الجمعة، 15 مارس 2013

السنن الإلهية والمسـتقبـل




السنن الإلهية والمسـتقبـل
قـلـم الـتحـرير 
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّدوعلى آله وصحبه، وبعد:
فليس بغريب شغف الناس بالمستقبل وعلومه، بل هو مطلب لا يخالف فيه عاقل، وتزداد أهميته للأمم التي تنشد تغيير مواقعها المتأخرة، والتقدم نحو الموضع الطبيعي الذي أراده الله لها. وقد خالط علمَ المستقبل شيء من الخرافات والكهانات والتخرصات التي أخرجته عن الإطار العلمي وطوحت به بعيداً عن الحدود المقبولة. وإذا تجاوزنا هذه الآفات فإن علم استشراف المستقبل من العلوم التي ينبغي الالتفات لها ونفور عدد من المسلمين إليها تعلماً وتعليماً وإفادة؛ حتى لا يكون المستقبل صدمة لأمتنا!
ولأن علوم المستقبل غربية المنشأ وبعيدة عن الهدي الرباني، فقد اكتفى منظّروها بظاهر من الحياة الدنيا، وقصروا علمهم على المعطيات السياسية والاقتصادية والتقنية والسكانية والاجتماعية والصحية، وهذه المعطيات مفيدة وتعطي نتائج باهرة، إلا أنها تظل مبتوتة الصلة بقدر الله وآياته وسننه، وهي سنن ظاهرة للعيان في الكون والأفراد والأمم، وقد جاء الوحي الشريف ببعض قواعدها نصاً صريحاً لا يكاد يخالف فيه أحد معتبر من أهل العلم بالله وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ونحن لا نلوم الغرب الكافر على ابتعاده عن شيء ربما لم يعرفه ولم يحط به علماً، لكننا ننعى على بعض أبناء أمتنا الذين أعماهم السير في ركاب كل منتج غربي عن نشدان دلالاته الشرعية الواضحة من غير تعسف ولا ليٍّ لأعناق النصوص، ويزيد العتب على من ينتسبون للدعوة أو الفكر الإسلامي، فهذا المجال روضة خصبة لهم حين يجمعون بين علم الوحي الشريف ويفيدون مما توصل له العقل البشري في مجاله وحدود إمكاناته.
وإن غياب فقه هذه السنن يؤول بالمشتغلين بهذا العلم على وجه الخصوص إلى الفوضى الفكرية أحياناً، وربما يشطح بصاحبه في غياهب من الرأي الآفن، أو القول الفاسد، وربما إلى اليأس من استقامة الأمر أو زوال الغمة أو تبدل الأحوال.. ومن ثم فإن تدارس هذه السنن واستنباطها من مظانها في الوحي المقدس وما فتح الله به على السلف الصالح - رضوان الله عليهم، ومعرفة المنهج الصحيح في تطبيقاتها؛ تعين العالم والمفكر المسلم على الاتزان في مواقفه والرشاد في أحكامه المستقبلية.
ونحن مأمورون شرعاً بذلك، ولا مناص لنا من الإجابة طاعة لله ثم ابتغاء العبرة وحسن النظر، ففي التنزيل الحكيم يقول ربنا جل وعلا: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]، ويخبرنا القرآن الكريم في سياق حديثه عمّن مضى من أجيال وأقوام أن هلاك الأمم الماضية كان بسبب الانحراف عن منهج الله وتكذيب رسله والصدِّ عن أمره والتقصير في جنب الله، ولم يكن هذا الهلاك أبداً بسبب الضمور الحضاري والقصور العمراني والمستوى العسكري، فسنة الله في الأمم التي تحيد عما هديت له واضحة بيِّنة في تاريخنا، فقد حكم المسلمون العالم ولم يكونوا الأكثر عدداً ولا الأقوى عتاداً أو الأرفع في الحضارة المادية، بيد أنهم تميزوا بالسير وفق منهج الله يتلمّسون مرضاته في خاصة أمرهم وعامته، وحين نكصوا عن صراط الله قبعوا في ذيل الأمم ولم تنفعهم أموالهم ولا غيرها.
وسنن الله في الكون والأمم وجنس الإنسان تسير على ما أراد الله لها من نظام وتدبير، وقد جاء النص القرآني صريحاً بأنها لا تتبدل ولا تتحول، ولا تجامل أحداً ولا تحابي قوماً، ولا تتأثر بالأماني وإنما بالنوايا الصالحة والأعمال المتقنة، قال تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43]، وقال سبحانه: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [الإسراء: ٧٧]، وكم في القرآن والسنة من إشارة إلى حكم أو نتيجة ربطت بأعمال وأحوال بغض النظر عن فاعلها.
ومع تسارع وتيرة الأحداث، وتوالي المتغيرات، وحدوث المفاجأت أحياناً؛ يتطلع جل المسلمين دوماً لكلمة من علمائهم وأولي الرأي والحكمة فيهم، وهذا الارتباط الوثيق بين عامة الناس وعلماء الشريعة قمين بأن يكون سبيلاً لجمع الكلمة، وصدق التوجيه، فضلاً عن رد الناس إلى كتاب ربهم عز وجل وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ففي محكمات الوحي من القواعد والسنن الماضية ما يجلي الصورة، ويطمئن القلب، ويقود للعمل الصحيح بطريقة صحيحة في الوقت المناسب.
إنه لمن المناسب جداً إعادة قراءة تاريخنا المدون وفق السنن الإلهية، ليقف الناس على حقائق ثابتة تعينهم على التفكير وترشدهم في التحليل، فبأي شيء غُلبت دولة النبوة والخلافة الراشدة مع قلة ذات يدها وعددها وشظف عيش رجالاتها حكاماً ومحكومين؟ وأي شيء جلب السخط على دولة بني أمية أكثر من الظلم في الجانب المالي على وجه الخصوص الذي أذاب كثيراً من حسناتها؟ وكيف يحاط الخليفة العباسي الأخير بمكر كبّار ولا يشعر به ولا يلتفت للناصحين؟! بل وتدار الخمر في مجلسه وتتراقص القيان على صوت المعازف في ذات الوقت الذي تتساقط في مجلس (الخليفة) سهام المغول دون أن تهتز له شعرة، ليس من باب رباطة الجأش، وإنما لغفلته عن سنة ماضية إلى طريقها ماضية!
وفي مقابل التاريخ وأحداثه العظام تبرز حاجة ملحة لفهم الواقع وتفسيره، وهي مسألة اضطربت فيها الأفهام وظهرت بسببها المتناقضات، وتبلبلت أذهانٌ ما كان لها أن تعاني هذا التشتت لو أنها فقهت سنن ربها. وحريٌّ بعلمائنا وأساتيذ المستقبل أن ينشروا للناس السنن الإلهية الخاصة بالأفراد وتلك التي أرادها الله للأمة المسلمة أو للأمة الكافرة، حتى لا ينبهر واحد بتفوق الكفار الحضاري، ولا ينهزم ثانٍ مما يراه من خور وتردٍّ بالمسلمين، وحتى لا يحتج ثالث بكارثة طبيعية حلت بأرض مسلمة، ولا يتبجح رابع بأمر من قضاء الله وقدره أعجبه في أمة كافرة، وإنما هو إملاء أو استدراج أو تعجيل!
ومما يشار إليه في سياق الحديث عن سنن الله في الآفاق والأنفس والأمم، أننا نغفل عن تضمين دراسة هذه السنن في مناهجنا التربوية والتعليمية، فضلاً عن استيعابها واتخاذها ركيزة في التحليل والفهم وتدريب الناشئة والطلاب عليها، وما أجملها في السمع والعقل حين تكون لغة المفاهيم صحيحة وموحدة في أمة أو جيل، وأي أثر سيحدثه هذا الجيل القرآني الذي يتعلم القرآن ويعلمه ويعمل به ويتدبره ويتحرك بمقتضى فهمه ومعرفة ما فيه من سنن وعوائد لا تتخلف، فالتفكير السنني يضبط الأفكار ويحميها من الوهن ومن الأوهام، ويرسي أشرعتها المتلاطمة على أرض صلبة آمنة لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.
والإفادة من السنن الإلهية الواردة في القرآن أو الثابتة في السنة الشريفة، تعين الباحثين في الدراسات الإنسانية بمختلف فروعها، فليت أن أقسام الدراسات الإنسانية وكلياتها في جامعات المسلمين تعتني بمضامين هذه السنن وفقهها وتطبيقاتها إن في مناهجها الدراسية أو في رسائلها العلمية المسجلة لنيل الدرجات العالية، وكم سيكون في هذا الأمر من تجلية لهذه السنن وآثارها التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي ذلك رافد علمي وعملي متميز لأمتنا.
ولا يكاد ينصرم عام إلا وتصدر عن المراكز البحثية الغربية دراسات وكتب ومقالات تستشرف المستقبل أو ترسمه وفقاً لمعطيات موجودة أو متوقعة، ويكون لهذه المنتجات الفكرية أثر بيّن في توجيه السياسات الغربية في دول كبرى، وإذا انقادت السياسة لها فغيرها منقاد من باب أولى.
ونصيب أمتنا من هذه الدراسات لم يتزحزح عن موقع المفعول به؛ لأنها صدرت عن حضارة مغايرة وعن أناس بتوجهاتٍ بعضها معادية، ولا سبيل للخلاص من هذا الموقع المهين والانتقال لشرف الفاعل إلا من خلال القيام بدراسات علمية مستقبلية تعتمد على ما فقهناه ووعيناه من سنن الله في الكون والفرد والمجتمع والدول، بحيث تصدر عن مراكز بحثية إسلامية مرموقة، وتجد لها آذاناً صاغية من ساسة المسلمين ورموز العمل الدعوي والسياسي المنطلق من ثوابت شرعية. وإذا وفَّقنا الله لفعل ذلك سنجد أن علاج مشكلاتنا ليس أمراً عسيراً أو مستحيلاً، وستلوح لنا في الأفق المنظور ساحات جديدة ودروب للحركة والعطاء كانت غائبة عن ملاحظتنا، وستضمر أخطاءنا التي وقعنا فيها فيما مضى أو أصابت سابقينا.
وأخيراً: فإن دراسة هذه السنن وفقهها وحُسن تطبيقها على الواقع والمستقبل، يقطع دابر اليأس ويحول دون الهلع ويحمي سادة الناس وقادتهم من التخبط والانتقال السريع من حال إلى آخر، كما أن الإعداد لمقتضيات هذه السنن التي لا مناص من حدوثها أمر متعين حتى لا نقع في حرج ضيق الوقت أو تغير الحال، وقد يتعذر إصلاح وضع قائم تمادى في غيه وضلالاته، وسنن الله لا تجامل أحداً؛ ولذا فمن الكياسة التعليم والتحذير ثم الإعداد والاستعداد حتى لا تدهم أمتَنا خطوب من أثر الهوان والذلة ومظاهرة المشركين على المسلمين والتولي عن أمر الله وشرعه وأحكامه، ولات ساعة مندم، فقد حذرنا الله في كتابه من أن الاستبدال عاقبة التولي عن أمره وعقوبة النكوص عن هديه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق