الخميس، 30 مايو 2013

لا نساوى جناح بعوضة


لا نساوى جناح بعوضة
وائل قنديل

مادامت مصر أمة من المتعاركين المشتبكين طوال الوقت حول ثأرات الماضى (بعيدة وقريبة) فليس من حق أحد أن يتمنى مساحة معقولة ودورا مهما فى دراما تاريخ المستقبل.

إن ردود الأفعال على التحدى الإثيوبى بالبدء فى تحول مجرى نهر النيل هى ذاتها لم تختلف عما جرى عقب أزمة خطف الجنود فى سيناء.. التشفى والاصطياد وصناعة الفرص لافتراس الخصم السياسى هى المفردات الحاكمة للمشهد، فريق يهتف إنه الإرث الكئيب لنظام مبارك وما قبله، وفريق آخر يصرخ إن هذا ما جناه محمد مرسى على مصر.. وبين الفريقين نهر من الغل والكراهية يجرى.

وكالعادة لم يجد بعضهم فى الأزمة سوى فرصة لتصفية الحسابات الداخلية، وعلى ذلك لابد من استثمارها فى هزيمة الخصم (الأخ) دون أن يحاول أحد العمل على لملمة الصفوف والتسامى فوق المعارك المتهافتة والبحث عن وسائل وآليات لمواجهة شبح العطش الذى قد يهاجمنا مع بناء السدود المانعة لتدفق النهر بكامل عنفوانه.

لقد غابت أو غيبت قيمة الحوار فى مصر، والحاصل أنه عندما تغيب لغة الكلام تحضر لغة الفناء، وعندما يتجمد الحوار يتدفق الدم..
 إن فكرة الصراع السياسى بين أفراد ومجموعات تعيش على أرض ما لن تتوقف غير أن كل المطلوب هو «أنسنة» و«عقلنة» هذا الصراع بحيث يدور بالكلمات، لا باللكمات، وبالعقل والضمير، لا بالغرائز التى حين يطلق لها العنان تنقل المجتمع من حالة التحضر الإنسانى إلى مرحلة ما يعرف بمجتمع «البهيمة البشرية».

والسؤال: ما المطلوب لكى نقيم حوارا؟

أولا: أن نريد الحوار (امتلاك إرادة الحوار).

ثانيا: أن نقرر الحوار (امتلاك الشجاعة للذهاب فى حوار بين أنداد متساوين).

ثالثا: أن نعرف كيف نتحاور ومتى (امتلاك المعرفة بأدوات الحوار وغاياته).

رابعا: أن نحترم ما يصل إليه الحوار ونرسخه كقواعد منظمة للعلاقات بين الأفراد والمجموعات.

وما بين إرادة الحوار وإدارته العديد من التفاصيل والمحطات والمواقف، تُسأل عنها كل أطراف المشهد السياسى فى مصر، من سلطة الحكم التى أخفقت حتى الآن فى تقديم دليل مقنع على جدية الحوار وجدواه (على الرغم من سلامة نيتها) ومعارضة تعتبر الحوار عارا وتفر من فكرة الحوار كلما طرحها أحد، ربما خوفا من النتائج أو رعبا من مناخ عام مشبع بأبخرة بالكراهية ونوازع الإبادة والإقصاء التى عملت على ترسيخها كيانات إعلامية أقيمت خصيصا لهذه المهمة وعملت على الحفر عميقا فى الدماغ المصرية وتثبيت تعريفات ومضامين جديدة فاسدة لقيم ومصطلحات مستقرة مثل «العدل والشجاعة والوطنية والثورة» بالأساليب السوفسطائية القديمة التى كانت تفرز الخطيب الشعبى الذى هو صورة زائفة للسياسى الحقيقى، وفى نهاية المطاف تفضى لصناعة طغاة مستبدين.

إن مصر تبدو الآن مثل مجموعة من الممسكين بملابس ورقاب بعضهم البعض، كل يريد أن يتخلص من الآخر وينفيه ويقصيه بعيدا، وفى وضع بهذا البؤس هل يمكن أن نلوم أعداءنا فى الداخل والخارج إن فكروا فى اقتناص لحظة الانتحار القومى العام وسال لعابهم وتحركت أطماعهم؟

ما الذى يجعل إثيوبيا تقيم وزنا لأمة من المنتحرين؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق