الأربعاء، 1 أبريل 2026

هل تخطئ في اختيار من ينفعك؟ هذه الآية القرآنية تجيبك

هل تخطئ في اختيار من ينفعك؟ هذه الآية القرآنية تجيبك
كاتب، قطري، دكتوراه في الفقه وأصول الفقه
الكاتب: ما على الإنسان إلا أن يمتثل لشرع ربه مطمئنا إلى أن البر والصلة قيم متعالية

  • {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا}.. قاعدة قرآنية في فهم العلاقات الإنسانية

في خضم العلاقات الاجتماعية التي تتشابك فيها حسابات المصلحة وتوقعات النفع، يميل الإنسان بطبعه إلى الارتكان إلى ظنونه؛ فيمنح ثقته، ويوجه عاطفته، ويرتب أولوياته بناء على تقدير مسبق لمن يظنه الأقرب نفعا والأبقى أثرا. غير أن التجربة الإنسانية، بما تحمله من مرارات ومفاجآت، كثيرا ما تصفع هذا اليقين المتوهم، وتكشف أن الرهان على جهة معينة قد يتبدد، ليأتي النفع من مكمن لم يكن يخطر للمرء على بال.

فقد كان الناس قبل الإسلام يقسمون أموالهم وفق معايير قائمة على التوقعات الشخصية، أو القوة، أو مقدار ما يرجى من النفع، وكان هذا يؤدي إلى ظلم واضح؛ إذ يحرم الإنسان بعض الأقارب من المال لأنه لا يظن أنهم سيقدمون نفعا كبيرا، بينما يفضل غيرهم اعتمادا على تقديرات بشرية قد تكون خاطئة. وجاء التشريع القرآني ليقطع الطريق على هذه التقديرات غير المنضبطة، ويربط الميراث بروابط ثابتة لا تتغير، مثل الأبوة والبنوة والقرابة والزوجية.

غير أن القرآن الكريم يقطع هذا الاطمئنان المتعجل بحقيقة عميقة تصحح نظرة الإنسان إلى العلاقات ومآلاتها، حين يقول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾(النساء: 11). فقد ورد هذا المعيار في سياق بيان أحكام الميراث، لكنها تحمل في طياتها حكمة إنسانية واسعة تتعلق بطريقة نظر الإنسان إلى علاقاته، وتقديره لمصادر النفع في حياته.

جاء التشريع الإلهي ليزيح الظن البشري ويستبدل به الحق الثابت، رابطا الميراث بأواصر وجودية لا تتبدل بتبدل المصالح، كالأبوة والبنوة والزوجية، مرسيا بذلك حقيقة كبرى: أن الله هو العليم بمنافع العباد

وفي هذا السياق، يشخص سيد قطب تلك الحيرة البشرية قائلا: فهنالك من تدفعهم عاطفتهم الأبوية إلى إيثار الأبناء على الآباء، لأن الضعف الفطري تجاه الأبناء أكبر، وفيهم من يغالب هذا الضعف بالمشاعر الأدبية والأخلاقية فيميل إلى إيثار الآباء، وفيهم من يحتار ويتأرجح بين الضعف الفطري والشعور الأدبي. كذلك قد تفرض البيئة بمنطقها العرفي اتجاهات معينة، كتلك التي واجه بها بعضهم تشريع الإرث يوم نزل، فأراد الله سبحانه أن يسكب في القلوب كلها راحة الرضى والتسليم لأمر الله، ولما يفرضه الله، بإشعارها أن العلم كله لله، وأنهم لا يدرون أي الأقرباء أقرب لهم نفعا، ولا أي القسم أقرب لهم مصلحة ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.

أما ابن عاشور فيذهب إلى نقد المعيار الجاهلي وتفكيك عدم انضباطه؛ إذ يبين أن الإنسان قد لا تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه أو أبناؤه، وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين، وربما لم تعرض أصلا، فهم متفاوتون من هذا الاعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم؛ إذ اعتمدوا أحوالا غير منضبطة ولا موثوقا بها. ولذلك قال تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، فشرع الإسلام الفرائض على ما لا يقبل التفاوت، وهي الأبوة والبنوة، ففرض الفريضة لهم نظرا لصلتهم الموجبة، لكونهم أحق بمال الأبناء أو الآباء.


وهكذا جاء التشريع الإلهي ليزيح الظن البشري ويستبدل به الحق الثابت، رابطا الميراث بأواصر وجودية لا تتبدل بتبدل المصالح، كالأبوة والبنوة والزوجية، مرسيا بذلك حقيقة كبرى: أن الله هو العليم بمنافع العباد، وأن الإنسان مهما اجتهد في تقدير المصالح يظل سائرا في عالم لا يملك مفاتيح غيبه. ولهذا قرر القرآن هذه الحقيقة بعبارة قصيرة لكنها عميقة الدلالة: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.

فالنفي هنا لا يقتصر على حالة فردية أو ظرف معين، بل هو تقرير لحقيقة عامة مفادها أن الإنسان لا يملك العلم الكامل بمستقبل العلاقات ولا بمآلاتها؛ فقد يكون الابن الذي لا يرجى منه نفع في نظر الناس سببا في أعظم البر والعناية، وقد يكون القريب الذي يظن أنه الأقرب نفعا أقل أثرا مما يتوقع. إن تغير الأحوال، وتفاوت النفوس، واختلاف الظروف، كلها عوامل تجعل تقدير النفع أمرا متغيرا لا يمكن ضبطه بمعايير ثابتة.

تتوتر العلاقة الزوجية أو تتبدل الأحوال، وربما يصل الأمر في بعض الحالات إلى الجفاء أو الانفصال، فيظهر حينئذ أن بعض الأقارب الذين أهملوا أو جفوا اعتمادا على ذلك التقدير كانوا أحق بالمراعاة

ويكشف هذا المعنى عن منهج قرآني دقيق في تنظيم العلاقات الإنسانية؛ فالقرآن لا يبني الحقوق على توقعات النفع، بل على الروابط والواجبات. فالإنسان مأمور بأن يؤدي حقوق القرابة والرحم والبر، سواء تحقق له من هذه العلاقات نفع ظاهر أم لم يتحقق؛ لأن معيار العدل لا يقوم على المنفعة المتوقعة، بل على الحق الثابت.

كما تحمل الآية بعدا تربويا مهما؛ فهي تربي الإنسان على التواضع أمام محدودية علمه. فكثير من الناس يتعاملون مع الآخرين بمنطق الحسابات الضيقة: من ينفعني أكثر؟ ومن يستحق أن أمنحه اهتمامي؟ لكن هذه النظرة قد تكون قاصرة؛ لأن النفع الحقيقي قد يظهر في أوقات لاحقة، أو في صور مختلفة لا يدركها الإنسان في بدايتها، وقد يكون أعظم النفع في أمور معنوية لا تقاس بالمصالح المادية المباشرة.


ويظهر أثر هذه الحقيقة القرآنية كذلك في واقع العلاقات الأسرية والإنسانية؛ فكثيرا ما يندفع الإنسان بدافع العاطفة أو التقدير اللحظي إلى تقديم بعض العلاقات على بعض، فيقدم الزوج زوجته على أهله، أو تقدم الزوجة زوجها على أقاربها، ظنا أن هذا التقديم هو الطريق الأقرب إلى الاستقرار والنفع، لكن مسار الحياة قد يكشف بعد زمن أن تلك الحسابات لم تكن دقيقة.


فقد تتوتر العلاقة الزوجية أو تتبدل الأحوال، وربما يصل الأمر في بعض الحالات إلى الجفاء أو الانفصال، فيظهر حينئذ أن بعض الأقارب الذين أهملوا أو جفوا اعتمادا على ذلك التقدير كانوا أحق بالمراعاة، وأقرب نفعا مما ظن يوما.

ويمتد هذا المعنى إلى دوائر أخرى من العلاقات؛ فكثيرا ما يقدم الإنسان صديقا مقربا على بعض أهله أو معارفه، فيمنحه من الثقة والاعتماد ما لا يمنحه لغيره، وربما وقع العكس أيضا؛ فيهمش الصديق بدعوى أن القريب أولى بالتقديم، ثم تكشف التجارب بعد حين أن تلك المفاضلات قامت على حسابات بشرية قاصرة؛ فيتبين أن القريب الذي أهمل لصالح من سمي «صديق العمر» لم يكن إهماله إلا خطأ في التقدير، كما قد يظهر أن الصديق الذي همش بدعوى أن القريب أولى لم يكن أمره كذلك.

إن محدودية العلم البشري تجعل الإنسان يخطئ كثيرا في تقدير مآلات الأمور، ولذلك جاء ختام الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾؛ ليكون مرساة للطمأنينة والثقة بحكمة الله

تثبت الأيام أن الأقدار تختار لنا من النفع ما لا تختاره عواطفنا المندفعة؛ وهنا تتجلى دقة القاعدة القرآنية: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾؛ إذ تذكر الإنسان بأن تقدير مواقع النفع ليس أمرا يسيرا يمكن ضبطه بالحسابات العاطفية أو التوقعات الآنية، بل هو أمر تتداخل فيه عوامل كثيرة لا يحيط بها علم البشر، بينما يظل علمها الكامل عند الله سبحانه.

وهكذا، تتجاوز هذه القاعدة سياقها التشريعي المباشر لتقدم للإنسان ميزانا وجوديا، يعيد صياغة علاقاته على أسس من العدل والواجب لا الحسابات الضيقة؛ فليس كل ما يراه المرء نفعا يكون كذلك في الحقيقة، وليس كل ما يظنه بعيدا عن مصلحته يكون خاليا من الخير.

إن محدودية العلم البشري تجعل الإنسان يخطئ كثيرا في تقدير مآلات الأمور، ولذلك جاء ختام الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾؛ ليكون مرساة للطمأنينة والثقة بحكمة الله الذي وضع الحقوق في مواضعها بعلم محيط لا يعتريه نقص، وحكمة بالغة لا يخالطها هوى. فما على الإنسان إلا أن يمتثل لشرع ربه، مطمئنا إلى أن البر والصلة قيم متعالية، وأن الخير الحقيقي يكمن في اختيار الله له، لا في أمر ساقه إليه ظنه القاصر.


العرب والحاجة لاستعادة المشروع النهضوي

العرب والحاجة لاستعادة المشروع النهضوي

في الشرق الأوسط، تتكرر محاولات إعادة تشكيل المنطقة عبر عقود، لكنها غالبًا تأتي من خارجها: مشاريع دولية وإقليمية تسعى لرسم حدود النفوذ والسيطرة، بينما يغيب أصحاب الأرض عن رسم مصيرهم أو بلورة مشروع نهضوي عربي حقيقي. لقد شهد القرن الماضي تجارب متعددة للنهوض، من الوحدة القومية إلى الاشتراكية، وصولًا إلى الصحوة الإسلامية، إلا أن هذه المشاريع لم تصمد أمام التعقيدات الداخلية والضغوط الخارجية.

اليوم، يعمّ الفراغ الفكري والسياسي والثقافي المشهد العربي، ويترك شعوبه بلا بوصلة أو مشروع واضح، مما يجعل المنطقة معرضة للتدخلات والهيمنة الخارجية، ويحوّل مستقبلها إلى لعبة مصالح للقوى الأخرى. في هذا السياق، يصبح استنهاض مشروع عربي جديد، واقعي وطموح في الوقت نفسه، ضرورة تاريخية وأخلاقية، تتطلب إشراك النخب العربية الفاعلة في رسم خارطة المستقبل وصياغة رؤية متجددة تلهم شعوب المنطقة وتستجيب لتحدياتها المعقدة.

هذا النص كتبه خصيصًا لـ "عربي21" جلال الورغي، مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية، الذي يسعى من خلاله إلى البحث عن سبل إشراك النخب العربية في بناء مستقبل المنطقة، وصياغة رؤية عربية متجددة تجمع بين الطموح الواقعي، والتطلعات الوطنية، وتضع الأساس لمشروع عربي قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجي
ة.

جلال الورغي

جلال الورغي

 الشرق الأوسط الجديد.. أصل الفكرة

تعود فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتتجدد مرة تلو الأخرى. بيد أنه من اللافت أن هذه الفكرة أو المخطط، تتكرر على مسامعنا من قوى لا صلة لها بالمنطقة، وإنما قوى خارجية، تحرص وتسعى لإعادة هندسة ورسم خطوط وملامح هذا الشرق الدامي. فمرة هو مشروع أوروبي خلال الحرب العالمية الأولى، ومرة هو مشروع أمريكي لافتكاك الهيمنة على المنطقة من الامبراطوريتين الغاربتين فرنسا وبريطانيا، ومرة هو مشروع إسرائيلي، ومرة هو خلاصة تحالف أمريكي إسرائيلي. والمثير أيضا أن فكرة إعادة تشكيل المنطقة وهندستها مجددا يغيب ويغيّب عنها أصحاب هذه المنطقة تماما. بل يبدو هذا المخطط في جوهره لتغييب قوى المنطقة بإخضاعها.

شهدت المنطقة خلال القرن الماضي ظهور مشاريع عديدة للنهوض والتغيير، تلخصت أساسا وحسب السياق الزمني، في التيار القومي رافع لواء الوحدة العربية، وحقق خطابه بعض الأثر في نشر ثقافة الوعي بالوحدة والتكامل، أساسا للقوة والنهوض، وعاملا للخروج من الضعف والانقسام.
في خضم هذا الصراع على المنطقة وهذا التنازع الإقليمي والدولي حولها، يغيب العرب، فكرة ومشروعا. بل يؤكد هذا الصراع الدامي على المنطقة، أن حالة من الفراغ، وغياب مشروع نهضوي عربي، هو الذي خلّف فراغا مروعا، التقطته القوى الأخرى، إما من أجل توسيع كيانها وتحقيق أحلامها بإقامة "إسرائيل الكبرى"، لا سيما مع العودة القوية للحديث عن هذا الحلم داخل إسرائيل، أو لتوسيع نطاق الهيمنة والتحكم، كما سعت وتسعى إيران، أو لتعزيز النفوذ والمصالح، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وبدرجة أقل الروس والصينيون والأوروبيون.

شهدت المنطقة خلال القرن الماضي ظهور مشاريع عديدة للنهوض والتغيير، تلخصت أساسا وحسب السياق الزمني، في التيار القومي رافع لواء الوحدة العربية، وحقق خطابه بعض الأثر في نشر ثقافة الوعي بالوحدة والتكامل، أساسا للقوة والنهوض، وعاملا للخروج من الضعف والانقسام. وقد عبرّت هذه الأطروحة القومية عن نفسها من خلال تجارب جريئة للوحدة كانت لافتة، رغم تعثرها ثم تحللها. سادت عقب ذلك أطروحة الاشتراكية مستلهمة من الفكر اليساري، حاولت إقامة تجربة اشتراكية، لكنها انتهت إلى خيبة أخرى في النهوض العربي. وبينما حققت أطروحة الصحوة الإسلامية نجاحا لافتا على المستوى المجتمعي والتربوي، فإنها انتهت في المجمل لنفس المآلات التي آلت إليها الأطروحات والمشاريع النهضوية السابقة.

اليوم تبدو حالة الفراغ الفكري والسياسي والثقافي في المشهد العربي صادمة، إذ تغيب تماما أو تكاد مشاريع للنهوض والتغيير واضحة المعالم. حتى أنك لا تكاد تقرأ أو تقف على مشروع أو رؤية أو حتى مجرّد فكرة تتخلّق. فبينما تتفكك ملامح التضامن العربي السابق، ممثلة في جامعة الدول العربية المصابة بحالة شلل كامل، واتحاد مغاربي ميّت سريريا، ومجلس تعاون خليجي رغم أنه أفضل حال، إلا أنه زخم وحيوية حضوره متراجعة بشكل ملحوظ. هذا الفراغ الخطير في المشهد العربي، هو الذي يغري اليوم القوى الإقليمية والدولية بالسيطرة والهيمنة على هذه المنطقة، بل والإعلان الواضح عن مخططات لإعادة تشكيلها وهندستها.

لا شك أن هذا المأزق العربي الراهن هو الأخطر على المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إذ تكمن خطورة اللحظة الراهنة في كونها تعطف مأزقا داخليا عميقا على خطرا خارجيا محققا. وتتحمّل مسؤولية هذا المأزق الشامل النخبة العربية بكل أطيافها، أسواء تلك التي في الحكم أم التي في المعارضة. كما أن المسؤولية تقع على عاتق كل القوى والتيارات على اختلاف توجهاتها.

وتبدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض المنطقة في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، من خلال انبعاث جديد رشيد وواقعي، يأخذ بعين الاعتبار التحديات والتعقيدات ولكن أيضا يستجيب للتطلعات والآمال، انبعاث يولّد حلما وفكرة ورؤية، تلهم وتحفّز وتحشد، وما يستوجبه ذلك من خيال يتمرّد على حالة الإحباط والانكسار، ويقدح فكرة بمثابة نور وسط العتمة، ونقطة ضوء في آخر النفق.

هذه المنطقة التي تبدو اليوم خاسرة أيا كانت مآلات الصراع، وأيا كان المنتصر فيها من بين المتصارعين، تحتاج لمشروع جديد ومبادرة جديدة، مختلفة وغير تقليدية، تتجاوز الأنماط التقليدية، والمقاربات الكلاسيكية، والرؤى المستهلكة، والطرق المسدودة. وتبدو النخبة اليوم أمام مسؤولية تاريخية كبيرة في تجاوز الصراعات، والاندراج في استراتيجية التهدئة وتخفيض التجاذبات الأيديولوجية والسياسية، والمساهمة في تهيئة المناخات المناسبة لتشكل الجماعة الوطنية، على أساس المواطنة والتعدد والبناء المشترك. ولا يمثل هذا التحرّك المطلوب، ترفا فكريا، ولا مجرد خيار سياسي، وإنما واجبا وطنيا وقوميا، تمليه اللحظة التاريخية، والالتزام الوطني والقومي، وتفرضه التحديات والمخاطر التي تعصف بالمنطقة، والتهديدات الوجودية التي تتربّص بالدول العربية في كيانها وقيامها.


فحالة الفراغ في الساحة العربية، غيابا لمشروع، ولفكرة ولرؤية ولرافعة هيكلية، تعمّق حالة من التيه والضياع، هذا التيه والضياع يمثل في حد ذاته خطرا داهما ومتعدد الأبعاد على المنطقة ومناعتها. فغياب فكرة تؤطر شعوب ومجتمعات المنطقة، تجعل الفرد في هذه المنطقة في حالة تيه وضياع، بدون أفق، ولا بوصلة، ولا ملامح طريق باتجاه المستقبل. هذا الفراغ هو الوصفة الخطيرة، لتفكك الاجتماع السياسي العربي، وفقدان كل حصون المناعة والدفاع، وتسليم الأجيال لثقافة التفاهة والسفاهة. فرغم ما تمدهم به بعض المعاقل المعزولة (حالة غزة) من مثال ونموذج في المقاومة والصمود والتمسك بالحق، إلا أن المشهد السائد يكاد يطمس ويغمر هذا النموذج. كما أنه نموذج بقدر ما يلهم بقوة صمودا ومقاومة، إلا أن سياقاته لا تسعف أن ينهض نموذجا متكاملا، يعطف ثقافة الصمود على ثقافة البناء والنهوض.

تبدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض المنطقة في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، من خلال انبعاث جديد رشيد وواقعي، يأخذ بعين الاعتبار التحديات والتعقيدات ولكن أيضا يستجيب للتطلعات والآمال، انبعاث يولّد حلما وفكرة ورؤية، تلهم وتحفّز وتحشد، وما يستوجبه ذلك من خيال يتمرّد على حالة الإحباط والانكسار، ويقدح فكرة بمثابة نور وسط العتمة، ونقطة ضوء في آخر النفق.
تصر نخب كثيرة في منطقتنا على أن التحرر والخروج من دائرة الفراغ القائمة، يمر حتما وضرورة عبر مراجعات نقدية شاملة لمسار القوى السياسية والاجتماعية التي كانت فاعلة في السلطة وفي المعارضة خلال الحقبة الماضية. بيد أن هذه الدعوات التي تكاد تستحيل "اشتراطات" وابتزازا، تركن إلى تثبيت أفق المشهد العام، ضمن شروط ومعطيات تجاوزها الواقع، وطرأت عليها تحولات عميقة أفقدتها كل فاعلية أو وزن. ويعني هذا مما يعنيه، تحرر النخب الفاعلة من أوهام اجترار الماضي وأحداثه، والاندراج في فاعلية وديناميكية المساهمة في بلورة ملامح مشروع نهوض وقومة، تحتاجها المنطقة وتحتاجها شعوب المنطقة وتحتاجها أجيال المنطقة الباحثة عن مسارات جديدة جاذبة للإصلاح والنهوض.

كما أنه لم يعد مقبولًا اليوم أن تكون النخب في منطقتنا عالة على مشاريع ورؤى تشكّلت على مدى عقود مضت، وساهمت فيها عقول كثيرة من مختلف الخلفيات والمدارس الفكرية، فتمسّكت بهذه الرؤى المتقادمة، محافظةً عليها كفكرة ومنهج، بينما تتسارع التحولات في الواقع، وتتداخل عناصر تشكله، وتتعقد ملامحه. فإنه أيضا لم يعد ممكنا التفريط وإهدار هذه المنطقة، بكل تاريخها وعراقتها ومقدراتها وحيويتها، لصالح حالة من الفراغ الجاذبة للطامعين والمتربصين للسطو على هذه المنطقة، وتنفيذ مخططاتهم، وإعادة تشكيلها وهندسة ملامحها بما يكرس هيمنهم وعلوهم وتفوقهم الاستراتيجي.

فليس قدر هذه المنطقة أن تكون مرة أخرى وبعد حوالي قرن على التقسيم الأول، خارطة للتقاسم وإعادة توزيع النفوذ بين قوى خارجية. فملامح النظام الدولي الذي يتخلّق ويتسارع تشكلا، وما يؤشر عليه من تعددية وتوازن قوة، يوفر لشعوب المنطقة فرصة للاستفادة من هذا المسار الجديد، للمناورة وإعادة التموقع خارج التحالفات والمحاور التقليدية، واجتراح أفق أرحب، استفادة من كل مكونات المشهد الدولي. وأمام العرب، أنظمة وشعوبًا وأفرادًا، لحظة تاريخية حاسمة تدعو أن يكونوا جزءًا فاعلًا في المفاوضات على المستقبل، لا مجرد وجبة في لائحة طعام المتفاوضين.

*مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية