مكان له فى المسيحية" ؛ وأن " التوحيد يجمع بين العقيدتين" ؛ ثم محاولة "تبديد غيوم هذه الكراهية" إستشهادا بالآيات القرآنية، وذلك من أجل "الوقوف معا فى مواجهة الإلحاد والكفر والقيم اللا إنسانية"، ذلك لأن "الأديان السماوية الثلاثة منزلة من عند الله الواحد" !! ويا لها من مغالطات.. ولكى يكون الرد واضحا سأتناول كل نقطة على حدة : 

"أن الفروق بين المسيحية والإسلام أقل مما نظن" :
 
إن رسالة التوحيد نزلت على موسى عليه الصلاة والسلام، وعندما حاد اليهود عنها وعادوا للعجل ولقتل الأنبياء لعنهم الله عز وجل وأرسل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من أجل تصويب الذين حادوا عن رسالة التوحيد من اليهود، فهو القائل : "لم أرسل إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الاضالة" (متى 15 :24) ، وحينما أرسل حوارييه للإعلان عن قرب إقتراب ملكوت الرب قال لهم : "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا بل إذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى 10 : 5). وحينما حاد النصارى عن التوحيد بتأليه عيسى بن مريم فى مجمع نيقية الأول سنة 325 ، ثم تمادوا فى شركهم بجعله إبن الله، ثم باختلاق بدعة الثالوث وفرضها فى مجمع القسطنطينية سنة 481، لعن الله الكافرين منهم وأرسل محمد عليه الصلاة والسلام بآخر بلاغ لرسالة التوحيد رحمة للعالمين.. وهذا التسلسل التاريخى الشديد الإيجاز يوضح الفروق الجذرية بين المسيحية والإسلام.
فالفروق بين المسيحية والإسلام ليست "أقل مما نظن" بل هى جد شاسعة حاسمة : فالنصارى (واستخدم كلمة نصارى لأنها الأشمل فى التعبير عن ال 349 كنيسة التى إنشقت إليها المسيحية، بدلا من ذكر كل منها على حدة) ، فالنصارى يعبدون إنسانا، كان نبيا مقتدرا، تم تأليهه فى أكبر فرية تاريخية ثابتة بكافة المراجع حتى الكنسية منها، بينما المسلمون يعبدون الله سبحانه وتعالى الذى ليس كمثله شئ ، فى تنزيه مطلق له. أى أنه لا مجال لأى تشابه أو تقارب بين المسيحية والإسلام فى الأساس، بدليل أهم سورة فى القرآن التى تنفى كل ما تقدم من شرك بالله : 

"قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوّا أحد"

"نشر العقيدة بالعنف لا مكان له فى المسيحية" :

من الواضح سيدتى أنكِ لم تفتحِ كتابك المقدس ولم تقرئِ العهد القديم وكل ما به توجيهات للقتل والتنكيل وعدم ترك أى إنسان على قيد الحياه سواء رجل أو إمرأة أو طفل عندما يغزون أى قرية أو بلد ، والطريف أن النصائح تحدد أيضا عدم إغفال أخذ الغنائم من مواشى وذهب وفضة !! وكلها نصائح تقشعر لها الأبدان لما فيها من تفاصيل حرق فى الفران ونشر بالمناشير الخ.. وفى هذه التوجيهات/العقائد يقول المسيح عليه الصلاة والسلام وفقا لإنجيل متى 5 : 17 "لا تظنوا إنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل"! ومتّى ، الحوارى، يؤكد هذا الجانب العدوانى فى الإصحاح 10 أعداد 24 ـ 26 حين يضع على لسان يسوع : "لا تظنوا إنى جئت لألقى سلاما على الأرض. ما جئت لألقى سلاما بل سيفا. فإنى جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والإبنة ضد أمها والكُنة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته" الخ.. وهو ما يمثل تناقضا صارخا مع مقولة "من ضربك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر" ، فالتناقض فى الأناجيل ليس هدف هذا الرد. 

وبدلا من تأكيد فرية إن الإسلام إنتشر بالعنف، التى تم ثتبيتها منذ أكذوبة 11/9 لتسهيل عملية إقتلاعه، فالذى إنتشر بالعنف وبالسيف هو المسيحية يا سيدتى، ولن أذكر لكِ سوى مثال واحد ، وهو وارد بكل المراجع التاريخية التى تتحدث عن شارلمان الذى أمر بذبح اربعة آلاف وخمسمائة ساكسونى فى يوم واحد لرفضهم الدخول فى كاثوليكية روما. ولا أقول شيئا عن مذابح البوجوميل والكاتار والفودوا وجميعهم من الموحدين الرافضين لتأليه يسوع .. وفى شهر ديسمبر سنة 800 كافأ البابا ليون الثالث شارلمان على فعلته بأن أضفى عليه لقب "إمبراطور المسيحية"!

"التوحيد يجمع بين العقيدتين" :

تناولت فى الرد على أول نقطة ما يكفى لتوضيح أن الشرك بالله سواء بتأليه عيسى بن مريم، أو بجعله إبن الله، أو بإختلاق بدعة الثالوت ، أو بجعل السيدة مريم أم الله ، هى إختلافات جذرية لا يمكن التهاون فيها وتفصل بصرامة قاطعة بين المسيحية والإسلام. وما أحب إضافته فى هذه النقطة هى الإشارة إلى التلاعب فى الألفاظ عند قولكم كمسيحيين : "باسم الآب والإبن والروح القدس إله واحد".. وعبارة "إله واحد" مستحدثة فى الصياغات الكنسية لتسهيل عمليات التنصير التى بدأت بوضوح نسبى منذ مطلع القرن العشرين بعد مؤتمر التنصير الذى عقده زويمر فى القاهرة سنة 1906، وهو ما كتبتيه أيضا من صياغة فى عبارتك "الأديان السماوية الثلاثة منزلة من عند الله الواحد"! فالمسلم يعلم يقينا أن الله واحد وليس بحاجة إلى أن يكتبها. وللعلم : إن الكنيسة الهولندية فى منتصف القرن العشرين قد ألغت هذه العبارة التثليثية من طقوسها الكنسية لعدم تقبّل الأتباع لها ولعدم تمشيها مع العقل والمنطق.

"الأديان السماوية الثلاثة منزلة من عند الله الواحد" :

هنا لا بد من تصويب أن رسالة التوحيد بالله رسالة واحدة ، أنزلها المولى عز وجل على موسى عليه الصلاة والسلام وعندما حاد اليهود عن التوحيد أتى عيسى عليه الصلاة والسلام برسالة التوحيد ثانية للذين ضلوا وكفروا من اليهود ، وحينما حاد النصارى عن رسالة التوحيد بتأليه عيسى بن مريم وجعله إبنا لله ثم تمادوا فى الشرك بمساواة الآب والإبن بالروح القدس ، وهو ما تسبب فى الإنشقاق الذى حدث بين الكنيسة الكاثوليكية وبين الكنيسة الأرثوذكسية سنة 1054 ، وهو الإنفصال أو الشرخ الذى يحاول البابا تواضرس الثانى رأبه بتقديم مزيد من التنازلات للكنيسة الرومية ، وهذه المسألة أيضا ليست هدف هذا الرد لكننى أشير إليها لتوضيح أن عمليات التغيير والتعديل والتبديل فى النصوص والعقائد عبر المجامع على مر العصور حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها فهى لا تزال سارية. 

وهنا يجب توضيح أن التوراة التى أنزلها الله على موسى أبيدت عند هدم المعبد سنة 70 وظلوا يكتبون ويعدّلون فيها حتى القرن العاشر الميلادى.. أى أن النص الحالى ليس منزلا من عند الله. ونفس الشئ بالنسبة للأناجيل الحالية فقد إعترف مجمع الفاتيكان الثانى بأن من كتبها بشر، بوحى من الروح القدس ، وأن بها "القديم والبالى".. وقد تمت كتابتها بعد "صلب المسيح" ، كما تقولون ، بأكثر من ثلاثين سنة ، فأى ذاكرة تلك التى يمكن أن تحتفظ بأية تفاصيل بعد هذا الزمن.. والإنجيل الذى يشير إليه القرآن الكريم لا وجود له فقد أبادت الأيادى الكنسية العابثة كل النصوص التى تخالف ما تقوم بنسجه من فريات حتى لا يبقى إلا ما تقدمه هى ، وهذه هى العبارات التى يبدأ بها أى باحث أمين يحاول الكتابة عن العصور الأولى للمسيحية ، مشيرا إلى أنه لا يجد أمامه سوى ما تريده الكنيسة.. 

"تبديد غيوم هذه الكراهية" :

لا يسع المجال هنا لسرد التاريخ الطويل الممتد من الكراهية التى تكنها بعض القيادات الكنسية للمسلمين ، منذ أن بدأ الإسلام ينتشر وحتى يومنا هذا.. فالسجل جد مخزى حتى من قبل الحروب الصليبية إلى إستعداء الغرب والإستنجاد به لإحتلال البلاد أو تورط البعض فى التجنيد ببعض فرقه من قبيل البلاك بلوك وغيرها.. فالكراهية سيدتى ليست فى قلوب المسلمين ، وقد عشنا عمرنا متجاورين تربط بيننا علاقات حسن الجوار والمودة إلى أن فرض عليكم مجمع الفاتيكان الثانى (1965) الإشتراك فى عملية تنصير المسلمين كما فرضها على كافة الكنائس المحلية. وهو ما يضع الأقليات المسيحية بكل إختلافاتها العقائدية فى موقف غير أمين بالنسبة للأغلبية المسلمة. وكنت أتصور أن تتناولين هذه الجزئية فى كتاباتك ، للحد من الإنسياق فى جُرمها، بدلا من المساهمة غير المتوارية التى تنساقين إليها فى كتاباتك.. 

وللعلم، لكى تزداد الصورة وضوحا فى نظرك : المسلمين لا يكرهون المسيحىين لكنهم فى قرارة أنفسهم يشعرون بالتأذى، لكى لا أقول بالإزدراء، لعدم تقبلهم الحق وإصرارهم على المغالطة. والفرق شاسع بين الكراهية والإزدراء. فالمسلم مؤمن بالقرآن القائل "لا إكراه فى الدين" ، لذلك لا يقوم أبدا بما تقوم به الكنيسة الأم من مآخذ ويكفى إجرام قرار "تنصير العالم" الصادر رسميا سنة 1965 ، وكل ما يدور حاليا لتنفيذه على الصعيد العالمى. فتنصير العالم يعنى بوضوح إقتلاع الإسلام والمسلمين.

وتبقى مسألة إستشهادك بآيات القرآن بذكر جزء منها ، كمن يقول "لا تقربوا الصلاة" ويستبعد عبارة "وأنتم سكارى" التى يؤدى ذكرها إلى معنى مخالف لبترها. فلا يسع المجال للرد بهذه الكيفية على كل إستشهاد قمتِ به ، لكننى أؤكد لك أن القرآن يفرّق تماما بين المؤمن والكافر فى الرسالات الثلاث، ويحدد تماما من هم الكفرة ومن هم المؤمنون، لأن كلمة كفر أو كافر لا تنطبق على المسيحيين وحدهم فالكفر كالإيمان درجات، والقرآن يرفض كلية عمليات التأليه والتثليث والشرك بالله. بدليل أن ثلث آيات القرآن الكريم تتعلق بهذه القضية الأساسية. وإذا علمتى أن عدد آيات القرآن 3626 آية ، تدركين تلقائيا أن أكثر من ألف ومائتين آية تنص على رفض الكفر والشرك بالله. 

"الوقوف معا فى مواجهة الإلحاد والكفر والقيم اللا إنسانية" : 

إن هذه العبارة التى تبدو للوهلة الأولى منطقية أو بريئة المرمى تحمل الكثير فى طياتها.. فالمسلم لا يعرف الإلحاد ، ومن ألحد فهم مسيحييو الغرب أساسا ، الذين صُدموا بكل ما تكشف لهم من تحريف وتزييف فى نصوص المسيحية ، حتى بات الموضوع يتم تناوله على صفحات الجرائد والمجلات وفى الروايات .. وهى معارك إمتدت بين الكنسيين منذ بداية عمليات التحريف بأيدى بولس الرسول، الذى بدل شرع الله وألغى الختان، الذى اراده الله عهدا أبديا، لتسهيل دخول الوثنيين فى المسيحية. 

وهذا موضوع أخذ مجلدات وقرون من المعارك، كانت نتيجتها إبتعاد الأتباع وهجرهم المؤسسة الكنسية منذ معركة الأصولية والحداثة، فى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، حتى "ندوة عيسى" فى ثمانينيات القرن العشرين، التى حضرها أكثر من مائتين متخصص فى علوم اللاهوت أو اللغويات، وخرجوا بنتيجة أن 86 % من الأقوال المنسوبة إلى يسوع لم يقلها ، وأن 84 % من الأعمال المنسوبة إليه لم يقم بها ! وهذه الحقائق هى التى أدت إلى إلحاد الغرب والغرق فى القيم اللا إنسانية التى بدأت بإعلانه "موت الله" ، وتمادت إلى إختلاق بدعة أو نظرية الݘندر (Gender)، تلك النظرية القائمة على رفض خلقة الله للإنسان من ذكر وأنثى وفرض حرية أن يختار الشخص ما يود أن يكون عليه من ذكر أو أنثى أو الإثنين معا، وفرض فكرة تقبّل اللواطيين والسحاقيات رسميا ، وحقهم فى تكوين أسرات عن طريق تأجير البطون أو التلقيح الصناعى.. وهو ما أقره القانون الفرنسى منذ أيام ، وبذلك وصل عدد الدول الغربية التى تدنت إلى هذا المستوى اللا إنسانى إلى ستة عشر دولة. وهذا الإنفلات حاول الغرب فرضه على المجتمعات الإسلامية من خلال "مؤتمر المرأة والسكان" (1994) و مؤتمر المرأة فى بكين (1995) وما بعدهما من مؤتمرات حتى قرار الأمم المتحدة المخزى الشهر الماضى بفرضه على كافة البلدان !!

إن ما يمر به العالم من محن ومآسى بحاجة إلى التصدى بأمانة موضوعية لكل آفة من الآفات ، وليس بلىّ العبارات والتحايل غير الأمين على الحقائق والنصوص. فحقيقة المشكلة الحالية هى إنكشاف التلاعب بالعقيدة المسيحية إلى غير رجعة، أى أنه لم يعد من الممكن قلفطة الحقائق أو الفريات. وهذا هو السبب الحقيقى فى التخبط الذى يعانى منه الغرب ويحاول الإفلات منه بفتح جبهات أخرى غير أمينة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق