الأحد، 31 يناير 2021

الثورة لا تأتي محمولة جواً

 الثورة لا تأتي محمولة جواً

وائل قنديل
نحن لن ندعم مصر لا تتحرك نحو الديمقراطية. مساعداتنا سترتبط بما هو أفضل لمصر وللعالم وللمنطقة". 
"العلاقة مع الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك كانت في صالح سياستنا الخارجية، لكنها لم تكن في صالح المصري العادي .. هذه الأيام ولّت". 
كما أن "الربيع العربي أثّر على الولايات المتحدة وسياستها في الشرق الأوسط".


ما سبق ليس كلامًا صادرًا عن إدارة جو بايدن الجديدة، الديمقراطية، والتي يتحمّس لها قطاع من السياسيين، وغير السياسيين، المعارضين، بل هو كلام جمهوري عتيد وأحد المحاربين حتى آخر طلقة في معسكر دونالد ترامب للفوز بفترة رئاسية ثانية.
هو كلام النائب الجمهوري، ليندسي غراهام، حين جاء صحبة زميله الراجل جون ماكين إلى القاهرة، عقب الانقلاب العسكري في صيف العام 2013، بحثًا عن حل للمعضلة المصرية، وبحسب تعبيره "لتجنب "أسوأ كابوس"، وهو أن تتحول مصر إلى "دولة فاشلة".
كان أول ما شدد عليه الثنائي (ماكين - غراهام) هو حتمية الإفراج عن المعتقلين كمقدمة للحوار، لأنه "لا يمكن الحديث مع مسجون .. هذه ليست طريقة للتحول السياسي". الكلام جميل ومحترم ومرتب، بل إنه أكثر جمالًا واحترامًا وترتيبًا مما تسمعه وتقرأه من تصريحاتٍ على لسان نواب وسياسيين من دائرة بايدن الديمقراطية بشأن الحالة المصرية الآن. لكنه يبقى كلامًا وملصقات فخيمة للدعاية للمنتجات الديمقراطية الأميركية، من دون أن يكون متاحًا لأحد خارج الـ USA باقتنائها واستعمالها، إذ عادة ما تفضل الإدارات الأميركية التعاون مع من يحاربون هذه المنتجات في بلدانهم، كما هو الحال مع عبد الفتاح السيسي وبشار الأسد، بدليل أن حصيلة ذلك "المانفستو" الأميركي من 2013 وحتى 2021 (ثلاثة أعوام أوباماوية وخمسة ترامبية) هي مزيد من الدعم والتمكين للجنرال عبد الفتاح السيسي في السلطة.


قلت، في مقال يوم الجمعة الماضي، إن عاقلًا لا يمكنه أن يكون ضد أي جهد للتخلص من حالة قمعية استبدادية تخنق مصر والمصريين، لكن بحسابات العقل لا يمكن الوقوف مع تحرّكات ترهن مصير الأزمة المصرية بإرادة جو بايدن وإدارته، لأن في ذلك تغافلًا عن تجربة السنوات الماضية، وإهدارًا للجوهر الوطني والأخلاقي لنضال الثورة المصرية، باعتبارها كانت، أيضًا، ثورةً على التبعية السياسية الكاملة للمشروع الأميركي الصهيوني.
في ذلك وردتني ردود مختلفة، أتوقف عند نوعين منها، تنظران إلى المسألة بمعيار براغماتي صرف، الأول يطرحه المذيع في "الجزيرة"، أيمن عزام، وفحواه "أليست الثورة فعلًا سياسيًا؟! فلماذا لا تستخدم كل أدوات السياسة بما يتفق مع فكرتها؟ أليست الثورة لتغيير النظام؟ فماذا لو أصبحت هي النظام؟ أفلا تتعامل مع محاور إقليمية ودولية؟ قل من حرَم أدوات اللعبة على الثورة التي هي شرف الشعب بينما يستحلها الاستبداد الذي يستبيح كرامة الوطن؟".
وكان ردي بوضوح أنه منذ أفلاطون وأرسطو، ليس هناك ما يدعم فرضية أن الثورة فعل سياسي، بل لا أبالغ لو قلت إن مقتل الثورات يكون في استدراجها إلى العمل السياسي، قبل أن تكتمل، ولنا في ثورة يناير المثل والدرس، حين تركنا الميادين مبكرًا.
ناهيك عن أنه ليس أخلاقيًا ولا ثوريًا أن يكون معيار الحكم على صحة الفعل وجدارة السلوك ومشروعية استخدام أدوات اللعب أنها نجحت مع  الاستبداد، ومن ثم لا مانع من أن تلعب بها الثورة، ذلك أن الثورة، أي ثورة، هي بالأساس فكرة أخلاقية، كما أن العمل الثوري ينطلق من جوهر الفكرة الأخلاقية، فيما للسياسة والعمل السياسي محدّدات أخرى، وأدوات مغايرة، فتعتمد مبدأ الصفقة والمقايضة.
كما أن الكل يعلم أن الورقة الأهم في لعبة نظام الاستبداد الحالي كانت الورقة الإسرائيلية التي اعتمد عليها في الوصول إلى السلطة والبقاء بها، فهل يمكن أن تمشي الثورة على هذا الطريق؟  
ثمّة ردود أخرى تذهب إلى أن الإدارة الأميركية الجديدة وعدت بأن تضع حدًا لانتهاكات حقوق الإنسان، فلماذا لا تتعاون كيانات وشخصيات محسوبة على الثورة المصرية معها لتحقيق هذه الغاية.
وظني، أيضًا، أن المعارضة الثورية لا تتعاون مع حكوماتٍ ونظم حكم، خصوصًا التي عرف عنها أنها لم تكن متحمّسة لتغيير ثوري عندنا .. قد يكون مقبولًا التواصل مع معارضاتٍ أخرى أو مؤسسات شعبية أو هيئات دولية، أما تعاون مع حكومات فهذا يعني أنها تنافس السلطة التي تؤمن نفسها بإعلان التبعية لهذه الحكومات، لكي تزيحها وتكون بديلًا عنها، وهنا تتحول إلى سلطة مكسورة العين، لو نجحت في أن تحل محل السلطة القديمة بمعاونة سلطة دولةٍ أخرى.
وأتذكر أن هذا الجدل قائم منذ تسلم دونالد ترامب منصبه، ولم تتحقّق نتائج تذكر من الطرق على أبواب الكونغرس والبيت الأبيض، ولم تستفد الثورة ولا المعارضة، بل استفاد نظام السيسي، بكل أسف، حين استسلمت الثورة/ المعارضة لقواعد اللعبة والأدوات التي يستخدمها، فلا هي احتفظت بثوريتها، ولا نجحت في أن تكون بديلًا مقنعًا لمن بيديهم كل الخيوط.
الشاهد أن استمرار هذا التفكير  يجعلنا لا نغادر ما وصفتها قبل خمس سنوات بأنها"لحظة صناعة البدائل، وتجارتها في محلات العطارة والأكشاك المتنقلة، ومن أسفٍ أنها كلها تدور حسب رغبات الخارج وتصوراته، ليأتي البديل  تابعا، ومدينا بالفضل لاعتبارات النفوذ الدولي والعبث الإقليمي".

باختصار، ومجدّدًا، الثورة لا تأتي محمولة جوًا.

السبت، 30 يناير 2021

"جمهورية الضباط" باقية وتتمدّد

 "جمهورية الضباط" باقية وتتمدّد

خليل العناني

مرّت قبل أيام الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير. وقد امتلأ الفضاء الإلكتروني (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) بكثير من النوستاليجيا الاحتفالية بالثورة، إلى درجة أن الجنرال عبد الفتاح السيسي نفسه قد هنّأ الشباب المصري بالذكرى في خطابه بمناسبة عيد الشرطة الأسبوع الماضي. صحيح أن كلماته عن الثورة لم تتجاوز خمسين كلمة، من بين ستمائة كلمة إجمالي الخطاب، وذلك على نحو ما أخبرنا بذلك موقع سي. إن. إن العربي، إلا أنه لم يقفز على الحدث الذي هزّ مصر، وقلب كيانها منذ عشر سنوات، وأراد أن يسرق "اللقطة" من المحتفلين بذكرى الثورة.


وعلى الرغم من مرور عقد على الثورة، فإن أسئلةً عديدة، وبعضها قد يبدو بديهياً، لا تزال تقفز إلى الذهن، وتبحث عن إجاباتٍ مقنعة. لعل أبرزها سؤال التصنيف والتوصيف. كيف نصف أو نصنّف ما وقع في 25 يناير/كانون الثاني 2011؟ هل كانت ثورة أم انقلابا أم انتفاضة أم نصف ثورة ونصف انقلاب.. إلخ. فبالنسبة للمصريين، أو على الأقل كثير منهم، فإن ما حدث كان ثورة شعبية غير مسبوقة، خرج فيها الجميع للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. في حين تبدو بالنسبة لبعضهم الآخر، خصوصا بين المثقفين والباحثين، فقد كانت انقلاباً استباقياً نفّذه الجيش ضد احتمالات وصول جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، إلى السلطة.

 ويعتقد هؤلاء أن تنحّي مبارك عن السلطة في 11 فبراير لم يكن للمتظاهرين أو الثوار، وإنما للمجلس العسكري. كذلك يستندون، في رؤيتهم تلك، إلى الوثائق والمذكّرات والتسريبات التي ظهرت على مدار العقد الماضي، خصوصا مذكرات الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، المعنونة "أرض موعودة"، أو مذكّرات وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ورسائلها الإلكترونية، والتي تشير، بوضوح، إلى إطاحة الجيش مبارك حماية له ولمصالحه. في حين يبدي بعض ثالث تململاً من الجدل بشأن توصيف ما حدث، ويطالب بضرورة النظر إلى الأمام، والعمل على تغيير الأوضاع الحالية السيئة في مصر.

تعلّمنا من تجربة السنوات الماضية أن أية انتفاضةٍ أو ثورة أو هبّة شعبية قد تحدث في المستقبل، لا يجب أن تقع في فخ الوثوق في جنرالات الجيش

وباعتقادي، لا توجد مناسبة مهمة لطرح مثل هذا السؤال (سؤال التوصيف والتصنيف) وغيره من الأسئلة المهمة، مثل سؤال: لماذا فشلت الثورة؟ وسؤال غياب المشروع السياسي البديل، وسؤال الاختيار بين المسارات السياسية والثورية، من مناسبة مرور عقد على الثورة. فبدون فهم ملابسات تلك الثورة، وكثير منها لا يزال مخفياً وغامضاً، فلن يمكن المرور إلى الأمام، ولا يضمن أنه إذا ما وقعت أحداث مشابهة في المستقبل (القريب ربما)، كيف سيتم التعاطي معها. فالوصف والتصنيف هنا ليسا مسألة نظريةً أو أكاديميةً محضة تُثار من قبيل الرفاهة الفكرية. ولكنها تقع في قلب فهم تعقيدات المشهد السياسي في مصر، ومعرفة تشابك علاقات القوة وتوزيعها بين مراكز السلطة المختلفة.
فقد اكتشفنا، وتعلّمنا من تجربة السنوات الماضية، أن أية انتفاضةٍ أو ثورة أو هبّة شعبية قد تحدث في المستقبل، لا يجب أن تقع في فخ الوثوق في جنرالات الجيش، ومن ثم تسلّم لهم نفسها، منذ البداية، كي يفعلوا بها ما يشاؤون. كما عرفنا أن هؤلاء الجنرالات، أو على الأقل كثيرين منهم، ليست لهم أية مصلحة في تغيير الأوضاع السياسية في البلاد، بحيث يكون للشعب كلمة في اختيار من يحكمه، وذلك مهما ادّعى بعضهم عكس ذلك. وتأكّدنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن كثيرين من هؤلاء الجنرالات يمنّي النفس، بل وربما يستعد ويخطط، للقفز على مقعد السلطة، عندما تأتي اللحظة المناسبة. كما بتْنا على يقين كامل بأن مرض مصر العُضال لا يكمن في قواها السياسية، إسلامية أو علمانية، يسارية أو ليبرالية، وإنما في شيء واحد فقط: الطموح السياسي للعسكر. وهو طموحٌ يبدو مركباً أصيلاً في عقيدة جنرالات مصر الكبار، الذين يرون أن مصالحهم الخاصة تتجاوز مصالح الوطن والمواطن.

لا علاج لمصر من عللها وأمراضها إلا بالتحرّر من "جمهورية الضباط"، وبناء "جمهورية الشعب"

تعلّمنا أيضا، خلال السنوات العشر الماضية، وللدقة تذكّرنا، أن جنرالات مصر يملكون الأرض وما فيها، ومن عليها، من مال وماء وخبز وزرع، وهم المتحكّمون في رقاب الناس وأقواتهم، وأنهم المسيطرون على منافذ الحياة وشرايينها في مصر. فلا زرع، ولا بناء، ولا طرق، ولا مواصلات، ولا مؤسسات، ولا غذاء، ولا إعلام، ولا فن، ولا تعليم، ولا صحة، ولا انتخابات، ولا أحزاب، ولا برلمان، ولا سياسة إجمالاً، إلا بإذن العسكر.
باختصار، ما حدث منذ ثورة يناير هو اتساع نفوذ وهيمنة "جمهورية الضباط" (بتعبير يزيد صايغ)، بدرجةٍ ربما لم تحدث منذ انقلاب يوليو 1952، وذلك على مرأى ومسمع من الجميع، داخلياً وخارجياً. لذا، فإذا كان من درس واحد فقط يمكن تعلّمه من العشرية الأولى لثورة يناير، فهو أنه لا علاج لمصر من عللها وأمراضها إلا بالتحرّر من "جمهورية الضباط"، وبناء "جمهورية الشعب"، ووقتها يمكن أن نسمّي ما حدث بالفعل بأنه "ثورة"، وبدون ذلك فإن "جمهورية الضباط" ستظل باقية.. وتتمدّد.

ما الأمل؟ ما العمل؟ (7-7) التحديات الكبرى والفرص الضخمة

 ما الأمل؟ ما العمل؟ (7-7) 
التحديات الكبرى والفرص الضخمة

منصف المرزوقي

الرئيس التونسي

ندما ترجع بي الذاكرة إلى العقود الأخيرة وما عايَشه جيلي من صراعات فكرية-سياسية إزاء تصوّراتنا وخُطَطنا للدولة الأفضل والمجتمع الفاضل، تأتيني اليوم بعد نصف قرن من تلك الصراعات، بعد تجربة المعارضة والحُكم، صورةُ تلامذة بالغوا في تقدير ذكائهم حين جلسوا لتدبيج فرض نحو “الحل” وكتبوا أجمل النصوص، إلا أنها كانت كلُّها خارج الموضوع، لأن هؤلاء المغرورين لم يفهموا أصلا سؤال الامتحان.

كان سؤال هذا الامتحان المصيري في الثمانينيات: حيث إنّ ريغان وتاتشر أسّسا النظام الاقتصادي العالمي الجديد، أي سطوة الليبرالية المتوحشة… حيث إن دوَلكم ستصبح -نتيجة هذا التحوّل- إما زبائن أو رهائن… حيث إن السياسات الاقتصادية الجديدة في ظل الفساد الاستبدادي ستقسّم شعوبكم إلى "غلابه" قَدَرهم البطالة والفقر، ونُخب فاسدة تتوحّش للحفاظ على امتيازاتها… حيث إن الهُوة ستتسع بينهم مُبتلعة الطبقة الوسطى التي هي العمود الفقري لمجتمعاتكم… وحيث إن الوضع سينتهي بانفجارات اجتماعية متواصلة تقود إلى ثورات أغلبُها دموية… ماذا أنتم فاعلون؟


لم ننتبه أصلا إلى السؤال وبقينا نتخاصم على الهوية والأصالة والمعاصرة، وهل الإسلام دين أم دين ودولة؟ وهل القومية الصحيحة هي قومية البعث السوري أم البعث العراقي؟


نحن نرى النتيجة اليوم.


ما زال الواقع الساخر من سذاجتنا يلاحقنا بأسئلته المتعددة، وهي منذ عام 2000 تتمحور حول 5 قضايا ضخمة، فهل سنجيب أخيرا عن أسئلة الامتحان أم نواصل الهذيان خارج الموضوع؟


المسألة البيئية

السؤال الرئيس: حيث إن الطفرة الصناعية في الصين والهند ستُفاقم آثام الطفرة الصناعية في أوروبا وأميركا، ومن ثمّ ستتسارع آثار الاحتباس الحراري نتيجة كل ما ستبعث به المصانع الجديدة من غاز ثاني أوكسيد الفحم.


حيث إن أكثر المناطق تضررا منطقتُكم العربية التي ستصبح حسب توقعات المتخصصين، في نهاية هذا القرن، غير قابلة للحياة أصلا نتيجة عَوَز الماء واندثار الأراضي الزراعية وارتفاع الحرارة… ماذا أنتم فاعلون؟

وحيث إن كل التوقعات العلمية تنذرنا بأن التحول المناخي الحادث والمتسارع سيحكم على المناطق الرطبة بمزيد من الرطوبة، أي بمزيد من الأمطار والعواصف المدمرة والمغرقة لبلدان بأكملها مثل بنغلاديش، وأنه سيحكم بتزايد جفاف المناطق الجافة، أي كل العالم العربي مما سيؤدي حتما إلى شحّ أكثر في الأمطار وتناقص متزايد في المياه الجوفية النادرة أصلا وتسارع توسّع الصحراء في أزمة عطش قد لا تبقي ولا تذر [1].

وحيث إن ارتفاع منسوب مياه البحر المتوقع سيدمر آلاف الكيلومترات من شواطئكم ويهدد بإغراق أكبر مدنكم التي تقع على السواحل من طنجة إلى اللاذقية مرورا بوهران وتونس والإسكندرية …

وحيث إن ارتفاع الحرارة المتوقع في المناطق متزايدة الجفاف ينذر بحرائق هائلة -كالتي وقعت في أستراليا وكاليفورنيا- مما يعني تبخر الشريط الأخضر الوحيد في العالم العربي أي غابات شمال المغرب والجزائر وتونس…

وحيث إن بذوركم قد ارتهنتها الشركات الأميركية الكبرى ولم تعودوا تتحكمون حتى في المصدر الأول لقوتكم، ونظرا لارتفاع الطلب على القمح وارتفاع أسعاره في السوق الدولية [2]…

وحيث وحيث وحيث…


ماذا أعددتم من برامج لرصد كارثة التحول المناخي؟

 هل لديكم مجالس علمية تتابع الموضوع وفيها كل المتخصصين وتعود بالنظر مباشرة إلى مجالس الأمن القومي التي وضعت في كل قطر التحول المناخي على قائمة اهتماماتها؟

هل جنّدتم خيرة باحثيكم وعلمائكم في جامعاتكم لتتابع الوضع وتقترح الحلول التقنية المحلية؟

هل نبهتم المواطنين إلى أن يكونوا على وعي بخطورة الظاهرة كي تبرز من العبقرية الموجودة داخل كل مجتمع حلول ربما لم ينتبه إليها جهابذة العلماء؟

هل خصصتم جوائز مادية ورمزية ذات قيمة كبرى لكل من يقاوم الظاهرة ويجد لها هنا وهناك حلولا ولو متواضعة في كل ميدان؟

هل لديكم خطط طوارئ جاهزة بإمكانات كافية وموارد بشرية مدربة لمواجهة الحرائق والفيضانات المرتقبة؟

لماذا لم تظهر إلى الآن أحزاب قوية مثل أحزاب الخضر في أوروبا التي فرضت سياسات جديدة على حكومات قديمة؟

على الصعيد الدولي بما أنكم أنتم العرب من أهم ضحايا هذا التغيير والحال أنكم لم تتسبوا فيه.


أليس من العدل أن من يتسبب في جريمة هو الذي يدفع ثمنها؛ فكيف يطلب منكم وأنتم الضحية دفع الثمن والسكوت على الجريمة؟

هل فكرتم باللجوء إلى محكمة العدل الدولية على أنكم دول متضررة، والتقدم بشكوى ضدّ الدول الغربية وربما حتى ضد الصين والهند احتجاجا على دور هذه الدول في تهديد وجودكم أصلا، شعوبا وأفرادا، وأنتم أمام مخاطر الجوع والعطش وتزايد العنف المدني فضلا عن غرق مدنكم الساحلية وتبخر ما بقي لكم من غابات؟

هل تقدّرون تكاليف ما ينتظركم من خسارة؟ لماذا لا تتقدمون بفاتورتها إلى الدول المسؤولة؟

هل تستطيعون إجبار هذه الدول على دفع التعويضات في غياب الشوكة كما كانوا يفعلون معكم دوما عندما تمس مصالحهم؟

هل يمكنكم طرح موضوع إلغاء الدين وفوائد الدين، وهما من أكبر عوائق تقدمكم، بالعفو عن هذه الدول والمسامح كريم؟

وإذا رفضوا التعويض والعفو؛ فما هي أخطار إلغاء الديون من جانب واحد لتمويل برامج عربية للماء والبذور والتصحر؟

وإذا اتضحت أنها مغامرة أكبر من طاقاتكم؛ فهل يمكن مقايضة إلغاء الديون ببرامج مشتركة لمحاربة التغيير المناخي، تمولها هذه الديون وتنتفع بها شركات الدول المعفاة؟

ألن نضرب جميعا عصفورين بحجر واحد؟ ألن نتخلص نحن من العبء الرهيب بالاستثمار في بناء المحطات الشمسية، وتحلية مياه البحر والزراعة خارج أديم الأرض، والإسهام في بناء الحزام الأخضر الذي جعله الاتحاد الأفريقي هدفا للقارة فتربح الدول المعفاة هي أيضا وشركاتها صاحبة الأولوية في بناء المحطات الشمسية وتحلية المياه وتطوير الزراعة والغابات؟

ألن تسهم مثل هذه السياسة في تخفيف حالة الاحتقان السياسي وإبعاد خطر الحروب الإقليمية خاصة؟ أليس هذا هو الحل أمام ما تخشاه أوروبا وأميركا؛ ألا وهو تدفق اللاجئين المناخيين؟


المسألة الاقتصادية الاجتماعية

إبّان سطوة الاقتصاد الليبرالي؛ لماذا لم تنجحوا في خلق مؤسسات تنتج الثروة؟ لماذا لم نرَ ظهور أشخاص مثل تاتا في الهند أو بنز في ألمانيا، أو داسو في فرنسا أو بوينج في أميركا؟ لماذا لم تنتج مجتمعاتكم إلا مقاولين وفاسدين يتعيشون على الريع النفطي؟

وإبّان انتشار الفكر الاشتراكي في الاقتصاد؛ لماذا لم تنجحوا في بناء شركات حكومية عملاقة كالتي نجحت في الصين وإلى حد ما في كوريا الجنوبية؟

والآن والكل يتحدث عن الاقتصاد التضامني.. ما سبب تأخركم في ميدان يشغل اليوم في أوروبا 10% من اليد العاملة؟

ماذا أنتم فاعلون بـ100 مليون عاطل عن العمل أغلبهم من الشباب ومن حاملي الشهادات العليا، ونموذجكم للنمو الاقتصادي فاشل بل قد تضطرون حتى إلى مراجعة مفهوم النمو نفسه؟

هل صحيح أن هناك مشكلا ثقافيا في علاقتكم بالعمل والمبادرة والتعويل على الذات أم أنها مرحلة ناتجة عن طول علاقتكم المرضية بالحكم الاستبدادي الذي علمكم الرضوخ والتبعية مقابل فتات المائدة ووعود لا تتحقق أبدا؟

ألم يحن الأوان لثورة في تفكيركم الاقتصادي تراجع مفهوم النمو وتربط أهم قطاعات الاقتصاد بالاقتصاد البيئي لضرب عصفورين بحجر واحد، أي الفلاحة والتشجير والطاقات البديلة وكل القطاعات ذوات القيمة المضافة بدل التعويل على السياحة وعائدات النفط لمن لديه نفط أو صناعات بائرة مثل النسيج وهناك دوما أماكن اليد العاملة أرخص من اليد العاملة العربية؟

هل الأمر متعلق حقا بضيق الأسواق؟ وفي هذه الحالة كيف تفسرون نجاح بلدان مثل سويسرا وهولندا والسويد وفنلندا؟ وعلى كل حال ما سبب عجزكم عن خلق سوق واحدة وكل مناطق العالم تتوجه نحو توسيع الاندماج؟

المسألة السياسية

ماذا أنتم فاعلون بمستقبل الأجيال وقد جعلتم من أنفسكم أشلاء دول وشعوب وسط عالم تندمج مختلف مناطقه الجغرافية لتكتسب وزنا كافيا في سباق الأمم وتأثيرها في المصير المشترك؟


بماذا تفسرون أن 27 شعبا أوروبيا يتكلمون 23 لغة ويدينون بأكثر من دين استطاعوا بناء فضاء بـ500 مليون نسمة يتحركون فيه ويتبادلون السلع والأفكار بكل حرية ويحفظون السلام وأنتم شعب واحد بلغة واحد ودين أغلبي لكنكم عاجزون عن تحقيق ما هو بداهة في مصلحتكم؟

هل الأمر ناجم حقا عن وجود أنظمة استبدادية؟ هل بوسع أنظمة ديمقراطية أن تبني الفضاء الواحد أم أن الزعاماتية المرضية والقبلية النائمة بعين واحدة في كل شخص وفي كل شعب ستجعل حتى الديمقراطيات أعجز عن بناء هذا الفضاء الذي يحلم به البعض أي اتحاد الشعوب العربية الحرة؟

إلى متى ستقبلون بموت كل مشروعات التنسيق الإقليمي مثل موت الاتحاد المغاربي والاتحاد الخليجي؟

وحيث إن الاندماج سيكون مفروضا عليكم بحكم أن العالم أصبح شبكة لا مكان فيه لجزر معزولة فماذا ستختارون؟ الاندماج الأفقي كتوابع بالنسبة للدول المغاربية في السوق الأوروبية والدول المشرقية في صلب كيانات إقليمية ودولية أم الاندماج الأفقي الذي سيضمن تواصلكم كأمة سيدة مصيرها؟

المسألة التكنولوجية

حيث إن طفرة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ستجعل منكم دوَلا وشعوبا في حالة تبعيّة تامة لحفنة من الشركات الأميركية تصوغ عقولكم وقلوبكم وتتحكم في أسراركم وتوَجّه انتخاباتكم المفبركة والديمقراطية في الاتجاه الذي يخدم مصالحها… ماذا أنتم فاعلون؟

إن كان ظهور الصين بوصفها قوة إمبريالية جديدة ظاهرة مألوفة والإمبراطوريات تتتابع طوال التاريخ، فكيف نفسر وكيف نتفاعل مع ظهور إمبراطوريات لم تعد بحاجة لفرض الهيمنة إلى جيوش أو أراض تحتلها ويوسع دائرتها الغزاة الأبطال؛ اسمها غوغل وأمازون وفيسبوك وآبل؟ كيف نفهم ونواجه أزمة السلطة وقد تبين قصورها؟ أليست الشكل الاستبدادي أو الديمقراطي؛ ومن ثم ظهور سلط لا تتحمل أي مسؤولية ونزع القداسة عن كل السلط القديمة المسؤولة أمام شعوبها؟ من أين للشعوب ومن يمثلونها التحكم في الشركات الكبرى وهي التي تمتلك كل أدوات السيطرة على العقول والقلوب وليست فقط السيطرة على لقمة عيش مئات الملايين؟ من يسيطر على الفضاء الافتراضي الذي سيصبح عما قريب هو الفضاء الأول لحياتنا، وما نسميه الواقع رافد من روافده مهمته الأساسية تغذيته بالمعطيات والتشكل حسب ما يقرره؟

ماذا أنتم فاعلون والهوة التكنولوجية بينكم وبين الأمم الخلاقة تزداد اتساعا وأنتم في حالة إدمان وتبعية تتفاقم يوما بعد يوم؟

هل انتبهتم إلى أن وسائل الاتصال أصبحت أكبر خطر على اللغة العربية الموروثة من الآباء والأجداد، التي تشكل العنصر الموحد الوحيد لشعوبنا؟

ألا ترون أن استعمالها وتعميمها بالعاميات والعاميات المهجنة بالفرنسية والإنجليزية وحتى العبرية ينذر بتحقيق ما حلم به الاستعمار وفشل في تحقيقه؛ أي جعل العربية تعرف مصير اللاتينية؟

ألا يعني تراجع الفصحى قبلة الموت لحلم الوحدة وهذه اللغات العربية تعزل الشعوب عن بعضها بعضا في حين كانت الفصحى توحّدهم؟

ألا ترون أن وسائل الاتصال هذه بصدد تدمير مقومات الفكر السليم وهي تربي الأجيال على السرعة والسطحية والتذبذب؟

ما الذي ستفعلونه لحماية خصوصيتكم التي أصبحت سلعة تباع وتشترى في سوق الأمن وسوق الإشهار وسوق السياسة؟

كيف ستحمون انتخاباتكم يوما من صناعة الرأي العام وفق أحدث تقنيات وكالات الاستخبارات الدولية وحتى الخاصة المختبئة تحت أسماء شركات خدمات؟

ما الذي فعلتم أو ستفعلون ليكون فضاءكم الافتراضي تحت سيطرة السلطات الوطنية (يوم توجد سلطات وطنية)؟

متى سيكون لكم شركات عملاقة قادرة على الدفاع عن خصوصياتكم وأمنكم المعلوماتي لكي لا تخترق وكالات الاستخبارات جيوشكم ومصانعكم للكهرباء وبنوك جيناتكم في حرب قد تكون أخطر الأسلحة فيها الخوارزميات؟

ماذا أعددتم لموجة الذكاء الاصطناعي التي قد تجعل منكم شعوبا مستعبدة وتابعة وحتى بشرية من صنف "ب" وكل أسباب السيطرة والهيمنة في كل المجالات قد تركزت بين يدي قادة 5 دول عظمى و5 شركات خاصة أعظم؟

أسئلة إلى أمة ضحكت من جهلها الأمم، ويبكي من جهلها من ما زالوا على أمل أن الله، خلافا لما قال نزار قباني، لم يغسل منها بعد يديه.

—————————————————

[1]- في بداية رئاستي بادرت سنة 2012  إلى تسمية مديرا لمركز للدراسات الإستراتيجية تابع للرئاسة، وقلت له انطلق في العمل. قال إن أهم موضوع أريد أن يعمل عليه المركز هو الإرهاب، نظرت إليه طويلا ثم قلت له هذا آخر موضوع يهمني؛ ففتح فمه مدهوشا وكنا في بداية مسلسل ضربات إرهابية كان هدفها وحتى مصدرها واضحين لي. قلت له إن الإرهاب لا يشكل خطرا لا على الدولة ولا على الشعب وهو مصدر إزعاج ظرفي لا أكثر مهما كانت تكلفته موجعة. ما يهدد الدولة والشعب العطش، وكل الدراسات الأولية تثبت أننا نتجه بسرعة نحو أزمة مياه محلية وعالمية؛ لذلك ليعمل المركز على مخاطر نقص المياه وإستراتيجيات الاستعداد للأزمة التي تتهددنا. وفعلا هذا ما تم وصدر التقرير بعد أكثر من سنة وكان أكثر من مفزع، ومع الأسف تتابعت الأزمات والحكومات وترك الملف جانبا.


[2]- كان لي شرف جعل هذا الموضوع حاضرا بقوة عند التونسيين، وانتهت عملية الضغط على الحكومة وإشعار الرأي العام باستعادة تونس سنة 2020 آلاف من بذورها الأصلية المهربة إلى بنوك الجينات في الخارج وانطلاق برنامج للخروج من سطوة البذور المهجنة التي تبيعنا إياها الشركات الأميركية.


المزيد من الكاتب

ما الأمل؟ ما العمل؟ (1-7) دروس التاريخ الأربعة لمواجهة المستقبل


ما الأمل؟ ما العمل؟ (2-7) | المسألة الفكرية


ما العمل ما الأمل (4-7) | أخلقة السياسة وتسييس الأخلاق



ما العمل ما الأمل (5-7) | الإمعان في الإصلاح

الجمعة، 29 يناير 2021

العابرون عبر التاريخ

 العابرون عبر التاريخ



سيلين محمد سارى

العابرون عبر التاريخ

يخطئ من يظن أن التاريخ مجرد حكايات من بقايا الماضي، بل هو ماضٍ حي لا يزال يتنفس، يحكي لنا عما عاشه أسلافنا من هزائم وانتصارات، ولكن للأسف نحن لا نستمع ولا نقرأ ولا نتعلم.

ونحن -كأمة مسلمة- تاريخنا للأسف يعاد عشرات المرات، بنفس أخطائنا ونفس أعدائنا وتقريبا بنفس وسيلة النجاة؛ إنهم العابرون.

نعم العابرون الذين يسخرهم الله ليرفع بهم راية الدين ويحافظ على وجود دولة الاسلام، بعد أن يضيّعها طمع الطامعين وذل المبتعدين عن الدين.

 الأندلس

ذلك الفردوس المفقود الذي استمر لأكثر من ثمانمئة سنة من تاريخ الاسلام.

فردوس أضاعه أمراء ضعاف طامعون تصارعوا فيما بينهم؛ فاستهان بهم عدوهم وأذلهم ليأتي العابرون وينقذونهم.

وبعد أن استعان بعض أمراء الأندلس بالصليبيين ضد بعضهم كانت النتيجة سقوط الامارات تباعًا وحصار بعضها، كما فعل ألفونسو السادس ملك قشتالة بحصاره إشبيلية، والذي أرسل رسالة استهزاء بأميرها المعتمد بن عباد يقول له “قد آذاني الذباب في بلدكم؛ فأرسل لي مروحة أروّح بها عن نفسي”.

فرد المعتمد بسطر واحد.. كتب له: “والله لإن لم ترجع؛ لأروّحنّ لك بمروحة من المرابطين”؛ فعاد ألفونسو مسرعًا لبلاده، إذ كان يعلم جيدًا مَن هم المرابطون، إنهم جنود مجاهدون ليس لهم في متاع الدنيا مأرب ولا مطلب.

وأرسل المعتمد رسالة إلى يوسف بن تاشفين يطلب العون، ويلبي ابن تاشفين ويعبر بسفنه مضيق جبل طارق بـ30 ألف مقاتل تاقت نفوسهم للجهاد؛ فكانت موقعة “الزلاقة” من أشهر المواقع الاسلامية، ويُهزم الصليبيون الذين أذلوا أمراء الأندلس، وظلوا لأكثر من 70 سنة يأخذون منهم الجزية.

المرابطون بقيادة ابن تاشفين أحد العابرين في تاريخنا، لكنهم لم يكونوا الأوائل ولن يكونوا الأواخر؛ فالتاريخ مليء بأمثالهم.

 السلاجقة: عابر آخر

على بعد آلاف الأميال وبعد مرور سنوات عدة، في مكان غير المكان، يظهر عابر جديد..

فبعد أن دبّ الضعف بأوصال الدولة العباسية، استعبدهم الشيعة البويهيون بعد أن أسسوا دولتهم وسيطروا على قصر الحكم ببغداد، وعندما خشي الخليفة العباسي القائم بأمر الله على حياته أرسل مستنصرًا بأرطغرل بك السلجوقي.

ولبى السلجوقي نداء الخليفة ودخل بغداد منتصرًا على البساسيري قائد البويهيين، وهكذا عبر السلاجقة لإنقاذ الدولة العباسية والسنة، وكان لهم فضل كبير في رفع راية الإسلام ومد عمر الخلافة أكثر من قرنين من الزمان.

فإن تفتّت الأندلس وقسِّمت أرضه إلى اثنتين وعشرين إمارة بين أمراء ضعاف عرفهو التاريخ بـ”ملوك الطوائف”، يدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون؛ فهذا حالنا الآن وبنفس العدد تقريبًا.

قد تختلف الأسماء والأماكن والتواريخ، ولكن يظل الجالسون على عروشنا تجمعهم شهوة الحكم وحب العرش، ولو كان الطريق إليه دم القريب والغريب.

ربما ما وصلنا له من ضعف تجاوز ما وصل له أسلافنا، فها نحن نرى بلادنا تُنهب وأبناءنا يُقتلون وديننا يهان، ونحن نقف بلا حول ولا قوة.

أتى الربيع العربي فدفع كثير من الشباب حياتهم ثمنًا له، دفع آخرون أعمارهم خلف قضبان المعتقلات، ولم نستطع التخلص من قبضة الطغاة.

سيخرج علينا مدعي الوطنية والثورية لينظّروا لنا ويخبرونا كم ضحوا بتركهم الوطن

تأتي ذكرى يناير على استحياء؛ فلم نسمع من ينادي بالثورة مرة أخرى وإحياء هذا الأمل من جديد، وكأنها صارت ذكرى لوفاة أحدهم!

سيحتفلون في ذكراه بأبيات من الشعر وبعض اللقاءات وربما أغانٍ.

سيخرج علينا مدعي الوطنية والثورية لينظّروا لنا ويخبرونا كم ضحوا بتركهم وطنهم، وأن الثورة لا تزال مستمرة، لكن على صفحات السوشيال وقنواتهم.

ولكن أيها السادة! ماذا عن الشعب الذي لم يكن له حسن طالعكم ولم يستطع مغادرة أرض الوطن؟

ماذا عن الأطفال الذين اغتصبت طفولتهم ما بين شواهد القبور التي يرقد تحتها أحبتهم وأهلهم وأبواب المعتقلات التي تنفيهم من أحضان أمهاتهم وآبائهم؟

ماذا عن هؤلاء الأطفال الذين تربوا كاللاجئين في وطنهم؛ فلا دار تأويهم بعد أن هدمت منازلهم، ولا تعليم يغذي عقولهم بعد أن حُرم كثير منهم بسبب رفع تكاليفه على هؤلاء الذين اقتات الجوع والمرض على أجسادهم الضعيفة؟

ماذا عن الشباب الذين اعتُقلوا واختفوا قسرًا وضاعت أحلامهم؟

ماذا عن النساء اللاتي أصبحن يصرخن على “الميديا” جوعًا وحرمانًا من أبسط حقوقهن؟

ماذا عن الوطن الذي يُباع؟

فلتعلموا أنكم خذلتموهم أكثر مما خذلهم الانقلابيون، وأن هذا الشعب قد كفر بكم مثلما كفر بالانقلابين؛ فبعد أن كنتم ثوارًا لا تقبلون الضيم سقطت الأقنعة؛ فوجدنا معارضين يتسولون من يمد لهم يدًا بالحوار.

بعد أن كنتم تطالبون بإسقاط النظام ظهر المطالبون بإصلاح النظام.

يا سادة! التاريخ يخبرنا أن من يقبلون نصف الحكم أو جزءًا من الحكم يخسرون كل الحكم؛ فالمبادئ لا تتجزأ، وكذلك الاوطان.

أنصاف الحلول وأرباعها مقدمة طبيعية لزوال الحكم والمكانة.

فهل بعدما زال الحكم عندنا وصرنا شبه دولة وزالت المكانة وسقطت الأقنعة أصبحنا نقف عاجزين عن نصرة ثورتنا أو أحياء ديننا أو حتى التوحد في وجه عدو لا يرحم؛ فهل سيأتي عابر جديد يعبر بنا من هذا الذل والتفتت لنستعيد جميعًا مكانتنا من جديد؟

هل يعيد التاريخ نفسه معنا؟!

نظرات وعبرات / 10 سنوات على الربيع العربي: (1) في بئر الأسرار

 نظرات وعبرات 
10 سنوات على الربيع العربي: (1) في بئر الأسرار

محمود عبد الهادي


10 سنوات مضت على ثورات "الربيع العربي"، 10 سنوات من القتل والدمار والاعتقال، 10 سنوات من التشرذم والشقاق والخلافات، 10 سنوات من الانهيارات المتلاحقة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، 10 سنوات من العقم والعجز والفشل في إيجاد حلول واقعية لمعالجة النتائج والآثار التي خلفتها هذه "الثورات".

10 سنوات إضافية من الاستبداد والإرهاب السلطوي المتستّر بشعارات زائفة عن الديمقراطية والتحديث والمحافظة على الحريات العامة وحقوق الإنسان، 10 سنوات من العمى والإعراض عن استلهام الدروس مما حدث، والقيام بالإصلاحات التشريعية اللازمة لإحداث الانفراج الداخلي، لا الإصلاحات التي تكرّس الاستبداد والفساد وتؤسس لمزيد من الكوارث والأزمات الحتمية في المستقبل القريب.

 

10 سنوات مضت على ثورات "الربيع العربي"، وما زال الشارع العربي العام يجهل حقيقة ما حدث، ولماذا حدث؟ ومن الذي يقف وراءه؟ وكيف استُدرجت الشعوب العربية إليه؟ هل كان ربيعًا حقًا أم خريفًا عاصفًا وشتاءً قارسًا؟ وما الثمن الذي دفعته المنطقة العربية من جرّاء ذلك؟

 

10 سنوات مضت وما زال الشارع العربي العام يجهل حقيقة ما حدث، ولماذا حدث؟ ومن الذي يقف وراءه؟ وكيف استُدرجت الشعوب العربية إليه؟ هل كان ربيعًا حقًا أم خريفًا عاصفًا وشتاءً قارسًا؟ وماذا كانت حصيلة الثمن الذي دفعته المنطقة العربية -وما زالت- من جرّاء ذلك؟ وهل نحن بانتظار ربيع آخر وموجة أخرى من الفوضى الخلّاقة؟ أم سنجد الحكمة التي تساعدنا على الخروج من هاوية الحريق والانهيار واستعادة الاستقرار؟

أسئلة حيوية كثيرة لا تزال تثير جدلًا في الأوساط العربية النخبوية والشعبية، بسبب ما يعلوها من غبار وجراحات وآلام ومآسي وانفعالات تسد الباب في وجه العقل، وتحول بينه وبين الرشد والحكمة.

بحثًا عن الحقيقة

حدّثني مدير أحد مراكز الدراسات في مصر أنهم أعدّوا تقريرًا في بداية أحداث "الربيع العربي" عن الدور الذي تقوم به منظمة "أوتبور" (Otpor) الصربية في تغيير أنظمة الحكم في عدد من دول العالم ومن بينها بعض الدول العربية، ونظرًا لخطورة المعلومات التي جمعوها ولأهميتها في ذلك الوقت، قدموا نسخة من هذا التقرير لجهاز المخابرات العامة المصري، وكانت مفاجأة كبيرة وصادمة لهم أن جهاز المخابرات العامة على دراية بهذا الأمر، وأنه يتابع منذ وقت مبكر ما تقوم به هذه المنظمة في مصر وفي غيرها.

هذه الواقعة تؤكد بصورة قطعية أن جهاز المخابرات المصري كان على اطلاع كامل بحقيقة ما يدور، ومع ذلك، ترك كرة اللهب تتدحرج هنا وهناك ليكتمل السيناريو. السيناريو الذي لم يكن جديدًا على الإطلاق، فقد جُرّب في دول عدة من قبل، محققًا نجاحات متفاوتة.

في مايو/أيار 2011 م، أنتجت شركة "جيرنيمان بيكتشر" (Journeyman Picture) البريطانية فيلمًا وثائقيًا بعنوان بزنس الثورة (The revolution Business) ذكر كثيرا من المعلومات عن دور منظمة أوتبور الصربية ومؤسسها سيرديا بوبوفيتش في تدريب مجموعات عربية عدة على إسقاط الأنظمة الاستبدادية بالطرق اللاعنفية، وقد استمر التدريب على مدى 3 سنوات قبل بدء ثورات "الربيع العربي"، وعرض الفيلم بكل وضوح مقاطع من المقابلات التي أجراها مع ناشطين عرب من بلدان عدة تلقوا هذه التدريبات، ومقاطع من الجلسات التدريبية وأخرى مع بوبوفيتش نفسه، ومع "جين شارب" صاحب الكتاب الملهِم لهذه الثورات "من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، ورغم أن الفيلم ظهر في اليوتيوب بعد أسابيع قليلة من سقوط نظام حسني مبارك في مصر، وكان مترجمًا إلى العربية تحت عنوان "مهنة صناعة الثورات العربية" فإن عدد مشاهداته لم تبلغ ألفي مشاهدة حتى الآن.

وقد استوقفني في هذا الفيلم أمران غريبان:

الأول: التجاهل الذي قابلت به وسائل الإعلامية العربية المتخصصة ذائعة الصيت وذات الانتشار الكبير، هذا الفيلم، رغم أهمية موضوعه، والمعلومات الغزيرة التي حشدها والتي تفتح الشهية الصحفية بشدة.


الثاني: غياب منظمة أوتبور وبوبوفيتش وجين شارب من الخطاب السياسي العربي، وعدم مطالبة الدول المتضررة من ثورات "الربيع العربي" باعتقال بوبوفيتش أو ملاحقته وإغلاق مؤسسته.

  • فمن هي أوتبور؟
  • ومن هو سيرديا بوبوفيتش؟
  • ومن هو جين شارب؟
  • وما علاقة هؤلاء بثورات "الربيع العربي"؟

    شارب في أوتبور

إن تصريحات المسؤولين الأميركان عن الشرق الأوسط الجديد، ودعم الديمقراطية وإطاحة الأنظمة الاستبدادية، أكثر من أن تحصى، خاصة منذ عهد الرئيس جورج بوش الأب وحتى الرئيس ترامب، ورغم أن تحقيق ذلك ليس أمرًا سهلًا، فإنه لا بد من أن يتم، لما ينطوي عليه من مصالح إستراتيجية متعددة للولايات المتحدة وشركائها.

في عام 1993 صدرت الطبعة الأولى من كتاب (من الديمقراطية إلى الدكتاتورية: إطار مفاهيمي للتحرر) لكاتبه د. جين شارب (١٩٢٨-٢٠١٨). جاء الكتاب في 90 صفحة وترجم إلى 34 لغة من بينها اللغة العربية، ويعدّ الكتاب مرجعًا عمليًا شاملًا لكيفية إسقاط الأنظمة الدكتاتورية بالطرق اللاعنفية، إذ اشتمل على 198 فكرة تنفيذية للقيام بذلك.

وكانت تجربة النجاح الأولى لتطبيق ما جاء في كتاب جين شارب في صربيا في الفترة 1998-2000 م، حين قام الشاب سيرديا بوبوفيتش بتأسيس منظمة "أوتبور" عام 1998 م مع مجموعة من طلاب جامعة بلغراد، مدعومًا من الولايات المتحدة، للعمل على إسقاط نظام الرئيس ميلوزوفيتش بالطرق السلمية، وقد نجحت أوتبور في تحريك الشارع الصربي، الذي تمكن من إسقاط النظام في أكتوبر/تشرين الأول 2000 م، ليتحول بوبوفيتش بعد ذلك إلى مهندس إسقاط الأنظمة الدكتاتورية بالطرق اللاعنفية في العالم، مستلهمًا جميع ما جاء في كتاب جين شارب.

وفي عام 2003 م أسس بوبوفيتش مركز "كانفاس" (CANVAS) لتطبيق الإجراءات والإستراتيجيات اللاعنفية، لتدريب الناشطين المعارضين للأنظمة الدكتاتورية في بلدانهم على كيفية إسقاطها بالطرق اللاعنفية، وقد استضاف مجموعات من أكثر من 50 دولة في العالم من بينها لبنان وتونس ومصر وفلسطين، وكان بوبوفيتش نفسه يدرّب المجموعات مواجهة أو عن طريق الإنترنت، مؤكدًا قوة كتاب جين شارب الذي يصلح لجميع المجموعات الراغبة في التغيير أو الساعية إلى فرض مطالبها المشروعة.

وسرعان ما طُبّقت الوصفة في كل من جورجيا وأوكرانيا وقرغيزيا ومولدوفا ولبنان قبل بدء ثورات الربيع العربي، تحت الشعار نفسه وباتباع الخطوات نفسها.

وسرعان ما أصبح بوبوفيتش نجمًا إعلاميًا وأكاديميًا، تستضيفه وتكتب عنه كبرى المؤسسات الإعلامية، ويحاضر في كبرى الجامعات والمنتديات الدولية، متحدثًا عن نجاحاته في التحول الديمقراطي بالطرق اللاعنفية، وفي 2017 م عُيّن رئيسًا لجامعة سانت أندروز في اأسكتلندا بالمملكة المتحدة، وأصبح مركز كانفاس منظمة متخصصة في التغيير بالطرق اللاعنفية، تقدم معلومات وندوات ومحاضرات وورش عمل ودورات تدريبية، ولها نشاط في 52 دولة حاليًا، ودرّبوا أكثر من ١٦ ألفًا من الناشطين، وكانوا مصدر الإلهام لـ126 حملة احتجاجية في دول متفرقة من العالم.

لمصلحة من؟

بعيدًا عن التحليلات التي تناولت علاقة جين شارب وسيرديا بوبوفيتش ومركز كانفاس بالمخابرات الأميركية، فإن المؤكد من المعلومات المتوفرة ما يأتي:

1.  أن جين شارب بروفيسور أميركي نشر كتابًا باسمه في كيفية التخلص من الأنظمة الدكتاتورية بالطرق اللاعنفية.

2.  أن أوتبور تلقت دعمًا أميركيًا في بداية تأسيسها، وأنها طبقت ما جاء في كتاب شارب.

3.  أن أوتبور تحولت على يد بوبوفيتش إلى مركز "كانفاس" لتطبيق الإجراءات والإستراتيجيات اللاعنفية لإحداث التغيير في عدد من دول العالم.

4.  أن "كانفاس" مؤسسة صربية محلية غير حكومية، أعلنت أنها تستهدف إحداث تغيير سياسي في دول عدة من العالم من بينها روسيا وإيران وفنزويلا. ومن غير المنطقي -على الإطلاق- أن تقوم مؤسسة محدودة المسؤولية والإمكانات، من تلقاء نفسها، بالتدخل الواضح والصريح في الشؤون الداخلية لدول تمتلك سيادة وعضوية في الأمم المتحدة.

5.  أن الثورات العربية التي حدثت كانت جميعها في دول مستهدفة من الولايات المتحدة الأميركية وشركائها.

6.  أن النتائج المترتبة على هذه الثورات جاءت جميعها في مصلحة الولايات المتحدة وشركائها.

هذه الخلفية السريعة تكشف لنا عن حجم التخطيط والإعداد اللذين سبقا انطلاق ثورات "الربيع العربي"، ولكنها لا تكشف لنا عن كل شيء، فلا يزال هناك كثير من المعلومات الحبيسة في بئر الأسرار تنتظر من يجلّيها، وفي كل دولة من دول "الربيع العربي" بئر.

(يتبع)

الرواية الأميركية السرية للثورة المصرية (2).. هل منح الإخوان الجيش وعدا بالحصانة من المحاسبة؟

 الرواية الأميركية السرية للثورة المصرية (2).. 

هل منح الإخوان الجيش وعدا بالحصانة من المحاسبة؟


عارف عبد البصير
29/1/2021

هذا هو الجزء الثاني من رصدنا الخاص لوقائع وأحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر، كما وُصِفت في الرسائل والإحاطات الاستخباراتية الواردة في رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، ورُفِعت السرية عنها مؤخرا بقرار من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكما ذكرنا في الجزء الأول، فإن أهمية هذه الرواية تنبع من أهمية الدور الذي لعبته كلينتون بوصفها مسؤولة عن السياسة الخارجية الأميركية بالكامل في تلك الفترة الحساسة، وهو ما يجعل منها ومن فريقها شهودا فائقي الأهمية، وفاعلين مؤثرين، خلال تلك الحقبة الحاسمة من تاريخ مصر الحديث.

 

باستثناء انقطاعات زمنية قليلة نُشير إليها في موضعها، غطَّت الرسائل والتحديثات التي تلقتها كلينتون معظم الأحداث الفاصلة التي شهدتها مصر منذ اندلاع الموجة الثورية التي أطاحت بحكم محمد حسني مبارك مطلع 2011، وحتى مغادرة كلينتون نفسها لمنصبها مطلع عام 2013. وكما أشرنا في الجزء السابق أيضا، فإنه من بين قرابة 1600 رسالة تضمنت إشارات حول مصر في بريد كلينتون؛ تبقى الرسائل والتحديثات التي تلقتها وزيرة الخارجية من مساعدها الشخصي "سيدني بلومنتال" هي الأكثر أهمية، وهو صحافي أميركي عمل سابقا مساعدا للرئيس الأسبق بيل كلينتون، وأحد المقربين من هيلاري بشكل شخصي، خاصة خلال فترة عمله موظفا مرموقا بدوام كامل في مؤسسة كلينتون بين عامي 2009-2013، وهي فترة عمل هيلاري نفسها في وزارة الخارجية.


خلال هذه الفترة كتب بلومنتال عشرات الخلاصات من مصادر عامة وخاصة حول تطورات الأوضاع في دول الربيع العربي خاصة في ليبيا ومصر، وقام بمشاركتها مع كلينتون ومساعدها جيك سوليفان تحت اسم "إحاطات استخباراتية"، وفيما يتعلّق بـ "مصر" تحديدا فقد أشار "سيدني" في إحاطاته إلى أن المعلومات الواردة جاءت نقلا عن مصادر مطلعة ذات مناصب حساسة بمستويات عُليا في هرم السلطة في مصر، مصادر في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وجهاز المخابرات العامة، ومكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، فضلا عن ضباط استخبارات أميركيين وغربيين أشار "بلومنتال" إلى بعضهم بالاسم في رسائله.

 

ترسم هذه الرسائل صورة مفصلة إلى حدٍّ كبير حول الأوضاع في مصر خلال تلك الفترة، وقد قمنا في الجزء الأول من هذه السلسلة بتغطية ما ورد في هذه الإحاطات حول أهم الأحداث التي وقعت خلال عام 2011، بداية من المداولات التي شهدتها دوائر السلطة على وقع المظاهرات التي نشبت في 25 يناير/كانون الثاني، مرورا بكواليس الإطاحة بمبارك وانتقال السلطة إلى الجيش، وصولا إلى أهم المحطات الفاصلة في المرحلة الانتقالية والأجواء التي تشكّلت خلالها العلاقات المضطربة والمعقدة بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين والقوى المدنية الثورية، وانتهاء بالانتخابات البرلمانية وما بعدها، وملامح الدولة المصرية التي أراد الإخوان تأسيسها بعد وصولهم إلى الحكم. وفي هذا الجزء نستأنف الحديث عن أهم المحطات التي شهدتها المرحلة الانتقالية منذ مطلع عام 2012، مرورا بالانتخابات الرئاسية، وانتهاء بكواليس الأيام الأولى من حكم الرئيس الراحل محمد مرسي.

 

ترصد رسالة بتاريخ 14 يناير/كانون الثاني لعام 2012 سلسلة من جلسات التخطيط السرية والمكثفة داخل صفوف جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة بهدف التوصُّل إلى إستراتيجية لاستثمار النجاح الذي حققته الجماعة خلال الانتخابات البرلمانية. ووفقا للمصادر الأميركية فإن هذه الإستراتيجية تلخّصت في محورين رئيسين؛ الأول هو الحفاظ على تحالف الإخوان مع حزب النور السلفي، وهو تحالف يضمن للإسلاميين السيطرة على 70% من مقاعد البرلمان، وبالتالي التحكم في عملية وضع الدستور الجديد، وربما الضغط على المجلس العسكري وإقناعه بالسماح لهم بتشكيل حكومة مؤقتة، والثاني هو الحفاظ على الحوار السري القائم بين الجماعة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وطمأنة المشير طنطاوي وقيادات المجلس أن مكانتهم لن تمس تحت حكم المدنيين الإسلاميين.

لكن هذه الحوارات السرية بين الجيش والإخوان تعرّضت لضغوط كبيرة بعد تسريب محادثات حول موافقة الإخوان على منح قيادات الجيش حصانة من المحاسبة على جميع أعمالهم خلال الفترة الانتقالية بعد نقل السلطة، حيث رأى الإخوان وقتها أن الخطر الأكبر الذي يُهدِّد الانتقال السياسي هو احتمالية رفض الجيش تسليم السلطة بسبب مخاوف قياداته من أن يلقوا مصير مبارك نفسه، ومع ذلك، فإن الإخوان اعتقدوا أن الصدام مع المجلس العسكري قادم لا محالة، وأن على الجماعة الاحتفاظ بقدرتها على حشد احتجاجات واسعة النطاق على مستوى البلاد استعدادا لتلك اللحظة.

 

في ذلك التوقيت تُشير الرسائل إلى أن محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة آنذاك، أكّد لقيادات الإخوان أن إستراتيجية المجلس العسكري تعتمد على الفصل بين البرلمان والرئيس القادم (لم يكن الإخوان وقتها قد قرّروا الترشُّح للرئاسة)، والتعامل مع كلٍّ منهما بشكل منفرد ومختلف من أجل الحفاظ على قدرتهم بوصفهم قادة للجيش على التلاعب بالبيئة السياسية للبلاد، وأكّد لهم مرسي أن التقارير حول حدوث مناقشات منفردة بين المجلس العسكري والسلفيين تهدف في المقام الأول إلى محاصرة حزب الحرية والعدالة، وإضعاف التحالف بين الإخوان والسلفيين.

 

في ضوء ذلك بدأ الإخوان استثمار تحالفهم مع حزب النور السلفي في محاولة منع المجلس العسكري من اختراق هذا التحالف، وكما تُشير إحاطة استخباراتية لـ "بلومنتال" بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني 2012 فإن قرار الإخوان ترشيح سعد الكتاتني لرئاسة مجلس النواب جاء في سياق رغبة الإخوان في تصدير شخصية مقبولة للتعامل مع السلفيين، بدلا من مرسي الذي لديه خلافات شخصية كبيرة مع زعيم حزب النور عماد الدين عبد الغفور ربما تُعقِّد التحالف بين الطرفين.


لكن التحدي الأكبر الذي واجهه الإخوان في تحالفهم مع النور، وفق مصادر بلومنتال، هو كيفية تَمكُّن الجماعة من منع الحزب السلفي من جذبها لإدراج تفسيرات "مُتشدِّدة" للشريعة الإسلامية في مشروع الدستور الجديد، خاصة أن الإخوان كانوا ملتزمين بشدة بالعمل مع الشركات والحكومات الغربية، رغم أن الجماعة خططت لإدخال تغييرات جوهرية على سياسة البلاد تجاه إسرائيل. فعلى الرغم من أن الإخوان أكّدوا نيتهم عدم المساس بمعاهدة السلام مع الكيان العبري، فإنهم لم يعتبروها شريكا في المنطقة أيضا، وعنى ذلك أن الحكومة المصرية ستبدأ في تبنّي سياسات جديدة في هذا الملف تشمل إنهاء التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في محاصرة حركة حماس، وتسهيل تحرُّك الفلسطينيين المسافرين من قطاع غزة عبر الحدود المصرية، ودفع أجهزة الاستخبارات المصرية لتقديم مساعدات سرية للحركات الفلسطينية.

 

تُشير وثيقة 22 يناير/كانون الثاني ذاتها إلى السر وراء إعلان المرشح البارز والمدير السابق لوكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي انسحابه من السباق الرئاسي، فمن وجهة نظر الإخوان فإن البرادعي أدرك أن الدستور الجديد سيُصاغ بطريقة تجعل منصب الرئيس منصبا بروتوكوليا وتمنح الصلاحيات الحقيقية للبرلمان ورئيس الوزراء. ونتيجة لذلك توقَّع الإخوان أن يكون الأمين السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى هو المرشح الأوفر حظا للفوز بالسباق الرئاسي، معتبرين أنه سيكون خيارا مناسبا لأنه يرتبط بعلاقة جيدة مع المشير طنطاوي من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنه لا يمانع بقبول دور الرئيس الشرفي في نظام يُهيمن عليه الإخوان، بعكس البرادعي الذي توقَّع أن يحكم بصلاحيات رئاسية مطلقة.

 

تُسلِّط إحاطة لاحقة بتاريخ 2 فبراير/شباط من العام نفسه الضوء على نظرة الإخوان للعلاقة مع الغرب في أعقاب المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مؤكدة أن المرشد العام محمد بديع وقادة الجماعة كانوا سعداء بالاهتمام الذي حصدته مصر خلال المنتدى، ورأوا أن ذلك علامة على قبول الدول الغربية بوضع الإخوان الجديد في النظام السياسي المصري، وأن تلك الدول تُعدِّل سياساتها الخارجية والاقتصادية وفقا لذلك.

عمرو موسى في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2012

بالتزامن مع ذلك كان قادة الإخوان راضين أيضا عن نتائج المباحثات مع الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، حيث بدا أن كليهما -من وجهة نظر الجماعة- يقبلان مصر الجديدة بوصفها دولة إسلامية، وعلى الرغم من ذلك، فإن بديع حرص على تحذير مفاوضي الجماعة أنه، أثناء حواراتهم مع القادة الغربيين، ينبغي لهم ألا يستخدموا لغة دبلوماسية غير واضحة بمصطلحات مطاطة أكثر من اللازم قد يُفهَم منها منح التزامات في قضايا مهمة، كما ينبغي لهم أيضا أن يضغطوا على محاوريهم الغربيين للحصول على تفسيرات واضحة لأي مسألة نُوقِشت، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل.

 



وأخيرا، نقلت الإحاطة ذاتها، عن مصادر وصفتها بالحساسة، أن محمد بديع كان سعيدا بأن زيارة المرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح إلى دافوس قد ساهمت في تحسين سمعة الجماعة وسط الحكومات الغربية وقادة الأعمال، ووصفت المصادر المشار إليها أبو الفتوح بأنه عضو سابق في جماعة الإخوان قرّر ترك الجماعة من أجل الترشح للرئاسة بعد قرارها عدم التنافس بمرشح خاص من أجل التركيز على البرلمان.

 

وعلى الرغم من ذلك، فإن بديع ظل يرى أن فرصة أبو الفتوح للفوز بالرئاسة ضعيفة جدا، حيث أشارت استطلاعات الرأي التي أجراها الإخوان إلى أن عمرو موسى هو مَن يتجه للفوز في الانتخابات، وأشارت الإحاطة مجددا إلى أن هذا لم يكن خيارا سيئا للإخوان بالنظر إلى أن موسى كان عضوا في جماعة الإخوان حين كان في الجامعة.

 

 

أفردت المذكرة التالية بتاريخ 6 فبراير/شباط مساحة لتغطية الحملة الأمنية التي شنّها المجلس العسكري ضد المنظمات غير الحكومية (NGO) المدعومة من الغرب، ونقل بلومنتال عن مصادر مطلعة قولها إن الإجراءات التي اتُّخِذت بواسطة الأمن والمحاكم في مصر ضد هذه المنظمات جرت بعد مناقشات سرية بين قيادات المجلس العسكري والإخوان المسلمين، الذين كانوا يشاركون الجيش المخاوف ذاتها بشأن التدريب الذي توفره هذه المنظمات لجماعات المعارضة العلمانية، وهي جهود اعتقد الإخوان أن من شأنها إرباك المشهد السياسي في الوقت الذي تتحرك فيه مصر إلى الحكم المدني.


ووفقا للمصادر الأميركية، فإنه على الرغم من أن الحملة الأمنية تذرّعت بمخالفة هذه المنظمات لقوانين التمويل الأجنبي المصرية، فإن المخاوف الحقيقية كانت كامنة في الاتصالات التي ربطت هذه المنظمات بالجهات الغربية، وهو ما أثار مخاوف مشتركة بشأن إضعاف الوضع الأمني الداخلي بسبب المصالح الأجنبية المتنافسة التي تُمثِّلها هذه المنظمات من وجهة نظر الأجهزة الأمنية المصرية، خاصة أن المعلومات القادمة من جهاز المخابرات العامة وقتها ربطت بين منظمات مثل المعهد الديمقراطي الوطني، والمعهد الجمهوري الدولي، وفريدوم هاوس، ومعهد كونراد أديناور الألماني وغيرها، وبين أحزاب المعارضة العلمانية المصرية، مؤكدة أن هذه المنظمات تُدرِّب أصدقاءها المصريين على تقنيات الضغط السياسي التي تستخدمها الأقليات في البلدان الغربية.

 

تُقدِّم المذكرة نفسها إشارات حول مذبحة بورسعيد التي شهدت مقتل 74 مشجعا خلال مباراة كرة قدم في الأول من فبراير/شباط 2012، وهي مذبحة أثارت اتهامات واسعة ضد السلطة العسكرية بالتورُّط في قتل المشجعين. وكما تُشير المصادر الأميركية فإن الإخوان انقسموا داخليا حول الطريقة التي وقعت بها المذبحة. فمن ناحيته، كان رئيس البرلمان سعد الكتاتني واثقا من أن المذبحة صُمِّمت ونُفِّذت بواسطة جهاز المخابرات العامة، بإيعاز من المجلس العسكري، مؤكدا أن مصادر عسكرية أكّدت له أن أعمال الشغب قد بدأها أفراد موالون للمخابرات بهدف إعطاء ذريعة للمجلس العسكري لتمديد حالة الطوارئ وتعطيل الانتقال إلى الحكم المدني. بينما اختلف المرشد العام محمد بديع مع هذا التفسير، مؤكدا أن جهات موثوقة داخل المجلس العسكري أخبرته أن سر تقاعس الشرطة عن التدخُّل يرجع إلى مخاوف قادتها من تحمُّل المسؤولية عن أي إجراءات "عنيفة" قد تتخذ ضد "مثيري الشغب"، ورأى بديع أن الخطر الأكبر تَمثَّل في أن يلحظ المتظاهرون في مناطق أخرى هذا التردد الشُّرَطي، وأن يسعوا للاستفادة منه بتصعيد العنف بطريقة تُجبر الجيش على التدخُّل.

في هذا السياق، نقلت الوثيقة عن مصدر وصفته أنه على اتصال بمستويات عليا في المجلس العسكري قوله إن ضباط الشرطة والعسكريين باتوا يشعرون أن سلطتهم قد قُوِّضت بسبب الثورة والمظاهرات المستمرة في ميدان التحرير، وقارن ذلك المصدر تلك التطورات بالوضع في ألمانيا الشرقية ودول أوروبا الشرقية في نهاية الحرب الباردة، حين فقدت قوات الأمن في هذه الدول مصداقيتها بسبب ارتباطها بالنظام القديم وقاموا بتخفيض مستوى نشاطهم بسبب ذلك، الأمر الذي تسبّب في ارتفاع عدد جرائم العنف خلال السنوات التالية، وعلّق المصدر على ذلك بالقول إن أفرادا من قادة الشرطة وجهاز المخابرات العامة أخبروا المشير طنطاوي أنهم يتوقعون زيادة جرائم العنف بجميع أشكالها خلال عامَيْ 2012 و2013.


لاحقا، سلّطت رسالة بتاريخ 8 مارس/آذار الضوء على محادثات الإخوان والمجلس العسكري بشأن الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو/حزيران من العام نفسه. ووفقا للمصادر الأميركية فإن المرشد محمد بديع طلب من المجلس العسكري توضيح موقفه من ترشُّح اثنين من العسكريين البارزين للانتخابات وهما اللواء حسام خير الله، المساعد السابق لرئيس جهاز المخابرات العامة عمر سليمان، والفريق أحمد شفيق، قائد القوات الجوية السابق ورئيس الوزراء الأخير في عهد مبارك، حيث شعر الإخوان بالقلق من أن ترشحهما جاء بمباركة المجلس العسكري ودعمه، خاصة "خير الله" الذي يعتبره الإخوان شريكا أساسيا في القمع الذي مارسه نظام مبارك.

 

لكن الرسائل التي تلقّاها الإخوان من المجلس العسكري في هذا الشأن كانت إيجابية إلى حدٍّ كبير، حيث أكّد مسؤولو المجلس أن خير الله محسوب على عمر سليمان ولا يتمتع بدعم قوي داخل الجيش، وأنه دخل السباق دون اتفاق مع طنطاوي، وبالمثل فإنهم أشاروا إلى أن شفيق كان في القوات الجوية، وأن علاقته ضعيفة مع طنطاوي وكبار ضباط المجلس العسكري رغم أنه خدم لفترة قصيرة رئيس وزراء خلال المرحلة الانتقالية بعد الإطاحة بمبارك مباشرة.

 

في السياق ذاته أخبر ضباط المجلس العسكري قيادات الإخوان أن المجلس يتوقع انتخاب وزير الخارجية والأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى للمقعد الرئاسي، وأن الجيش يتفق مع الإخوان أن موسى سيكون أنسب الأشخاص لشغل منصب الرئاسة البروتوكولي في ظل نظام برلماني، خاصة أن الرئيس الجديد سيكون له سلطة اسمية فقط على الشؤون العسكرية والأمنية وكذلك السياسة الخارجية، وهو ما لم يمانع فيه موسى الذي لم يجد غضاضة أيضا وقتها في العمل مع الإخوان بحكم ارتباطه السابق بالجماعة خلال سنوات دراسته بالجامعة.

 

وكما تُشير المصادر الأميركية فإن الاستطلاعات التي أجرتها جماعة الإخوان حتى منتصف فبراير/شباط أشارت إلى حصول عمرو موسى على قُرابة 40% من الأصوات على المستوى الوطني، مع حلول شفيق في المركز الثاني بنسبة 10%، فيما أشارت الاستطلاعات نفسها إلى أن الإخوان والسلفيين كانوا في طريقهم لحصد قرابة 75% من مقاعد مجلس الشيوخ.

 

 

عانت تغطيات سيدني بلومنتال من فجوة واضحة ومفاجئة في الفترة بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2012، أو لعل الرسائل الخاصة بتلك الفترة لم يُفرَج عنها بعد أو حُجِبت لسبب ما، لكن الإشارات الواردة في الرسائل اللاحقة تخبرنا بوضوح أن التوترات فرضت نفسها على مائدة العلاقات الحساسة بين الجيش والإخوان منذ ذلك التوقيت، خاصة مع بداية انعقاد جلسات البرلمان، وقيام نواب الإخوان والنور بتوجيه انتقادات لإدارة الجيش للمرحلة الانتقالية تسبّبت في إثارة حفيظة المجلس العسكري في أكثر من مناسبة، إلى درجة دفع المجلس للتلويح بحل البرلمان لأول مرة في مارس/آذار، وهي الخطوة التي أقنعت الإخوان على الأرجح بالتخلي عن وعدهم بعدم الترشُّح للرئاسة خوفا من أن تجد الجماعة نفسها خارج المشهد حال أقدم الجيش على تنفيذه تهديده بحل المجالس المنتخبة.

 

تنقلنا رسائل بلومنتال التالية مباشرة إلى كواليس الانتخابات الرئاسية، وكانت البداية مع رسالة بتاريخ 14 يونيو/حزيران حملت عنوان "انقلاب"، وتضمّنت إشارة إلى اجتماع سري بين المجلس العسكري وقيادات الإخوان أُبلِغت خلاله الجماعة أن المحكمة الدستورية تستعد لإصدار حكم ببطلان اللوائح المنظمة للانتخابات البرلمانية، بما يعني حل مجلس النواب الذي يسيطر عليه الإخوان. وبالتزامن مع ذلك، أعاق قرار آخر من المحكمة محاولات حزب الحرية والعدالة سن قانون لمنع الجنرال السابق أحمد شفيق من خوض جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية ضد مرشح الإخوان محمد مرسي.

 

ووفقا للمصادر الأميركية فإن مسؤولي الإخوان غضبوا بشدة من هذا القرار، لكن مصادر مقربة من المجلس العسكري أخبرتهم أن محاولات مجلس النواب استبعاد شفيق، والطبيعة العدوانية المتزايدة لحملة مرسي، أثارت مخاوف طنطاوي بشدة تجاه قدرة الإخوان والتزامهم بحماية ميزانية الجيش ووضعه بشكل عام عقب الانتقال إلى الحكم المدني، وأكّدت المصادر أن المجلس العسكري كان مستعدا لمواجهة أي احتجاجات من مؤيدي الإخوان والنور وحتى من الجماعات العلمانية التي تخشى تمديد الحكم العسكري، وأن جميع وحدات الأمن المصرية بما في ذلك القوات الخاصة والشرطة العسكرية والمخابرات قد وُضعت على أهبة الاستعداد لمواجهة أي اضطرابات.


وعلى الرغم من سيطرة الإحباط على الإخوان بسبب هذه التطورات؛ فقد كانوا مقتنعين أن بمقدورهم الفوز في أي انتخابات جديدة ما لم يقرر الجيش التلاعب بالنتائج، لذا حرصت الجماعة على توصيل رسالة إلى المجلس بأنها لن تسكت على أي محاولات للتلاعب بالانتخابات القادمة، في الوقت الذي صرفت فيه جهودها للتركيز على جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية في ظل تفاؤل حذر باقتراب مرسي من حسم المقعد الرئاسي بعدما تمكّن من تسوية خلافاته الشخصية طويلة الأمد مع حزب النور، جنبا إلى جنب مع نجاحه في استقطاب شريحة كبيرة من التيارات الشبابية والناخبين العلمانيين القلقين من إمكانية فوز شفيق.

 

في تلك الفترة كان مرشد الإخوان محمد بديع قد بدأ يقتنع أن التحركات المتسرعة نسبيا للإخوان وحزب الحرية والعدالة هي التي دفعت طنطاوي للتحرُّك لحل البرلمان وإصدار الإعلان الدستوري المُكمِّل الذي قام بتقييد صلاحيات رئيس الجمهورية، وعلى الرغم من ذلك فإنه ظل مقتنعا أن طنطاوي والجيش جادان في تسليم السلطة طالما سيُحافَظ على وضعهم في النظام الجديد، وأن الجيش بشكل عام لا يمانع من العمل في ظل حكومة إسلامية بالنظر إلى أن استطلاعات الإخوان أشارت إلى أن 70% من قوات الجيش صوّتوا لصالح مرسي، على الرغم من أن منافسه أحمد شفيق قائد سابق في القوات الجوية.

 

تكشف الإحاطة الأميركية التالية بتاريخ 24 يونيو/حزيران أسرار الساعات الأخيرة قبل إعلان فوز مرسي الانتخابات الرئاسية، مُشيرة إلى أن اجتماعا عاجلا عُقد بين المسؤولين في جماعة الإخوان وضباط في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أُبلِغ خلاله الإخوان أن لجنة الانتخابات تستعد لإعلان فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية، على أن تلتزم الجماعة بتعهُّداتها بعدم المساس بوضع الجيش في الحكومة الجديدة، وأن تقبل الجماعة أن المجلس العسكري سيحتفظ بقدر من السلطة لحين انتخاب البرلمان الجديد ووضع الدستور، وقد أخبر المسؤولون العسكريون قادة الإخوان أن المشير طنطاوي لم يكن مُستاء من فوز مرسي نظرا لعلاقته الشخصية السيئة بأحمد شفيق وتاريخ المنافسة بينه وبين الفريق المتقاعد في ظل نظام الرئيس المخلوع مبارك.[1] [2] [3]

من جانبهم كان الإخوان سعداء جدا بهذا الإعلان، وكما تُشير المصادر فإن مفاوضي الجماعة تلقّوا تعليمات من المرشد العام بعدم الدخول في جدال حول صلاحيات الجيش في هذه الفترة، حيث اقتنع قيادات الإخوان أن الزخم السياسي بعد تنصيب الرئيس سيسمح لهم بممارسة ضغط فعال لإجبار الجيش على التراجع، وبدلا من ذلك وافق الإخوان على مطالبات المجلس العسكري بالتنسيق الاستباقي معهم بشأن الملفات الأكثر حساسية خاصة تلك المتعلقة بسياسة البلاد تجاه إسرائيل، حيث أكّد الجيش رغبته في السير على السياسات نفسها المستمرة منذ عام 2011، والمُتمثِّلة في الحفاظ على معاهدة السلام مع الحد من التعاون الأمني والنشاط المشترك، وكذلك ملف التعامل مع الولايات المتحدة والدول الغربية وحتمية خلق بيئة صديقة للشركات والأعمال، وقد أكّد مسؤولو الإخوان للجيش أن مرسي ملتزم بتأسيس نظام مصرفي إسلامي غربي مزدوج يراعي مصالح الشركات الغربية، مؤكّدين أن مناخ الأعمال في مصر سيكون أقل تقييدا بكثير من المناخ الذي تعمل فيه الشركات الغربية داخل المملكة العربية السعودية.

 

تُسلِّط الوثيقة التالية بتاريخ 14 يوليو/تموز الضوء على وقائع الأيام الأولى لمرسي في القصر الرئاسي، ووفقا لما نقلته مصادر "حساسة"، بحسب وصف الوثيقة، فإن قيام مرسي بالدعوة لإعادة عقد البرلمان المنحل لحين عقد الانتخابات الجديدة قد فاجأت المجلس العسكري، لكنّ طنطاوي ومستشاريه اضطروا للتغاضي عن هذه الخطوة طالما أن البرلمان لن يسن أي تشريعات تمس سلطة الجيش أو صلاحيته أو مكانته داخل المجتمع والنظام السياسي.


وفيما يُعَدُّ مفاجأة كبرى؛ نقلت المصادر الأميركية أن هناك إحباطا مبكرا وواضحا من قِبَل مرشد الإخوان محمد بديع ورئيس البرلمان سعد الكتاتني تجاه سياسات محمد مرسي المبكرة، حيث رأوا أنه يسعى بوضوح لجعل الرئيس هو الحاكم الفعلي للدولة، في تناقض مع الإستراتيجية المتفق عليها سلفا داخل الجماعة بالتحوُّل إلى النظام البرلماني، ومنح معظم السلطة للبرلمان ورئيس الوزراء، ووفقا للمصادر ذاتها فإن الجيش كان يُراقب باهتمام هذا الصراع المكتوم ويتوقع أنه سيصبح أكثر سخونة مع بدء أعمال وضع الدستور.

 

بالتزامن مع ذلك، نقلت المصادر أن بديع شعر بالقلق أيضا تجاه العلاقة الإشكالية لمرسي مع قادة السعودية، الداعم الرئيس للتيار السلفي في مصر، ورأى الإخوان في تلك الفترة أن الحفاظ على علاقة جيدة مع السعودية مهم لسببين: أولا من أجل الحفاظ على التحالف القائم بين الإخوان وحزب النور، وثانيا من أجل الحفاظ على استمرار الدعم السعودي اللازم لمواجهة العجز الكبير في احتياطات البلاد من النقد الأجنبي، وهي أمور رأى الإخوان أنها ستصبح على المحك بسبب العلاقات غير المستقرة لمرسي مع السلفيين.

يتبع.. الجزء الثالث والأخير (مرسي والسيسي.. الطريق إلى المذبحة)

المصدر : الجزيرة
أقرأ ايضاّ

الرواية الأميركية السرية للثورة المصرية.. قراءة في رسائل هيلاري كلينتون (1)