وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
لما طلب أبناء يعقوب عليه السلام أن يرسل معهم أخا يوسف، تذكّر ما وقع منهم قبل ذلك في شأن يوسف، فلم يركن إلى حفظهم وحده، وإنما فوّض الأمر إلى الله، وقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ والمعنى: أن حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس، وأن الأسباب البشرية مهما كانت مهمة تبقى محدودة، أما الحفظ الحقيقي فمن الله وحده.
وأما قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ففيه معنى الرجاء في رحمة الله عند الخوف والفقد والقلق؛ فكأن يعقوب عليه السلام لم يقف عند ألم التجربة السابقة، بل علّق قلبه برحمة الله، ورجا أن يكون حفظ الله أوسع من تقصير البشر وضعفهم.
بعد عزمي على إكمال دراسة الماجستير في بريطانيا، يمّمت وجهي تجاه لندن، وكان الغرض استكمال الإجراءات الرسمية لدى الملحقية في السفارة السعودية هناك. وكانت تلك أول مرة تطأ فيها قدماي لندن.
وعند الوصول استقللت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يوصلني إلى فندق متوسط في المدينة. وصلنا إلى الفندق، ووضعنا الحقائب في الغرفة، وكان الوقت عصرًا، والشارع مليئًا بالمحلات، والجو معتدلًا، فنزلت أنا وزوجتي بعد أن أحكمنا إغلاق الغرفة بالمفتاح الحديدي.
وبعد أقل من ساعة عدنا إلى الفندق، وما إن دخلت حتى أسرع إليّ موظف الاستقبال وقال: هل يمكن أن أتحدث معك على انفراد؟ قلت: بالطبع، ما الأمر؟ قال: للأسف، غرفتكما تعرضت للاقتحام في غيابكما، وأنا آسف لأنقل لك هذا الخبر. اصعد معي لتتفقد أغراضك، وقد اتصلت بالشرطة وهم في الطريق.
صعدت إلى الغرفة، فوجدت الحقائب كلها مفتوحة، والملابس منثورة في وسط الغرفة. قلت للموظف: كيف حصل هذا؟ فاعتذر بأنه لا يعرف، وأنه تفاجأ بالأمر كما تفاجأت.
كان المشهد محزنًا؛ قفل الباب محطم، والحقائب مفتوحة، ونفسي منكسرة. وصلت الشرطة، وبدأوا التحقيق، وأخذوا يرفعون البصمات، وسألوني عمّا فُقد، فقلت: كانت زوجتي تحمل معها ذهبها، ولا أرى له أثرًا. أخذوا إفادتي، ووعدوني خيرًا، وبالطبع لم أسمع منهم بعد ذلك شيئًا.
فزعت زوجتي عندما أخبرتها، ثم دخلت الغرفة لتتفقد الأمتعة، فإذا بها تصيح: الذهب لم يُسرق! قلت: كيف؟ قالت: وضعته أسفل هذه الشنطة، تحت أكياس البهارات، ويبدو أن السارق بعدما رمى الملابس ووصل إلى البهارات تأفف من رائحتها، فلم يكمل البحث.
قلت حينها بعفوية: المال الحلال لا يضيع.
ولم تكن هذه الكلمة عندي قاعدة مطلقة بأن المال الحلال لا يُبتلى صاحبه بفقده؛ فالدنيا دار ابتلاء، وقد يذهب المال الحلال لحكمة يعلمها الله. ولكني شعرت في تلك اللحظة أن الله لطف بنا لطفًا ظاهرًا، وحفظ لنا ما كدنا نجزم بضياعه من طريق لا يخطر على البال. فالأقفال والحذر والشرطة كلها أسباب، لكنها قد تعجز، ويبقى حفظ الله فوق كل سبب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق