الاثنين، 30 مارس 2015

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (9)

ما زلنا نواصل التقاط مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

(34)

لجنة تصفية الإقطاع

"بعد شهرين من حادث كمشيش، شُكِّل ما سُمِّي بـ "لجنة تصفية الإقطاع" من: عبد الحكيم عامر رئيسا وعلي صبري وشعراوي جمعة وعباس رضوان وكمال رفعت وشمس بدران، ثم ضُمّ إليها في 17/9/1966 أمين هويدي. وتولى تحضير القرارات لها عدد ضخم من رجال المخابرات العسكرية والبوليس الحربي، يعاونهم لجان من وزارة الإصلاح الزراعي ومن الشرطة العسكرية.

وكانت مهمة هذه اللجان إلصاق التهم الكاذبة بمن لا تزال له بقية من المكانة في الأرياف. وكانت هذه التهم تدور في الغالب حول ما زُعِم أنه مخالفات لقانون الإصلاح الزراعي. وكلها تلفيقات زائفة وادعاءات لا أساس لها من الصحة: فيُتَّهم واحد مثلا بأنه يملك فدانا أو قيراطا أو قيراطين زيادة عن الحد الأعلى المقرر للملكية.
فيقول المتهم بذلك لأعضاء اللجنة: أروني أين هذا الفدان الزائد وأنا أقر بأنكم على حق ولكم أن تأخذوا ما تشاؤون من أرضي. فلا يكون جواب أعضاء اللجنة، عسكريين كانوا أو مدنيين، إلا أن ينهالوا عليه بالشتائم وأقذع أنواع السبّ الفاحش. وماذا يملك هذا المسكين أمام بطش هؤلاء الفراعنة "الصغار"!!
وبعد هذا تُقدِّم هذه اللجنة توصيتها بفرض الحراسة على أملاك هذا الرجل هو وأولاده وزوجته. وتنعقد اللجنة العليا لتصفية الإقطاع، فتتلى عليها هذه التوصيات وتقرها على الفور. وفي نفس اللحظة؛ إن لم يكن قبلها، يبلغ رئيس الشرطة العسكرية الجهة التي تنتمي إليها أطيان الرجل ومنزله فتتولى فرقة من الجيش والشرطة تنفيذ الحراسة على الأرض وتفتيش –أعني: نهب- منزل الرجل. ثم إبعاده هو وأبناءه من الريف إلى إحدى المدن.

وتتولى الإذاعة المصرية في نفس الليلة إذاعة أسماء من فُرضت عليهم الحراسة. وتسمع المذيع وهو يتلو هذه القرارات بحماسة وافتخار وحمية، وكأنها انتصارات عظيمة حققها أولئك "الضباط البواسل" ضد العدو الإسرائيلي!

بل وترى صور هؤلاء "القادة البواسل" أعضاء اللجنة العليا لتصفية الإقطاع، تتصدر الصفحة الأولى من كل صحف الصباح، والعناوين الكبيرة تنضح بهذا "النصر العظيم" الذي حققه هؤلاء الأبطال! وكأنهم انتصروا في معركة القادسية أو حطين أو أوسترلتز أو تاننبرج!

ويشاء ربك ألا تمضي إلا بضعة شهور، وإذ بهؤلاء الأبطال البواسل، قادة معركة "تصفية الإقطاع" يصابون بأبشع هزيمة في تاريخ مصر، هزيمة حرب 5-8 يونيو سنة 1967 أمام دويلة صغيرة طالما وصفوها بأنها عصابة من شُذَّاذ الآفاق!!

ويشاء ربك أن ينتحر –أو يُدسّ له السُّمّ- رئيس هذه اللجنة والمشير العام للجيش الذي لم يصمد أكثر من ثلاثة أيام أمام عصابة شذاذ الآفاق هذه! وأن يخطف الموت العادل أحدهم وهو كمال رفعت، وأن يُودع السجن لعدة سنوات علي صبري وشعراوي جمعة وعباس رضوان وأمين هويدي، وأن يفر شمس بدران هائما على وجهه من حكم العدالة.

وهكذا نال هؤلاء "الأبطال البواسل"، أعضاء اللجنة العليا لتصفية الإقطاع "بعض" العقاب العادل عما اقترفوا ضد الأبرياء المخلصين ممن فرضوا عليهم المصادرة والحرمان من الحقوق المدنية. وأقول: "بعض" العقاب، لأن ما نالهم –باستثناء رئيسهم فقد نال جزاءه الكامل- لا يكافئ عشر معشار ما يستحقون من عقاب"[1].

(35)

"كانت أسرتي إحدى ضحايا هذه "اللجنة العليا لتصفية الإقطاع" فيما زعموا. فبدأت بأن فرضت ما يسمى "تحفظا" على أراضينا الزراعية في 14 يوليو 1966. ثم استدعينا أمام إحدى لجان تصفية الإقطاع، وفندنا كل دعوى ادعتها للجنة زورا وعدوانا بشأن مخالفة قانون الإصلاح الزراعي الأول الصادر في سنة 1952... وجرى ذلك في ثلاث جلسات، وتواعدنا مع اللجنة على استئناف الاجتماع بعد أسبوعين.

وإذا بنا نفاجأ قبل حلول موعد الاجتماع المقرر بحوالي عشرة أيام، بأن اللجنة العليا لتصفية الإقطاع قد قررت في الساعة الخامسة مساء 17 سبتمبر سنة 1966 بفرض الحراسة على أسرتنا، وأسرتين أخريين. وانقسمت هذه الحراسة إلى نوعين: حراسة على الأراضي الزراعية وعلى سائر الأموال -وقد شملت ثلاثة من الأخوة هم المقيمون في القرية – شرباص، وحراسة على الأراضي الزراعية دون سائر الأموال وقد شملت الأخوة السبعة غير المقيمين في القرية... وكذلك فرضوا الحراسة على ورثة الأخ الأكبر المتوفى، ومن هؤلاء الورثة ضابط برتبة قائمقام (عقيد) استشهد في حرب اليمن في فبراير 1963!! فكان ورثته ممن شملتهم الحراسة أيضا...
وفي الساعة السادسة، أي بعد ذلك بساعة، كان القرار قد بُلِّغ إلى الشرطة العسكرية في دمياط، فانطلقت على الفور إلى قريتنا، شرباص، وراحت تفتش بيوتنا فيها. ولم يكن من رجالنا أحد هناك لأن الثلاثة المقيمين في الريف كان قد صدر أمر بإبعادهم عن الريف منذ صدور قرار التحفظ في 14 يوليو سنة 1966...

ماذا كان موقف أهل بلدتنا، شرباص، إزاء هذا الظلم الفادح؟
كان موقفا رائعا من التضامن معنا في هذه المحنة، والاستعداد التام للدفاع عمن بقي من الأسرة في البلدة، والتصدي للأنذال من الأعداء في بلدة مجاورة تدعى عزب شرباص إذا ما سولت لأحد منهم نفسه أن يتطاول علينا بالقول أو التشفي، وعدم التعاون مع مندوبي الحكومة الذين صاروا يجيئون ويذهبون لمجرد إظهار قوة السلطة. أجل، لقد كانت وقفة رائعة من أهالي شرباص ضد السلطة وأذنابها. فبورك أهل شرباص نموذجا للوفاء والحفاظ على الكرامة، والاعتداد بالشهامة، والاعتزاز بصلة الرحم وصلة البنوة للبلدة الواحدة...

(وفي القاهرة) لا يمر يوم أو يومان إلا وأجد في المنزل أو مع البواب إشارة من شرطة مباحث الجيزة تستدعيني للحضور إلى مقرها في الدقي. فأضطر إلى الذهاب، وإذا بضابطين أحدهما طيب الخلق، والثاني سافل حقير، يطالباني بإقرارات مختلفة عن أملاكي الخاصة، وأملاك سائر إخوتي؛ وفي كل مرة تتكرر نفس الطلبات والإقرارات.
 وفي ليلة 17 إلى 18 سبتمبر كان قد جاءني في الواحدة بعد منتصف الليل ضابط لتبليغي بقرار الحراسة، وبقرار عدم مغادرة منطقة القاهرة... كذلك قام مندوب مما يسمة "الرقابة الإدارية" في أواخر أكتوبر بالتوجه إلى كلية الآداب في جامعة عين شمس ليستطلع آراء بعض الزملاء الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس في شأني وموقفي من قرار الحراسة. فكان موقف من سُئِلوا شهما كريما، وغالى بعضهم في تمجيدي وذكر مناقبي ومكانتي العلمية والوطنية.

والواقع أنني في كلية الآداب –وكنت عميدا بالنيابة لما أن صدر القرار- لم أبْدِ أي تأثر أو انزعاج لهذا القرار. وحين كان البعض من الزملاء يأتي ليواسيني، كنت أكتفي بإشارة من يدي معناها أنني لا أحفل بهذا الأمر مطلقا. ذلك أنني رأيت أن إبداء عدم الاكتراث هو خير تصرف في مثل هذا الموقف[2]...

(وكان قد اقترح اسم عبد الرحمن بدوي ليكون وكيلا لوزارة الثقافة، لكن حال دون ذلك الشيوعيون المسيطرون على الوضع الثقافي)

وكان هؤلاء الشيوعيون متوثبين دائما للهجوم علي بشتى الطرق: مرة بدعوة أنني ممن يكتبون في مجلة "حوار" التي تصدر في لبنان وكانت نظيرة مجلة Encounter الأمريكية، مع أني لم أكتب فيها غير مقالة واحدة في العدد الأول منها، وكانت مجلة أدبية فكرية خالصة، واشترك في الكتابة فيها عديد من الكتاب المصريين حتى القرمزيين (أي الشيوعيين) مثل لويس عوض وسهير القلماوي، إلخ.

ومرة أخرى بدعوى أنني كنت أكبر المساهمين في إحياء ذكرى الإمام الغزالي والاحتفال بها: دمشق في مارس – إبريل سنة 1961، وهؤلاء الشيوعيون يعدون الغزالي زعيم "الرجعية" في الإسلام، وربما لم يقرأوا حرفا واحدا مما كتب، لكن هكذا جاءتهم الأوامر من موسكو.

ومرة ثالثة بدعوى أنني أروج للمثالية الألمانية وفلسفة نيتشه، فالأولى تعادي "مادية" ماركس وإنجلز، ونيتشه كان من ملهمي "النازية" عدوة أمهم الكبرى: روسيا.

ومرة رابعة بدعوى أنني بالوجودية التي أؤمن بها وأُسهم في تكوينها وترويجها في العالم العربي أناضل ضد الماركسية والشمولية، لأن الوجودية تدعو إلى الحرية وتمجد الفردية.

لهذا سلَّطوا أقلامهم المسعورة، ومعظمها مع الأسف كانت أقلام تلاميذ لي في الجامعة – سلطوها للهجوم عليّ... وحتى الذين كنت أرعاهم وهم طلاب، ثم لما تخرجوا، وتحملت في سبيلهم المتاعب، قد انساقوا في نفس التيار إما طمعا في نوال الحظوة لدى الشيوعيين المسيطرين على أدوات الإعلام والنفوذ لدى الحكام، وإما لاتقاء شرور هؤلاء، فكانوا إذن بين الطمع وبين التقية. وما أخسّ ما اختاروا من سلوك أهدروا فيه كل معاني الوفاء والاعتراف بالجميل والإقرار بالفضل، وصون الكرامة!

ووسط هذه الهموم كلها انبثق نور قادم من باريس. إذ دعتني كلية الآداب ومعهد الدراسات الإسلامية في جامعة باريس إلى إلقاء محاضرات خلال الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 1966 – 1967... ووجدت في هذه الدعوة وسيلة النجاة من هذا الكابوس الرهيب الذي كنت أعيش فيه في مصر،وعزمت على أن يكون سفري هو "الهجرة" بالنسبة لي"[3].



[1] سيرة حياتي 1/375، 376.
[2] قلت (إلهامي) : مما يثير الجنون أن هذا النظام بلغ من الفجور والفرعنة أنه يسلب الأموال ثم لا يريد لأحد أن يغضب أو يبدي سخطا!!
[3] سيرة حياتي 1/376 وما بعدها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق