الخميس، 17 سبتمبر 2015

دستور خافض للحرارة


دستور خافض للحرارة

وائل قنديل
هل يخشى عبد الفتاح السيسي من برلمانه القادم إلى هذا الحد الذي يجعله يعطي الإشارة إلى أذرعه، لبدء حملة "لبسنا الدستور"، وبالتالي، حان وقت قلعه أو خلعه أو انتزاعه؟ 
المعطيات المتوفرة عن شكل البرلمان القادم تقول إنه سيكون برلماناً سيسياً عسكرياً أليفاً، لا يهشّ ولا ينشّ، إذ تمت السيطرة عليه من المنبع، من خلال قطع الطريق أمام كل من يفكر في منافسة القائمة الموحدة التي جرى تشكيلها تحت الإشراف المباشر من نجل عبد الفتاح السيسي، وتضم كل مخلّفات الدولة العسكرية البوليسية القمعية، من جنرالات متقاعدين، ومخبرين وبلطجية، توارثتهم الأجبال، منذ شباب كمال الشاذلي وصفوت الشريف.
تقول المعطيات، أيضاً، إن غالبية الشخصيات والأحزاب والتجمعات التي كانت تضع قدماً في "25 يناير"، والأخرى في "30 يونيو"، أعلنت أنها لن تشارك في الانتخابات، بعدما رأت أن عملية تخطيط الملعب الانتخابي وهندسته جرت على نحو يحقق ما ألحّ عليه السيسي كثيراً، وهو ضرورة الاندماج في قائمة موحدة، من أجل ضمان الحصول على برلمان متناغم مع ما يريده الجنرال، وبالتالي، معروف مسبقاً، وثابت، حد اليقين، أن البرلمان لن يمثل تهديداً للسيسي، أو يحدث مضايقات له.
إذن، ما الذي يدفع عبد الفتاح السيسي للتربّص بالدستور الذي طالب الجماهير بالمشاركة في التصويت عليه، بالموافقة، في هذا التوقيت الذي يسبق إجراء الانتخابات النيابية؟
تلميحات السيسي لتعديل الدستور جاءت بالتزامن مع إعلان القائمة العسكرية البوليسية الموحدة اتخاذ عبارة "هنعدّل الدستور" شعاراً لحملتها الانتخابية، ما يعني أن البرلمان القادم متناغم ومتوافق مع رغبات الجنرال في العبث بالدستور، الأمر الذي يؤكد أن المعركة ليست صلاحيات ما يسمى "الرئيس" في مواجهة صلاحيات ما يسمى "مجلس النواب"، ومن ثم لا يوجد ما يدعو لقلع الدستور، بعد لبسه، على حد التعبير الركيك الخليع لإعلاميي السيسي عن مخاطر الدستور على مستقبل البلاد.
والحاصل أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحرّش فيها السيسي بالدستور، منطلقاً من التفزيع بالبرلمان، فقبل أكثر من شهرين، قال في حفل إفطار رمضاني ما يلي "بقول لكل المصريين، الدستور ده طموح جداً، وحط صلاحيات لو مكنش هتستخدم في البرلمان برشد وبوطنية ممكن يتأذى المواطن أوي، ومصر تتأذى أوي، مش هنعمل إجراء استثنائي، وأنا أؤكد ذلك، وممكن البرلمان يكون أداؤه خطير جداً بقصد أو بدون قصد يغرّق كل اللي بنعمله". 
هل كان عبد الفتاح السيسي منوماً، أو مخدراً، هو وكتائبه الإعلامية، حين لبسوا الدستور، بعد أن أفهموهم أنه خافض لحرارة الاحتقان السياسي، ومضاد لبكتيريا الإرهاب، ثم صحوا فجأة ليكتشفوا أن البلاد تواجه خطر الغرق بفعل طوفان الدستور والبرلمان؟
الشاهد أن ماكينة الإعلام السيسي تحاول اختطاف اهتمام الناس إلى مناطق من النقاش والجدل، تتعلق بالعلاقة بين رئاسة الدولة والبرلمان، كما رسمها الدستور الجديد، والإيهام بأن من صلاحيات البرلمان ما قد يكون معوقاً للرئيس، لصرف الأنظار عن الدوافع الحقيقية للتحرش بالدستور، وهي تلك القصة القديمة المعادة المكررة، من دراما "الرئيس والجنرال" منذ جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وحتى حسني مبارك ومحمد عبد الحليم أبو غزالة، والآن.. أنت بصدد دستور تضمّن مادة تم تفصيلها على مقاس عبد الفتاح السيسي، حين كان وزيراً للدفاع، مكتفياً بقيادة الانقلاب، معلنا أن لا نية لديه، ولا رغبة في أن يكون رئيساً، ومن هنا نصّت تلك المادة على "يكون تعيين وزير الدفاع، بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين، اعتباراً من تاريخ العمل بالدستور".توضح هذه المادة، بجلاء، أن المقصود بعبارة "لبسنا الدستور" التي يرددها معسكر السيسي تعني أنهم "تورطوا" في وزير الدفاع بامتداد سنوات دورتين رئاسيتين. ولو قرأت المادة على ضوء ما يرشح من أنباء وتسريبات، ترتبط بالعلاقة بين السيسي ووزير دفاعه، وفي ظل تصعيد الأول صهره، ليصبح رئيساً للأركان، تطغى أخبار تحركاته وأنشطته على أخبار وزير الدفاع أحياناً، ويظهر كثيراً، مقابل اختفاء وزير الدفاع، فإنه من الممكن أن تستنتج أن رغبات تعديل الدستور تنبع من مساحة في عقل النظام، أكثر حساسية والتهاباً من حكاية الخوف على الدولة من البرلمان.
وحدها الأيام ستكشف ماذا سيحدث في الطوابق العليا من بناية السلطة في مصر. أما على الأرض، فإن الواقع ينطق بأن أول مادة في الدستور الذي تريده سلطة السيسي ينبغي أن يكون نصها
"مصر دولة عبثية عابثة، نظامها رئاسي كوري شمالي مطلق".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق