الجمعة، 22 يناير 2016

الشيعة. المهدي. الدروز تاريخ .. ووثائق


الشيعة. المهدي. الدروز 

تاريخ .. ووثائق



شيخ أزهري كبير يفصح أراجيف التقريب مع الرافضة
منذر الأسعد
لعل أخبث طريقة يتشبث بها المجوس الجدد تتمثل في ادعائهم الكاذب أن عداءهم للأمة محصور في أتباع الدعوة السلفية (الوهابيين بنبزهم السفيه).. 
وهي طريقة شيطانية لأنها قد تنطلي على عامة المسلمين-والعامة هنا قد تشمل حملة الدكتوراه في تخصصات غير العلوم الشرعية-.. 
 ننشر اليوم ما ينسف تلك المخادعة بقلم شيخ أزهري كبير هو الشيخ عبد المنعم النمر رحمه الله، في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابه القيِّم:
 الشيعة المهدي الدروز/ تاريخ ووثائق.

*******
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. 
وبعد؛
فقد رأيت ـ أخي ـ أن أجعل مقدمة هذه الطبعة الرابعة، حديثاً جرى بيني وبين سماحة الأخ الشيخ محمد علي تسخيري، أحد علماء إيران الذي ينوب أحياناً كثيرة عن حكومته في المؤتمرات والندوات الإسلامية، وهو رجل وسيم فصيح ولبق، إذا تحدث باللغة العربية كان كأحد أبنائها، ويظهر أنه تلقى تعليمه وقضى شطرا كبيرا من شبابه في رحاب المدن المقدسة الشيعية في العراق.
كان هذا اللقاء في "مسقط" عاصمة سلطنة عمان، وفي رحاب جامعة السلطان قابوس الحديثة والفخمة المتسعة في مبانيها، والتي تقع على بعد نحو 40 كيلو مترا من العاصمة "مسقط" حيث عقدت "ندوة الفقه الإسلامي" التي دعت السلطنة لعقدها في المدة من السبت 22 شعبان ـ 9 أبريل إلى الأربعاء 26 شعبان سنة 1408 ـ 13 أبريل سنة 1988م، وحضرها كثير من كبار العلماء والمشتغلين بالفقه الإسلامي، والحركة الإسلامية وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر.
التقيت بالشيخ محمد علي تسخيري في أول جلسة، وتبادلنا التحية، والمصافحة، وذكرني بأن أول لقاء كان في أحد الملتقيات الفكرية في مدينة قسنطينة بالجزائر في أوائل الثمانينات..
وفي اليوم الثاني خرجنا سويا من الجلسة للاستراحة، ودار بيننا حديث بدأه هو، حين قال لي: لقد ظلمتنا كثيراً فيما كتبته عنا.. 
قلت له: أنا مستعد من الآن والكتاب عندك ليس بعيدا عنك، أن أتقبل منك أي تصحيح لخطأ وقع مني، وأنشره في الطبعة القادمة، ورحم الله امرؤا أهدى إلي عيوبي. وأنا لم أكتب شيئا إلا بمراجعه ووثائقه من كتبكم.. 
قال: لقد ظلمتنا حين نسبت إلينا أننا نقول، بتحريف القرآن، وأن الصحابة الذين جمعوه، قد أسقطوا منه سورا وكلمات، تثبت حق علي رضي الله عنه في الإمامة بعد الرسول.
قلت له: نعم ذكرت ذلك، معتمدا على ما جاء في كتبكم، وذكرت هذه الكتب، وعلى رأسها كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" الذي ألفه عالمكم الكبير "الشيخ حسين النوري الطبرسي" في آخر القرن الثالث عشر الهجري، وطبع في إيران سنة 1298هـ. ونقلت بعض ما جاء في هذا الكتاب بالنص، فكيف أكون قد ظلمتكم وأنا لم أذكر كلمة في ذلك إلا من نص كتبكم، وما قرره علماؤكم، وقد أحطتم مؤلف كتاب "فصل الخطاب" هذا بكل تكريم عند وفاته سنة 1320هـ، حيث دفن في مشهد الإمام المرتضوي بالنجف أشرف البقاع عندكم.. 
قال: هذا الكتاب لا يساوي شيئا، وأنا أضعه تحت قدمي (وضرب الأرض بقدمه) وهو منفعل..
قلت له: ولماذا تبقون عليه مُعبرا عنكم، إذا كان الأمر كذلك؟ لماذا لم تعلنوا أنكم لا تقرون ما جاء في هذا الكتاب، وتنشروا هذا على نطاق واسع، حتى أعلم أنا وغيري أن هذا الكتاب لا يعبر عن رأيكم ولا رأي المذهب والمتمذهبين به؟.
وهل صدر قرار أو بيان على الأقل من المرجع الأعلى للشيعة وهو الآن "آية الله الخميني" بعدم صحة ما جاء في كتبكم وعلى رأسها كتاب الطبرسي هذا، من اتهامكم للصحابة الذين جمعوا القرآن بأنهم حرفوه؟. وذلك حتى تقوموا بحذف هذه الاتهامات من هذه الكتب عند إعادة طبعها. أتعجزون عن هذا؟
لم يحصل منكم شيء من ذلك، وأنا أعرف أن بعض علمائكم يتبرءون في مجالسهم من ادعاء تحريف القرآن، لكن الصوت العالي والرواج هو للرأي الذي يدعي أن الصحابة حرفوا القرآن، فلماذا لم تصدروا بيانا للشعب الذي يتعلم من هذه الكتب، باستنكاركم لهذا الاتهام؟
قال لي: وقد تحدثت أيضا عن قولنا بأن هناك مصحفا يقال له "مصحف فاطمة"، ونحن لا نقول بهذا..
قلت له: نعم تحدثت عما تقوله أوثق المصادر عندكم من أن الوحي كان ينزل على السيدة فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة والدها، وكان علي رضي الله عنه هو كاتب الوحي، حتى تجمع من ذلك ما سميتموه "مصحف فاطمة". 
وكان أول علمي بهذا إطلاعي على خطبة للخميني أذاعتها إذاعة طهران قال فيها حين كان يخطب في اجتماع للسيدات بمناسبة الاحتفال بذكرى مولد السيدة فاطمة رضي الله عنها ـ إنني أجد نفسي عاجزا عن الحديث عن السيدة فاطمة ولكني أكتفي برواية مدعمة بالأدلة ذكرها كتاب "الكافي".. وذكر للسيدات هذه الرواية.. 
وكتاب "الكافي" للإمام الكليني عندكم هو البخاري عندنا، وقد اضطرني هذا إلى أن أذهب للنجف في زيارة أحد علمائكم الكبار، واستطعت أن أطلع في مكتبته على ما ذكره من هذا الكتاب "الكافي" وهو مطبوع في إيران. وقد أثبتُّ في كتابي الجزء والباب الذي ذكر نزول الوحي على فاطمة، ومصحفها... بكل صراحة.. 
فهل أكون متجنيا عليكم وظالما لكم حين أستقي معلوماتي من أوثق المصادر عندكم؟ وأنقلها بالنص من كتبكم؟
قال لي: هذه الكتب لا قيمة لها، ولا يوثق بها.
قلت له: كيف، وأنتم تنشرون كتاب الكافي هذا على نطاق واسع في العالم، حتى في أمريكا، بل وتترجمونه إلى اللغة الإنجليزية ليقرأه كل من يعرف الإنجليزية في الغرب والشرق، وتحت يدي ملازم من الطبعة الجديدة، من الترجمة فهل يمكن أن يقال عن كتاب "الكافي" هذا أنه لا قيمة له عندكم، وأنتم تبذلون ما تبذلون من جهد ومال في طباعته وترجمته بمئات الآلاف من النسخ لتوزعوه في أنحاء العالم كدعاية لكم ولمذهبكم؟ هل يعقل هذا؟
قال: إن عندكم كتبا في التفسير فيها كثير من الإسرائيليات فهل معنى ذلك أنكم تقرونها؟
قلت: صحيح أن هناك إسرائيليات وأحاديث غير صحيحة، ولكن كان بعض المفسرين ينبهون إليها، ويقررون كذبها، ونحن الآن نحاربها ونؤلف الكتب في بيانها والتحذير من تصديقها، وقام بعض علمائنا بتهذيب هذه الكتب وإبعاد ما جاء فيها من إسرائيليات، وأحاديث موضوعة وغير صحيحة.. بينما نراكم تعنون بتجديد طباعة كتب تقولون عنها الآن إنها لا قيمة لها، بل وتترجمونها وتطبعون الترجمة على أوسع نطاق!!
فأيهما نصدق؟ الكلام الذي ينقصه الدليل ولو ضعيفا أو الواقع وهو أقوى دليل؟
وكان بعض الحاضرين قد تجمعوا حولنا، واندس أحد الصحفيين بمسجله الذي كان يحمله فسجل ما دار أو بعضه، ولعله مندوب إحدى المجلات الإسلامية، وأبحث الآن للعثور عليه، وعلى نسخة مما سجله... وظن بعض الأخوة العمانيين أننا مشتبكون، وأن الأمر ربما يكبر، فأخبر أخانا الفاضل مفتي عُمان، ورئيس الندوة ـ مع أنني كنت أتكلم وأنا أبتسم، وشديد المراعاة للظروف.. لكن هكذا ظنوا، وجاء المفتي الشيخ أحمد الخليلي، فوجد أن حديثنا قد انتهى، وأخذت سماحة الشيخ تسخيري متأبطا ذراعه إلى حيث نلتمس شيئا من المرطبات أو الشاي والحلويات، لنستأنف الجلسة بعد هذه الاستراحة بنشاط.
وثاني يوم في الجلسة الصباحية أخبرني أحد الأخوة من العلماء أن سماحة الشيخ قد أصابته حالة مفاجئة في القلب ونقل على أثرها لمستشفى السلطان في جناح خاص، فأسفت أن أكون قد تسببت فيما حصل له، وسارعت إلى زيارته في المستشفى حيث وجدته جالسا على سريره وقد أفاق، فطمأنني إلى أن ما أصابه كان بسبب قرحة في الاثنى عشر اشتدت عليه، وأخذ الدواء المناسب لها، وحضر ـ ونحن نتحدث ـ وزير خارجية إيران "سعادة علي أكبر ولايتي" يزور الشيخ فقام بتعريفنا بعضنا لبعض، وجلست قليلا.. ثم استأذنت لأخلي لهما الجو..
وثاني يوم رغب أخي الدكتور محمد الأحمدي أبو النور في زيارته فذهبنا سويا، ووجدنا حجرته خالية من الزوار، ورغب في استئناف الحديث.. فقلت له: موضوع الحرم، كيف تفعلون فيه هذا الذي لم يقبله أحد من المسلمين؟ 
قال: إن الإمام الخميني يحتاج إلى فتوى شرعية من علماء المسلمين وهو يستجيب لها فوراً.. 
قلت له: وهل موضوع أمن الحرم في حاجة إلى فتوى منا بعد النصوص الصريحة التي تؤكد ضرورة الأمن في الحرم.. هل بعد قوله تعالى{ومن دخله كان آمنا} وبعد أن أمن الله كل ما في الحرم حتى الطير والشجر، وحرّم مجرد الجدال فيه، هل بعد هذا نحتاج إلى فتوى من أحد؟ وهل جلب المتفجرات مع حجاج إيران، وتسيير المظاهرات تهتف باسم خميني، تسد الشوارع، وتؤذي المارة فيها، وتتجه إلى دخول الحرم، وهو مزدحم غاية الازدحام، وهي تضم عشرات الآلاف من المتحمسين الثائرين، ونتيجة هذا كله معلومة، هل يتفق هذا مع الأمن الذي طلب الله منا أن نوفره للحرم؟
وتسرب الحديث سريعا إلى الحرب ورفض السلام، فذكر لنا بعض الاقتراحات الحلوة، ووعد بأن يخرج مساء اليوم، ونلتقي، وتعقد بعض الجلسات، والذي نتفق عليه نقوم بتبليغه للمسئولين هو في إيران، ونحن رأسا إلى الرئيس صدام، وأظهرت له استعدادي لأن أحضر إلى إيران... وقلت من يدري؟ وفي أمثالنا مثل يقول: "يوضع سره في أضعف خلقه" لعل الله ينفخ في صورتنا وفي سعينا فيسوق الخير على أيدينا لأمتنا وتحمس معي أخي الدكتور الأحمدي وقال له: والله إننا مستعدون لأي جهد، ولأية تضحية، وتعال نجتمع الليلة، لعل الله يجعل من بعد عسر يسرا..
اتفقنا على هذا، وخرجنا والأمل يداعبنا، ويلاعب أفكارنا، ويسرح بنا الخيال ويرسم لنا الصور الجميلة التي نحبها، برغم بعض الظنون التي كانت تساورنا. 
ولكن مر الوقت، وانتهت جلسات الندوة، وخرجنا من آخر جلسة فرأيته سائراً أمامي على بعد قليل، وعرفت أنه كان جالسا خلفي مباشرة. ولم أشعر به... ولم يتحدث معي حتى ليشكرني على زيارتي له مرتين وهو بالمستشفى!!
أخـــي: 
حرصت على ذكر هذه الوقائع لك لتزداد معرفة بالكتاب الذي بين يديك، ولنعرف جميعا طبائع وسلوك هؤلاء الذين نتعامل معهم، نحن المسلمين العرب على الأقل. 
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
من هم الشيعة؟
الإجابة عن هذا السؤال ضرورية لكل مسلم، ولاسيما الذين لم يعايشوا الشيعة، ولم يحتكوا بهم في حياتهم، كما هو الحال في مصر، وبعض الدول الإسلامية التي تخلو من الشيعة، وتعيش على المذهب السني.. فلا تعرف غيره..
وكلمة "شيعة" تعني في المعنى اللغوي العام، الأحباب والأنصار والأتباع، وما في معنى ذلك.. مما يفيد الالتفاف حول فكرة، أو أحد من الناس. كما هو الحال في كلمة "حزب" الآن..
جاء في مفردات القرآن([1]) في مادة "شيع": الشياع. الانتصار والتقوية، يقال شاع الخبر أي كثر وقوي، والشيعة: من يتقوى بهم الإنسان، وينتشرون عنه، يقال: شيعة وشيع وأشياع، ومنه قوله تعالى {وإن من شيعته لإبراهيم}([2]) وقوله {هذا من شيعته وهذا من عدوه}([3])، وكان يطلق على أنصار معاوية أنهم شيعته، وكذلك عبد الله بن الزبير، أو عثمان رضي الله عنهم، كما تطلق هذه الكلمة الآن.
فأية جماعة متجانسة مجتمعة حول فكر أو مبدأ أو رجل واحد، يقال عنها: إنها شيعة هذا الفكر أو المبدأ أو الرجل.. أي أنصاره وأحبابه. 
ولذلك أطلق على المسلمين الذي يختصون عليا رضي الله عنه بالحب، ويتعصبون له، على أنه كان الأولى بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع، وأن الحكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة هو لعلي ولذريته من بعده إلى يوم القيامة، واتخذوا لهم فكرا خاصاً، وتعليمات خاصة مبنية على عقيدتهم في الإمام علي وأحقيته بالخلافة، فعادوا أبا بكر وعمر وتعدوا عليهما بالألفاظ السيئة، وصلت إلى حد لعنهما هما وكل من التف حولهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجاته كالسيدة عائشة والسيدة حفصة الخ...
قيل عن هؤلاء: إنهم شيعة، أي شيعة([4]) علي وبنيه.. 
والحقيقة الواضحة أننا جميعا نحب عليا وبنيه، ونحب الصحابة كلهم دينا ونضع كل واحد منهم في موضعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذله وتضحياته في سبيل نصرة الإسلام.. وكلهم صاحبوا الرسول وآزروه، وإن اختلف عطاؤهم في الصحبة والمؤازرة {لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} الحديد/ 10.
ونحن ـ أهل السنة في مصر ـ نجلّ آل البيت جميعا إجلالا خاصا، لقربهم من رسول الله، واعتقادنا أن حبهم من حبنا لرسول الله.. ومقاماتهم ومساجدهم في مصر تأخذ وضعا خاصا من عناية الدولة والشعب، كمسجد الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة الخ..
لكننا نفرق بين هذا الحب الديني العاطفي، بين موضوع الحكم والسياسة.. وأحقية علي رضي الله عنه في الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.. فهذا شئ، وذاك شئ آخر..
لكن الشيعة ركزوا فكرهم على الحكم وأحقية علي فيه، هو وذريته إلى يوم القيامة، ورووا في ذلك روايات لم تصح عند أهل السنة. وزادوا على أركان الإسلام الخمسة كما وردت في حديث رسول الله "بني الإسلام على خمس... " زادوا ركنا سادسا، هو الإيمان بالإمام المعصوم وهو علي وبنوه من بعده، على طريقة النص عليه بولاية عهده، وأن هذا الإمام هو الخليفة والحاكم للمسلمين حتى قيام الساعة..
ومن لم يؤمن بالركن السادس فليس بمؤمن، كما تنص على ذلك كتبهم وكما يتحدث علماؤهم الخواص، لكن هذا سرى إلى عامة الشيعة بأن من لم يؤمن بما يؤمنون به فليس بمسلم، وهو مخلد في النار... شأن من لم يؤمن بالله، ولا بوجوب الصلاة.. الخ..
ولذلك يشيع في ذهن عامة الشيعة اعتقاد أننا كفار، وإن كان علماؤهم يتحفظون على ذلك ويقولون: هو كلام العامة الجهلاء!! ولكن من الذي علم هؤلاء وأوحى إليهم بفكرهم هذا؟
ثم كيف نجد في كتبهم التي ألفها كبار حكمائهم بالطبع إصرارهم على لعن الخليفتين أبي بكر وعمر، ووصفهما بأحط الأوصاف التي يأنف من الإتصاف بها مسلم عادي، أو أي إنسان عادي بدعوى إنهم انتزعوا الحكم من علي؟ 

ثم كيف نجد علماءهم حتى الكبار والقادة منهم يتحدثون ـ حتى الآن ـ ويكتبون أن أبا بكر وعمر وعثمان كفار؟! وأنهم خالفوا القرآن والسنة عمدا؟!! وذلك بتوليهم الحكم، وإبعاد علي عنه، وهو الأولى به والمتعين له؟
وهم يعتمدون في ذلك على حديث قالوا إن الرسول قاله، وهو راجع من حجة الوداع عند "غدير خم" وعين عليا ليخلفه في حكم المسلمين. وهو حديث لم يصح بهذا المعنى عند أهل السنة، ومحال أن يكون الصحابة أو بعضهم قد سمعوا هذا الحديث عن الرسول ثم خالفوه، ولاسيما أبو بكر وعمر، ولو عرف الصحابة هذا الحديث ـ وهو في أمر عظيم وليس سريا ـ ما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، والرسول لا يزال مُسجى في بيته، ليختاروا خليفة من بعده، وقد بدأ الأنصار في ذلك ثم لحقهم المهاجرون.
فلوا أن الحديث قد عين عليا لسمعه أو سمع به الصحابة وعرفوه، وقد مكث الرسول بعد عودته نحو ثلاثة شهور، لقام من سمعوه حين الاختلاف على من يكون خليفة ـ وكان خلافا خطيراً ـ وقالوا لهم: أريحوا أنفسكم، فالرسول عين عليا خليفة من بعده، ولم يكن هذا ليخفى على كل هؤلاء الصحابة، وما كانوا ليعصوا أمراً للرسول([5]).
فالرسول ـ إذن ـ لم يختر عليا ليكون خليفة وحاكما بعده بتسلسل الحكم في ذريته، ولم يرسل ليكون من مهماته أن يورث الحكم لأقاربه وأهل بيته، وإنما ترك أمر خليفته لاختيار المسلمين عملا بمبدأ الشورى، وإن كانت له إشارات لها معناها، لمن تتجه إليه الأنظار، ويوضع موضع الترشيح، وهو أبو بكر حين رضيه ليقوم مقامه في إمامة المسلمين في الصلاة. وكان علي حاضرا، وعمر.
ثم كيف يأمر القرآن بالشورى ويمدح من يأخذ بها، ويجعلها صفة المؤمنين كالصلاة فيأتي الرسول فيجهز عليها، ويخالف أمر ربه، في أهم أمر من أمور المسلمين، وهو الحكم، فيعين عليهم علياً وذريته حكاما إلى يوم القيامة؟! إن الحاكم هو الذي يختاره المسلمون، ولو كان عبدا حبشيا، ولكن الشيعة ذهبوا إلى غير هذا، واعتبروا الخلفاء الراشدين قبل علي معتدين وكفارا..
كتاب "كشف الأسرار" واتهامه للشيخين
تأليف "روح الله خميني" المطبعة الإسلامية ـ طهران 1941
وأمامي الآن الكتاب الذي يجادل فيه "روح الله خميني" مخالفيه من أهل السنة ويسوق الأدلة على صحة الاعتقاد بالركن السادس "الإمامة" وضرورة الإيمان به لكل مسلم.. وينتهي في كتابه إلى الآتي: 
"مخالفة أبي بكر لنصوص القرآن"([6])
ويبدأ فيتحدث عما جاء في القرآن عن وراثة الملك "وورث سليمان داود" 16 من سورة النمل "فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا" سورة مريم "الخ" ليخرج من هذا بصحة نظريتهم في أن علياً يرث الملك والحكم عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم أخذ يسوق أدلته على أن أبا بكر خالف نصوص القرآن حسب هواه وخطته لإبعاد آل البيت عن الحكم واضطهادهم في معيشتهم حين اخترع حديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة". 
ثم ينتقل ص 114 إلى مخالفة عمر لكتاب الله
ويذكر أحداثا يستنتج منها ما يريده.. ويأتي بما حدث من الرسول صلى الله عليه وسلم حين طلب أن يكتب لهم كتابا.. الخ وقول عمر في ذلك.. ثم يقول بعد أن أورد مصادره: "وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري (هكذا!!) ثم بعد سطرين يقول عن كلمات ابن الخطاب في هذا إنها "قائمة على الفرية، ونابعة من أعمال الكفر والزندقة"!! ص 116 وفي الصفحة نفسها كتب عنوانا:
خلاصة كلامنا حول ذلك: 
قال تحته "من جميع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئا مهما جدا" ويعلل ذلك بأنهما لم يكونا يستمعان لرأي أحد، ولا كانا مستعدين لترك المنصب، ولا كان أهل السنة مستعدين للتخلي عنهما، حتى لو قال عمر: إن الله أو جبريل أو النبي قد أخطأوا في إنزال هذه الآية، كما قاموا بتأييده فيما أحدثه من تغييرات في الدين الإسلامي!!الخ ص117.
إلى هذا الحد يكتب "خوميني" عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، يكتبه لأتباعه أولا ليغرس فيهم، كما غرس فيهم سابقوه كل في زمانه، هذا الاعتقاد في أبي بكر وعمر... وهو بالطبع اعتقاد لا نرضاه، ونعوذ بالله ممن يصدقه..
ولذلك لم يكن عجبا ولا بعيداً ما نقل عن أقوال الخوميني وكتبه من أنه يطلق على الشيخين: الجبت والطاغوت، ويسميهما "صنمي قريش"، ويرى كجماعته أن لعنهما واجب، وأن لعنهما ولعن السيدة عائشة، والسيدة حفصة، له ثواب عند الله! (هكذا) وكذلك الحال بالنسبة للخليفة عثمان رضي الله عنه([7]).
وكذلك لم يكن عجبا ـ وذلك هو رأي خوميني في أبي بكر وعمر ومن ساندهما ـ أن يصدر عنهم نص دعاء يتجهون جميعا به إلى الله([8]) يسمونه "دعاء صنمي قريش" يقولون فيه: 
"بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صل على محمد وآل محمد..
 اللهم العن صنمي قريش؟! وطاغوتيهما؟ وإفكيهما، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أولياءك، وواليا أعداءك. وخربا بلادك، وأفسدا عبادك.. اللهم العنهما واتباعهما.. وأولياءهما. وأشياعهما، ومحبيهما، فقد خربا بيت النبوة، وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعاليه بسافله، وظاهره بباطنه، واستأصلا أهله، وأبادا أنصاره، وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارث علمه (يريدون عليا) وجحدا إمامته، وأشركا بربهما فعظم ذنبهما، وخلدهما في سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر".
"اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه، وحق أخفوه، ومنبر علوه، ومنافق ولَّوه، وولي آذوه، وطريد آووه، وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر آثروه، ودم أراقوه، وخير بدلوه، وكفر نصبوه، وكذب دلسوه، ووارث غصبوه([9]). 
"وفيء اقتطعوه، وسحت أكلوه، وخمس استحلوه، وباطل أسسوه، وجور بسطوه" ويستمرون على هذا المنوال إلى أن يقولوا: 
اللهم العنهم بعدد كل آية حرفوها، وفريضة تركوها، وسنة غيروها.. 
اللهم العنهم في مكنون السر، وظاهر العلانية لعنا كبيرا.. أبدا.. دائما دائبا سرمدا لا انقطاع لعدده، ولا نفاذ لأمده، لعنا يعود أوله، ولا ينقطع آخره.. العنهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم والمائلين إليهم. والناهقين باحتجاجهم والمقتدين بكلامهم والمصدقين بأحكامهم. (قل أربع مرات) اللهم عذبهم عذابا أليما، يستغيث منه أهل النار.. آمين يا رب العالمين. ([10]).
يا ستار! كل هذا ينصب على أبي بكر وعمر ومن معهما وتابعهما؟.. أعوذ بالله من الحقد والحنق.. فماذا أبقى هؤلاء للذين كفروا بالله ورسوله؟.. يا حفيظ!.. ويتجرءون حتى يقفوا أمام الله يدعونه بهذا الدعاء؟!! وعلى رأس هؤلاء الآن "الخوميني"؟
علماً بأن عمر رضي الله عنه قد زوجه علي رضي الله عنه بابنته "أم كلثوم" بنت "السيدة فاطمة" رضي الله عنهم الجميع وأخت الحسن والحسين.. فهل كان الإمام علي يرى في عمر ما يرون ثم يزوجه ابنته؟..
واعتقد أن رأي خوميني الآن فينا نحن الذين نجل الخلفاء الراشدين والصحابة جميعا ـ رأيه ظاهر واضح فينا.. كفار نستحق اللعنة!!
ولذلك لم يكن عجبا أيضا أن يعلن في مستهل عهده شعار: تصدير الثورة للبلاد العربية. طبعا ثورته لا في الحكم فحسب ولكن على أساس مذهبه، ليحولنا من الكفر إلى إسلامه هو، ومذهبه هو!! ونشترك جميعا في دعاء لعن صنمي قريش: أبي بكر وعمر.. ليحصل لنا الثواب من الله!!!
وهذا أمر سيفرضه علينا حتما لو انتصر على العراق، وسيطر بجيوشه على البلاد العربية.. لا قدر الله.. وسيأتي مزيد بيان في هذا..
كيف نشأت الشيعة وتطورت؟
هل يستبعد أحد أن يتطلع بعض الصحابة أو أحدهم ليكون حاكما على المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أنا لا أستبعد ذلك عن طبيعة النفوس البشرية... ولذلك رأينا الأنصار يجتمعون والرسول مسجى في بيته لما يدفن، ليختاروا واحدا منهم، وهم أهل المدينة الأصلاء فيها وأصحاب رسول الله وناصروه. وغيرهم طارئ وافد عليهم. فلهم وجهة نظر..
والمهاجرون تطلعوا، ورأوا أنهم أصحاب رسول الله الأول وحاملو دعوته قبل الأنصار، والمجاهدون في سبيلها منذ بدأت، فهم أهل الدعوة الأول، وهم الأحق بأن يخلفوا الرسول في حكمه للمسلمين، وهم من قريش. وغير هؤلاء وهؤلاء.. كان الإمام علي، باعتبار قرابته القريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباعتبار جهاده وبلائه العظيم منذ صباه. 
لا أعتبر هذا شيئا غير طبيعي في النفوس. وسواء ولي الخلافة هذا أو ذاك، فمن المنتظر، أو لابد أن تسير السفينة..
وقد تحاور الأنصار والمهاجرون في هذا الأمر، كل يدعي أحقيته به، وانتهى الأمر إلى المهاجرين وقد أدلوا بحجتهم في هذا، ورضي بذلك الأنصار، واختير أبو بكر رضي الله عنه وكان لهذا الاختيار مرشحاته وحيثياته القوية، فهو "ثاني اثنين إذ هما في الغار"، وهو ألزم الصحابة لرسول الله، وأقربهم إلى قلبه، وكان الصحابة في عهد الرسول يلمسون هذه المنزلة له، ويحسون فضله أكثر حين عهد إليه الرسول بأن يكون بدله، ويقف موقفه من إمامة الناس في الصلاة وقد منعه المرض من الخروج إليهم، فقال "مروا أبا بكر فليصل بالناس" ولم يكن بد لأبي بكر من الامتثال، مع إحساسه بثقل الموقف على نفسه إلى حد بعيد، كما أحست بنته السيدة عائشة وحاولت صرفها لغيره.. وأخذ عامة الصحابة من هذا إشارة إلى أن أبا بكر هو أصلح الصحابة لخلافة الرسول وقالوا: ارتضاه الرسول لأمر ديننا، أفلا نرضاه لأمر دنيانا"..
وكان الانتهاء من اختيار الخليفة والحاكم سريعا أمرا لا بد منه، لمصلحة المسلمين، وكان ما حدث من حسن توفيق الله لهم، ومن حسن تقديره وعنايته بالدعوة الإسلامية. وجثمان الرسول لا يزال في بيته، حوله أهل بيته وفي مقدمتهم علي، والكل مأخوذ بروعة الموقف..
قد ينظر إلى تسرع الأنصار واجتماعهم بالسقيفة ليختاروا واحدا منهم نظرة فيها شيء، وليكن. ولكنها إرادة الله وحسن تدبيره ليسوق المهاجرين للاجتماع بهم ومحاورتهم، والنفوس في شدة تأثرها بوفاة الرسول، وعبرة الموت تملأ نفوسهم، ليبتوا في الأمر، ويختاروا القائد، فلا يوارى جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يكون أصحابه قد أعدوا عدتهم تماما لاستئناف السير تحت راية خليفة حاكم، يسوس أمورهم. وهكذا تفعل الدول الملكية الآن وتسارع إلى إعلان الملك: "مات الملك يحيا الملك".
لقد كان المهاجرون وفي مقدمتهم كبار الصحابة وأعيانهم مضطرين، حين تركوا بيت الرسول وفيه جثمانه، ليلحقوا بالأنصار، ويبتوا في أمر الخلافة والحكم بعد الرسول..
وربما عاب أحد عليهم ذلك... ولكن أليس تداركهم لأمر الخلافة واشتراكهم في اختيار من يحكم، هو الأمر السريع الآني الذي لا يحتمل تأخيرا، بينما يمكن أن يحتمله دفن الرسول وتأجيله لعدة ساعات؟
ماذا كان يحدث لو أن الأنصار اختاروا الخليفة منهم وحدهم ـ كما كانوا يريدون ـ وتركوا المهاجرين وأهملوهم؟ هل كان من السهل بعد أن يختاروا فلانا خليفة، ويعاهدوه، أن يرجعوا تحت ضغط المهاجرين؟ وماذا كان يحدث نتيجة لهذا؟ 
تساؤلات كفانا الله وكفى المسلمين شر أجوبتها الواقعية، وحمى وحدة المسلمين حول أبي بكر.. 
هل كان علي رضي الله عنه يتوقع أن يكون هو الخليفة وفيه مرشحات الخلافة، كما في بعض كبار الصحابة؟
لا نستبعد هذا.. ولا بد أنه كان فيه محبون له يتوقعون له هذا ويتمنونه...
ومع ذلك، تأخر علي رضي الله عنه عن مبايعة أبي بكر بضعة شهور، إلا أنه لم يشغب على أبي بكر، ولم يجمع حوله مناوئين للخليفة، بل سارع بعد هذه الشهور القليلة إلى مبايعة أبي بكر ومعاونته، ثم إلى مبايعة عمر ومعاونته، ثم إلى مبايعة عثمان ومعاونته رضي الله عن الجميع..
مع أن تأخر الخلافة عنه واختيار غيره لا بد أنه كان على غير ما يتوقعه، لكنه كان الصحابي الجليل، والفارس في كل مجال الذي يختار مصلحة المسلمين ووحدتهم.. على كل اعتبار، لكن لو كان هناك حديث عن رسول الله في هذا، كان علي رضي الله عنه يحتكم إليه معهم ويحاججهم به ولكنا لم نر هذا.. ؟
وكان إخوانه الخلفاء يجلونه كل الإجلال، ويعرفون له حقه كل المعرفة، حتى كان المرجع لهم في الرأي والفتوى، وكان عمر يقول "قضية ولا أبا حسن لها" مفتخرا به مقدرا له.. وقد اختاره وحدا من ستة رشحهم الاختيار خليفة منهم بعده، ولكن علياً رضي الله عنه، لم يوافق على كل الشروط التي وضعت لاختيار الخليفة على أساسها، فاختاروا الذي قبلها، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا..
وكان هناك المتربصون بالإسلام والحاقدون ممن فجعهم المسلمون في سلطانهم وكيانهم، سواء من اليهود أو الفرس، وقد تآمر الفرس على قتل عمر رضي الله عنه.. وفازوا في تآمرهم.. وربما حملهم هذا على الاستمرار والتوغل أكثر منتهزين أية فرصة أو ثغرة ينفذون منها، وقد تزيوا بزي الإسلام وأظهروا الإخلاص له، وانفتح أمامهم الباب ليتحدثوا ويدلوا بآرائهم ويتحركوا كمسلمين.. وفي نفوسهم ما فيها..
وانتهز بعض أحبار اليهود الذين أسلموا كعبد الله بن سبأ ـ وقد أسلم في عهد عثمان ـ الفرصة ليبث أفكاره الهدامة اليهودية وسط المسلمين، مدعيا حبه للإسلام ولآل البيت..
وكانت الفتنة على عثمان رضي الله عنه فرصة فانتهزها الحاقدون لخدمة أغراضهم. وهم من المسلمين وإن ظاهراً.. 
وتولى علي رضي الله عنه أمر الخلافة في أصعب الظروف.. وكان الفرس ـ بحكم ما ألفوه من وراثة الحكم عندهم ـ يعتقدون أن علياً كان هو الأولى بالحكم بعد الرسول مباشرة، فوقفوا معه وادعوا أنهم من محبي آل البيت، وقد رأى المتربصون في هذا حلقة من حلقات الإسلام يتعلقون بها..
وقد جابه الإمام خلافات شديدة مع بعض الصحابة، حتى الذين بايعوه، كطلحة والزبير والسيدة عائشة رضي الله عن الجميع، ووصلت إلى حد القتال معهم، وقتل كثير من الصحابة من الجانبين، ومنهم طلحة والزبير، وانتهت بانتصار علي وجيشه الذي معه. وأعاد الإمام السيدة عائشة مكرمة معززة للمدينة..
ولكن بقيت جبهة قوية أمامه هي جبهة معاوية الذي لم يبايعه، واشترط للبيعة أن يأخذ علي أولا بثأر عثمان من قتلته، وكان شرطا يعتبر كما نقول "وضع العقدة أمام المنشار" لحاجة في نفس يعقوب..
فكيف يستطيع الإمام أن يقتص من الثوار القاتلين، وهم بغلبتهم وقوتهم يسيطرون على مجرى الأحداث وكانت لهم الكلمة في اختياره؟
وكيف يستطيع الإمام أن يكسر أنف هؤلاء، ويقتص منهم في هذه الظروف التي يسيطرون فيها، وهو لما تتم له البيعة من نواحي الدولة الإسلامية كلها وفي مقدمتها معاوية والي الشام؟ 
ظروف قاسية وشديدة، وضع فيها الإمام.. 
وقد انتهى أمر هذه الفتنة العمياء إلى تغلب جبهة معاوية على جبهة الإمام وقيام "الدولة الأموية"!!
جرى هذا كله بين العرب المسلمين يعادي بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا!!
وتتسع الثغرة. ويجد الفرس الحاقدون الذين انضموا لآل البيت ومناصرة علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، يجدون فرصة ليضعوا طابعهم وبصمتهم على مجرى الأحداث..
ثم جاء خروج الحسين رضي الله عنه من مكة إلى الكوفة لينضم إلى مناصريه الذين استدعوه إليهم في محاربة ظلم الأمويين، وإعلان دولة آل البيت من هناك..
ولم يسكت الأمويون بالطبع، فوجهوا للحسين جيشا يقضي على ثورته، وكانت المأساة الفاجعة حين تخاذل عنه أنصاره وتفرقوا كما خذلوا أباه من قبل وتمكن أنصار الأمويين من قتل الحسين والكثيرين ممن كانوا حوله، والإساءة لكريمات آل البيت.
وزادت المأساة حين حملوهن وساقوهن في غير تكريم لهن إلى يزيد في دمشق، وحملوا رأس الحسين إليه زيادة في التنكيل! مما لم يكن يفعله مسلم في قلبه ذرة من إيمان.. لكنها الحرب!.
كانت المأساة والفاجعة التي مزقت قلوب المسلمين جميعاً، حتى الكثيرين ممن كانوا يناصرون الأمويين، وحتى قيل إن "يزيد" لم يستطع أن يتحمل هذا المنظر، أو هذا الجرم، فتبرأ ممن صنعوه، وقال لهم: ما أمرتكم بهذا..
كانت هذه الحادثة جرحا عميقا غائرا في جسم الأمة الإسلامية، يفوق كل ما حدث قبله، ظل مفتوحا ينزف، ويحدث "غرغرينا" لم تبرأ منها الأمة، ولن تبرأ..
حين ذهبت إلى مثوى الإمام الحسين في كربلاء، وشاهدت المكان الصغير الذي جعلوه يمثل مكان قتل الإمام، وقد اختاروا له رخاما معرجا بالألوان، ويبدو فيها اللون الأحمر كأنه يمثل الدم الزكي المراق، لم أستطع أن أتمالك، وأنا أتخيل الموقف، وهاجمتني الأفكار من كل ناحية.. واضطررت للبعد عنه. وإن لم يبرح مخيلتي حتى الآن..
أهكذا يفعل الحكم بالمتعلقين به، أو المحافظين عليه؟
 وتساءلت: ماذا كان على الإمام الحسين رضي الله عنه لو استمع لنصيحة الناصحين، وعلى رأسهم عبد الله بن العباس لو ظل في مكة، ولم تستهوه دعوة أنصار له في العراق للخروج إليهم ليحاربوا معه ظلم الأمويين؟ وقد خذلوا أباه من قبل؟ ثم بعد أن يخرج إليهم يتخاذلون عن نصرته، ويتركونه مع قلة معه، ومع كرائم آل البيت من السيدات، أمام سطوة الجيش الأموي؟
ماذا كان على الإمام الحسين رضي الله عنه لو أنه استمع إلى النصائح التي بذلت له ليترك النساء من آل بيته بمكة على الأقل وعدم السير بهن إلى العراق، والصدام مع الأمويين أمر مؤكد، وتعرضهن للأخطار على أي حال شيء مؤكد؟ انتصر أم انهزم؟
لم يكن رضي الله عنه ذاهبا إلى نزهة، ولكنه ذاهب إلى حرب الدولة الفتية التي لا بد أن تحافظ على نفسها وهيبتها، ويحارب بمن ادعوا أنهم أنصاره وحماته، ويحارب جيش دولة منظما وقويا!! فماذا كان عليه لو ترك النساء، وذهب بمن خرج معه من الرجال لينضم إلى أنصاره، ما دام إيمانه بضرورة الوقوف في وجه الظلم قد ملك عليه كل تفكيره وحمله على أن يترك مكة إلى العراق؟ 
وماذا كان التاريخ سيكتب لو لم يقتل الحسين، ولم يحدث ما حدث للكريمات من آل بيته؟
وماذا؟ وماذا؟ تساؤلات كثيرة.
ولكن ماذا تغني، وقد وقع القدر، وكان ما كان؟ وهز المسلمين هزا عنيفا مقتل الحسين أكثر مما هزهم من قبل مقتل والده، لأن علياً لم يكن ابن بنت النبي كما كان الحسين([11]).
لقد عاد الذين تخاذلوا عن الإمام الحسين، وأسلموه لجيش "يزيد"، يؤنبون أنفسهم، وقد فجعتهم النتيجة، واعتبروا أنفسهم أنهم السبب في كل ما حدث من المآسي، فصار أكثرهم أشد التصاقا بآل البيت مما كانوا من قبل، تعويضا عن خطيئتهم، وناصبوا الأمويين العداء...
والفرس الذين أسلموا عن صدق أو عن تظاهر، واعتقدوا أن الحكم يجب أن يستمر في آل البيت كما يستمر الملك، فجعهم كذلك ما حدث، فتحمسوا أكثر لآل البيت، صدقا، أو تظاهراً ووجد الحاقدون فرصة لتنفيذ خططهم المسمومة ضد الإسلام في هذا الجو..
وتكون من هؤلاء المناصرين لآل البيت من العرب ومن الفرس ما يمكن أن يسمى حزبا متميزاً أو "شيعة" وفيهم من يناصرون حق آل البيت في الحكم، ويبغضون الأمويين عن صدق وفيهم من تظاهر بذلك بينما هم يبغضون الجميع، ويريدون التخلص من الإسلام والمسلمين ودولتهم، ليعيدوا دولتهم هم، ويعيدوا مجد فارس الذي حطمه المسلمون..
ولم تنقطع الدعوة إلى حق آل البيت في الحكم، بل كان يحملها داع أو إمام مستور أو ظاهر، حسب الظروف، وكان يجد له أنصارا، ولو في الخفاء.. عن صدق وإخلاص، أو كما قيل "لا حبا في علي ولكن كراهة في معاوية" أو كراهة للجميع.
ولم يكن انقسام الناس هذا انقسام دين، ولكن انقسام رأي سياسي ونظري للحكم: من أحق به؟ وانضمت قوة آل العباس، إلى بني عمومتهم من العلويين في تأليب النفوس على الأمويين مع أنهم سلكوا في حكمهم مسلكا متميزا في الانتصار والتعصب للعرب والإسلام.. مما زاد في تأليب الفرس ومن اليهم على العرب والإسلام، والدولة الأموية..
لقد أعلت الدولة الأموية من شأن العرب حقا، وجعلتهم متميزين على كل الأجناس الأخرى من المسلمين. كانت دولة عربية خالصة، لم يخالط حكمها أو يؤثر عليه جنس آخر. كانت تمثل عزة العرب وشموخهم بعروبتهم، وعزة المسلمين بينهم.. أمام أولئك الذين لا يزال الكثيرون منهم بعد إسلامهم يعتزون بدولتهم الفارسية، ويعتزون بجنسيتهم، ويشعرون في أنفسهم أنهم متميزون على العرب بحضارتهم..
وكان اعتزاز الأمويين بعروبتهم هذا الاعتزاز سببا كبيراً في تحول الكثيرين من الفرس إلى مناصرة آل البيت والتشيع لهم. حتى كان الفرس ومن اليهم من الأجناس الأخرى في الشرق أكبر ذخيرة بشرية مناصرة لآل البيت، المعادين للأمويين، ومتشيعة ومتحزبة لآل البيت.
ومن خلال هذا كله كان ينفذ الحاقدون إلى أغراضهم في تسميم الفكر الإسلامي، وإدخال الكثير من عقائد ومراسم الأديان القديمة التي كانوا يدينون بها وقضى الإسلام عليها..
ومن هنا أطلت الشعوبية الفارسية برأسها ليتغنى الفرس بذكرى أمجادهم الماضية، ويفخروا بجنسهم ويغضوا من شأن العرب، ويحيوا في النفوس الأسى لضياع هذه الأمجاد، ويذكوا فيها العمل على استعادتها كما ظهر ذلك في أدبهم العربي، والفارسي أيضا..
فإن شعب فارس ومن وراءه، وإن تعلم الكثير منهم العربية، وأجاد في خدمتها، إلا أن هذه الشعوب ظلت فيما بينها تتحدث بلغاتها الأصلية، على عكس ما حدث في الشام والشمال الإفريقي، وبلاد أخرى أسلمت، فصارت عربية.
يقول الدكتور خالد العزى وهو يتحدث عن مظاهر الشعوبية الفارسية ([12]): 
"فهذا شاعرهم (الفردوسي)([13]) الذي احتفلت إيران بعيده الألفي عام 1934، وأطلقت اسمه على أكبر ميادين طهران.. يتفنن في التغني بأمجاد فارس في مطولته الشعرية (الشاهنامة) ويلعن الفلك الدوار، إذ تطاول العرب بالتربع على عرش كسرى"!.
ويقول العزى: "لقد وقف الكتاب والشعراء موقف التصدي لهذه الحملات الشعوبية، ودعوا إلى الاحتفاظ بسلامة اللغة العربية، وربطوا بينها وبين الدين الإسلامي، من أجل حماية الفصحى".
"وعندما لم تكتف الشعوبية الفارسية بالدس للغة العربية وللقيم العربية كالكرم والشجاعة، وعلى التقليل من أهمية العرب في حمل الرسالة الإسلامية، رد عليهم "البلاذري" بتأليف كتابه "فتوح البلدان" من أجل أن يظهر الدور الضخم الذي قام به العرب في نشر الإسلام، وتكوين الدولة الإسلامية..
وحين حاولت الشعوبية تشويه سمعة المرأة العربية، وتصوير احتقار العرب لها مستغلة موضوع: "وأد البنات" رد العرب عليهم، ووضحوا أن الوأد لم يكن في كل العرب، بل في فخذين من قبيلتي "ربيعة وتيم"، ووقع عندهما لأسباب اضطرارية، ولفترة محدودة سبقت ظهور الإسلام.. فقد وقعت غارة على جماعة من قبيلة ربيعة، ونهبت بنت الأمير، ولما تم الصلح أراد أبوها أن يأخذها، ولكنه وجدها تخذله وتختار من هي عنده. فغضب وسن وأد البنات. وكذلك حدث مثل هذا لجماعة من ربيعة، فهذه مسألة جزئية محلية لظروف اضطرارية، بينما العرب كانوا يعتزون بالمرأة.. وتاريخ ذلك معروف..
ولقد كان للشعراء العرب الفضل في التنبيه على ما تريده الشعوبية الفارسية من شر مستطير بالأمة العربية وتراثها..
 فكتب "نصر بن سيار" أبياتا أنفذها إلى "مروان الثاني" الأموي، يحفزه وينبهه ويستثيره للحيلولة دون الخطر الشعوبي: 
فقال:
أرى بين الرمـاد ومـيض جمر وأخشى أن يكـون له ضرام
فقـلت من التعجب ليت شعـري أأيقـاظ أميـــة أم نيــام
فإن يقـظت فذاك بقـــاء ملك وإن رقــدت فإنـي لا ألام
فإن يك أصبحـوا وثـووا نيامـا فقـل قومـوا فقـد حان القيام
ولاحظ أن هذا الخطر الشعوبي الفارسي كان له هذا الأثر في نفوس الغيارى؟! والدولة دولة الأمويين العرب، المحافظين على عروبة الدولة وإسلامها، فما بالك بما سيأتي في زمن العباسيين؟ وقد قامت دولتهم([14]) بسيوف الأعاجم، وقادها أبو مسلم الخراساني؟.
ومع أن أبا جعفر المنصور تنبه لخطر أبي مسلم وقضى عليه، إلا أن الفرس قد أخذوا وضعا متميزا في الدولة العباسية، وبلاط الخلفاء، حتى استفحلوا وعلوا على الخليفة نفسه، مما حدا بالرشيد إلى القضاء على البرامكة الذين كانوا يمثلون النفوذ الفارسي في ملكه.
ومع هذا لم يستطع التخلص من نفوذ الفرس والشعوبية، حيث تولى غيرهم من الفرس مكانهم، وصار الأمر على ذلك، وحتى تغلب المأمون وأمه فارسية بواسطة جيشه الفارسي على الأمين العربي وأصبح نفوذ الشعوبية الفارسية طاغيا، حتى انتهى إلى أن كان الخلفاء كالدمى في أيديهم، ولم يكونوا مخلصين للإسلام إخلاصهم لمجدهم ودياناتهم القديمة..
وقد أنشد الأصمعي ينبه الرشيد إلى مخاطر ومساوئ البرامكة الذين استفحل أمرهم فقال:
إذا ذكــر الشرك في مجلس أضاءت وجـوه بنـي برمـك
ولــو تلــيت بينهم آيــة أتــوا بالأحـاديث من مزدك
"ومزدك" صاحب الديانة المزدكية عندهم قبل الإسلام. 
كما كتب بعض الشعراء ينبه الخليفة الأمين فقال: 
قل لأمين الله في أرضه ومـن إليـه الحل والعقـد
هذا ابــن يحيـى قد غدا مثــلك ما بينكمــا حـد
أمــرك مردود إلى أمـره وأمـــره ليــس له رد
وكان هذا يمثل ما كان عليه الخلفاء كما يمثل الغصة التي في حلوق العرب من نفوذ الجنس الفارسي في بلاط الخلفاء.. حتى وجدنا شاعرا عربيا يرسل للرشيد سرا بعض أبيات لها معزاها، وكان لها أثرها البالغ في نفس الرشيد، حيث أججت النار التي كانت في صدره من نفوذ البرامكة الجارف، وهي:
ليت هنـدا أنجزتنـا ما تعد وشفت أنفسنـــا مما تجد
واستبـدت مرة واحــدة إنما العاجـز من لا يستبـد
فأهاجت الرشيد حتى قضى على البرامكة الذين كانوا حوله، ولكنه مع ذلك لم يستطع.. كما قلنا.. لا هو ولا الخلفاء من بعده، التخلص من طغيان العنصر الفارسي في بلاطهم حتى انتهى أمرهم إلى أن صاروا ألعوبة في يد الفرس، وتماثيل عباسية ليست لها حركة ولا شأن في الحكم. وتولى الأمر وزراء وسلاطين من الشيعة..
وإنك لترى الشعوبية الفارسية ظاهرة فيما كان من الأدباء والشعراء الفارسيين من شعر عربي رائع، حيث كانوا يعيرون العرب بأنهم أولاد رعاة الشياه والإبل، بينما كان آباؤهم ملوكا..
وأذكر لك هنا نموذجا خفيفا جدا من هذا الشعر، الذي حفلت به بطون الكتب العربية، ... وهو للشاعر الفارسي "مهيار الديلمي"([15]). واسمه يدل على أصله، مع براعته في العربية. يقول مفتخرا بقومه (الفرس) وأمجادهم:
قومي استولوا على الدهر فتـى ومشوا فوق رؤوس الحقب
عممــوا بالشمس هامــاتهم وبنـــوا أبيـــاتهم بالشهب 
قد ورثت المجـد عن خير أب وورثت الديـن عن خير نبــي 
فضمـمت الفخـر من أطرافـه سؤدد الفـرس وديـن العــرب
ولاحظ هنا قوله "ودين العرب"!!
ولقد كان مجوسيا وقدم لبغداد فأسلم، وتشيع وتعصب في تشيعه، حتى سب الصحابة الذين لم يلتفوا حول الإمام على وبنيه.. وكان في مقدمتهم بالطبع أبو بكر وعمر، كشأن الشيعة!
وقد استرسلت معك في ذكر نماذج من روحهم لاسيما تلك التي كانت تهدف إلى هدم الإسلام، والقضاء على النفوذ العربي ليعيدوا على أطلال ذلك دولتهم ومذهبها القديم قبل الإسلام، مما شعر به العرب وحذروا الخلفاء منه... بل كونوا دولة أو دولا باسمهم، حتى كان الاجتياح المغولي لبلاد ما وراء النهر وأرض فارس، وتدميرهم لدولة الخلافة في بغداد، وكل معالم حضارتها سنة 656هـ وكان الوزير العلقمي الشيعي وزير المستعصم هو الذي مهد لهم([16]).
ومع ذلك كله ومع دواه أخرى أصابت أرض الإسلام في البلاد العربية، ظل الإسلام السني عتيدا راسخا في نفوس العرب جميعا، إلا نسبة ضئيلة جدا منهم تشيعت، ولكنها لم تفقد ولاءها الوطني العربي.. حتى المصريين تركوا مذهب الدولة الشيعية الفاطمية وتمسكوا جميعا بالمذهب السني..
وأرى من المهم جداً أن نذكر هنا خلال مسيرة تاريخ الشيعة وتاريخ أئمتهم، أن المذهب الشيعي لم يتبلور تماما كمذهب وحزب إلا متأخرا، وأن كبار آل البيت كانوا مصدر إشعاع ديني لكل المسلمين وموضع تكريم، ولم يكونوا يرضون عن مغالاة المغالين فيهم، وفيمن سبقوهم حتى الإمام علي، بل كانوا يبعدونهم عن مجالسهم وينبذونهم، ولم يكونوا يفرقون بين مسلم ومسلم إلا إذا غالى هنا أو هناك.. المهم عندهم أن يعرفوا عنه أنه لا يمس آل البيت بسوء، وليس هناك من المسلمين من يذهب إلى هذا وينال من آل البيت..
والسلسلة التي نعرفها الآن ومنذ زمن، لأئمة الشيعة من الإمام علي إلى الإمام الثاني عشر، كما يرى الشيعة الاثنا عشرية، أو يراها غيرهم من فرق الشيعة، لم تكن بهذا التحديد وقت حياة الأئمة حتى الإمام جعفر.. لم يكن هؤلاء أئمة للشيعة وحدهم، ولكنهم كانوا أئمة في العلم والهدى للجميع شيعة وسنة وحتى تتلمذ عليهم بعض الأئمة الأربعة كأبي حنيفة..
والشيعة أنفسهم قد اختلفوا فيما بينهم في تحديد هؤلاء الأئمة فبعضهم قال بإمامة ابن الإمام علي المعروف "بمحمد بن الحنفية" وأحاطوا به، ومنهم من رفض ذلك، وآثر الحسين، ومنهم من لم يقر إمامة "محمد الباقر" ورأى أن الإمامة بعد (علي زين العابدين) المتوفى سنة 93هـ تكون في "زيد" رأس الفرقة الزيدية المعروفة حتى الآن في اليمن.
وكان الإمام زيد له رأي خاص في الإمامة، فهو يرى أنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل ورفض ما عليه الآخرون وأدى رأيه هذا إلى تصحيحه لخلافة أبي بكر.. مع رأيه بأن الإمام عليا هو الأفضل. فخلافة الخلفاء قبل علي صحيحة في رأيه، على عكس بقية الشيعة..
وبعد الإمام جعفر الصادق المتوفى 148هـ اختلفوا فيمن يكون الإمام بعده: هل يكون من ذرية إسماعيل الذي مات في حياة أبيه، أو تنتقل إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق.. ونتج عن هذا فرقة الإسماعيلية، وفرقة الموسوية التي سارت الإمامة فيها من موسى إلى ابنه علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي موسى، ثم الحسن العسكري، ثم ابنه الطفل محمد، الذي مات في سن الخامسة في السنة التي توفى فيها أبوه سنة 260هـ وقالوا عنه: إنه اختفى في سرداب، وأنه المهدي المنتظر.. الخ! سيظهر آخر الزمان.. الخ..
وافترقت الشيعة إلى أكثر من هذا إلى عشرات الفرق، كما هو معلوم.. لكن يجمعهم كلهم القول بوجوب الإمامة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين الإمام علياً بعده، فتكون إمامة غيره بعد الرسول غير صحيحة، وتكون منتزعة من صاحبها علي، وبسبب هذا وقفوا من أبي بكر وعمر وعثمان موقف العداء كما سبق ذلك..
فالشيعة كلهم على مختلف فرقهم: إمامية على هذا الاعتبار، ويرون أنها تكون في الإمام علي وذريته إلى يوم القيامة.. يتولون الإمامة في الدين وفي الدنيا، بمعنى أن يكونوا هم حكام المسلمين.. كما يجمعهم أيضا القول بعصمة الأئمة من أي خطأ، وعصمتهم كعصمة الأنبياء.. فكلام الأئمة كلام معصومين، ولا يصح البحث فيه، وإذا انتهت إليهم رواية حديث، فلا يصح أن تبحث: من الذي روى عنه الإمام، لأن كلامه معصوم عن الخطأ والتدليس.. مثل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك ترى أغلبية الأحاديث مروية عنهم، وتقف عندهم سلسلة الإسناد، فلا ترفع حتى الرسول غالبا، لأنه يكفي أن تكون مروية عن إمام!!
وهذا الإمام المعصوم، هو الحاكم الدنيوي على الناس، وكلامه وأوامره ونواهيه في أي شأن من شئون الدنيا معصوم فيه من الأخطاء، وعلى الناس أن يسمعوا ويطيعوا ولا يتشككوا، وهو إذا رضي عن أحد كان رضاؤه علامة على رضاء الله.. وعلامة على أنه داخل الجنة، وإذا غضب عليه كان غضبه من غضب الله، وكان إيذانا بمصيره إلى النار.. فمصير المسلم مرهون برضائه أو غضبه، ومثلهم في ذلك نوابهم القائمون مقامهم!!
ولعله من هنا خرجت مقولة أن الجنود الإيرانيين الآن يذهبون إلى ميادين القتال وهم يعلقون في رقبتهم صكا بدخولهم الجنة، من الإمام خوميني كما وجدوه في رقاب الأسرى، .. وهذا غير مستبعد ما دام مصير أي واحد من أتباعه معلقا بكلمة منه!! والجندي يحمل معه ضمان دخوله الجنة، وما عليه أن يقتل بعد ذلك!.
وهذه الفكرة في الإمام أو نائبه جعلتهم يخضعون خضوعا لا إراديا لهم متى كانوا متدينين، وجعلهم كما رأيتهم يحيون أئمتهم ـ يطأطئون رؤوسهم، وينحنون حتى يكادون يلمسون الأرض.. وهم يمرون أمامهم، ولا يصافحونهم أو يلمسونهم.. ويؤدون لهم ما قرره عليهم من مال، بمنتهى الطاعة والاستسلام.. باسم الخمس أو غيره، فالإمام معصوم وهو في الكمالات دون النبي وفوق البشر([17]).
وقد كتب الأستاذ أحمد أمين عن صفات الإمام وخصائصه نقلا عما ورد في كتاب "الكافي" للكليني وهو من أوثق كتب الإمامية الاثنى عشرية([18]) فذكر منها: 
• اعتقادهم بأن الإمام يوحى إليه، وإن اختلفت طريقة الوحي عن النبي والرسول. 
• أن من لا إمام له أصبح ضالا. ومن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق. قال الإمام الرضا: "الناس عبيد لنا في الطاعة")[19](. 
• الأئمة هم نور الله الذي قال عنه "فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا"[20] وليس المراد بالنور هنا القرآن، ولكن الأئمة. 
• الأئمة أركان الأرض أن تميد بأهلها. 
• الإمام مطهر من الذنوب، مبرأ من العيوب، المخصوص بالعلم. 
• أعمال الناس ستعرض على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأئمة.
• الأئمة موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله في الأرض ووديعته بين عباده. 
• عند الأئمة جميع الكتب المنزلة على الرسل من عند الله، وهم يعرفونها بلغتها.. 
• لم يجمع القرآن وعلمه إلا الأئمة، عن طريق التوارث من علم الإمام علي. 
• إنهم يعلمون علم ما كان، وما يكون، ولا يخفى عليهم شيء. فالله لم يعلم نبيه علما إلا أمره أن يعلمه عليا، ثم انتهى هذا العلم إلى الأئمة من بعده. 
• كان مع رسول الله روح أعظم من جبريل وميكائيل. وهذا الروح مع الأئمة. 
• الملائكة تدخل بيوت الأئمة، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار. 
• الأرض كلها للإمام، وأهل البيت هم الذين أورثهم الله الأرض، كما تقول الآية "أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"([21]) والعباد الصالحون هم الأئمة. 
وهذا وإن قررته الشيعة الاثنا عشرية كما جاء في كتبهم، إلا أن الفرق الأخرى الإسماعيلية وما تفرع عنها لا تختلف عن ذلك كثيرا بل ربما كان لها غرائب في أفكارها جعلت الاثنا عشرية لا تعترف بها.


المصادر

[1]) ـ لأبي الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (205)هـ.
[2]) ـ الصافات/ 83 تعني أن إبراهيم من شيعة نوح السائرين على طريقه في الدعوة إلى التوحيد.
[3]) ـ القصص/ 15.. وهي في شأن موسى وهو شاب في مصر حين دخل المدينة فوجد فيها رجلين يقتتلان واحدا من شيعته بني إسرائيل والآخر مصري أصيل يعادي بني إسرائيل في مصر وينبذهم.
[4]) ـ وهم الذين يحبون عليا، ولو رأوا أنه الأحق، لكن مجرد رأي وحب لا يتعدى هذا إلى الانضمام لجماعة يعملون لكي يكون الإمام علي أو أحد ذريته حاكما ولو بالسيف.
[5]) ـ غاية ما في الأمر أنه روى "من كنت مولاه فعلي مولاه" وفهمه الصحابة الذين سمعوه على معنى الحب لعلي وذوي القربى للرسول لا على أنه الذي يحكم المسلمين بعده.
[6]) ـ ص 111 من الكتاب الذي أمامي..
[7]) ـ راجع "كشف الأسرار" ص 107، وكذلك كتاب "شهادة خوميني في أصحاب رسول الله" للشيخ محمد إبراهيم شقرة خطيب المسجد الأقصى سابقا ـ طبع دار عمار بالأردن.
[8]) ـ راجع ص 24 من المصدر السابق فضلا عن "تحفة العوام مقبول" ص 422 ـ 423 المطبوع في لاهور.
[9]) ـ يعتقدون أن أبا بكر غصب ارث السيدة فاطمة حين طالبت به وقال لها إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة.. انظر كتاب (خاتم النبيين) القسم الثاني للمرحوم الشيخ أبو زهرة ص 1493، ومما قرره أن الخلاف إنما كان على من يتولى الإشراف على الأرض التي كان يشرف عليها الرسول من أرض الفيء، وفيها حق للفقراء المساكين واليتامى وأبناء السبيل، وذوي القربى، كما جاء في آية الفيء من سورة الحشر، وكان الرسول يشرف على تقسيمها، فأرادت السيدة فاطمة ومعها ذوو القربى، أن يشرفوا عليها بعد الرسول، ولكن أبا بكر لم يوافق على اعتبار أن الحاكم هو الذي يشرف عليها، لأن فيها حقا لغير ذوي القربى، وكان هذا رأيا له، فلما جاء عمر كان له رأي آخر هو أن تكون الإدارة بين آل العباس وآل علي.
[10]) ـ سنذكر فيما يأتي نص الدعاء من كتبهم من صورته.
[11]) ـ تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة للدكتور عبد الله فياض ـ بغداد ص 50 عن "براون"..
[12]) ـ في كتاب "أضواء على التطور التاريخي للنزاع العراقي الفارسي.. " ص414 طبعة أولى إصدار وزارة الثقافة ـ العراق.
[13]) ـ أبو القاسم (932ـ 1020م) أكبر شعراء الدولة الغزنوية من الفرس، (من أشهر شعراء إيران. والشاهنامة تغنى بذكر أمجاد ملوك الفرس في قرابة ستين ألف بيت، وحرص الفردوسي فيها على تجنب استعمال الكلمات العربية! قدمها للسلطان محمود الغزنوي، وهو يأمل أن يأخذ عطية كبيرة، ولكن علم السلطان أنه شيعي، فمنحه صلة ضئيلة فتركه، ولجأ إلى حاكم طبرستان. ولها ترجمة عربية أعدها البنداري في القرن السابع الهجري، ونشرها سنة 1931 الدكتور عبد الوهاب عزام من مدخل قيم ـ الموسوعة العربية الميسرة.
[14]) ـ كان المأمول عند مجيء آل البيت أن تقوم دولة للعلويين، ولكن شركاءهم العباسيين في القضاء على الدولة الأموية أخذوا الحكم لأنفسهم، مما زاد في فجيعة العلويين ومحبيهم ومناصريهم، وجعلهم يقفون موقف العداء من الدولة العباسية، وتصدت الدولة لهم، فكانت عليهم أشد مما كان الأمويون.
[15]) ـ هو مهيار بن مرزويه الديلمي (ت 1037م) حولي سنة 400هـ من أهل بغداد، ومن كتاب الديوان، وقد ولد في الديلم واستخدم في بغداد للترجمة للفارسية وأسلم علي يد الشريف الرضي وكان مجوسيا، ثم تشيع، وغلا في تشيعه حتى سب الصحابة في شعره. له ديوان شعر من أربعة أجزاء، طبعته دار الكتب المصرية ـ الموسوعة العربية الميسرة طبعة دار القلم ومؤسسة فرانكلين القاهرة/ 1965م.
وارجع إلى ضحى الإسلام" للأستاذ أحمد أمين ص1. فصل الصراع بين العرب والموالي، وكيف كان الشعراء المنتسبون للفرس ومن زعمائهم بشار بن برد يهجون العرب ويفخرون بقومهم وكيف أن العباسيين قد احتضنوا الفارسيين وقربوهم، وأدخلوهم إلى خاصة بيوتهم بينما كان العربي يقف ببابهم وقلما يسمحون له... فقد كان الجنس العربي عزيزا أيام الأمويين بينما أخذ الفرس هذه المنزلة أيام العباسيين وتبدل الحال.
[16]) ـ تاريخ الأمم الإسلامية للخضري جـ 2 ص161.
[17]) ـ أصل الشيعة وأصولها للسيد محمد الحسين آل كاشف الغطاء ص 128 الطبعة العاشرة في القاهرة.
[18]) ـ راجع ضحى الإسلام ص 3 الطبعة الأولى.
[19]) ـ هذا القول ومثله كثير ينسبه الشيعة كذبا للرضا، وليس من أقواله(الراصد).
[20]) سورة التغابن / 8.
[21]) ـ الأنبياء/ 105. والكليني عند الشيعة له صلة روحية بالله من جنس التي للأنبياء والرسل, وهو كالبخاري عند أهل السنة مات في بغداد سنة 328 هـ.

رابط مباشر لتحميل الكتاب: 
الشيعة المهدي الدروز عبد المنعم النمر
http: //www. gulfup. com/?a0m0Df
*******
لم يتجرأ على الكعبة في التاريخ إلا أبرهة والقرامطة وإيران الخميني!! 
(لمزيد من الاطلاع راجع المؤامرة على الكعبة من القرامطة إلى الخميني –للدكتور عبد المنعم النمر)


*******

الأستاذ الدكتور عبد المنعم النمر (1913 – 1991 م) تخرج في كلية أصول الدين سنة 1939 ثم حصل على العالمية وعين مدرسا بكلية اللغة العربية وحصل علي الدكتوراه عام 1972م. عين وزيرا للأوقاف سنة 1979م. له عدة مؤلفات منها: (الإسلام والشيوعية – الإسلام والغرب - وجها لوجه – الشيعة – المهدي – الدروز – الاجتهاد). توفي عام 1991م.


هناك تعليق واحد: