الأربعاء، 13 يناير 2016

حرب التجويع الطائفية

حرب التجويع الطائفية
عامر عبد المنعم


فجأة استيقظ العالم على صور الهياكل العظمية لمواطنين سوريين في بلدة مضايا السورية، ووقف الضمير الإنساني في حالة من الذهول أمام هذه النزعة العدوانية التي تلبست قوات ومليشيا حزب الله ونظام الأسد الطائفي، فما يحدث في البلدة التي تقع غرب دمشق قريبا من الحدود مع لبنان يكشف عن حالة العداء الطائفي التي تجاوزت كل الحدود، فالتجويع كسياسة ضد مدنيين لا حول لهم ولا قوة يعيدنا إلى ما قبل التاريخ، حيث لا دين ولا تحضر إنسانيا.
صورة البشر الذين تحولوا إلى هياكل عظمية اعتدنا رؤيتها سابقا في مجاعات أفريقيا، لأصحاب البشرة السوداء، حيث دأبت وسائل الإعلام الغربية على التركيز على نقل صور هؤلاء الضحايا الذين تبرز عظامهم من جلودهم وهم يمدون أياديهم لموظفي الصليب الأحمر ومنظمات الإغاثة الدولية من أجل كسرة خبز أو شربة ماء، وتستخدم هذه الصور المأساوية لإظهار إنسانية الغرب، وتحسين صورته.
مع نهاية الحرب الباردة ومع التحولات في النظام الدولي أصبحت ظاهرة التجويع المتعمد موجهة ضد المسلمين، ففي الصراع الذي حدث في البلقان عقب انهيار الاتحاد اليوغسلافي تعرض مسلمو البوسنة لسياسة الحصار والتجويع من قبل الصرب، ونقل لنا الإعلام صور طوابير البشر وقد ذابت لحومهم ولم يبق منهم سوى بقايا بشر، وظل البوسنويون لفترات طويلة يعانون تحت الحصار بالتجويع والقتل بالقذائف لإجبارهم على الاستسلام.
والصورة مكررة اليوم في بلاد المسلمين بصورة أكثر دموية حيث يصاحب الحصار والخنق المذابح والقتل بكل أسلحة التدمير لتهجير السكان، وإجبارهم على ترك بيوتهم وبلادهم؛ ففي ميانمار الصور أكثر بشاعة، وفي الصومال تم تشريد السكان وتقسيم الدولة بين دول جوارها لتفريقهم وإنهاء وجودهم، وفي العراق يتم تدمير المدن وإخلاؤها بالقتل والتهجير، وفي أفغانستان الصورة مشابهة منذ الغزو الأمريكي في 2001، وتبدو السلسلة ممتدة تطوي كل يوم دولة إسلامية.

إنهم يأكلون أوراق الشجر

تأتي مضايا اليوم لتكشف الجريمة وتفضح الصمت الدولي على ما سبق، فهناك العديد من المدن والقرى في سوريا تعاني الحصار ويأكل أهلها العشب وأوراق الشجر، ولكنها لم تحظ بالاهتمام الإعلامي الكافي، فالحصار وتجويع المدنيين والقتل بالبراميل والصواريخ تتعرض له أماكن أخرى مثل حمص ومحيط دمشق وريف حلب وريف اللاذقية، بل ما تعرضت له الزبداني جريمة مضاعفة حيث تعرض سكانها للحصار والتجويع ثم التدمير الكامل وانتهت المأساة بخروج من تبقى من سكانها لتتشيع بالقوة المسلحة على رؤوس الأشهاد.
وإذا تركنا سوريا نجد نفس سياسة التجويع وهدم مدن السنة تقوم بها الميليشيات التابعة لإيران في العراق واليمن، بأشكال أكثر سادية، ففي العراق يتم التدمير الكامل للمدن مثل الرمادي والفلوجة حتى لا تكون قابلة للحياة مرة اخرى، وتصدمنا أفلام الفيديو التي يبثها المتطرفون الشيعة عن قطع آذان شباب السنة وحرقهم أحياء في المدن العراقية وتذكرنا بما كان يفعله الرجل الأبيض ضد الهنود الحمر في الأمريكتين، وذاك السلوك التدميري وتجويع المدنيين ثم قتلهم بالقصف حدث في عدن قبل تحريرها، ويجري الآن في تعز حيث يمارس الحوثيون مع المدنيين اليمنيين ما يفعله حزب الله ومليشيات إيران في سوريا.
الخطير في السنوات الأخيرة أن الذين يمارسون سياسة التجويع والقتل والإبادة مليشيات الشيعة التي تحركها إيران، التي تم تسليحها وتجهيزها للقيام بالمهمة، في إطار تحالف دولي يبدو من مجمل سياساته وممارساته أنه ضد السنة، يجمع هذا التحالف بين أمريكا والغرب من ناحية وإيران وبعض اليساريين الأكراد الانفصاليين من ناحية أخرى.
بموافقة دولية تستغل إيران الشيعة العرب لتصدير المذهب والهيمنة على الإقليم بالقوة العسكرية، ولاستعادة الامبراطورية الفارسية الغابرة وابتلاع الجانب الآسيوي من العالم الإسلامي، ومن جهتها تستغل أمريكا ودول الغرب الأطماع الفارسية والاندفاع الإيراني، وتوظيف الشيعة كقوات برية لتفتيت المنطقة واستنزافها بعد أن أنهكت جيوشها في الحروب الاستباقية، التي شنها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، ولم تعد قادرة على إرسال قوات برية تواجه حالة التمرد بالمنطقة.

تهدف سياسة التجويع الطائفية إلى تحقيق العديد من الأهداف أبرزها الآتي:
1- إجبار الشعب السوري السني على المغادرة والهروب، في إطار المخطط الإيراني الشيعي لإخلاء غرب سوريا من السنة وإنشاء كيان طائفي للعلويين الشيعة فيما يسمى سوريا المفيدة والتي تضم دمشق وطرطوس واللاذقية، لتضمن السيطرة الإيرانية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
2- جعل الشيعة أغلبية في هذه المساحة استعدادا للوصول إلى تسوية برعاية دولية، حتى يمكن تمرير الحلول السياسية لضمان نتيجة أي انتخابات أو استفتاءات تجري لتشكيل النظام السياسي الجديد.
3- الهدف الأخطر من سياسة تهجير السنة السوريين هو عزل سنة لبنان عن محيطهم السني في سوريا وتطويقهم، تمهيدا لاستئصالهم هم أيضا في مرحلة تالية.

الأقليات المدعومة إستعمارياً
هذه الممارسات اللاإنسانية من الأقليات الطائفية المدعومة من القوى الاستعمارية الخارجية تقضي على فكرة التعايش بين الطوائف بالمنطقة، وتظهر هذه الأقليات كعدو، يستحيل التعايش معه، وستفتح الباب أمام موجات من الثأر ورد فعل في كامل الإقليم، خاصة في حالة انسحاب الجيوش الأجنبية التي توفر التسليح والدعم العسكري والسياسي، وهذا سيحدث لا محالة بسبب اتساع حالة الصعود الإسلامي ضد الهيمنة الخارجية، وبسبب الأزمات الاقتصادية التي لن تمكن الدول المحاربة من الاستمرار في المنطقة إلى الأبد، ويضاف إلى هذا التغير الاستراتيجي موقف المملكة السعودية التي فرض عليها القتال لمواجهة المشروع الإيراني التوسعي، ومنعت في آخر لحظة سقوط اليمن وينتظر منها الكثير في باقي الجبهات.

قد يظن الشيعة العرب الذين تستخدمهم إيران، بحساباتهم الضيقة والانتهازية أنهم يحققون بعض المكاسب العسكرية على الأرض لكنهم يخسرون في ساحة القيم والشرف، وما أخذوه بالظلم وبسياسة التجويع والقتل والتدمير والتهجير مجرد مكاسب مؤقتة فالحروب بنهاياتها وليست ببداياتها، فلا يمكن للأقلية الطائفية أن تحكم الأغلبية، فالنيران التي يشهدها العالم هذه الأيام هي بسبب ثورات الأغلبيات لانتزاع حقوقها ونيل الاستقلال، وهذه الشعوب التي لم تستطع القوى الكبرى إخضاعها لن تستطيع الأقليات كسرها والانتصار عليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق