الأحد، 15 يونيو 2014

أسئلة الانتفاضة في العراق وما بعدها


أسئلة الانتفاضة في العراق وما بعدها

ياسر الزعاترة


لا يمكن فهم ما جرى في العراق خلال الأيام الماضية من دون العودة إلى سيرته منذ الاحتلال ولغاية اندلاع الأحداث الجديدة.
تبدأ القصة بالاحتلال الذي أطلق العرب السنة مقاومة ضده رغم ترحيب كثير منهم به في البداية بسبب بطش النظام السابق، ولا شك أن لتنظيم الدولة الذي تسيد الأحداث الأخيرة دورا مهما في إطلاق المقاومة ضد ذلك الاحتلال، وكان يومها يتشكل من تنظيم التوحيد والجهاد بقيادة «أبومصعب الزرقاوي»، لكن المقاومة ما لبثت أن حصلت على حاضنة شعبية في كل مناطق العرب السنة، وانطلقت ثلة من الجماعات المقاومة التي كان لها دورها الكبير إلى جانب تنظيم الزرقاوي بطبعته السلفية الجهادية.
لا شك أن منح العرب السنة حاضنة قوية للمقاومة كان شكلا من أشكال الرفض للاحتلال، لكنه من جانب آخر كان شكلا من أشكال الاحتجاج على العملية السياسية التي صاغها، ومنحتهم صفة الأقلية، هم الذي يعتبرون أنفسهم مكونا من ثلاثة مكونات تشكل عماد التوازن في العراق. 
ومن أسف أن الذين انخرطوا في العملية السياسية قد تميزوا برعونة استثنائية حين قبلوا بصفة الأقلية بتأمينهم على نسبة 20 في المئة التي حصلوا عليها في أول مجلس حكم أنشأه بريمر.
تواصلت المقاومة، واستنزف الاحتلال، وبدأ يفكر في الرحيل، لكنه كان يريد الاطمئنان على الوضع من بعده، ففي حين كان العرب السنة هم عماد المقاومة، إلا أن المكافأة ما لبثت أن ذهبت للقوى الشيعية التي جاءت على ظهر دبابة الاحتلال، وبالطبع في ظل قناعات رسخها الإعلام الغربي عن تشكيل الشيعة لثلثي سكان العراق، الأمر الذي لا تقره أية إحصاءات مقنعة.
هكذا جنت القوى الشيعية ثمار هزيمة الاحتلال، وبالطبع في ظل رعونة المنخرطين في العملية السياسية من العرب السنة، وهكذا استمر مسلسل التهميش، ومعه استمرت مناطق العرب السنة في منح حاضنة للمقاومة التي ما لبثت أن تحولت إلى اشتباك مع الوضع السياسي الجديد الآخذ في الرسوخ إثر حل الجيش العراقي وتشكيل جيش وأجهزة أمنية من لون معين.
كان تنظيم التوحيد والجهاد، قد تحول إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بعد مبايعة الزرقاوي لأسامة بن لادن، ثم ما لبث في ظل شعور بالقوة قياسا بالتنظيمات الأخرى أن شكل ما يعرف بمجلس شورى المجاهدين، مطالبا القوى الأخرى بالانخراط فيه، وهو ما رفضته الأخيرة، ثم ما لبث أن أعلن عن الدولة الإسلامية في العراق مطالبا الجميع ببيعة أميرها، وهو ما رفض أيضا، الأمر الذي رتب اشتباكا بين تلك القوى وبين الدولة، وذلك بعد اشتباكها مع المنخرطين في العملية السياسية، وبعض العشائر أيضا، وهو ما كان يؤدي إلى تراجع شعبية التنظيم، فيما كان الوضع الجديد في العراق يزداد تأكيدا، من دون أن يؤدي ذلك إلى انسحاب رموز العملية السياسية الذين واصلوا منحها شرعية هذا المكون رغم ما تعرض له من إجحاف في تشكيل الجيش وأجهزة الأمن وسائر مؤسسات الدولة.
في ظل هذا الاشتباك بين تنظيم الدولة، وبين القوى الأخرى، كانت الحاضنة الشعبية لفكرة السلاح تتراجع تباعا، وأدى ذلك إلى نشوء ما يعرف بالصحوات، الأمر الذي رتب تراجعا في قوة التنظيم، لاسيما بعد أن اقتنع أكثر العرب السنة بخوض الانتخابات في المرة التالية 2010، حيث جمعوا عيدانهم وشكلوا ما عرف بالقائمة العراقية التي حصلت على المرتبة الأولى في الانتخابات، لكنها حرمت من تشكيل الحكومة بعد تدخلات من إيران أفضت إلى تشكيل الائتلاف العراقي (الشيعي)، وليحصل المالكي على رئاسة الحكومة.
لكن الوضع الجديد ما لبث أن أمعن تهميشا في العرب السنة، فردوا بمحاكاة ربيع العرب عبر الاعتصام السلمي، لكن المالكي فضه بالقوة، وهو ما أعاد الاعتبار لفكرة السلاح، وتبعا لذلك تنظيم الدولة، ومع ازدياد مشاعر الحنق حيال التهميش كانت الحاضنة الشعبية تزداد دفئا، بحيث صار بوسعه تنفيذ عدد كبير من التفجيرات المؤثرة حين يريد ذلك.
في الانتخابات الأخيرة بدا العرب السنة أقل حماسة للمشاركة بعد التجربة السابقة، وتمكن المالكي من شرذمتهم أكثر فأكثر، ونظمت الانتخابات بينما كانت الحرب على الأنبار والفلوجة مستعرة، فكانت النتيجة بائسة إلى حد كبير، فبعد أن كان لهم ما يقرب من 27 في المئة من مقاعد البرلمان السابق، ما لبثت النسبة أن نزلت إلى النصف تقريبا.
لكن البعد الذي لا ينبغي إغفاله بحال في كل هذا المسلسل، والذي شكل أيضا سببا مباشرا في تطور برنامج المواجهة المسلحة مع حكومة المالكي، هو ذلك المتمثل في الحرب الدائرة في سوريا، والتي يساهم فيها المالكي بشكل فاعل إلى جانب بشار الأسد، حتى وصل به الحال حد ترشيح أحد المقاتلين هناك على لائحته الانتخابية.
في هذه الأجواء من مشاعر الحنق على التهميش والإقصاء، ومعها أجواء الحرب في سوريا، وصرخات الانتصار على ثورتها التي تطلق من طهران وبغداد والضاحية الجنوبية في بيروت، فضلا عن دمشق، في ظل ذلك كله كان تنظيم الدولة يقوى ويحصل على حاضنة أكبر بوصفه الأكثر إثخانا في حكومة المالكي رغم تحفظ الناس على بعض عملياته ضد المدنيين (مد نفوذه لسوريا وشكل الدولة الإسلامية في العراق والشام)، فيما كان مسلحو العشائر يتجمعون من جديد ويواجهون مع التنظيم هجوم المالكي على الأنبار ببسالة منقطعة النظير، ويفشلون مساعيه لتركيعهم، وهنا تحديدا كانت الهجمة الجديدة التي خطط لها التنظيم واستهدفت محافظة الموصل التي سقطت بيده ومعه مسلحون من قوى أخرى بشكل سريع جدا في ظل انهيار مريع لجيش المالكي الذي لم يكن يملك معنويات المواجهة. والخلاصة أن ما جرى كان انتفاضة شاملة للعرب السنة يتصدرها تنظيم الدولة، وليست مجرد مواجهة مع التنظيم وحده.
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد التطور الجديد هو ذلك المتمثل في نهاية هذه المواجهة، بخاصة في ظل الدعم الدولي الذي حصل عليه المالكي، والذي لن يصل حد التورط في الحرب، وإن منحه بعض التسليح.
وهنا يمكن القول إن رده على ذلك بتشكيل جيش من المتطوعين، وصرخات التجمع في الوسط الشيعي الذي تناسى خلافاته، إنما يعني تفجير حرب أهلية في العراق ربما تكون أكثر دموية من سوريا، وهذا سيرتب عبئا كبيرا على إيران التي سيكون عليها أن تدير حربين في آن معا، هي التي تدفع كلفة الحرب في سوريا
(مع المالكي الذي سيحتاج الآن إلى مساعدة بدل أن يساعد بشار الأسد).الأكيد أن ما يجري يرتبط ارتباطا عضويا بالملف الإقليمي المتعلق بشكل العلاقة مع إيران، إذ كيف يكون من حقها أن تطالب بحكم الغالبية الشيعية الملتبسة في العراق بوجود المكون الكردي السني أيضا، فيما ترفض حق السنة في الحكم في مواجهة طائفة لا تشكل سوى عشر السكان في سوريا؟!
من هنا يمكن القول: إن العراق مقبل على حرب أهلية، وأقله عنف متواصل لن يتوقف من دون تسوية إقليمية مع إيران تشمل سوريا والعراق، وربما لبنان أيضا، وسائر الملفات التي تتدخل فيها. لكن ذلك لن يحدث كما يبدو قبل أن يطول النزيف المكلف على الجميع، وقبل أن يقتنع قادتها بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار مع تركيا والقوى العربية المؤثرة وصولا إلى حل سياسي، وهو ما سيرتبط بالضرورة بحوار واشنطن مع طهران من جهة، وبصراع المحافظين والإصلاحيين على السلطة في إيران نفسها من جهة أخرى.

ياسر الزعاترة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق