الخميس، 19 سبتمبر 2013

إيران وصفقاتها بعد كيماوي سوريا


إيران وصفقاتها بعد كيماوي سوريا

ياسر الزعاترة
لا يحتاج المرء إلى بذل جهد كبير في البحث والتدقيق؛ كي يدرك ماهية ذلك التغير في الخطاب الإيراني منذ استلام روحاني لمهماته كرئيس لإيران، فالأمر يبدو واضحا لكل ذي عين، لكن ما ينبغي التذكير به قبل الخوض في ماهية التغير وتأثيره على إيران وعموم المنطقة، هو أن روحاني لم يأت رغم أنف القيادة المحافظة لإيران، وفي مقدمتها المرشد، ولو كانوا يريدون إقصاءه لفعلوا كما فعلوا مع سواه.
لقد كان روحاني حاجة ماسّة للنظام، وكان اصطفافه في منطقة وسطى بين الإصلاحيين والمحافظين بمثابة ميزة جعلته مفضلا من المرشد، فهو يحقق المطلوب خلال المرحلة المقبلة من جهة، وهو إلى ذلك يحظى بدعم الإصلاحيين ويجنب البلاد إشكالات داخلية كانت المخاوف منها كبيرة قبل الانتخابات.
جاء روحاني في ظل مشكلتين كبيرتين تعاني منهما إيران، تتمثل الأولى في تداعيات العقوبات التي فُرضت بسبب المشروع النووي، أعني تداعياتها الداخلية على الوضع الاقتصادي، وتذمر الناس الذين لم يقتنعوا يوما بجدوى المشروع، ولا بمجمل التدخلات الخارجية الإيرانية المكلفة ماليا، ويريدون أن يستمتعوا بثروات بلادهم بشكل أفضل.
 أما المشكلة الثانية، فتتمثل في خوف القيادة الإيرانية من تغيير في سوريا يؤدي إلى تداعيات على لبنان والعراق، بما ينطوي على تضييع للجهد الكبير، والإنجاز المهم الذي تحقق لها في المنطقة.
على هذه الخلفية يأتي رسم الإستراتيجية الجديدة للتحرك السياسي الإيراني الذي سيقوده روحاني خلال المرحلة المقبلة، من دون أن يخرج زمام الأمر من يد المرشد، صاحبة الولاية الفعلية على السياسة الخارجية.
من المؤكد أن ساسة إيران قد تنفسوا الصعداء بعد ما جرى فيما خصّ صفقة الكيماوي السوري، هم الذين كانوا في حيرة حقيقية فيما يتصل بالتعاطي مع الضربة لو تمت، ذلك أن ردا من قبلهم، وإن بشكل غير مباشر كان سيعني مزيدا من التصعيد مع الغرب، فيما تهدد الضربة بتغيير ميزان القوى في سوريا على نحو قد يهدد وجود النظام، وما ينطوي عليه ذلك من تداعيات لاحقة على العراق ولبنان.
بعد صفقة الكيماوي صار بوسع إيران أن تستشعر إمكانية تطوير الصفقة التي تمت على نحو يحقق جملة من الأهداف، في مقدمتها دون شك تأكيد بقاء النظام في سوريا، ومن ثم التوصل إلى صفقة تخص النووي وتخلص إيران من العقوبات الدولية.
خلاصة الصفقة كما يفكر فيها الإيرانيون كما يبدو هي مقايضة بقاء نظام بشار الأسد بالتنازل عن المشروع النووي في شقه العسكري (لافروف قال إن طهران تقبل وقف التخصيب فوق 20 في المئة الذي يسمح بصنع سلاح نووي)، وهي صفقة تناسب طهران، إذ تجنبها تداعيات تغيير في سوريا على منجزاتها في لبنان والعراق، فيما تمنح الصهاينة بعد تخلصهم من كيماوي سوريا، فرصة التخلص من نووي إيران، في ذات الوقت الذي تبقي لهم بشار ضعيفا منهكا لا يشكل أي تهديد لهم، وذلك بدل الوقوع في أسر بدائل لا يمكن الجزم بهويتها ولا بسياستها، فضلا عن وقوع البلد أسير الفوضى التي تؤثر سلبا على أمن كيانهم.
ويبدو أن هذه الصفقة تبدو مناسبة أيضا لروسيا، إذ تحافظ لها على النظام السوري من جهة، وتؤكد هيبتها الدولية من جهة أخرى، في ذات الوقت الذي تكسب فيه مزيدا من القوة في علاقتها بالكيان الصهيوني.
 على هذه الخلفية جاء خطاب روحاني لبوتين خلال زيارته لروسيا واضحا في طلب الصفقة، إذ طلب إليه التدخل في التفاوض مع الغرب بشأن النووي قائلا: “في ما يتعلق بالمشكلة النووية الإيرانية، نريد حلا في أقرب وقت ممكن في إطار المعايير الدولية”، مضيفا “في السابق قامت روسيا بخطوات مهمة على هذا الصعيد، والوقت الحالي يمثل أفضل فرصة لتقوموا من جانبكم بخطوات جديدة”، وهي الزيارة التي تزامنت مع رسائل لأوباما كشف عنها الأخير، فيما لم يكشف مضمونها الذي لا يبتعد على الأرجح عما ذكرناه آنفا.
قبل هذه الخطوات المتوقعة كان روحاني قد دشَّن دبلوماسية غزل مع اليهود (كل اليهود) في العالم حين هنأهم بسنتهم العبرية الجديدة، وكذلك فعل وزير خارجيته مؤكدا على اعتراف بلاده بالمذبحة النازية، وهي دبلوماسية لم تجد اعتراضا من قبل المرشد،بل أطلق عليها “المرونة الشجاعة”، ما يعني أن المرحلة القادمة تبدو مهيأة للصفقة التي تحدثنا عنها ممثلة في النووي مقابل رفع العقوبات وبقاء بشار.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل إن قرار بقاء بشار هو بيد الغرب وروسيا حقا، أم أن هناك عوامل وقوىً فاعلة أخرى؟ سؤال يبدو أن طهران قد حسمت إجابتة في اتجاه حشر التأثير في البعد الأول، لكن ذلك ليس صحيحا بحال، ذلك أن الثوار، وبعض داعميهم لن يقبلوا ذلك، ما يعني تواصل استنزاف إيران في سوريا، وصولا إلى تغيير لا بد منه مهما طال أمد الحرب.
لو قدمت إيران لجيرانها العرب، وللشعوب العربية موقفا مختلفا من سوريا لكان ذلك خيرا لها في حاضرها ومستقبلها، لكنها الغطرسة التي جعلتها في عزلة عن الأمة، تستجدي صفقة مع الغرب والصهاينة (الذين تدعي محاربتهم) من أجل الحفاظ على بعض مكتسباتها في المنطقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق