لماذا اغتال الاحتلال "أبو عبيدة"؟ قصة صوت غزة!
مولاي إسماعيل العلويإعلامي مهتم بالشؤون الثقافية والسياسية
الشهيد "أبو عبيدة".. بعد عام من الطوفان، كنت قد توجهت إليك برسالة مفتوحة عبر هذا المنبر، وكان حينها طوفان من الأسئلة يتلاطم في أذهان الملايين من المتابعين الذين كانوا ينتظرون ويترقبون ظهورك في أي لحظة، لعلك تبدد بعض الغموض في قلوب المترددين، وتزيل الغشاوة، وترسخ الرواية، وتكشف ضلال كثير من المندسين والملتحين!
في الوقت الذي كان فيه رجال المقاومة ينحتون الصخر بأيديهم، ويطورون قدراتهم لمواجهة عدو لا يرحم، كنت أنت الصوت، وأنت الرمز، وأنت الأيقونة؛ فبقدر ما كان صوتك يرهب الاحتلال ويغيظ الكثير من المهرولين، كان ذاك الصوت الجهوري بردا وسلاما على جمهور المقاومة والأمة.
لقد تدرجت فعلا في الارتقاء، فبعد أن اختارك إخوتك ناطقا عسكريا باسم كتائب القسام، مُنحت لقب "صوت غزة" عن جدارة واستحقاق، فكنت بحق صوت غزة الصامدة أمام محرقة العدو وجرائم الإبادة الجماعية؛ إذ انتشرت خطاباتك في الآفاق، ووصل وجهك الملثم عنان السماء. ولم تكتفِ حينها بلقب "صوت غزة"، بل منحتك الأمة المتشوقة للأبطال لقب "الناطق باسم الأمة".
علمتنا غزة أنها بعد كل شهيد يغتاله الأعداء يأتي من هو أشد عليهم، وهذه سنة الحياة؛ فالمعركة ما زالت مستمرة، يرتقي شهيد فيروي بدمائه الزكية جيلا من المقاومين الأشداء
وها هو زمن الانتظار قد نفد، وتبخر الصوت مع الجسد الطاهر، بحكم حجم القنابل التي نزلت حجرتك بحي الرمال، حيث كنت هناك رفقة زوجتك وأبنائك. تبخر الجسد في لحظة غدر، كما هو حال الجبناء المعتمدين على خونة من العملاء!
أهكذا تغادر يا "أبو عبيدة" في هذه الظروف العصيبة؟ من هذا الصوت القادر على زرع الثقة والصمود إلى آخر قطرة من الدماء؟ هل سئمت من هذه الدنيا بهذه السرعة، وتركت رفاق الدرب الأحياء؟ وتراك، يا "أبو عبيدة"، اشتقت لـ"أبو العبد" هناك، فسارعت الخطى للحاق بالشهداء.
في نهاية كل خطاب كنت تقول: "وإنه لجهاد نصر أو استشهاد"، ولعل الشوق للشهادة كان الغالب على شهود احتفالات النصر وزوال الاحتلال. هنيئا لكم الشهادة هناك، وما على الأمة إلا أن تتقبل حقيقة استشهادك، وتستقبل العزاء، ولْيعنْها الرب على ألم الفراق.
علمتنا غزة أنها بعد كل شهيد يغتاله الأعداء يأتي من هو أشد عليهم، وهذه سنة الحياة؛ فالمعركة ما زالت مستمرة، يرتقي شهيد فيروي بدمائه الزكية جيلا من المقاومين الأشداء. وبعدما كنا ننتظر ظهور "أبو عبيدة"، سننتظر الآن ظهور الناطق الجديد.
فسعيا وراء صورة النصر، ووهم "النصر المطلق" الذي يطارده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، كان "الجيش الذي لا يقهر" يبحث عن "صيد ثمين" لعله يخفي به إخفاقه العسكري، فكنت ضمن لائحة المستهدفين في نومك لا في الميدان.
فكلما عجز أمام جناحكم المسلح، راح يستهدف الجناح السياسي في مقراته السياسية أو في غرف النوم؛ فقد كان استهدافك، يا "أبو عبيدة"، ووصولهم إليك، سيضاف اسمك الآن ضمن إنجازات "إسرائيل"، وستدخل سجل "بطولات الغدر نوما لا مواجهة".
لا يخفى عليك، يا "أبو عبيدة"، أن مؤسس جهازكم العسكري صلاح شحادة وضع على رأس قائمة الاغتيالات؛ إذ اختار شارون طائرة "إف-16" لتلقي قنبلة تزن طنا على غرفة الشيخ صلاح شحادة وزوجته
فالجيش الذي تهشمت هيبته، ولم يستطع تحرير أسراه بالقوة في بقعة جغرافية محاصرة من كل الجهات، وبمساعدة مخابرات العالم، لم يجد أمامه، ليشعر بالإنجاز، إلا قصف المخابز والمستشفيات والأبراج ومراكز الإيواء، وتجويع السكان وحرمانهم من كل مقومات الحياة.
ويبحث عن أي أثر لك أو للقيادة المتبقية، وكلما كنتم بعيدين عن الأنفاق والميدان، ووصلت المعلومة بأن أحدكم في غرفة نومه، فتلك هي الفرصة الذهبية التي ينتظرها "الجيش الذي لا يقهر".
وبما أن جنود الاحتلال لا يتقنون المواجهة والقتال، فإنهم يتفننون في القتل بإبادة المدنيين وممارسة الاغتيال؛ فلكي يشهر نتنياهو "بطولته"، فإنه لا "يحارب" إلا المدنيين، أما جيشه ومخابراته فيرصدون فقط من هو نائم أو عاجز عن الرد!
ولا يخفى عليك، يا "أبو عبيدة"، أن مؤسس جهازكم العسكري صلاح شحادة وضع على رأس قائمة الاغتيالات؛ إذ اختار شارون طائرة "إف-16" لتلقي قنبلة تزن طنا على غرفة الشيخ صلاح شحادة وزوجته، فتحولت أجساد الشهداء، الذين كانوا نياما، إلى أشلاء ممزقة، بينهم ثمانية أطفال، وإصابة أكثر من 150 آخرين.
فاحتفل فريق الاغتيال بنجاح العملية، وكررها بعد عدة شهور، حيث استهدفت مروحيات الأباتشي الشيخ المقعد أحمد ياسين بثلاثة صواريخ، وهو خارج من المسجد على كرسيه، فجر 22 مارس/آذار 2004، لتسجل "إسرائيل" إنجازا جديدا يدخل سجلها الإجرامي المتواصل.
وما أن تسلم نتنياهو ولايته الثانية حتى قرر استعادة "بطولات غرف النوم"، وذلك باغتيال محمود المبحوح، أحد كبار نشطاء حماس، وكان الهدف اغتياله بطريقة سرية، وأن تظهر الوفاة عادية في غرفة نومه، لكن العالم كله تابع العملية السرية على شاشة التلفاز؛ إذ وثقت الكاميرات كل حركاتهم، وأعلنت شرطة دبي حينها اكتشاف 33 عنصرا من المتورطين في جريمة الاغتيال بجوازات سفر أوروبية من ألمانيا وبريطانيا وأيرلندا وفرنسا، إضافة إلى جوازات إسرائيلية، فكانت فضيحة مدوية!
كنت تقوم بدورك في الحرب النفسية، ولا تملك إلا صوتك الصادق، فقرر إسكات صوتك بالقنبلة الذكية لأنه جبان. نم قرير العين، يا "أبو عبيدة"، فلم يواجهك عدوك في الميدان، بل واجهك ليلا أعزلَ والناس نيام
وفي ولايته الحالية، وبعد فشله الذريع في تحقيق "النصر المطلق" على حماس ومحور المقاومة، قرر اغتيال نصر الله ليحظى بصورة نصر مزعوم؛ فتحقيق النصر بالاغتيال أسهل لديه من المواجهة والقتال.
ولكي يضمنوا نجاح العملية بنسبة 99%، تقرر تزويد 14 طائرة مقاتلة بالذخيرة الثقيلة، وتم إلقاء 80 طنا من المتفجرات على رأس نصر الله، واستمر القصف عدة أيام لمنع قوات الإنقاذ والطوارئ اللبنانية من القيام بنشاطها، إذ يجب "ألا يبقى أحد على قيد الحياة".
ويبدو أن مقاتليكم في غزة قد أفقدوا "إسرائيل" صوابها، فلما عجزت عن مواجهة كتائبكم، أرسلت أسراب الطائرات الحربية لاغتيال الوفد المفاوض في بلد الوساطة الآمن، لتضيف إلى سجل "انتصاراتها" المدوية فضيحة جديدة!
نم قرير العين، يا "أبو عبيدة"؛ فقد كنت تواجه العدو بصوتك فقط، وواجهك هو بالقنابل الثقيلة. أنت كنت تقوم بدورك في الحرب النفسية، ولا تملك إلا صوتك الصادق، فقرر إسكات صوتك بالقنبلة الذكية لأنه جبان. نم قرير العين، يا "أبو عبيدة"، فلم يواجهك عدوك في الميدان، بل واجهك ليلا أعزلَ والناس نيام
رسالة مفتوحة إلى الناطق العسكري أبو عبيدة
7/10/2024

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق