الثلاثاء، 22 سبتمبر 2015

مناقشة دوافع الحشد العسكري الروسي في سوريا

مناقشة دوافع الحشد العسكري الروسي في سوريا


علي حسين باكير
من الطبيعي أن يحظى الحشد العسكري الروسي في سوريا هذا الشهر باهتمام واسع في مجال الإعلام والصحافة والسياسة والرأي العام، فهذه ليست خطوة عادية ولم يكن هناك من مؤشرات تفيد بأن هناك تحركات روسية تمهد لحصول مثل هذا الأمر، ولهذا السبب بالتحديد هناك الكثير من التكهنات حاليا حول النوايا الحقيقية التي تقف خلف اتخاذ الكرملين مثل هذا القرار وفي هذا التوقيت بالذات.
هناك العديد من النظريات التي تتحدث عن دوافع موسكو للقيام بمثل هذه الخطوة.
إحدى هذه النظريات تتحدث عن أن تعزيز التواجد الروسي في سوريا في هذه الآونة بالتحديد هدفه أن تستحوذ موسكو على مقود قيادة سوريا بالقوة من إيران وأن تظهر أن لها نفوذا حقيقيا على الأسد وعلى طهران وذلك كمقدمة من أجل التضحية بالأسد.
حقيقة لا أستطيع أن أرى كيف يمكن لمثل هذا التفسير أن يكون أحد الاحتمالات القائمة. باعتقادي، فإن ربط تعزيز موسكو لتواجدها في سوريا بتنافس روسي-إيران على النفوذ في سوريا أو بمحاولة استلام روسيا دفة القيادة في سوريا من إيران هو ربط لا يستند إلى أي دليل.
إذ إن مثل هذا الافتراض يتناقض تماما مع المعطيات القائمة التي حصلت في الفترة القليلة الماضية، ولعل أبرزها:
1) أن الحشد العسكري الروسي في سوريا جاء بعد تقارير تحدثت عن زيارة قام بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني إلى موسكو بداية الشهر الماضي. هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن هناك تعاونا وتنسيقا وتكاملا بين موسكو وطهران في سوريا وليس تنافسا أو صراعا.
2) الإمدادات الروسية التي تصل تباعا إلى الأسد تأتي بشكل أساسي عبر المجال الجوي الإيراني خاصة بعد أن أغلقت الدول الأخرى أجواءها في وجه عبور الطائرات الروسية المحملة بالعتاد والدعم اللوجستي للأسد. (تركيا في العام 2012، أما بلغاريا واليونان فقامت بذلك مؤخرا). وعليه، فكيف يمكن لنا أن نفسر الافتراض أعلاه في ظل حقيقة أن إيران هي البوابة الأساسية لمرور الدعم العسكري الروسي إلى الأسد؟
3) روسيا ليست مضطرة لأن ترسل قوات عسكرية وجنودا وعتادا وأسلحة إلى سوريا وأن تبني قواعد عسكرية هناك لكي تبرهن أن لها نفوذا على الأسد أو لكي تتجاوز النفوذ الإيراني هناك. يكفي أن تمتنع موسكو عن تعطيل مجلس الأمن حتى نرى وبسرعة كيف من الممكن أن تنعكس قرارات المجلس واقعا على الأرض تحت الفصل السابع.
من هذا المنطلق بالتحديد، لا أستطيع أن أستسيغ مثل هذه الفرضية. هناك معطيات لا يمكن تجاهلها أو القفز من فوقها. التحرك الروسي باعتقادي يأتي في سياق عاملين أساسيين:
1) الخوف من انهيار نظام الأسد: هناك خوف بالتأكيد من انهيار نظام الأسد، لكن اللافت للانتباه هنا هو أن هذا الخوف لا ينبع حصرا من اللاعب الروسي وإنما الإيراني والأميركي أيضا. هذه الأطراف الثلاثة عبرت وتعبر منذ عدة أشهر بشكل مباشر أو غير مباشر، مكشوف أو خلف الأبواب المغلقة، عن تخوفها من انهيار نظام الأسد وأن حصول مثل هذا الأمر يعد كارثة بالنسبة لها ويجب منعها. من المعلوم بالتأكيد أن منع الانهيار المفاجئ للأسد لا يمكن أن يتم إلا من خلال واحد من ثلاثة خيارات: إما من خلال الضغط عليه لإجباره على الرحيل (لكن لا أحد من هؤلاء يريد الضغط عليه فعلا)، وإما عبر زيادة الدعم الحقيقي لمناوئيه (ولا أحد من هؤلاء بالتأكيد بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية يريد فعل ذلك)، وإما عبر دعمه مباشرة، وهو الأمر الذي تلتزم به روسيا وإيران من جهة وتغض إدارة أوباما الطرف عنه من جهة أخرى منذ البداية.
2) في تبرير دعم موسكو للأسد من جهة وغض النظر عن هذا الدعم من قبل واشنطن من جهة أخرى، يأتي دور «داعش». ما تفعله روسيا حقيقية في تبرير موقفها اليوم هو المتاجرة بشعار «محاربة تنظيم داعش»، وهو الأمر نفسه الذي تفعله إيران والولايات المتحدة الأميركية. هذه الأطراف تستخدم ملف «داعش» من أجل أن تحاول تجاوز الخلافات والتناقضات الموجودة بين أجنداتها في المنطقة ولو مرحليا وذلك عبر طرح أجندة تعاونية محورها محاربة «داعش» بدل أن تكون الأجندة صدامية بين هذه الأطراف وبعضها البعض.
إذا أرادت موسكو محاربة «داعش» حقيقية، فلماذا ترسل قوات إلى سوريا فقط وليس إلى العراق أيضاً؟ ولماذا تحاول موسكو إنشاء محور جديد لمحاربة «داعش» بدلا من أن تنضم إلى المحور القائم أساسا والمتمثل بالتحالف الدولي والذي سبق موسكو إلى هذه المهمة منذ أكثر من سنة؟ ولماذا لا يتم التنسيق مع دول متضررة مباشرة من «داعش» بدلا من أن يتم التنسيق مع دول أو أنظمة هي السبب الرئيسي في ولادة «داعش» كنظام الأسد وإيران.
على كل حال، من الصعب جدا القول إن الحشد العسكري الروسي في سوريا جاء مفاجئا بالنسبة لإدارة أوباما، لأن هذه الإدارة بالتحديد تروج رسميا منذ عدة أشهر خلف الأبواب المغلقة لدور جديد لموسكو في سوريا، وأنه لا يمكن حل الملف السوري من دون أن يكون هناك دور فعال وأساسي لموسكو، بل إنها شرعت في تهيئة توليفات وأطروحات سياسية لا تتماشى مع أهداف الثورة السورية مطلقا وذلك لإرضاء موسكو فقط وضمان بقاء مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية في سوريا مع الأمل بأن يؤدي ذلك إلى تغيير موقفها من الأسد.
ربما تفاجأت إدارة أوباما بحجم وسرعة الحشد العسكري الروسي في سوريا بحيث إنها لم تكن قد استعدت سياسيا للتعامل مع مثل هذا الأمر وكيف من الممكن له أن ينعكس على الطرح الأميركي الداعي إلى إعطاء روسيا دور أكبر في سوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، منذ متى أصابت إدارة الرئيس أوباما في صحة تقدير أي شيء في الشرق الأوسط؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق