السبت، 21 يونيو 2014

من لم يعانِ لا يفهم المعاني


من لم يعانِ لا يفهم المعاني



الشيخ عبد العزيز الطريفي
الحمد لله حق حمده، والصلاة على نبيه وعبده.
أما بعد
فيُروى عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: ((لا تتكلم بكلام تعتذر منه غداً، واجمع الإياس مما في أيدي الناس))
[رواه ابن ماجه4171].
التاريخ يكتب ويدوَّن اليوم، وأحداثه الصعاب لا يقررها من لم يكتو بنارها، ومن لم يعتد على الاستقلال برأيٍ، وسيقرأ التاريخ غيرُنا حينما تزول الحجب من الأعين، وتزول المصالح والمُتع والمطامع، ولا يبقى للإنسان لذة قائمة فيما قاله، ويبقى التجرُّد وحده، ويندم ولات حين مَنْدَم، ويُسَطَّر ما يكون معرّة إلى يوم الدين.
الظروف التي تحيط بأمتنا، لا يحكمها رأي واجتهاد دعت إليه مصالح شخصية، وبُني على نظرة قاصرة.
كل من جسر على القول في تخذيل الشعب العراقي، ورماه بسائر العلل، وكال وبالغ في رمي التهم، أو دعاه إلى التخبط والتهوُّر والمجازفة وتفريق الكلمة، ورَمي الحكمة والأناة، أقول له: "لا تتكلم بكلام تحتاج أن تعذر منه غداً" حينما تتلاشى المصالح، ولا يبقى إلا الاعتذار..
ماذا يراد من شعب انتهك عرضه، وسُلبت خيراته، وسُفك دمه، في قعر داره، وقِيْدت محارمه من أبواب المدارس إلى متعة الغزاة، وحَمَلت آلاف العذارى المسلمة فيه بلا أزواج.
التاريخ الماضي دُوِّن لنا لنقرأُه، وسيدون تاريخنا لغيرنا ليقرأوه، التاريخ كتب لنا لنعتبر، لا لنتسلى، ونتسامر، كُتب كما قال ابن الأثير في مقدِّمة "تاريخه": ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض، وفي الكتب ليذكروا بها ويذموا ويعابوا..
ألم نقرأ تاريخنا القريب، وأحوال الجزائر المسلمة حينما احتلها المستعمر "الفرنسي"، وسفك على أرضها أكثر من "مليون مسلم"، ونُزعت "فصول الجهاد" من الكتب الفقهية، ومُنع العلماء من إقراء أبواب الجهاد في كتب السنة، وسمِّي قتال المحتل وجهاده وإخراجه من بلاد المسلمين خروجاً وفتنة، واجتمعت كلمة أكثر أهل العمائم على هذا، وما إن انْجلت الغشاوة، ونزعت الرهبة والرغبة، حتى سُمِّي أولئك بالشهداء، وسُمِّيت بلاد الجزائر إلى اليوم "بلد المليون شهيد".
رسالة إلى العلماء أقولها وأفوض أمري إلى الله: من لم يعانِ لا يفهم المعاني، والله يشهد وملائكته وجميع خلقه، أنني أكتب هذه الأسطر، وأنا مستيقن أن نساء العراق يغتصبن، وفي السجون أكثر من (10000) عشرة آلاف امرأة عراقية، وثابت عندي وعند غيري كثبوت الأصابع في الكف أن منهن من تُقاد بالسلاح عند خروجها من المدارس والجامعات بسيارات المحتل إلى متعة جنوده، والذكور والإناث يقتلون ليلاً ونهاراً، بأيدي محتل ظالم، والصمت ملعون إذا نطق الحجر، والعلم أمانة، وتبليغه ديانة، والصمت عند العجز؛ أدنى دركات الخيانة، تأملوا وتدبروا وتفكروا في الحال، تدركوا المآل، تجردوا من كل لباس إلا لباس التقوى، ومن حُرم التوفيق ضل في القول والعمل.
إذا لم تتحرك الفطرة، والعفاف والطهر، فاجعلوا التاريخ لا يجد منكم إلا الصمت، فالصمت لا يكتبه التاريخ، ولا يصوره الزمن، ولا تعرفه الكتب، ولا يُحتاج معه – في الغالب – إلى الاعتذار.
دعوا العراقيين في أنفسهم، وشأنهم، فهم أعرف الناس بحالهم، فالشاهد يرى ما لا يرى الغائب، واعلموا أن الإعلام ليس بأيديهم، بل يملكه غيرهم، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهو أعظم فتكاً في أمتنا من السلاح، شوَّهوا به الإسلام، وفرَّقوا به الشعوب، ونشروا العنصريات، واختلقوا الأكاذيب، وحاكوا القصص، وفيكم سمَّاعون لهم كثير.
في العراق أعراق، وعقائد ومذاهب، كما في غيره، لا يسقط بتفرقهم؛ دفعُهم عن حرماتِهم ودينهم، ما دام يجمعهم أصل الإسلام.. وفي كُل بلد عربي، أرباب بدع وضلال، يجمعهم مع أهل السنة الإسلام.
خذوا بالعزيمة؛ وليكن أقل أحوالهم؛ دفعهم عن المال والعرض والأرض، وقل لي بربك: أفي هذا فتنة أم دين وشريعة؟ روى قابوس بن أبي المخارق، عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال. يا رسول الله، أرأيت إن عرض لي رجل يريد مالي، ما أصنع? قال: ((ذكره بالله عز وجل، فإن أبى فاستعن عليه بالمسلمين)). قال: فإن تأتى عنه المسلمون? قال: ((فقاتل عن مالك حتى تموت من شهداء الآخرة، أو تحرز مالك))
[رواه النسائي4081] أخرجه النسائي وأبو نعيم وغيرهما.
أُدرك أن ثقافة المنتصر وتاريخه وبصمته هي السائدة، والعين التي يبصر بها الكثير، ولكن هذا ما رأيتُ نصوص الوحي ناطقة به، بأفصح لسان، وأظهر بيان، وهو ما يدركه العقل الصحيح.
والمقصود: أن هذا المقال، أدعوا به إلى ترك أهل العراق وشأنهم - على الأقل -، فلا يفتنوا في دينهم؛ ودفاعهم عنه وعن عرضهم وأرضهم، ممن لم يُدرك للمعاناة معنى، وليس راءٍ كمن سمع، فهدهد سليمان غاب عنه، وأدرك ما لم يُدركه نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعد معاينة ومشاهدة: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} (النمل: 22).
ومن فضول القول أن هذا المقال ليس له إلا ظاهر، فلا يُلتمس فيه باطن عبارة، أو بعيد إشارة، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق