الثلاثاء، 19 يناير 2016

فصل من الاختراق الأجنبي للدولة العثمانية

فصل من الاختراق الأجنبي للدولة العثمانية



ا.محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية

في مثل هذا اليوم قبل حوالي مائة وخمسين سنة (18 يناير 1863م) توفي سعيد باشا حاكم مصر، وهو الثالث من حكام أسرة محمد علي.
مات من القهر والحسرة، بعد أن تدهور جسده وتكاثرت همومه..
كان سعيد باشا هذا هو أول نجاح للاختراق الأجنبي في تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي، فهو أول حاكم يُربَّى في حجر الفرنسيين، وينشأ على محبتهم، وهو نقطة تحول في التاريخ المصري الحديث، فقد استدرجه الأجانب لنكبتين من أكبر نكبات التاريخ المصري، هما: القروض الأجنبية، وقناة السويس!
لم يستطع أحد قبله أن يقنع حاكما مصريا، مهما كان ظالما أو فاسدا، بضرورة فتح قناة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وظل هذا الأمر مرفوضا بإصرار طوال التاريخ المصري، حتى جاء ديليسبس وخدع صغيره الذي صار حاكم مصر، فانتزع منه أضخم عملية نصب في التاريخ: امتياز قناة السويس! كما لم يُعرف قبله حاكم مصري مدَّ يده إلى الأجنبي للاقتراض منه بالربا الفاحش.
لكن كيف حدث هذا؟! كيف ربَّى الفرنسيون من صار بعدئذ حاكم مصر؟!
بدأت القصة بذلك الاختراق الخطير المتمثل في شخص محمد علي، وذلك أن الفرنسيين حين هُزِموا واضطروا إلى الرحيل عن مصر بعد الحملة الفرنسية، لجأوا إلى حيلة أخرى ليكون لهم قدم في مصر، فأرسل نابليون إلى القنصل الفرنسي في مصر الكونت ما تييه دي ليسبس (1803م) تعليمات بأن يبحث في قادة القوات العثمانية في مصر عن أفضل من يمكنه إقامة علاقات وثيقة معه، ثم يُخطر باسمه سيبستياني (السفير الفرنسي في القسطنطينية) ليضغط السفير على السلطان العثماني بتعيينه واليا على مصر، وبهذا يكون حاكم مصر رجل فرنسا وممثل مصالحها!
وقد قام القنصل بمهمته خير قيام، فاختار بعد الفحص والاختبار ذلك القائد الواعد: محمد علي، “وارتبط معه بعرى صداقة متينة، وأوصى به سيبستياني خيرا”، ثم تدافعت الأحداث المضطربة في مصر –والحافلة باغتيالات وخيانات وصناعة فوضى- حتى صار اسم محمد علي مطلب الجميع في مصر، ورفعه علماء مصر وأعيانها لمنصب الولاية، وأرسلوا بذلك إلى السلطان العثماني، وهناك بدأ دور السفير الفرنسي الذي ضغط بهذا الاتجاه حتى أقرت السلطنة العثمانية ولايته، ولم تكن تدري أن قسما عظيما من نكبتها سيأتي على يد هذا الرجل!
وبعيدا عن المسار العام كانت قصة خفية تتكون في أروقة قصر محمد علي والسفارة الفرنسية، فبعد سبع وعشرين سنة من ولاية محمد علي استقبلت مصر فريدناند دي ليسبس، ابن القنصل القديم الذي اختار محمد علي ومهد له في مصر وفي القسطنطينية، والذي جاء إليها كنائب للقنصل الفرنسي بالإسكندرية. فاستقبله محمد علي “بإكرام زائد، وخصَّه بعطف أبوي، وما فتئ يظهر له من ضروب الحنان ما جعله أو كاد يجعله أحد أفراد الأسرة العلوية”، بل وكلفه محمد علي بمهمة تربية ابنه سعيد!
ومن هنا نشأت علاقة خاصة بين سعيد وفريدناند دي ليسبس، “صادقه مصادقة أكيدة، وأَلِفَه أُلْفةً زائدة، كان الباشا العظيم أبوه من أكبر مشجعيه عليهما، ومن أميل الناس إلى توثيق عراهما بينهما”، ويُروى في هذا بعض الطرائف التي لا تهمنا، لكن الخلاصة أنه من تلك العلاقة وبهذه التربية نشأ أول حاكم لمصر غربي الهوى والمزاج، وكانت لهذا آثار بعيدة على مصر وعلى الدولة العثمانية.
ومن الطريف أن هذه القصة أخذتها من المؤرخ إلياس الأيوبي، وهو من أشهر مؤرخي حقبة محمد علي، وصاحب أكبر تاريخ عن حقبة الخديوي “تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل”، ويقع في مجلدين كبيرين[1]، وأجدني هنا مدينا باعتذار للشيخ محمد قطب الذي قال قديما “ليس بين يدي الآن ما يقطع بأن فرنسا هي التي تدخلت لدى السلطان لإرساله واليا على مصر.. وإن كانت الظروف تشير إلى ذلك”، وتمنى الشيخ أن “لو قام أحد الباحثين بتحقيق هذه القضية لخدمة الحقائق التاريخية”[2]، وكنت لما قرأت قوله هذا استبعدته وحسبته ضمن مبالغات الإسلاميين وهوسهم بالمعركة، بينما اتضح أنها بصيرة، وأن الأمر لا يحتاج إلى مجهود بحثي، فذلك ما سجله دي لسبس نفسه في كتابه عن قناة السويس، وعن هذا الكتاب نقله لنا إلياس الأيوبي المحسوب على أسرة محمد علي.
بهذا السر نستطيع أن نحل حيرة المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي الذي تعجب جدا من سلوك سعيد في إهمال وإغلاق المدارس ومؤسسات التعليم في مصر، في ذات الوقت الذي كان يُنعم فيه بالمنح والأموال الكثيرة على المدارس الأجنبية والتنصيرية مثل: راهبات البون باستور، راهبات الصدقة بالإسكندرية، البعثة الأمريكية، المدرسة الإيطالية بالإسكندرية[3]، وما كان الرافعي ليحتار لولا أنه غفل عن هذه العلاقة، والحق أن نظرة الرافعي الوطنية القومية للتاريخ أسفرت عن أخطاء فادحة في التحليل والتفسير، لكنه رغم كل شيء لم يستطع ابتلاع النكبتْين الكبيرتين، فقال بجلاء: “لو سلم عهد سعيد من القروض الأجنبية، ولم يمنح امتياز القناة. لكان محتملا أن تتغير المصاير وتتبدل النتائج في تاريخنا القومي”[4].
وهكذا يلد الاختراق الصغير آثارا تاريخية ضخمة على كافة المستويات، فكم عانت الدولة العثمانية من محمد علي، وكم عانت مصر منه ومن أولاده، بل لقد كانت نكبة قناة السويس هي التي قضت على سعيد حتى أوردته حتفه، وكان دي ليسبس نموذجا في التوحش الأجنبي الشنيع المدعوم بقوة الدولة وصفحة لا تنسى من تاريخ العلاقات بين المسلمين وفرنسا. (اقرأ في موجز هذه النكبة: (ماذا تعرف عن أخطار وأضرار قناة السويس؟،  كيف ضحَّت مصر بنفسها خدمة للأجانب، ماذا قال المؤرخون الأجانب عن قناة السويس، فصلٌ من قصتنا مع الشرعية الدولية).
ما لا ينبغي أن يفوتنا في هذا السياق، أن سعيد باشا لم يكن ماكرا ولا خبيثا ولا شريرا، بل كان جاهلا غريرا مخدوعا، يدل على هذا كثير من سياساته الأخرى التي تثبت رفقه بالناس وسعيه في رفع المظالم عنهم، لكنها سياسة تثبت جهله وقصر نظره أيضا (مثلا: لما زار السودان شكا إليه أهلها ما يلقونه من مظالم السلطة المصرية ففكَّر في إخلاء السودان والانسحاب منها وتركها!!!)، ما يدلك على أن آثار الحاكم العميل لا تقل سوءا عن آثار الحاكم المغفل الجاهل، بل ربما كان الثاني أسوأ وأشد لأن جهله وغفلته يوقعانه فيما لا يُتَصَوَّر وقوعه من عاقل!
وهنا ينبغي أن نتذكر قول آن باتريسون، السفيرة الأمريكية السابقة في باكستان ثم في مصر ومهندسة الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، في جلسة استماع بالكونجرس بتاريخ 19/9/2013م،  قالت: “لقد نتجت عواقب استراتيجية كارثية حين أوقفنا الدعم عن الجيش الباكستاني 12 عاما؛ إذ يوجد الآن جيل من العسكريين لا اتصال لهم بالجيش الأمريكي لأنهم لم يدرسوا هنا ولم يتعرضوا لقِيَمنا، ولهذا فيجب أن نحافظ على علاقتنا بالجيش المصري”.
فانظر وتأمل الكوارث التي تعانيها بلادنا، إذ يربون لنا لا الحكام، بل الحكام وعساكرهم!!

[1] إلياس الأيوبي: تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل، ط. مكتبة مدبولي، القاهرة. 1/328 وما بعدها.
[2] محمد قطب: واقعنا المعاصر، ط4. دار الشروق، القاهرة، ص191.
[3] عبد الرحمن الرافعي: عصر إسماعيل، ط. دار المعارف، 1/49.
[4] عبد الرحمن الرافعي: عصر إسماعيل 1/71.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق