وقفات مع آيات (29).. مصيبة الموت
د. مالك الأحمدقال تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106].
وُصف الموت بأنه مصيبة لما فيه من انقطاع الإنسان عن دنياه، وفراقه أهله وماله، وانقطاع عمله في الدنيا إلا ما أبقى الله له من أثر صالح، وانتقاله إلى البرزخ، ثم إلى الحساب والجزاء. فهو مصيبة من جهة أثره على الإنسان وأهله ومن يحبونه، لا من جهة الاعتراض على قدر الله، فالمؤمن يرضى بقضاء الله ويسلم.
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ﴾ معنى النزول والمباغتة؛ فالإنسان قد يكون في سفر أو عمل أو سعي، منشغلًا بخططه وآماله، ثم تفجؤه مصيبة الموت. وهذا يربي المؤمن على دوام الاستعداد، وألا يؤخر ما ينبغي تقديمه من توبة، أو وصية، أو أداء حق، أو صلة رحم.
وليس من السهل الحديث عن الأموات، فكيف إذا كان الميت قريبًا منك؟ وكيف إذا كنت قد التقيت به قريبًا، وأطلت معه الحديث عن شؤونه الخاصة، وآماله القادمة، ومشاريعه المستقبلية؟ وكيف إذا كان في صحة وعافية، لا يشكو مرضًا ظاهرًا، ولا يلوح عليه ما ينذر بقرب الرحيل؟
إن موت الفجأة صعب ومؤلم على أحباب الميت، غير أن المؤمن لا يملك أمام قدر الله إلا الرضا والتسليم، فـلله ما أعطى، ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى. والموت طريق لا بد أن يسلكه الجميع، وإن اختلفت الأزمنة والأسباب.
وكان الفقد الأعظم هو فقد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا أذكر أني قرأت قصة وفاته إلا فاضت العين بالدمع، كأني حاضر مع أصحابه في آخر أيامه، وكأني أرى وجوههم وقد نزل بهم أعظم مصاب عرفته الأمة. ومع ذلك مضت سنة الله في خلقه؛ فالدنيا ليست دار بقاء، وإنما هي ممر إلى دار القرار، فالعاقل من يتخفف من أثقالها ما استطاع، ويتطلع إلى الباقية، ولا تستهلكه الفانية.
والمشكلة أن أمر الموت لا يخفى على أحد؛ فكل الناس يعلمون أنه آتٍ لا محالة، والمؤمنون يوقنون أنه واقع على الجميع، لكن العلم بحقيقته لا يرفع ألم الفقد، ولا يمنع حزن القلب. وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم، ودمعت عيناه، وقال ما يرضي ربه. فنحن نحزن، ونسكب الدمع على أحبابنا، لكننا لا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق