الأربعاء، 18 مارس 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (5)

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (5)



محمد إلهامي
(21)


"وهنا نتساءل: لماذا نجح هذا الانقلاب، وبهذه السهولة المذهلة؟


والجواب عندي أن ذلك تم لسببين: الأول هو المفاجأة التامة من جانب المدبرين، وانعدام العزم عند الحاكمين.


إذ لم يخطر ببال القائمين بالحكم أن يحدث انقلاب عسكري في مصر، لأن مصر ليست مثل العراق أو سوريا، هذين البلدين العربيين اللذين توالت فيهما الانقلابات العسكرية...
ذلك أن مصر تمتاز بالاستقرار والتزام الطاعة والتمسك بالشرعية. والدليل على ذلك أنه منذ حركة أحمد عرابي في سنة 1882 لم يحدث انقلاب عسكري إلا بعد ذك بسبعين عاما؛ ومنذ انقلاب سنة 1952 لم يحدث أي انقلاب عسكري حتى الآن (سنة 1986)، بينما وجدنا في سوريا الانقلابات تتوالى بمعدل واحد كل أربعة أشهر، وفي العراق بمعدل واحد كل خمسة أعوام. 
ولهذا أيضا حاولت الثورة في مصر أن تتظاهر بالشرعية باستمرار، فتتخذ إجراءاتها الانقلابية على شكل قوانين ومراسيم قانونية شكلا على الأقل: هكذا فعلت ثورة 23 يوليو من قيامها حتى اليوم. فهي لم تصادر العقار والمال، بل أصدرت قوانين تؤدي إلى مصادرة العقار والمال، وهي لم تقتل أحدا، بل أصدرت قوانين بموجبها تعدم خصومها.

أما انعدام العزم عند الحاكمين فأمره بيِّن. وأي عزم يمكن أن يوجد عند ملك لا همَّ له إلا انتهاب اللذات: لذة جمع المال، ولذة النساء، ولذة الكسب في القمار...
ولو كان عند فاروق أو عند أعوانه ذرة من العزم لقُضِي على الحركة التي قامت في ليلة 23 إلى 24 يوليو بمنتهى السهولة: الحركة التي قام بها ثمانون ضابطا موزعون بين مختلف الأسلحة والأماكن، بين أكثر من عشرة آلاف ضابط!
 لو كان فاروق قد حرَّك الحرس الملكي، لكان وحده كافيا للقضاء على الحركة في مهدها، ولانفضَّ عن القائمين بها كل من انتسب في الخفاء إليها.
 إن هؤلاء العشرة آلاف ومن وراءهم من الجنود لم يتحركوا لأن أحدا لم يأمرهم بالتحرك، ولم يجدوا من المسؤولين أية مقاومة، فتركوا الأمور تأخذ مجراها دون أدنى اهتمام"[1].


(22)


"كانت وزارة علي ماهر (أول وزارة شكلت بعد انقلاب يوليو 1952) مؤلفة كلها من وجوه جديدة تتسم بالتفاهة في الفهم السياسي وانعدام الماضي السياسي في النضال والعمل الوطني. ولا أدري من ذا الذي أشار على علي ماهر بهذه الأسماء الشاحبة؛ فإن كان الذي أشار هم القائمين بالانقلاب، فلا بدَّ أن ذلك كان عن خطة ماكرة خبيثة أريد منها إثبات تفاهة المدنيين حتى أولئك الذين لم يتولوا الحكم من قبل تمهيدا لتولي العسكريين لإدارة كل الوزارات.


لهذا سقطت وزارة علي ماهرة هذه بعد شهر و13 يوما، سقطت عن جدارة واستحقاق. وكُلِّف علي ماهر بتشكيل وزارة جديدة أشد تفاهة وعجزا من الوزارة السابقة، ولم تمض ساعة واحدة على حلف وزرائها اليمن القانونية حتى أُسقطت، وتولى اللواء محمد نجيب رئاسة وزارة جديدة في 8 سبتمبر سنة 1952...
والواضح أنها كانت وزارة غريبة التشكيل كأنها ثوب المهرج: قطع مهلهلة وأخرى جديدة وثالثة باهتة. وما لبث هذا الثوب الغريب أن تمزق، فشكَّل محمد نجيب وزارة ثانية في أوائل ديسمبر 1952، ثم وزارة ثالثة في مايو 1953.
فكانت هذه الوزارات كلها كالعرائس في مسرح العرائس، يحركها ويشد خيوطها في استخفاف قاسٍ أعضاء مجلس قيادة الثورة الاثنا عشر وكان قد تشكل وصارت له السيادة القانونية في أوائل شهر سبتمبر. وكان الصراع شديدا بين هؤلاء الاثني عشر"[2].


(23)


بعد أن أطال بدوي في ذكر لجنة الدستور التي شُكِّلت من رموز فكرية وقانونية مصرية وفي النقاشات التي دارت فيها، والتي كان هو أحد أعضائها، والمواد التي تكفل الحريات التي أثبتوها فيه، قال: "وقد جاء عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة في دستورهم الذي أصدروه في يناير 1956 فصادروا كل هذه الحقوق والحريات مصادرة تامة، وأحلوا مكانها القيود التي نسفت حقوق المصريين وحرياتهم"[3].


(24)


"وكان مجلس قيادة الثورة قد قرر في يومي 4، 5 مارس سنة 1954 حلَّ نفسه وعودة الجيش لثكناته وإعادة سلطات محمد نجيب إليه. وهذه القرارات اتخذها أعضاء مجلس قيادة الثورة مرغمين نظرا لشعبية محمد نجيب وتأييد عامة الشعب له منذ الثاني والعشرين من فبراير سنة 1954 حينما وقع النزاع بينه وبين جمال عبد الناصر ومن معه. لكنهم في الوقت نفسه دبروا خطة لإفساد هذا الإجراء مستعينين بسلاح المدفعية في الجيش، وبعمال النقل العام، وقد رشوا رئيس نقابة النقل العام، وكان يدعى الصاوي أحمد الصاوي، بمبلغ ثمانية آلاف جنيه – كما اعترف بذلك صلاح نصر في مذكراته (جريدة المصور في يناير – فبراير سنة 1986).
فتمخض ذلك الصراع عن تصالح وهمي وعلى دغل، وتربص بين محمد نجيب من ناحية، وعبد الناصر ومن معه من ناحية أخرى.

ولم يتبين آنذاك هل كان نجيب يريد النظام الرئاسي أو النظام البرلماني في الحكم. أما عبد الناصر ومن معه فلم يكونوا يريدون هذا أو ذاك، بل كانوا يتآمرون فقط للإطاحة بمحمد نجيب"[4].


(25)


"إن المفهوم الصحيح للقانونية (أو الشرعية) ليس هو أن يُحكم الناس وفقا للقانون أيا كان هذا القانون. وإلا فإن في وسع أي ديكتاتور أن يصدر أشد القوانين استبدادا بالطرق القانونية أعني عن طريق البرلمان الذي يتحكم فيه، وبموجب السلطات الممنوحة له بحكم الدستور... وإنما القانونية الصحيحة هي مطابقة القانون لحقوق الإنسان الأساسية. وأي دستور أو قانون يخالف أو ينتقص من هذه الحقوق هو باطل بطلانا أساسيا.


إن القانون هو مجرد صيغة شكلية؛ ولا عبرة بالشكل، بل العبرة دائما بالمضمون. فإن اتفق المضمون على حقوق الإنسان الأساسية كان سليما واعتبرت قانونيته؛ أما إن خالف في مضمونه حقوق الإنسان الأساسية فإنه قانون ظالم باطل لا يُعتبر بقانونيته.


ومن يحكم باتفاق أو مخالفة لحقوق الإنسان الأساسية هو المحكمة العليا أو المجلس الدستوري المكفول لأعضائهما كل الضمانات التي تحميهم ضد رئيس الجمهورية وضد المجلس التشريعي. ويجب ألا يصدر قانون عضوي إلا بعد عرضه على المحكمة العليا أو المجلس الدستوري لتقرير أنه موافق لحقوق الإنسان الأساسية. والقانون العضوي هو القانون الذي يتعلق بهذه الحقوق تعلقا جوهريا"[5].


(26)


"ما من مستبد طاغية في العصر الحاضر إلا وادعى أن ما يصدره من قرارات وقوانين إنما هو لـ "مصلحة الشعب".


فباسم مصلحة الشعب صادر عبد الناصر الأموال والعقارات الزراعية والعمائر المشيدة والأسهم والسندات، ثم بدد هذا كله على "مخابراته" ومغامراته المخفقة في اليمن وسائر البلاد العربية وعلى المرتزقة في وسائل الإعلام، وكل هذا في سبيل تمجيد شخصه، و"مصلحة الشعب" من هذا كله براء.


وباسم "مصلحة الشعب" صادر حريات الناس جميعا وأنزل بهم شتى صنوف العذاب، واعتقل عشرات الآلاف من الأبرياء، وكل هذا كان إشباعا لأحقاده ومن أجل الاستئثار وحده بكل سلطة ولإذلال الجميع وإخضاعهم. فأين هذا كله من "مصلحة الشعب"؟!


وباسم "مصلحة الشعب" جرَّ البلاد إلى حربين مدمرتين (حملة السويس 1956، وحرب الأيام الستة في يونيو 1967) بسبب حماقته وخرقة تصرفاته واندفاعه الأهوج دون تبصر، فقُتِل الآلاف من الجنود ومن المدنيين، ودُمِّرت مرافق عديدة، وبُدِّدت على الأسلحة أموال لا تحصى – فهل قتل آلاف المصريين في هاتين الحربين كان لـ "مصلحة الشعب"؟! وهل ضياع كل هذه المرافق والعتاد والأموال قدّم "لمصلحة الشعب"؟!!


وباسم "مصلحة الشعب" أغلق حدود مصر على أهلها، فمنع المصريين من الخروج من مصر طلبا للرزق، فأضاع عليهم فرصا عديدة جدا وعظيمة جدا للكسب بالعملة الصعبة خصوصا في تلك السنوات التي كانت فيها أبواب دول النفط وأمريكا وكندا واستراليا مفتوحة على مصاريعها لاستقبال العاملين – فهل كان إفقار المصري وحرمان مصر من هذه المزايا في "مصلحة الشعب"؟!


والقائمة طويلة تستغرق عدة صفحات من هذه القرارات والتصرفات التي أصدرها عبد الناصر باسم "مصلحة الشعب"، فقضى بها على مقدرات هذا الشعب المصري المسكلين، الذي كانت تُساق غوغاؤه في مظاهرات كاذبة مفتعلة لتأييد هذه القرارات "الشعبية" كما كان حملة مباخر عبد الناصر يُسَوِّدون صفحات جرائده الهزيلة لإحراق البخور حول هذه القرارات "بصراحة"[6].


[قلتُ (إلهامي) هو ها هنا يعرض بمحمد حسنين هيكل الذي كان عنوان عموده "بصراحة"]



[1] سيرة حياتي 1/328، 329.
[2] سيرة حياتي 1/330، 331.
[3] سيرة حياتي 1/338.
[4] سيرة حياتي 1/341، 342.
[5] سيرة حياتي 1/345، 346.
[6] سيرة حياتي 1/350، 351.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق