الأحد، 21 ديسمبر 2014

طلعت رميح يكشف حقائق الوضع العالمي والإقليمي في حوار حصري (1)


طلعت رميح يكشف حقائق الوضع العالمي والإقليمي في حوار حصري (1)




حوار: صلاح عبدالرحمن
قال طلعت رميح الخبير الإستراتيجي: إن الواقع الدولي يشير إلى أننا أمام صراع وتغيير في النظام الدولي، ولكن ليس على نسق الحرب الباردة، فموازين القوى والأوضاع السياسية والاقتصادية تغيرت وظهرت قوى جديدة، وهذه القوى الجديدة لا تسمح لا للولايات المتحدة بالانفراد بالعالم، ولا للولايات المتحدة وروسيا أن يتصارعا وحدهما.
وأضاف في حوار للمفكرة أن الصين ستصعد من دورها الاستراتيجي مستقبلًا، أما اليابان فهي تتجه نحو العسكرة، ونحو أن تصبح قوة عسكرية والولايات المتحدة تدرك أن الصين تمثل لها مشكلة تفوق قدراتها.

وإلى نص الحوار:
مفكرة الإسلام : بعد أحداث الثورة الأوكرانية والتدخل الروسي العسكري فيها أظهرت الدولة الروسية موقفًا جديدًا مضادًّا للغرب.. فهل نحن إزاء تصاعد دور روسي كبير بحيث تكون قطبًا دوليًّا يعيدنا لأجواء الحرب الباردة؟
رميح: في تقديري أن الوضع الدولي تغيَّر، وليس في طريقه إلى التغيير، وهذه هي سُنة الوضع الدولي.. ويمكن أن نرصد ذلك في السنوات السابقة، فقد مر الوضع الدولي بأساليب الحروب لتحقيق التوازنات الدولية وتعديلها، كما جرى بين بريطانيا وفرنسا عندما كانا قطبي العالم وحدثت حروب بينهما.
ثم مرت أحداث الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وصنعت مؤسسات لحفظ العلاقات الدولية بين الأقوياء، في البداية كانت عصبة الأمم، ثم أصبحت الأمم المتحدة.
وجاءت الحرب الباردة لتحدث تغييرًا في نمط الصراعات والعلاقات الدولية، وهي لم تمثل تغييرًا في أصل الصراع، فدائمًا الصراع موجود، ثم بعد ذلك انتهى الاتحاد السوفييتي.
والآن لا يستطيع أحد القول: إننا إزاء حرب باردة؛ لأن الحرب الباردة كان أحد شروطها هو وجود اختلاف أيديولوجي وفكري ووجود معسكرين فكريين واقتصاديين وعسكريين، وهذا الأمر لم يعد قائمًا ولا يمكن أن يقوم؛ لأن الأيدولوجية الشيوعية انتهت، وفكرة حلف وارسو انتهت، وبالتالي نحن أمام صراع وتغيير في النظام الدولي ولكنه ليس علي نسق الحرب الباردة.
فموازين القوى والأوضاع السياسية والاقتصادية تغيرت وظهرت قوى جديدة، وهذه القوى الجديدة لا تسمح لا للولايات المتحدة بالانفراد بالعالم ولا للولايات المتحدة وروسيا أن يتصارعا وحدهما، فالحرب الباردة قامت على صراع بين قطبين متناقضين.

مفكرة الإسلام : وماذا عن دور الفاعلين الجدد في العلاقات الدولية وتأثيرها على الولايات المتحدة؟
رميح:الولايات المتحدة كان لديها نظرية أنها تستطيع أن تخوض عدة حروب في وقت واحد، ولكن قوة الأطراف الدولية وتعددها شلت قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بالعالم كما كان متحققًا لها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتلك المرحلة كانت مرحلة انتقالية.
فالولايات المتحدة ليست في صراع مع تنظيم القاعدة فقط، بل هي في صراع اقتصادي وسياسي واستراتيجي مع أطراف عديدة من العالم، وتتصاعد الصراعات الدولية بقدر بروز هذه الدول التي تأخذ من حصتها في الهيمنة على الاقتصاد الدولي بشكل كبير جدًّا.
وقد حاولت الولايات المتحدة التفاعل مع هذا البروز للفاعلين الدوليين، وتحاول إعادة رسم إستراتيجيتها بحيث تهيمن على الدول الإقليمية والدول الصاعدة اقتصاديًّا وسياسيًّا، وتريد توظيفها داخل الإستراتيجية الأمريكية.
بمعنى أنها تحاول الهيمنة الاقتصادية عبر الحصار والتدمير، وأن تجعل هذه الدول تسير في داخل الإستراتيجية الأمريكية بما يوفر للولايات المتحدة القدرة والمواجهة في مقابل الصين وروسيا.
ولكن هذا معناه أن الولايات المتحدة تفقد جانبًا من قدرتها؛ لأن هذه الدول ستعمل في النهاية لخدمة مصالحها وليس لخدمة الولايات المتحدة حتى لو تعاونت مع الولايات المتحدة الآن فهي غدًا ستصبح قوى ذات تأثير.
والنموذج هو في الصين التي بدأت تجربتها مع الانشقاق الذي حدث في المعسكر الاشتراكي في السبعينيات، وتحالفت مع الولايات المتحدة ووظفتها في إطار الصراع مع القطب السوفييتي.
والآن الولايات المتحدة في مواجهة الصين، وهذه الدول عندما تمتلك إمكانات الدول فإنها تصنع من خلالها مصالح وقوة لها، وهي تؤدي إلى انتهاء القوة والسطوة للولايات المتحدة على العالم.

مفكرة الإسلام : كيف ترى الأدوار المستقبلية سياسيًّا مثل الصين واليابان، والتي ابتعدت لسنوات عن الصراع السياسي مع الولايات المتحدة؟
رميح: قبل أسابيع أعلن عن مناورات صينية - روسية في البحر المتوسط، وهنا الصين تسعى وفق خطة الإستراتيجية وبطريقة هادئة إلى أن تكون قوة عالمية، وهي الآن في مرحلة التأسيس الاقتصادي ولكنها خرجت ـ تحت الضغط الأمريكي ـ من فكرة الدولة الإقليمية إلى فكرة الدولة العظمى، وهي تستعد عسكريًّا وهي تطور منظومتها العسكرية عبر بناء حاملات الطائرات وغيرها من الخطط الإستراتيجية للمستقبل.
وأتصور أن الصين ستصعد من دورها الاستراتيجي، أما اليابان فهي تتجه نحو العسكرة، ونحو أن تصبح قوة عسكرية، والولايات المتحدة تدرك أن الصين تمثل لها مشكلة فوق قدراتها؛ لأنها لا تصارع الصين فقط بل تصارع الصين وروسيا والهند.
وأرى أن الهند والصين واليابان في طريقها لتصبح قوة صاعدة ومؤثرة على المستوى الدولي.

مفكرة الإسلام : ما وزن الفاعل الداخلي في الأحداث الإقليمية والدولية الكبرى، في ظل نظرية سائدة أن كل مشكلة تقع في العالم أساسها فاعل دولي وليس فاعل إقليمي؟
رميح: لا يوجد فاعل خارجي دون فاعل داخلي، وكذلك لا يوجد فاعل داخلي مؤثر دون مساند خارجي، ونحن إزاء تأسيس لنظرية التدخل في الشئون الداخلية للدول بفاعل إنساني؛ حيث جرى قصف دول بدوافع إنسانية أو تحقيق الديمقراطية كما جرى في العراق.
كما نجد أن التدخلات الخارجية تحدث وفقًا لتطورات داخل الدول، وهذا خلاف ما كان عليه في الحرب الباردة.
وفي هذه المرحلة انتقلت إلى إستراتيجية التحرك من داخل الدول عبر الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي هي أسوأ الدول في مراعاتها، حيث استخدمت أسلحة نووية وبيولوجية وكيميائية في الدول الأخرى، ورغم ذلك هي الأكثر ادعاءً أنها تناصر الديمقراطية.

مفكرة الإسلام : بعد الربيع العربي شعرنا بدور متصاعد لدول الإقليم في قضاياها قد لا يتوافق مع الرؤية الأمريكية. فهل هذه مناورة أم تصاعد حقيقي للأدوار الإقليمية؟
رميح:سواء منحت الولايات المتحدة هامشًا من الحرية والمناورة لإعادة توظيف الدول الأخرى داخل استراتيجيتها أو أن الأمر جاء بضغط من أوضاع على الأرض فعلية، بالمؤكد أن النظام الدولي الجديد يتشكل بطريقة مختلفة.
وبالعودة إلى المنطقة العربية فإنه وبسبب أوضاع كثيرة باتت تحت ضغط هائل من مختلف القوى الدولية، ومن مختلف القوى الإقليمية، وهذا هو سبب تعقيد المشهد العربي الآن، والذي أصبح مفككًا على نحو كبير.
ونحن لم ندرك، أو الذين رسموا السياسات الإستراتيجية للدول، لم يدركوا طبيعة التحولات الدولية والتحولات الإقليمية، ولم تبن خطة إستراتيجية للوضع العربي بحيث تتحول من الحالة القديمة لحالة جديدة قادرة على المواجهة مع هذا العالم الذي يتغير.
وبالتالي أصبحنا أمام مشهد معقد فالمجتمع الدولي متعدد الأطراف، وكل طرف فيه يبحث عن مصالحه في هذه المنطقة، والدول الإقليمية التي تعاظم نفوذها تأخذ نصيبًا من كعكة السلطة والنفوذ من الولايات المتحدة في المنطقة، باعتبارها منطقة مجال حيوي لهذه الدول، وأصبحنا واقعين تحت ضغوط هائلة.
والدول العربية لم تكن مستعدة ولم تكن لديها استراتيجيات، ولذلك تنهار النظم وتضعف وتظهر حركات سياسية متعددة تكون إما مرتبطة بنفوذ دولي متعدد الأطراف وإما بنفوذ إقليمي متصارع في هذا الإقليم.
وبالتالي هذا الأمر يتطلب رؤية حاسمة لقطب عربي جديد هو مصر؛ التي يمكنها أن تعيد ترتيب أوراق المنطقة وفق رؤية صحيحة للواقع الدولي والواقع الإقليمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق