الثلاثاء، 26 مارس 2013

سورية.. ومخاوف الانقسام

أفكار.. وأضواء 

 سورية.. ومخاوف الانقسام





بقدر ما كانت دولة رئيسة وقيادية في المنطقة فإن تشرذمها قد يكون كارثة أخطر بكثير مما نرى اليوم
تحولت الانتفاضة بسبب فظائع النظام إلى حرب طاحنة متوحشة لا يمكن لأي طرف فيها أن ينتصر


هل ستنقسم سورية تحت ضغط هذا الصراع الدامي والقمع المتواصل، أم ستحافظ على كيانها مهما اشتدت التحديات؟ وهل سيجد السوريون ما يجمعهم ثانية بعد ان برزت المخاوف الطائفية والاثنية، وتفرقت الاحياء والحواري، وسادت المجتمع السوري المخاوف والاختلافات من كل نوع؟

فقَدَ الرئيس بشار الاسد كل امل في تحقيق النصر ضد الثوار، وتحولت الانتفاضة السورية بسبب فظائع النظام الى حرب طاحنة متوحشة لا يمكن لأي طرف فيها ان ينتصر كما يتمنى، ويرى المراقبون ان البلاد قد تواصل انحدارها «نحو المزيد من العنف، ما لم تتبدل المصالح الدولية وتتدخل الدول الاجنبية».
 (الجريدة، 2013/1/25).

ثمة مآس اخرى قادمة في المدن السورية. فقد سقطت هيبة السلطة، وراح قتلة النظام يطاردون القادة المدنيين وعناصر النخبة ويتخلصون منها. وهكذا حل محلها مع تراجع السلطة أو هروبها، خليط من أسياد الحرب والميليشيات، شبيهة بما نراه في الصومال، فسيطر هذا الخليط الجديد على المناطق التي تركتها قوات النظام.


 وبقدر ما كانت سورية دولة رئيسية وقيادية في المنطقة فإن تشرذمها قد يكون كارثة اخطر بكثير مما نرى اليوم من تأثير احداثها وثورتها على جوارها. ففي العراق اضطراب واضح من النزوح السوري الى الشمال والوسط.

وفي الاردن بات النظام مهددا من ازمة اللاجئين وتصاعد جرأة المعارضة الداخلية التي عزز نفوذها هذا النزوح.

 وفي لبنان، كما هو متوقع، انضم الكثير من المقاتلين اللبنانيين الى طرفي النزاع في سورية. ولهذا يرى المتشائمون «ان سورية ستتحول لا محالة الى دولة صومالية اخرى».

لا يستطيع الكثير من السوريين البقاء اليوم في مدنهم وقراهم بسبب الحرب والتهديد والدمار. و«عندما يتمكن اللاجئ السوري الفقير أو المعدم من اختيار وجهته فهو يذهب الى تركيا أو مصر، لكنه لا يذهب الى الاردن أو لبنان أو العراق، باستثناء كردستانها، على رغم اواصر القربى البشرية والجغرافية مع الدول الثلاث الاخيرة. بل من المؤكد ان اواصر القربى البشرية هي بالذات التي تفاقم وضعه المزري في الدول الثلاث، وتجعله في موقع من يهدد استقرارها».


 ويضيف الكاتب السوري «عمر قدور» في المقال نفسه، الحياة 2013/1/31، «ان النازحين السوريين يعيشون ظروفا بالغة السوء في دول الجوار العربي المباشر، يتجسد ذلك اما في طريقة الايواء، أو في ممارسة العنصرية والعنف اللفظي علانية تجاهه».

الكثير من شرر الثورة السورية ونار حربها ينهمر على ايران كذلك، والتي يحذر قادتها من انه «لا يمكن الاحتفاظ بطهران اذا خسروا سورية»! ومن عبر التاريخ وتداول الدول تحول سورية، ذات الدور السياسي الاساسي في ساحات فلسطين ولبنان والعراق وتركيا والاردن، لتصبح اليوم، «ساحة لكل من يبحث عن دور»، كما يقول الكاتب جورج سمعان.

وهل بإمكان ايران، يضيف الكاتب، «ان تتعامى عن صورة الاصطفاف السُّني حول سورية، من العراق الى لبنان فالاردن وتركيا، ناهيك عن مجلس التعاون الخليجي ودول «الربيع الاخواني»؟ انه اصطفاف يهدد بغياب «الهلال الشيعي» كما سماه عدد من القادة العرب. ولن تنفعها محاولات الهرب الى الامام. فالتحرك السني من طرابلس الى بغداد ينذر بتسعير الصراع السني – الشيعي في الاقليم كله، ولا ضمان في ان تخرج الجمهورية الاسلامية منتصرة».

(الحياة، 2013/2/25).

ويتهم عبدالوهاب بدرخان ايران بأن الاولوية لديها البقاء في سورية، أكان ذلك عبر سيطرة كاملة للنظام على كل سورية أو على جزء منها، و«لم يبق لإيران من هذا النظام السوري سوى بعده المذهبي، وهذا سبب كاف لأن تعلن ان أي اعتداء عليه بمثابة اعتداء عليها». (الحياة، 2013/1/31).

ولكن مستقبل سورية قد يكون اعقد من ان تتفتت الى دويلات، ومن التقارير ما يرجح «ان تسقط سورية فريسة لأمراء الحرب والاسلاميين ورجال العصابات، وتتحول بذلك كما ذكرنا الى صومال جديدة تتآكل في قلب المشرق.

«واذا ما حدث هذا، سيهلك الملايين من ابناء الشعب. كما ان تمزق سورية من شأنه ان يعزِّز «الجهاد» الاسلامي، ويذكي لهيب الصراعات في الشرق الاوسط».
 ولكن حتى لو لم يتمكن الاسد من السيطرة على البلاد، يضيف التقرير، الا انه يستطيع الاستمرار لوقت ما بفضل استمرار تأييد بعض طائفته وخوف السوريين مما قد يحدث لاحقا، وهو لايزال يقود حوالي خمسين الفا من الجنود الموالين له والمسلحين جيدا.. الى جانب التأييد الخارجي. و«اذا كان الاسد لا يستطيع على الرغم من هذا كسب الحرب، فإن خسارته فيها لا تزال بعيدة ايضا».
 («الوطن»، 2013/2/24).

ويناقش الكاتب السوري المعروف «فايز سارة» قضية تقسيم سورية تاريخيا وسياسيا، فيقول: «يتردد كلام متعدد المصادر والمستويات عن تقسيم سورية، فتتحول الى كيانات احدها قومي وآخر ديني وغيره طائفي، وقد يكون هناك كيان اقليمي. والكلام عن تقسيم سورية له ارث موصول في تاريخ البلاد، وله حضور في الافكار السياسية المطروحة حول مستقبل سورية والمنطقة. ففي الحالة الاولى حاول الانتداب الفرنسي على سورية تقسيم البلاد الى خمسة كيانات في العشرينيات لكنه تراجع، واضطر الانتداب في النهاية الى الابقاء على كيان سوري موحد». ويستبعد الكاتب انقسام سورية ويقول ان هناك ما يمنع تفتت البلاد. «ففي الداخل السوري ثمة فئات واسعة تمانع التقسيم، ليس بفعل ثقافتها وارثها السياسي، انما ايضا بفعل وعيها للمصلحة المشتركة للسوريين.

وفي الخارج الاقليمي والدولي ثمة قوى واطراف تمانع بصورة جدية عملية تقسيم سورية». والسبب في هذا المنع خطر انقسام سورية على تركيبة بعض دول الجوار ومكوناتها، «حيث يوجد اكراد وسنة وعلويون في تركيا، واكراد وسنة وشيعة في العراق، وسنة في الاردن، ثم سنة وعلويون ومسيحيون في لبنان، الامر الذي يعني، ان احدا لا يستطيع منع تلك الامتدادات من التفاعل مع فكرة التقسيم». ويرى الكاتب ان الدول الكبرى كذلك تمانع في اغلبها تقسيم سورية لما سيخلق من مشاكل وصعوبات» (الحياة 2013/2/14).

والمعروف، كما تشرح الموسوعة العربية الميسرة، ان فرنسا قامت بعد احتلال سورية اثر معركة ميلسون عام 1920، الى تقسيمها لخمس دويلات:
الاولى، لبنان الكبير الذي ألّفته من متصرفية جبل لبنان واضافت اليه البقاع وطرابلس وصيدا وصور وبيروت.

والثانية دويلة دمشق، والثالثة دويلة حلب، والرابعة دويلة جبل الدروز، واخيرا دويلة العلويين في اللاذقية وضواحيها.

وفي مطلع 1925 انشأت فرنسا «دولة سورية» من دولتي دمشق وحلب، واحتفظت باستقلال محلي كامل لحكومة العلويين باللاذقية وحكومة جبل الدروز في السويداء، وعينت لكل من هاتين الحكومتين حاكما فرنسيا.
 واما الجمهورية السورية فقد كان تأسيسها عام 1933، بعد اعلان الدستور الذي وضعته الجمعية التأسيسية واصدره المفوض السامي بقرار منه، بعد ان حذف بعض المواد وعدّل بعضها الآخر، واضاف اليه مادة تحفظ لفرنسا سلطتها المستمدة من صك الانتداب.
اما الجمهورية التي تعد بداية للاستقلال فهي التي اقيمت سنة 1943، وانتخب لرياستها شكري القوتلي.

وتقول موسوعة عن الشرق الاوسط ان ضعف القيادة كان مشكلة سورية بعد الاستقلال. اذ سرعان ما تفككت «الكتلة الوطنية» القوة الرئيسية التي قادت البلاد نحو الاستقلال. والتف قادة حلب ونخبتها حول «حزب الشعب»، الذي دخل في صراع مع الزعامة الدمشقية والكتلة الوطنية، كما برزت بين السوريين الخلافات المناطقية والعشائرية. 


ففي انتخابات 1947 لم يحقق أي حزب أو مرشح فوزا ساحقا، كما ناصر العديد من الفائزين المصالح القبلية والعشائرية، وبرزت قضايا مصيرية مثل:
 هل ينبغي لسورية ان تواصل المسيرة كدولة مستقلة، أم ينبغي عليها الاتحاد مع جاراتها العربية، وبخاصة الدولتين الهاشميتين الاردن والعراق؟
 وكانت حلب بقيادتها ومصالحها وعلاقاتها التجارية تناصر مثل هذه الوحدة، بينما كانت دمشق تعارض بمختلف حكوماتها هذه «المخططات الهاشمية» الوحدوية، تؤيدها في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية ولبنان.

(The Continuum Political Encyclopedia of The Middle East, Avraham Sela, ed. New York, 2002)
ومن المصطلحات التي راجت خلال هذه الفترة «سورية الكبرى» حيث برزت ثلاثة مفاهيم في ظله:

مشروع الحزب السوري القومي الذي يشمل كل منطقة الهلال الخصيب اضافة الى قبرص، ويمتد من جبال طوروس التركية في الشمال، الى قناة السويس والبحر الاحمر في الغرب، ويضم كل دول الشام والعراق. وقد قام الحزب بانقلاب فاشل في لبنان حيث اعدم زعيمه «انطون سعادة» عام 1949.

والثاني من مشاريع سورية الكبرى
مشروع الملك عبدالله ملك الاردن، ويقتصر على بلاد الشام الاربعة سورية والاردن ولبنان وفلسطين، وقال في تصريح له: «ان سياستي واضحة، انني اريد دولة تضم سورية والاردن وفلسطين ولبنان». وقد ظلت سورية الكبرى حلم الملك عبدالله وهدف وجوده الى يوم اغتياله عام 1951.
وكان لفرنسا مشروع مماثل يضم، كما يقول الأب هنري لامانس اليسوعي عام 1920، «سورية الطبيعية بكل فسيفسائها الطائفية والمذهبية والعنصرية وبكل اقلياتها الاجتماعية».

ويضيف «معجم الشرق الاوسط» لسعد سعدي، بيروت 1998، «قاومت كل من مصر والسعودية هذا المشروع لمحاولة مصر زعامة العالم العربي، ومعاداة الاسرة السعودية للأسرة الهاشمية.

 وقد اعتبر الملك عبدالله انشاء الجامعة العربية محاولة من مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر، لافشال مشروع سورية الكبرى تحت عرشه..
وفي سورية قاومه الرئيس شكري القوتلي وايده فارس الخوري رئيس الوزراء واكرم الحوراني رئيس الحزب العربي.. اما عن الموقف الدولي من المشروع، فقد كان لبريطانيا دور فاعل واساسي فيه، فإن بريطانيا كان يهمها جدا اقامة سورية الكبرى تحت لوائها ولواء الملك عبدالله من اجل ايجاد مخرج للازمة الصهيونية».
ويعارض د.برهان غليون، الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، ما يُروج له البعض حول مصير سورية في الثورة الحالية واحتمال تأثير زوال النظام على وحدة البلاد، ويقول ان هذه الوحدة ليست قائمة على القوة والاجبار. «فسورية الحديثة لها تاريخ طويل بدءاً منذ القرن التاسع عشر، امتزجت فيه الثقافات والمجموعات البشرية المحلية، وكونت جماعة وطنية ومشاعر مشتركة. كما قامت سورية انطلاقا من كتلة بشرية لم تدخل الطائفية في قاموسها الوطني الا في عصر النظام القائم». (الشرق الاوسط، 2013/2/20). وقد يكون هذا كله صحيحا.. ولكن لماذا تتعرض بلدان العالم العربي للتفكك الداخلي والانقسام.. عندما تطالب شعوبها بالديموقراطية؟ هل من يدرس بعمق اسرار هذه الهشاشة؟
خليل علي حيدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق