الثلاثاء، 28 يناير 2014

قصة "السبتميك" وخروج السعوديين للجهاد


قصة "السبتميك" وخروج السعوديين للجهاد


بقلم: د. سلطان الجميري/ كاتب وباحث سعودي

يدور سؤال هذه الأيام حول: هل سلم "السبمتيك" نفسه وتاب من داعش؟ (السعودي سليمان السبيعي الشهير بـ"السمبتيك"، وقد تحول من نجم في موقع التواصل الاجتماعي keek إلى مقاتل في تنظيم "داعش" في سوريا) أو سلمته الصحوات بعد التنسيق مع المخابرات التركية.

أيا كانت الإجابة .. فالناس في الحقيقة تبحث عن إجابة لسؤال آخر غير هذا،، وهو: كيف لشاب طبيعي لا يظهر عليه أي معالم الالتزام أن يتحول لجهادي.

وسأستخدم مفهوم "المصطلح الإجرائي" لتقريب الفكرة: شاب مش مطوع .. معظم كيكاته "تريقه" على الشيعة .. فجأة يتحدث عن المعارك والشهداء.

معظم الأجهزة الأمنية تعتقد أن شكل الإنسان الخارجي ونشاطه أو المجموعة التي يحتك بها ..كافية لفهم توجه الإنسان، وبمقدورها استباق خطواته.

أريد أن أقرأ معكم بعض الأمثلة لنفهم أكثر ما أسميه "لحظة الاشتعال العاطفي"، وهي مجرد قراءة وليست تبريرا أو تجريما لأن مجاله ليس هنا.

مفاجأة "السبمتيك" .. تذكرني بمفاجأة الناس بـ"محمد شظاف الشهري"، أو كما يسميه أصدقاؤه في التنظيم "أبو طارق الأسود".

محمد شظاف، كان يقول زملاؤه الذين عاشوا طويلا معه عدا فتراته الأخيرة، أن بوسعهم أن يقسموا أن محمد آخر شخص في العالم ممكن أن ينضم للقاعدة.

هل فعلاً عنصر المفاجأة حقيقي! هل يمكن معرف أسباب التهيئة! هل هو قلة علم؟ هل هو الصحبة؟ البيت؟ قراءات الإنسان الخاص؟ أسئلة كثيرة.

كلما قدم الإنسان تفسيرا وجد أن هناك أمثلة لا تندرج تحت هذه التفسيرات على الأقل التي قدمت حتى الآن ،، لكن بدراسة أمثلة مختلفة نجد أوجه تشابه.

في برنامج ياهلا ..استضيف الشيخ صالح الحيدان ود. ناصر القرعاوي .. والله يا جماعة الخير تود ترمي شاشة الكمبيوتر بطماطم على التحليلات الخطرة..

فمع احترامي لصالح اللحيدان الذي يقول ابحثوا في جامعة كولمبيا أن سواقة المرأة للسيارة تأثر في مبايضها، كيف له أن يحلل لماذا يذهب الشاب للجهاد؟ أم د. ناصر القرعاوي الذي يقول الحل: جففوا المنابع ..! أي منابع سيدي! كل الذي يكتبه الجهاديون مستمد من القرآن والسنة، مراجع السلفية عندنا تماما!

دعونا نعود للماضي .. لشخصية في فضاء النت، كانت وقوداً للجهاديين يوماً ولا تزال، بل بعض كتاباته يقرأها الشباب الذين خرجوا لسوريا وغيرهم.

"لويس عطية الله" أكثر الناس يعرفونه كمنظر للجهاديين، لكنهم يجهلون ماضيه، وكيف تحول سريعاً لأيقونة جهادية ذات صيت كبير.

لويس عطية الله .. كتب عن نفسه في بدايات دخوله منتدى الوسطية .. وعن حياته ،، حينما سأله العواجي لماذا اسم "لويس"، ونشر بعض ماضيه ..

عاش وتربى "لويس عطية الله" في بيئة سلفية كما يقول .. وحفظ القرآن .. وأرسله أبوه للجامعة في المدينة .. وكان طالبا متفوقا دراسيا..

وكان قارئا من الدرجة الأولى .. وكان يقول عن نفسه كل من يريد الدرجة كاملة في مواد الجامعة عليه أن يقرأ ملخصات لويس..

في سنواته الأخيرة في الجامعة، تغير لويس .. وكما يقول ترك العلم وراء ظهره وانسلخ منه كما انسلخ بلعام بن بعوراء .. ولهث وراء الدنيا والبنات..

كتب لويس قصته مع الفتاة الأمريكية "ريبيكا لوبيز" التي كان يغازلها على النت (نت البحرين)، وقتها كانوا عندنا يدرسون فكرة إدخال النت للسعودية.

وكان يفتي لنفسه وأصدقائه بجواز التدخين ،، بل ويؤصل المسألة ويناقش بكل قوة وبالدليل أنه حلال .. كان كل دليل تعلمه يستخدمه ليحل لنفسه كل شيء.

حتى قال عن نفسه: كنت امرأ من جند إبليس..ثم ارتقى الحال حتى صار إبليس من جندي! ثم سافر لأمريكا.. وهناك يقول احتقرت كل ماله علاقة بهذه الأمة.

يقول: سخرت من سيبويه ومن عروض الخليل، واستهزأت بتفريعات الحنفية على الأصول وسخرت من سد ذرائع الحنابلة، وضحكت كثيرا على مصالح المالكية المرسلة،،

ثم طفقت على كتب الفلاسفة وقرأت عن عصور التنوير... حتى أصبحت مروياتي صادق لفولتيير وهاملت لشكسبير، وهكذا أصبحت داخليا أنتمي للأمة المنتصرة!

حين عاد لويس يقول أصبحت حداثيا في الأدب وعلمانيا في الفكر.. واقتربت من الشخصيات التي تبشر بالليبرالية والحريات في بلدنا ..وتعرفت عليه أكثر.

عاد لويس للمدينة..ورشح للماجستير..وفي المقابلة الشخصية .. لم يجب على سؤال نسي كل شيء،، يقول صدق الرسول (صلى الله عليه وسلم): "إن المدينة تنفي خبثها" وكنت كذلك.

يبدو لويس أنه اختلط بالليبروجامية .. لذا صدم صدمة كبيرة، يقول: فوجدت فيهم ما جعلني أحتقر في نفسي الفكر العلماني قاطبة ..

يقول توصلت لنتيجة أنهم أتفه من أن يغيروا شيئا في الواقع ... ،، وقرر لويس تركهم .. ثم يقول: عشت بعد ذلك في مرحلة فقدان هوية جديدة..

وأصبح على حد قوله .. من أهل الأعراف ،، لا إلى هؤلاء ..ولا إلى هؤلاء.. لا سلفي ولا علماني ..مرحلة التيه ،، إلا أن سمع بمنتدى الوسطية وجاءها يركض..

الهدف من ذكر ماضي لويس الليبرالي..هو أنه حتى بعد تحوله لأهل الأعراف، لم يكن جهاديا ولم يتحول للويس النسخة الأخيرة التي نعرفها! فمن قدح الزناد..

كيف يمكن لشخص جرب السلفية .. ثم تركها .. وبلغ القاع في الجانب الآخر .. ثم تركه ،، عن ماذا يبحث الإنسان؟ ماذا يدور في ذهن الفرد منا؟

أي إنسان يتربى في بيئة إسلامية..ثم ترتبط ذهنيته بماضي البطولات..ثم يواجه القهر والعبودية..ويعرفه الإعلام على عدوه .. هو مهيئا للحظة الاشتعال.

الإنسان المقهور تأتيه لحظات يبحث فيها عن "النموذج" الذي يرى فيه ما يحكي رغباته الداخلية.. والمقهور عادة يبحث عن الشجاع الذي لا يخاف المواجهة.

ومن أراد أن يفهم أكثير جوانب من نفسية الإنسان المقهور.. يقرأ كتابي "التخلف الاجتماعي دراسة في سيكلوجية الإنسان المقهور" و"معذبو الأرض".

الإنسان بطبعه حين يتعلق بشخص، إنما يحدث ذلك بسببين: ١- إما أن يجد فيمن يحب صفات تشبهه ٢- أو يجد فيه صفات يحبها ليست فيه ويتمناها.

لويس وجد في "أسامة بن لادن" النموذج الواضح الشجاع .. الذي يواجه أمريكا كما يراها العدو رقم ١ الذي تسبب حتى في وجود الدول الإسلامية الضعيفة.

هل يأتي هذا النموذج المحبب للنفس من فراغ..أم توجد بذوره داخل الإنسان،، تنمو دون أن يشعر بها .. وتبقى معه إلى أن يأتيها الماء الذي تشتهي وتكبر؟

وعادة يكون للناس صلة أو اهتمام بالموضوع ،، لويس نفسه يقول: "كان لي أصدقاء وإخوة وأقارب ذهبوا أيام الجهاد الأول يطلبون الجهاد في سبيل الله"..

حين يظل الناس يتحدثون عن العدو وخطورته .. ويجدون التشجيع على مقاومته .. ثم يبرز النموذج الشجاع، فلاشك أن هذا يفعل في نفس المقهور الأفاعيل.

أتذكر في صف ثاني ابتدائي دخل علينا مدير المدرسة يدعو للمجاهدين الأفغان، ويقول قولوا آمين! "بالله واحد في هذا العمر وش دراه وش أنت ياحكمتيار"!

نعم، هذا النموذج الذي يبحث عنه الإنسان المقهور..جعل لويس يقرر في لحظة ما..ويكتب: "عاش آباؤنا فمتنا ..واليوم قررنا أن نموت..ليعيش أبناؤنا"!

نعود لأخينا "السمبتيك"، لنجيب على سؤال "لحظة الاشتعال العاطفي"! كيف قدحت؟ بعضهم يعطي جوابا بسيطا ويريح دماغه ويقول استشهاد أخيه..

إذا كان هذا الجواب عن سليمان (السبمتيك)؟ فما هو الجواب عن أخيه عبدالعزيز (عبدالحكيم الموحد)! قد يكون سببا، لكن الحكاية أطول بكثير.

مما كُتب عن عبدالحكيم الموحد .. (قصة غريبة) أنه أراد الزواج بحيلة، فأرسل لأبيه رسالة "تزوجوني وإلا ذهبت إلى العراق (ممازحا) ثم أغلق جواله..

وجاء أبوه وأخوه من الجبيل إلى السكن الجامعي في الرياض بحثا عنه، فخاف عبدالعزيز وهرب، وقبضت عليه الشرطة، وقال اتركوني أو أفجركم (وقت الأحداث).

أيا كانت القصة، حُكم على عبدالعزيز بـ ٨ سنوات سجن، ونقل لسجن الجبيل، وقيل عذب من قبل المحققين.. وأضرب مرات عن الطعام، وأُفرج عنه بعد ٦ سنوات.

بيئة "السبمتيك" في البيت محافظة، وتدين الوالدين واضح كما تنقله الصور، وكذلك كتابات أمه في تويتر! سليمان نفسه نشاطه في "الكيك" كله سخرية بالشيعة.

الآن .. دعونا نتأمل ،، العدو كما تصوره كل الوسائل الإعلامية حتى قبل أحداث سوريا هو "الشيعة" .. ونشاط سليمان موجه ضدهم ،،

فجأة يرى سليمان أن هذا العدو يقتل في سوريا الأبرياء والصور القادمة من هناك لوحدها كافية لتحريض أي إنسان، ثم يجد أخاه يقتل على أيديهم ،،

كذلك هناك شعور عند بعض الشباب أن هناك ضوءا أخضر غير مرئي رسمي لخوض المعارك هناك، والدولة نفسها وضعت ثقلها في المعركة ..

يدعم ذلك إرث ديني وشرعي كبير يوجب النصرة والقتال ويرغب في الشهادة .. ومقاطع الفيديو القادمة من هناك وتصوير حياة المجاهدين وعلاقتهم ببعض، هذا المزيج في داخل الإنسان .. يختلف ردة الفعل تجاهه ..فهناك من يقرر الاستماع لصوت ضميره في داخله فقط .. وترك كل من ينصحه بالجلوس وعدم الذهاب.

وهناك من يعبر عن ردة فعله بالحماس في مجال التبرعات والدعاء ومتابعة الأخبار ،، لأن قرار الذهاب والاستعداد للموت لا يطيقه كل أحد ..

قرار الاستعداد للموت وترك الدنيا ليس له علاقة بظاهر الإنسان ولا بمحاضرة هنا أو هناك .. هي مجموعة من العوامل ..إذا تراكمت داخل النفس أقدمت.

أتذكر وأنا صغير شخص يقال له "أبو عجوزة" كان مجرما كبيرا في الحارة .. إذا ذكر اسمه ذكرت الجرائم والقتل .. زاره مجموعة من جماعة التبليغ، أثناء الحديث معه، فتح أحدهم موضوع المسلمين في الشيشان، وكان معه بعض الصور، رآها، لكنهم لم يتوقعوا أن تكون تلك الصور سببا في رحيله للجهاد ،،

تركيبة نفس الإنسان المقهور مستعدة لاختيار العنف طريقا للتغير أو مقاومة من يقهره.. وكل الأسباب الاجتماعية والدينية قادرة لتقديم الغطاء لذلك.

كل فرد في مجتمعنا هو مشروع "سبمتيك" .. إذا ما استمر قهره ويئس من وجود النموذج الصادق القادر على أخذ حقه .. والدفاع عما يراه مقدسا.

السعوديون في ساحات الجهاد .. أو في ساحات "الخمبقة".. من أكثر الناس تضحية وبذلا .. إذا حضروا أصبحوا رقما صعباً .. يا له من شعب لو كان له.....،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق