الأربعاء، 28 يناير 2015

ترشيد القتل


ترشيد القتل 



فهمي هويدي 

أخشى أن نضطر يوما ما للدعوة إلى ترشيد القتل بدلا من حظره، كأن نطالب الشرطة بتجنب إطلاق الرصاص على غير الإخوان حتى لا تتكرر الفضيحة التى حدثت بعد مقتل القيادية اليسارية شيماء. وهو ما أحرج الداخلية واستنفر الجميع وحول القصة إلى فضيحة ترددت أصداؤها فى كل وسائل الإعلام المصرية، ووصل الصدى إلى السويد وإنجلترا.
وكأن نصوغ البيانات والتصريحات الرسمية على نحو أكثر ذكاء وحنكة، فلا ندعى مثلا أن المتظاهرين إرهابيون وأن الذين أطلقوا الرصاص عليهم إرهابيون أيضا من إخوانهم.
وكأن نبحث عن ذرائع أخرى لابعاد الصحفيين الأجانب عن مواضع الاشتباكات، حتى لا يتكرر ما جرى مع مراسلة البى بى سى فى القاهرة أورلا جويرين التى عممت يوم الأحد الماضى تغريدة على العالم قالت فيها ان ضابطا مصريا اعترض طريقها وحذرها من انها إذا لم توقف التصوير الذى يقوم به فريقها فسوف يطلق عليها الرصاص.

منذ حين، حين تكاثرت الغيوم فى الأفق قلت إننا ما عدنا نتطلع إلى إقامة العدل، ولكن الوهن والانكسار تمكنا منا حتى صرنا على استعداد للقبول ببعض الظلم الذى نحتمله.
 وما خطر لى آنذاك أن تبرز من وراء الغيوم دعوات للقتل العلنى. الأمر الذى يدعونى إلى التفكير فى المطالبة مؤقتا بترشيد عملية القتل لتقليل خسائرها والتستر على الفضيحة قدر الإمكان.

تحدثت أيضا أكثر من مرة عن النتائج الفادحة التى أسفرت عنها حملات التحريض والتسميم، بحيث إنها شوهت ضمائر الناس وأحدثت تراجعا فادحا فى منسوب الإنسانية لدى بعض الشرائح. إذ فى ظل تلك الحملات تحول الخلاف إلى كراهية أوصلت كثيرين إلى حد رفض العيش المشترك وأفرزت فى الفضاء المصرى ما أسميته «كتائب الإبادة».
وهو طور يعيد إلى الأذهان أجواء المحرقة التى أقامها النازيون فى ألمانيا، واعتبروها آنذاك «حلا أخيرا» لضمان نقاء العرق الآرى. 
ودعوى النقاء السياسى هذه صارت مسموعة فى الفضاء المصرى داعية أيضا إلى تطهير المجتمع من الفئات التى قرر سدنة السياسة وأعوانهم من المثقفين والإعلاميين أن إبادتها هى الحل.
لقد ظهرت الدعوة إلى القتل صريحة فى عنوان رئيسى بإحدى الصحف حث الناس فى عبارة من وحى أجواء 25 يناير كان نصها:
المخربون إذا رأيتموهم فى الشارع اقتلوهم.
وخطورة العبارة ليست فى مضمونها فقط ولكن فى أنها صادرة عن طرف محسوب على المؤسسة الأمنية التى تعتبر كل المتظاهرين مخربين وإرهابيين.
الدعوة ذاتها صدرت عبر إحدى القنوات الخاصة حين قال أحدهم إنه لا يحزنه قتل الإخوان. ولكنه يوجه عزاءه لأسرة أحد المجندين الذين قتلوا فى الاشتباكات الأخيرة.

أيا كان وزن مثل هذه الأصوات فالشاهد ان الجهر بالدعوة إلى القتل والتهوين من شأنه أمر بدا عاديا فى الأجواء الراهنة، ثم ان المؤسسة الأمنية لم تكن بعيدة عن ذلك الخطاب. وما لا يقل خطورة عما سبق أن هذه الدعوة لم تعد تستنكر، لكنها باتت تلقى قبولا فى بعض الأوساط، وصادفت من يسوغها ويجد لها تبريرا.

لقد سكت كثيرون على القتل الذى تم فى البدايات واستهدف الإخوان، وتنافس البعض فى تبريره بمختلف الذرائع. فاستمر القتل بعد ذلك حين استهدف المتظاهرين الذين لم تعرف هوياتهم، وكان التبرير الذى أسكت الجميع انهم بدورهم إخوان. 
واعتبر البعض ذلك تفسيرا مقنعا فى حينه، واستمرت حلقات القتل حتى اتسع نطاقها وشملت طلابا فى الجامعات لا علاقة لهم بالإخوان، إلى أن استهدفت شيماء الصباغ القيادية فى حزب التحالف الاشتراكى اليسارى. وفى ظل الاعتياد ومع اتساع دائرة الاستهداف احتمل السياق الدعوة إلى القتل ضمن عناوين إحدى الصحف الصباحية.

لا نعرف كيف سينتهى مسلسل الترويع، لكننى أعرف أمرين، أولهما أن هذا الأسلوب لن يقضى على الإرهاب، الثانى أنه يؤجج المشاعر ويزود الإرهاب بالوقود الذى يكفل له الاستمرار والتصعيد.

لن أتوقف عند دلالة الدعوة إلى القتل وكونها إرهابا علنيا، لكننى أزعم أن القتل لن يخيف الجميع، والتهديد بالضرب فى المليان الذى ىصدر عن بعض القيادات الأمنية يدفع بعض المتظاهرين إلى مزيد من العنف، لأنهم سيخرجون غاضبين ومستنفرين وعازمين على مواجهة الرصاص بما يستحقه، ورافضين ان يكون موتهم بالمجان.

لقد انتابنى شعور بالحزن حين قرأت تصريح ممثل الأمم المتحدة الذى دعا الجميع فى مصر إلى «ضبط النفس».
 وهى دعوة لم نسمعها فى مصر، فى الأجواء الداكنة المخيمة. ورغم أن أصواتا استثنائية دعت مؤخرا إلى الاعتراف بالخطأ ورفضت تبرير القتل، ومنها ما دعا إلى ضرورة التوافق الوطنى، إلا أن صوت كتائب الإبادة ودعاة الاحتكام إلى الخرطوش لايزال هو الأعلى والأكثر حضورا فى الساحة.

إذا سألتنى ما العمل، فردى أن الأمر لم يعد يحتمل كلاما كثيرا، لأننا بتنا بحاجة إلى قرار سياسى يحسم الاتجاه، ويحدد بصراحة وشجاعة ما إذا كنا سنظل نحتكم إلى الخرطوش أم سنحتكم إلى العقل والحوار.
وأضع خطا تحت كلمتى الصراحة والشجاعة حتى لا نكرر قصة خارطة الطريق التى أعلنت فى الثالث من يوليو الماضى، حين دعت إلى الحوار الوطنى ووعدت بعدم إقصاء أى طرف. ثم تم تجاهل الأولى وسرنا عكس الثانية. حتى صرنا أمام طريق مسدود الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق