الاثنين، 18 مارس 2013

الأجندة السرية لاتفاقيات المرأة


الأجندة السرية لاتفاقيات المرأة
 شريف عبد العزيز

مجددا اندلع الخلاف داخل أروقة الأمم المتحدة ، على خلفية توقيع الاتفاقية الدولية للقضاء على العنف ضد المرأة ، بسبب بنودها المثيرة للجدل ، والتي رفضتها العديد من الدول المسلمة مثل السعودية ومصر وقطر وإيران والسودان وليبيا ، كما رفضتها عدة دول أجنبية مثل روسيا وهندوراس ، ورفضتها الهيئات الدينية الكبرى مثل الأزهر الشريف والفاتيكان ، ثم ما لبث أن انتقل الخلاف ولكن بصورة أشد على المستوى الداخلي لبعض الدول مثل مصر ، التي شهدت تراشقا خشنا بين الأزهر الشريف والأحزاب والجماعات الإسلامية من جهة ، وبين المنظمات النسوية ، والحركات التحررية ، والأحزاب الليبرالية ، والنوادي الماسونية من جهة أخرى ، حتى وصل لدرجة إعلان الأزهر الشريف وهو أعلى مرجعية شرعية في مصر والعالم الإسلامي عن نيته إصدار وثيقة مضادة لوثيقة الأمم المتحدة ، والتنديد بميرفت التلاوي رئيسة المجلس القومي للمرأة ، وممثلة مصر في التوقيع على هذه الاتفاقية ، ووصفها صراحة بأنها تعادي الإسلام ، بسبب مسارعتها بالتوقيع على الاتفاقية ، دون اعتبار للإعتراضات المصرية ، بل وقيامها بالتنديد بموقف الرافضين في كلمة علانية ألقتها بالأمم المتحدة ،وصفق لها طويلا كل كاره ومبغض للإسلام والمسلمين ، وخاصة النظام المصري الجديد .
فلماذا كل هذه الضجة حول اتفاقية القضاء على العنف ضد المرأة ؟
نحن لسنا في حاجة لمناقشة بنود هذه الاتفاقية من الناحية الشرعية ، فهذه مهمة العلماء والفقهاء ، لكن سوف نحاول معرفة الأجندة الحقيقية لهذه الاتفاقية وأخواتها ، وذلك بالنظر في السياق السياسي والتاريخي التي وردت فيه ، ووضعت من أجله ، فهذه الاتفاقية ما هي إلا صورة من صور التفعيل للاتفاقيات التآمرية للعالم الغربي من أجل خلخلة وتغريب المجتمعات العربية والمسلمة ، بتعديل وضع  وشكل وأداء المرأة داخل المجتمعات ، وذلك باستحداث مفاهيم وحقوق وواجبات لم تعرفها المجتمعات المسلمة من قبل ، هذه الحقوق والمبادئ الجديدة مجسدة في صكوك دولية ملزمة لكل من وقع عليها ، منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( السيداو ) ، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية ، وحتى تدخل هذه الاتفاقيات حيز التنفيذ الفعلي عقدت عدة مؤتمرات دولية للمرأة والطفل بدء بمؤتمر مكسيكو سنة 1975 الذي أطلق عليه عام المرأة ، ثم مؤتمر كوبنهاجن سنة 1979 ، ثم مؤتمر بكين ومؤتمر القاهرة ،وغيرها من المؤتمرات التي استهدفت إلزام العالم الإسلامي بهذه الاتفاقيات الثورية .
ومن أجل التسويق لهذه الاتفاقيات ، والوصول بالمجتمعات الإسلامية لدرجة الغياب اللازمة لتمرير هذه الاتفاقيات ، اتخذ الغرب عدة خطوات أخذت وتيرتها في الارتفاع منذ سنة 2000 ، منها : عقد مؤتمرات قمة للمرأة على مستوى قرينات رؤساء الدول وملوكها ، فأقيمت قمتان : الأولى بالقاهرة في مصر ، لكون مصر أول من وقع على اتفاقية ( السيداو) ، والثانية في عمان بالأردن صاحبة التاريخ الطويل والمتجذر في الصداقة القوية مع الغرب ، وكان دور هذه القمم ترويجي وتنسيقي في المقام الأول ، ومنها إنشاء مؤسسات خاصة بشئون المرأة على أعلى مستوى ، مثل المجلس القومي للمرأة بمصر ، والمجلس الأعلى لشئون المرأة في البحرين وقطر ، ومنها زيادة نشاط المؤسسات غير الحكومية سواء كانت داخلية أو أجنبية ، وتفعيل دورها بصورة غير مسبوقة ، وتسهيل عملها ، وفتح نوافذ التعبير والظهور المتكرر والدوري في وسائل الإعلام ، لضمان التواصل والتأثير في الجماهير ، وإثارة قضايا بعينها بغرض التشويه والتحريض ، مثل قضية الختان ، والزواج المبكر ، والتعليم ، ومنها إصدار حزمة من التشريعات والقوانين الموافقة لطلبات وأوامر الاتفاقيات الدولية ، والتي تستهدف إجبار الناس على قبول البنود المثيرة في هذه الاتفاقيات ، مثل تجريم الختان ، ورفع سن الزواج ، والخلع وغيرها .
كان الهدف المعلن لهذه الاتفاقيات هو رفع كافة أشكال التمييز ضد المرأة عموما والمسلمة خصوصا ، وبالطبع نحن لا نفترض أن الأمم المتحدة حريصة على مصالح المرأة المسلمة ، فالأمم المتحدة هي المسئولة مسئولية كبرى عما يقع في العالم الإسلامي من مجازر وانتهاكات يومية ، حيث تستباح الديار والأعراض والحرمات والممتلكات ، فلا يتصور من منظمة توفر غطاء يومي لقتل المسلمين واضطهادهم في العراق وفلسطين والصومال وغيرها من بلاد العالم ، أن تكون راعية لمصالح المرأة المسلمة ، لذلك كان من الضروري معرفة الأجندة السرية لمثل هذه الاتفاقيات ، والتي من أبرزها :
تقليص النمو السكاني للدول المسلمة ، فالنمو السكاني المتزايد للعالم الإسلامي ، أثار قلق الساسة الغربيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها عشرات الملايين بين قتيل وجريح ، فقد تنبهوا لخطورة تدني معدلات النمو السكاني في الغرب مقارنة بالعالم الإسلامي ، هذا غير أن أكثر من نصف سكان الدول الإسلامية تقل أعمارهم عن 25 سنة ، في حين تقل هذه النسبة في الغرب إلى 23 % فقط ، وقد أعد شيطان يهود أمريكا هنري كيسنجر دراسة سنة 1974 ، لم يكشف عنها إلا مؤخرا عن أحوال 13 دولة نامية منها ستة دول مسلمة وهي مصر ونيجريا وتركيا وبنجلاديش وباكستان واندونيسيا ، ذات كثافة سكانية ضخمة ولأمريكا بها مصالح سياسية وإستراتيجية ، ومن أجل تحقيق هذه المصالح لابد من تخفيض معدلات النمو السكاني لهذه الدول ، وذلك بأساليب كثيرة منها تشجيع خروج المرأة للعمل ، وإباحة الإجهاض ، ورفع سن الزواج ، وتنظيم حملات تحديد وتنظيم النسل ، وكلها بنود ومقررات الاتفاقيات موضع الجدل .
ومن أهدافها الخفية أيضا ، هدم الأسرة المسلمة بمعناها الطبيعي والمعروف ، باعتباره المدخل لتذويب المجتمعات المسلمة وتغريبها ، وذلك بتغيير شكل الأسرة وتفكيك أطرها الشرعية ، واستبدالها بأطر جديدة على الطراز الغربي المتحلل من القيم والأخلاق ، وبقراءة بنود اتفاقيات الأمم المتحدة بخصوص المرأة نجدها ثورة شاملة اجتماعية شاملة وجذرية تتمرد على الشكل الإسلامي والطبيعي للأسرة السوية ، على سبيل المثال تحقير دور الأمومة ، ووصفها بالنمطي والتقليدي ، إقحام المرأة في الأعمال الشاقة والبدنية والتي تؤثر سلبا على طبيعتها وتكوينها وخصوبتها ، الترويج للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج ، وإباحة الإجهاض باسم الصحة الإنجابية ، إلغاء خانة النوع في الوثائق والمحررات الرسمية ، واستبدالها بمصطلح " الجندر " ، لتمرير الشذوذ والانحرافات الأخلاقية 
ومن أهدافها أيضا إحداث فوضى أخلاقية واجتماعية بتبني مفاهيم ورؤية الغرب المتحلل ، مثل مفهوم الحركة الأنثوية الماركسية ، والتي تزعم أن اختلاف الرجل عن المرأة ناتج عن البيئة والتنشئة ، لا لاختلاف خصائصهم الفطرية ، وبالتالي فالعلاقة بينهما علاقة صراع تبادلي يحاول كل طرف فيها ـ وفق هذه الرؤية المشوهة ـ تحصيل الحقوق من الآخر بشتى الوسائل المتاحة ، ومن خلال هذه الرؤية ظهرت مصطلحات من عينة  " المجتمع الذكوري "، و"سيطرة الذكر" ، و" الاستبداد الذكوري "  ، مما سيؤدي حتما لفوضى اجتماعية وأخلاقية عارمة تختلط فيها الأدوار ، وتسمح للمرأة والرجل على حد السواء للاستغناء عن الآخر ، وقضاء وطره بأي سبيل ، مما يشيع أجواء الفواحش والمنكرات في مجتمعات لم تبقى صامدة حتى الآن إلا بسبب عفتها وتمسكها بعقيدتها ودينها .
والخلاصة أن هذه الاتفاقية الأخيرة وما سبقها من اتفاقيات مشابهة أو مماثلة ، ما هي إلا حلقة من حلقات تسيير دفة الصراع الحضاري والأممي بين العالم الإسلامي بكل ما يملكه من قيم ومبادئ ومثل وأخلاقيات مستمدة من الوحي والتجربة والتاريخ والممارسة ، وبين العالم الغربي بكل ما يحمله من خطط ومؤامرات تستهدف طمس هوية المجتمعات المسلمة وخلخلة بنيتها التحتية وأساس قوتها  ـ الأسرة ـ بالتركيز على الشق المفضل وهو المرأة باعتبارها المفتاح السحري لتغيير أي مجتمع من المجتمعات بالسلب أو بالإيجاب . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق