الخميس، 30 سبتمبر 2021

خطاب مفتوح من هليوس السكندري الي البابا فرانسيس

 خطاب مفتوح من هليوس السكندري الي البابا فرانسيس

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية




علي الرغم من الوضوح الشديد لهذا العنوان، أو لهذا المقال، إلا أنه يتضمن عدة ملاحظات لا بد من توضيحها قبل تناول الموضوع:
* الموقع المُرسل للمقال على بريدي الإلكتروني لستُ مشتركة فيه، وقد وصلني الأحد الماضي علما بأن المقال نفسه بتاريخ 3/9/2017! أي انه يرجع إلى أربع سنوات..
* الراسل/الناشر للمقال اسمه إدوار بولونيْ (Edouard Boulogne)، ولا أعرفه حتى كاسم من بين الكتّاب الذين أتابعهم.
* الصورة المرفقة للمقال للبابا فرانسيس في الأزهر عند زيارته لمصر سنة 2017، وفي المقال منشورة بطولها كاملة.
* الغريب في الرسالة أنها من المدعو "هليوس" (وتعني الشمس)، ويقول عن نفسه إنه البابا تواضرس الثاني، رئيس الكرازة المرقسية في مصر.

وفيما يلي ترجمة نص الرسالة:
"أنشر بلا تردد هذا الخطاب من هليوس، بطريرك الإسكندرية (بطريركية الإسكندرية وكل افريقيا أو الكنيسة الأرثوذكسية للإسكندرية وكل افريقيا، وهي السلطة القضائية المستقلة للكنيسة الأرثوذكسية في مصر وفي أفريقيا). ورئيس الكنيسة يحمل لقب بطريرك الإسكندرية وكل أفريقيا، وله مقر إقامة في الإسكندرية، بمصر، ولقبه الحالي قداسة البابا تواضرس الثاني منذ 9 أكتوبر 2004.
"ولقب بطريرك الإسكندرية يحمله أيضا حاليا ثلاثة رؤساء كنيسة، البابا القبطي، والبطريرك القبطي الكاثوليكي، والبطريرك الملكاني الكاثوليكي. (وذلك وفقا لموقع ويكيبديا).
ويلي التقديم بعاليه خط عريض بعرض الصفحة، ثم نفس العنوان، وتحته الرابط الإلكتروني للمقال، يليه بداية الرسالة، وهي موجهة بالاسم المدني للبابا فرانسيس وليس بالاسم الكنيسي. وفيما يلي نص الخطاب:
"السيد برجوليو،
"كثيرا ما يحدث لي أن أتساءل ما الذي فعَلَتْهُ أوروبا للرب لكي يتم اختيارك في منصب البابا. بالطبع أوروبا اقترفت أخطاء فادحة، وتباعدت عن إيمانها وميراثها المسيحي، لكن أهي غلطة فادحة إلى هذا الحد حتى يعاقبها الرب بهذا العنف؟
وبين هذه الفقرة والفقرة التالية إعلان بأن (موقع دروز بحاجة إلى مساهمتكم. ثم عبارة: اضغط هنا مع توضيح رقم تبرعكم).ويتواصل الخطاب:
"لقد سبق وكتبت لك لأذكرك أن ربنا يسوع المسيح بعد صحوته من الموت قال ثلاث مرات للقديس بطرس: "ارعي خرافي" ("ارعي": من فعل يرعي تعني "يُطعم، يَحمي، يَقود"، (ملحوظة مكتوبة في الرسالة). وقد أوكل إليه بهذه المناسبة أكثر المهام نبلا وصعوبة. وهي نفس المهمة التي قام بها أثناء مروره على الأرض، أن يكون الراعي الصالح. واسمح لي أن أذكرك بكلماته: "أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو ليس راعيا الذي ليست الخراف له فيري الذئب مقبلا ويترك الخراف ويهرب. فيخطف الذئب الخراف ويهددها. والأجير يهرب لأنه أجير ولا يبالي بالخراف" (يوحنا 10: 11ـ13).

"أتي وقتٌ كنت أمنحك فيه عن طيب خاطر مَزْيَةُ الشك، لكن حيال مواقفك كنت أتساءل إن لم تكن، بعد البابوية، وصلت وتعديت حد عدم كفاءتك ـ على حد قول بطرس. لكن اليوم أتساءل بصورة أكثر جديّة بشأنك: من أي جانب أنت؟ الراعي الصالح أم الأجير؟ جانب يسوع أو اليساري الميّال للمهاجر؟ التابع للإيمان المسيحي أو للإسلام الغازي؟
"إن دم ضحايا الإرهاب الإسلامي لم يجف بعد حتى تستعذب بمكر دفع الأتباع إلى مزيد من المازوخية. العام الماضي بعد مجزرة مدينة نيس واغتيال الأب هامل اثناء القداس، كنت تعطي الأمر للكاثوليك البولنديين بفتح الحدود للغزو الإسلامي. ويوم الإثنين الماضي 11/8/2017، بالكاد بعد أربعة أيام من مجزرة برشلونة، كنت تتحدث في خطابك على تقبّل المهاجرين في أوروبا. والمنطق السَوي واللياقة والحد الأدنى من رهافة الحس كان عليها أن تؤجل ولو لمدة أسبوع الحماس الذي تظهره للغزو الإسلامي. تري لماذا كنت ملهوفا لتعلن على الأوروبيين أن أمنهم وحضارتهم لا يجب بأي حال أن تكون مصدرا للغزو؟
"حقا أنك تذكر العديد من جُمل الأناجيل تدعيما لسياستك، وكأن يسوع يتحدث إلى الحكومات الأوروبية وليس إلى المؤمنين في خصوصية قلوبهم. "كنت غريبا فآويتموني" (متّي 25: 35). وباستخدامك كلمة يسوع المسيح هذه لتبرر وتدعو لفتح الحدود للهجرة الجماعية، فإنك تقترف تزويرا فكريا وتقود المسيحيين عمدا إلى الخطأ. إن الرب يحترم حريتنا الشخصية في الاختيار، لأنه لا يوجد حب وعطاء للذات بلا حرية. وباستخدامك السلطة المعنوية التي تمنحك وظيفتك فإنك تصرف النظر عن حرية الاختيار للمسيحيين وتفرض عليهم، ليس مجرد حملا ساحقا، لكنك تعرّض أيضا حياتهم للخطر. وبذلك فإنك تشبه الكتبة والفريسيين الذين أدانهم يسوع قائلا: "فإنهم يحزمون أحمالا ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحركوها بأصبعهم" (متي 23: 4).
"إن الإنجيل ليس كتابا سياسيا ولا مانيفستو ماركسي، ولا يبرر تحيّزك الأيديولوجي على الإطلاق. إنك تصر على ألا تأخذ في الاعتبار كراهية وعداء الإسلام تجاه الغرب والمسيحية. وتظل غير مبال لدروس التاريخ الصعبة ولا الأحداث الحديثة، وكأن الثلاثمائة مليون قتيل، ضحايا الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، لا قيمة لها، وكأن المذابح اليومية التي يقوم بها الإسلام تنزلق على كيانك الأيديولوجي دون أن تخترقه.

"منذ أربعة أشهر كنت في مصر حيث تم إبلاغك بالتفصيل عن المعاناة والإهانات التي يتعرض لها المسيحيون هناك. ورغمها يبدو أنك ابتلعت كل الأكاذيب التي قدمها لك الإمام الأكبر للأزهر بكل براعة. إن أحضانك وقبلاتك علمتنا الكثير عن لؤمه وعن سذاجتك طواعية. إنهم لم يُدحرجوك في الدقيق فحسب، وإنما أنت الذي قد مرّغت نفسك سعادة. فما الذي حصلت عليه من أجل مسيحيو مصر؟ ليس أبعد من أسبوع قام البوليس، المزود بالهراوات والدروع، كان يمنع آلاف المسيحيين من الاجتماع للصلاة. ففي مصر إن حق المسيحيين في الصلاة خضع عشوائيا للسلطة، والشرع الإسلامي هو الذي ينص على ذلك. والحرية الدينية للمسيحيين مبهدلة في البلدان المسلمة لكنك تؤثر الصمت. وكلما تأملتك كلما أدركت كم تسخر بشدة من الأقليات المسيحية في مصر وفي الشرق الأوسط. وبالفعل، لربما لو رفعت اصبعك الصغير لصالحهم لاهتزت صورة الغزَل بينك وبين الإمام. حقا أنك لبابا غريب، فإن مهد المسيحية قد تأسلم بأكثر من 95 %، والمسيحيون في الشرق الأوسط في سبيل الاقتلاع، وأنت تحلم بأسلمة أوروبا!

"أهي عدم خبرة، جهل، سذاجة، ملائكية؟ ذلك ما كنتَ تجعلنا نتصوره في بداية بابويتك. وكان سوء تقدير لعنادك وللغمامة التي على عينيك وتجعل منك خطرا على كل المسيحيين. إنني أتساءل ما الذي كان يفعله الروح القدس أثناء الاجتماع الذي جعلك البابا؟ لا شك في أنه امتنع عن إلهام الناخبين المهتمون أكثر بالسياسة عن يسوع المسيح. إذ كان من الأكثر أهمية تقديم لوسائل الإعلام ولأعداء الكنيسة بابا يقبلونه، بابا علي شكليتهم، هو عكس من سبقه وأقل منه ثقافة وحكمة.

"إن الإيمان المسيحي بحاجة إلى منطق، وحيثما لا يوجد منطق فإن الإيمان لا يوجد أيضا. إن حب القريب لا يعني أن تضع حياتك في خطر والأكثر من ذلك إن هذا "القريب" الذي تُجبرنا على رؤيته يحلم بأن يستعبدنا ولن يتخلى عن قتلنا إذا قاومنا. فأن تأمر الخراف الطيبة على قبول الذئب في الحظيرة، فذلك هو ما تطالب به من أعلي كرسيك. إنك لا تأمر به من باب الرحمة المسيحية وإنما من باب التعصب الأيديولوجي.

"شيء من التواضع وتأمل الذات لن يضرك بكل تأكيد، لكن لا جدوى من الأمل في أن عقلية معجونة بالأيديولوجيات مثل عقلك، يمكنها إعادة النظر في العقائد التي تفصله عن الواقع. فحيثما تحكم العقيدة الأيديولوجية وتسود، فإن الحكمة لا أمل لها في أن تشق طريقها. إن الكنيسة الكاثوليكية اقترفت العديد من الأخطاء طوال حياتها، لكن كونها وضعتك على رأسها ليس خطيئة بسيطة، فمن عدة أوجه أنها أشبه بالكارثة".

وانتهي الخطاب بكل ما فيه من مغالطات وأكاذيب وأهداف..
لن أعلق على ذلك الخطاب المفتوح، أو المفضوح، فمن المحال أن يتفوه البابا تواضرس الثاني بمثل هذا الأسلوب أو بهذه اللهجة، لا لأدبه الشخصي فحسب، أو لدرايته تماما بالأصول الأخلاقية والتدرجات الوظيفية. فعلي الصعيد العالمي البابا فرانسيس يترأسه في الكادر الكنسي. ووفقا لذلك القانون الفاتيكاني فلا يوجد سوي بابا واحد في الدنيا هو بابا الفاتيكان. والبابا تواضرس يحمل عنده لقب أسقف مثل كل أساقفة العالم.

ويظل كاتب المقال شخصٌ ما، جبانٌ بكل تأكيد، فقد تلفع باسم البابا تواضرس لمحاولة إشعال الفتن بالأكاذيب. وهو مثال واحد من غثاء كثير تتجرعه شعوب الشرق والغرب من محاولات لتشويه الإسلام، محاولات لا تكل ولا تمل إلى أن يفعل الله ما يشاء..


زينب عبد العزيز
23 سبتمبر 2021


  رابط المقال: 

Lettre ouverte d’Hélios d’Alexandrie au Pape François - Le Scrutateur.


قراءة في كتاب مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأميركية

قراءة في كتاب مذابح الأرمن ضد الأتراك 
في الوثائق العثمانية والروسية والأميركية


اسم الكتاب: مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأميركية
المؤلف: الدكتور أحمد عبدالوهاب الشرقاوي
وصف الكتاب. . .
نعم قام الأرمن بمذابح ضد الأتراك في الفترة قبل الحرب العالمية الأولى، وأثناء الحرب، وبعدها، وهو ما سجلته الوثائق وشهود العيان و. . . اللجان الدولية التي زارت المنطقة للتحقيق.
والكتاب الذي بين يديك ليس دفاعاً عن طرف من أطراف القضية، أو دليل إثبات لمدعي أو حتى شاهد نفي عن متهم، إنما هو نظرة إلى القضية من جانب مختلف تماماً، ورؤية بانورامية لزاوية جديدة من المشهد الأرمني - التركي - الإنساني؛ فقد سارع أحد الأطراف المذابح بالشكوى والادعاء واستخدام كل وسائل البروباجندا لترويج دعواه؛ حتى لم يدع مجالاً في عقول وقلوب وآذان المتلقين للالتفات إلى أقوال الطرف الآخر.
هذا الكتاب... بلاغ مفتوح إلى الرأي العام العالمي والقراء والباحثين والمشرعين والبرلمانيين ومتخذي القرار؛ للنظر إلى الوجه الآخر من المسألة الأرمنية، ولدراسة القضية بشكل متوازن، ثم الحكم عليها بموضوعية بعد أن يتم سماع كل الأطراف وتمحيص كل الأدلة.
هذا الكتاب دعوى جديدة لضحية جديدة ظل طوال الوقت في قفص الاتهام.

قراءة محمد ثابت

مذابح الأرمن ضد المسلمين

في الحرب العالمية الأولى وصل الصراع بين الأتراك والأرمن إلى ذروته، وشهدت الفترة ما بين 1914 - 1920 أسوأ الحروب في تاريخ الإنسانية. الضعف العثماني والاحتلال الروسي لمناطق في الشرق العثماني والتدخل الأوروبي؛ كل ذلك صب في تحول التعصب الأرمني ضد المسلمين الأتراك إلى آلة دمار شامل حولت آلاف القرى إلى خراب، مع قتل مئات الآلاف على الجانبين التركي والأرمني.
في مقدمة وثلاثة فصول يقدم المؤرخ المتخصص في التاريخ العثماني الوثائق التي تتناول حقيقة ما جرى بين عامي 1914 - 1922 في الكثير من مناطق الأناضول والقوقاز. يحتوي الكتاب على 89 وثيقة عثمانية، وتقريرين عسكريين روسيين، وتقرير لجنة برلمانية تابعة للحكومة الأميركية.
يقول المؤلف: "استطاعت هذه الوثائق إحصاء أكثر من نصف مليون ضحية من المسلمين المدنيين وليس العسكريون وجنود الجيش ولم تتمكن من إحصاء جميع القتلى، إذ إنه حدث الكثير من المذابح وأبيدت قرى بكاملها ولم ينج منها أحد ليروي الحادثة. وفي الكثير من هذه القرى تم التخلص من الجثث بإلقائها في المجاري المائية والآبار، أو إحراق الجثث، أو هدم البيوت عليها وتركها تحت الأنقاض، أو عمل مقابر جماعية لها، وبالتالي لم يكن من المستطاع حصر وتعيين أعداد هؤلاء الضحايا.
-العنوان: مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأميركية
-المؤلف: الدكتور أحمد عبدالوهاب الشرقاوي
-الناشر: دار البشير للثقافة والعلوم - القاهرة، مصر
-عدد الصفحات: 340 صفحة
-الطبعة: الأولى، 2016
تروي وثيقة تحمل رقم (73) في الفصل الأول؛ شهادة أحد الطلاب الروس في كلية طب موسكو، وممرضة روسية تدعى "ناتاليا كاراملي" تعمل بالصليب الأحمر الروسي، أن الأرمن كانوا يرتكبون أعمال العنف بشراسة ضد السكان المسلمين وخاصة النساء والأطفال في ضواحي بايبورت وأسبير.
أحد قادة العصابات الأرمنية المسلحة ويدعى "أرشاك" كان ينسق أنشطته مع قائد أرمني آخر شهير يدعى "أنترانيك"، وكانا يمارسان ذبح الأطفال خاصة. ومن الجرائم المنسوبة لهما بشهادة الطالب والممرضة، ذبح أطفال كانوا يأوون إلى ملجأ أيتام، كما ذبحوا كل الأسرى الأتراك الذين وقعوا تحت أيديهم. وعندما أُجبرت عصابات الأرمن على التراجع، قاموا باغتصاب السيدات والفتيات المسلمات، واغتالوا أيضا في طريق عودتهم 50 طفلا تركيا.
الحروب الدينية على مدار التاريخ كانت من أشد الحروب دموية، ومع تطور الآلة الحربية وتنوع آلات القتل في القرن العشرين زاد سفك الدماء. القرن العشرون وحده شهد مصرع أكثر من مئة مليون شخص في حروبه وأكثر منهم جرحى ومعاقون ومشردون. لكن وثائق الحرب العالمية الأولى تؤكد أن ما حدث من الأرمن كان استهدافا للمدنيين بصفة رئيسية وأولى، فحصيلة القتل التي تتحدث عنها الوثائق في هذا المرجع المهم؛ ليس من بينها قتل للعسكريين الترك. بل إن ظهور العسكر كان يعني توقف الذبح في منطقة لتنسحب العصابات الأرمنية لتمارس الذبح والاغتصاب الممنهج في منطقة أخرى.
في نهاية الفصل الأول يعرض الكتاب جدولا يشتمل على أعداد القتلى وأماكن حدوث الجريمة وتاريخها، ثم إجمالي الأعداد المذكورة في الوثائق العثمانية. وقد بلغ إجمالي القتلى المدنيين ما بين 1914 - 1921 أكثر من نصف مليون شخص، وتحديدا 518105 ما بين امرأة وطفل ورجل من الأتراك على يد الميليشيات الأرمنية.
ويتضمن الفصل الثاني وثيقة هي عبارة عن تقرير رسمي من أحد الضباط الروس أثناء قتالهم بمشاركة كتائب المتطوعين الأرمن ضد الأتراك العثمانيين يقول عنها المؤلف: "إنه بالرغم من المنافع المتبادلة والمشاركة الإستراتيجية في مقاتلة عدو واحد؛ فإن الضابط المذكور استفزته التصرفات اللاإنسانية والشاذة للأرمن في مواجهة الأهالي من الأتراك العثمانيين المسلمين"!
كانت أوائل القرن العشرين قد شهدت تحولات هائلة في روسيا وانتفاضات وثورات أدت في مجملها إلى تغيرات متتالية في الجيش الروسي وبخاصة في علاقة الجنود بالضباط. فقد انهارت لفترة الطاعة المطلقة التي اشتهر بها جنود جيش القياصرة، وأصبح الضباط يخافون من معاقبة الجنود المتمردين حتى لا ينقلب البقية ضدهم.
واستغل الأرمن هذه الأوضاع في تخطي الأوامر التي تقيد حركتهم ضد الأتراك المسلمين في أثناء الحرب (كانت روسيا تغض الطرف عما يرتكبه الأرمن ما دامت في طي الخفاء). وتأتي شهادة الليفتانت كولونيل "تواردو خليبوف" القائد الروسي تأكيدا لجرائم الأرمن ضد المدنيين الترك.
يقول خليبوف: "في سنة 1916 عندما احتل جنودنا الروس مدينة أرضروم، لم يُسمح لأرمني واحد بدخول المدينة أو الدنو من ضواحيها". ويضيف "لكن الحال تبدلت بعد الثورة الروسية، وتم العدول عن هذه الاحتياطات، فانتهز الأرمن الفرصة لمهاجمة أرضروم وضواحيها، وشرعوا يسلبون المنازل وينهبون القرى ويذبحون الأهالي، ولم يجرؤ الأرمن مطلقا خلال الاحتلال الروسي على الإمعان في أعمال القسوة والوحشية علنا، ولكن كانوا يقتلون وينهبون في الخفاء، ولكن لم يحل عام 1917 حتى شرعت الجمعية الثورية الأرمنية -ومعظمها من الجنود- في تفتيش المنازل تفتيشا عاما بدعوى نزع سلاح الأهالي".
تستمر شهادات الضباط الروس الواردة في تقرير "خليبوف" لتوثق قتل أعداد ضخمة من الأتراك على يد الأرمن بدم بارد دون قتال أو حتى توفر فرصة للدفاع عن النفس أو حمل السلاح.
ينتقل الفصل الثالث إلى تقرير لجنة نايلز وسزرلاند، وهي مفوضة من الكونغرس الأميركي وبتكليف منه أيضا عام 1919 للتحقيق في أوضاع الأقاليم الشرقية للإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وكان الغرض من اللجنة هو تقييم النوع المطلوب من المساعدات التي يمكن تقديمها عن طريق "اللجنة الأميركية للإغاثة في الشرق الأدنى". وتألفت اللجنة من الكابتن "إيموري نايلز" وهو ضابط بالجيش الأميركي، وأستاذ القانون الأميركي "آرثر سزرلاند الإبن".
في التقرير يضع المبعوثان الأميركيان مشاهداتهما، ويدونان الملاحظات على ما حدث في المناطق التي مرّوا بها. في المنطقة من "بتليس" إلى "بايزيد" مرورا "بفان"؛ يقول التقرير: إن المنطقة شهدت قتالا بين الروس وحلفائهم الأرمن من جهة وبين الأتراك من جهة، وجرت أعمال النهب والمذابح، وترتب على ذلك دمار شامل في المنطقة، وخاصة مدن ولاية "بتليس" وولاية "فان" اللتان دُمر نحو تسعة أعشارها.
سكان تلك المنطقة المنكوبة يتكونون أساسا من المسلمين، ويقول المبعوثان: إنهما علما أن الأضرار والدمار قام به الأرمن، إذ احتل الجيش الروسي المنطقة ثم انسحب منها، وما لبث الأرمن أن قاموا بارتكاب جرائم القتل والاغتصاب والحرق - وعلى حد تعبير التقرير- قاموا بكل الفظائع الرهيبة بحق المسلمين.
استدل واضعو التقرير على صحة الشهادات التي استمعوا لها من الدلائل التي رأوها أن ممتلكات الأرمن وكنائسهم وحتى النقوش التي على المنازل في "بتليس وفان" لم تُمس أو تصب بسوء في حين أن ممتلكات المسلمين ومنازلهم دمرت تدميرا كاملا.
في منطقة أرضروم الحدودية التي تتكون من سلسلة من السهول التي تحيط بها الجبال ويقطنها الأكراد والأتراك حدثت أيضا أعمال قتل وتدمير كامل للمنازل والمزروعات ونهب الماشية. ويؤكد التقرير على أن الأرمن قاموا قبل انسحابهم من المنطقة بتدمير القرى وعمل مذابح وفظائع أيضا ضد السكان المسلمين. ويضيف التقرير أن هذه الجرائم الأرمنية -كما يطلق عليها التقرير- ما زالت تجري على الحدود لحظة كتابة الوقائع. كما استدل المبعوثان الأميركيان على صحة الشهادات من أحد الضباط البريطانيين في أرضروم.
وفي النهاية تقرر اللجنة الأميركية؛ أنه بالرغم من أن ذكرهم للفظائع التي ارتكبت ليس له علاقة بمهمتهم الأساسية، لكن ما شاهدوه وسمعوه تغلب عليهم، وتأكدوا أن الحقيقة هي أن الأرمن ذبحوا المسلمين على نطاق واسع وبكثير من القسوة والوحشية. وأن الأرمن مسئولون عن معظم الدمار الذي حدث في القرى والمدن.
كما يؤكد التقرير على حقيقة أن الروس قاموا بالكثير من الفوضى والدمار حال تحالفهم مع الأرمن، لكن عندما انحل الجيش الروسي في 1917 وتركوا الأرمن دون تحكم، قام الأخيرون يذبحون ويقتلون المدنيين المسلمين، وعندما تحطم الجيش الأرمني على يد الجيش التركي تحول كل الجنود النظاميين وغير النظاميين إلى آلة تدمير في ملكيات المسلمين وارتكبوا المجازر، والنتيجة هي تدمير بلاد بأكملها.
فيما يقول المؤرخ الأميركي "جستن مكارثي" في كتابه المهم "الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين": هجمات الأرمن على المسلمين لم يأت ذكرها أو تؤخذ في الحسبان إلا فيما ندر، أما هجمات المسلمين على الأرمن فهي فقط التي يهتمون بها ويبرزونها، كان من السهل على المعلقين أن يصوروا المسلمين بوصفهم متوحشين شعروا بين فينة وأخرى بالحاجة إلى قتل المسيحيين، في الحقيقة هاجم الأرمن المسلمين وفي كثير من الأحيان دون استفزاز واضح أو مسوغ مباشر".




الأربعاء، 29 سبتمبر 2021

كشفت صحيفة “فرانكفورتر”الألمانية انقلاب تونس تم تحت إشراف جنرالات مصريين

كشفت صحيفة “فرانكفورتر”الألمانية انقلاب تونس تم تحت إشراف جنرالات مصريين

بقلم الخبير السياسى والإقتصادى

د.صلاح الدوبى 

جنيف – سويسرا

كشفت صحيفة “فرانكفورتر” الألمانية انقلاب تونس تم تحت إشراف جنرالات مصريين

كشفت صحيفة “فرانكفورتر” الألمانية في تقرير صادم لها أن الانقلاب الذي قام به الرئيس قيس سعيد في تونس، تم تحت إشراف جنرالات مصريين وجهوا المشورة له.

وفي مقال له بالصحيفة قال الخبير السياسي راينر هيرمان، إن تونس ظلّت مختبرا للديمقراطية في العالم العربي لمدة 10 سنوات، وكانت بالفعل في طريقها إلى ديمقراطية كاملة، وهو ما يعني “شوكة في خاصرة حكام مصر والخليج”.

وتابع أنه منذ بداية انتخاب سعيّد رئيسا للبلاد في أكتوبر 2019، بدأ العمل في مصر تحديدا من قبل جنرالات على آلية لقلب الدستور، وإنهاء العملية السياسية.

راينر هيرمان” أضاف أن جنرالات مصريين قدموا لسعيد خدمات استشارية بشكل مباشر قبل شهرين من إقالته رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميده عمل البرلمان.


كما لفت الكاتب إلى أن سعيّد لا يزال بحاجة إلى جهات فاعلة تضفي صفة شرعية لانقلابه على الدستور كي تتاح له فرصة التفرد بالحكم بشكل مطلق.

ومن غير الواضح كيف سيكون ميول الجيش لهذه الفكرة، بحسب الصحيفة الألمانية.

ويشار إلى أنه في نهاية يوليو الماضي، أي بعد أيام فقط من الانقلاب، قالت مصادر خاصة، إن السفير الأمريكي في تونس دونالد بلوم، طلب من الرئيس قيس سعيّد مغادرة ضباط المخابرات المصريين والإماراتيين المتواجدين في تونس، قائلا إن الأخيرين رافقوا عملية الانقلاب.

وأوضحت المصادر أن الضباط كانوا قدموا إلى تونس بذريعة تقديم مساعدات لمقاومة جائحة كورونا قبل أسبوعين تقريبا، ولم يغادروها حتى اللحظة.

قيس سعيد ولقائه السيسي في مصر

ويبدو أن تونس مهددة اليوم بالغرق في المجهول نتيجة خطر مزدوج من الاستبداد والإفلاس المالي، بعد أن تسبب رئيسها الحالي في زعزعة التوازن الدستوري من خلال تركيز معظم السلطة في يديه باسم “ثورة الشعب” التي يريد إحياءها.

هذا ما لخص به مراسل “لوموند” الفرنسية فريدريك روبين، قبل يومين افتتاحية مطولة كتبها للصحيفة عن الإجراءات الأخيرة للرئيس قيس سعيد، ذلك “الرجل اللغز” كما يصفه البعض، الذي أدخل تونس منذ “انقلابه” قبل شهرين في مسارات سلطة الفرد المحفوفة بالمخاطر، ضاربا بقواعد العمل السياسي عرض الحائط ومفلتا بذلك من الأنماط والنظم المتفق عليها، وفقا للكاتب.

المقال أوضح أن سعيد -الذي وضع كل السلطات التنفيذية والتشريعية في يده منذ 25 يوليو لإنقاذ الأمة من “خطر وشيك”- وقّع في 22 سبتمبر/أيلول الجاري مرسوماً رئاسياً يجعل معظم السلطات الدستورية تتركز في يده بانتظار “الإصلاح السياسي” الذي وعد بإخضاعه لاستفتاء عام.

وبرر الكاتب سبب الاهتمام الذي تحظى به “ظاهرة سعيد” بكون الرهان هو في الواقع على مستقبل التحول الديمقراطي التونسي، وهو نموذج يواجه خطرا بعد الاحتفاء به باعتباره نجاحا في العالم العربي.

وأضاف أن الليبراليين التونسيين لم يعودوا يخفون قلقهم أمام الانجراف الاستبدادي لسعيد باسم “الشعب” والذي يزداد وضوحا كل يوم، لينقل في هذا الصدد عن العميد السابق لكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية المحامي عياض بن عاشور قوله بمرارة “قيس سعيد يعيد تثبيت الدكتاتورية”.

وأردف الكاتب بتعداد مبررات كثيرة لوصف سعيد بأنه “لغز” قائلا إن كل تصرفاته تؤكد انطباق هذا الوصف عليه. أليس هو، مثلا، ذلك الديمقراطي الذي يكره الأحزاب السياسية، أليس هو ذلك الخبير الدستوري الذي أرسل دبابة لإغلاق باب مبنى البرلمان بعد أن علق أعماله، ثم أليس هو وريث “الربيع التونسي” الذي يغازل مصر والسعودية عرابي الثورة العربية المضادة؟

وعن موقف المجتمع الدولي مما يجري في تونس، أشار الكاتب إلى القلق الذي عبرت عنه الدول الغربية، وخاصة الأميركيين، الذين عبروا عن امتعاضهم من هذا الانحراف الدستوري عن الطريق، الذي يضعف “النموذج الديمقراطي” التونسي.

أما المحور الإقليمي الذي شكلته مصر والإمارات والسعودية، والمعادي لنفوذ الإخوان المسلمين، فلا يخفي ارتياحه للإطاحة بالنهضة، في حين التزمت تركيا الصمت، ورفعت الجزائر مستوى يقظتها خوفا من أن تصبح جارتها مرتعا “للتدخل الأجنبي” في الوقت الذي تراقب فيه إيران وروسيا والصين عن كثب ما يجري في هذا البلد.

ومن أسباب القلق الداخلي والدولي مما يجري، وفقا للكاتب، رفض سعيد أي نقاش مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، واستمراره في تعزيز سلطاته الشخصية.

أما رد الرئيس على منتقديه، فإن الكاتب لخصه في تسببه في المزيد من الاستقطاب من خلال شيطنة عدو في الداخل، إذ واصل الأسابيع الأخيرة نشر تصريحاته الهجومية ضد ما أسماه “مؤامرات الخونة واللصوص، وتجويع الناس”.

صفحة لـ”مسؤول أمني مصري كبير” تكشف عن دور “صادم” للقاهرة في انقلاب تونس

وتعرف الصفحة التي لا يعرف من يتولى إدارتها بأنها “نافذة داعمة وترصد تحركات الفريق سامي عنان”.

وأشارت إلى أن الخطة تنص على تقديم الإمارات لدعم مالي لعمليات إثارة الفوضى، ثم التمهيد لإعلان تدخل الجيش التونسي وانحيازه لسعيّد.

وذكرت الصفحة أن المرحلة الانتقالية ستتضمن دستورا جديدا وإجراءات سياسية جديدة نحو الأحزاب.

وانتقدت ما اسمته بـ”التدخل المصري”، قائلًا: “هل من مصلحة المخابرات المصرية أن تتحرك صوب سد النهضة؟ أم تشارك بإشعال أزمات في دول أخرى؟

واحتفى الإعلام المصري إلى جانب نظيره الإماراتي والسعودي بأحداث تونس بشكل منقطع النظير.

وفجر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني مفاجأة من العيار الثقيل بشأن انقلاب تونس، تتعلق بتمويله ومن يقف خلفه.

وكشف الموقع الشهير أن الدعم المادي لعملية الانقلاب تمت بالكامل من ولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد.

وقال إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عرض على سعيد تقديم المساعدة له أثناء تنفيذ انقلاب تونس.

كلاب إعلانات الجمهورية الجديدة

 كلاب إعلانات الجمهورية الجديدة

وائل قنديل

هذا فيلم مثير للشجن، ومسيّلٌ للدموع على حال الإنسان المصري، العادي، الذي لا تجده في دراما تأتيك من كل الاتجاهات، وكأنها حشود أمنية مدرعة تحاصر الجمهور، وتفرض وعيًا بديلًا، مباشرًا وسطحيًا ومبتذلًا، لتصبح الدراما، في النهاية، سلاحًا أمنيًا رادعًا.

خرجت من مشاهدة فيلم "200 جنيه" بانطباع جيد يحيي الأمل في استعادة السينما المصرية بعض بريقها واحترامها، كون هذا العمل الذي كتبه أحمد عبد الله وأخرجه محمد أمين يبتعد تمامًا عن قيم السينما التجارية، وأيضًا تلك السينما المتهرّبة من الواقع، خوفًا وطمعًا، إلى مساحاتٍ آمنةٍ من التفاهة والسطحية والاسترخاص، استرخاص المتلقي، واسترخاص الإنتاج الفني معًا.

الفيلم الممتد أكثر من تسعين دقيقة، هو في الحقيقة مجموعة أفلام في شريط واحد، إذ يقدّم ست قصص إنسانية، منفصلة عن بعضها من حيث الشخصيات والأحداث، لكنها متّصلة على نحو يمنحك إحساسًا بأنك بصدد موزاييك مدهش، أو فسيفساء اجتماعية وإنسانية شديدة الإحكام والجمال.

الشخصية الرئيسة في الفيلم هي ورقة مالية من فئة 200 جنيه تتنقل من شخصية إلى أخرى، من طبقات وفئات اجتماعية مختلفة، لتحكي حكاية الإنسان المصري في هذا العصر، من خلال لوحاتٍ سينمائيةٍ بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، وبلغةٍ سهلةٍ وتلقائيةٍ لا تسلم نفسها للشعارات الضخمة وتعقيدات التنظير.

تقابل في الفيلم المدرس المطحون الذي لا تتجاوز مساحة الكون بالنسبة له حدود قاعة دروس خصوصية، تنسيه كل شيء في حياته، حتى زوجته، إلا الورقة من فئة 200 جنيه التي يدفعها كل تلميذ في كل حصّة درس،  إلى أن تنساه الحياة ذاتها، كما تأخذك الورقة المالية إلى سائق التوكتوك وصديقه سائق شاحنة النقل، وساكن الفيلا والخادمة العابرة وسائق التاكسي الكادح ومالك العقار الجشع، ونجمة السينما، ولبّيسة النجمات الهاربة من الوسط الفني كله، لتدور في الشوارع تبيع الصور والتذكارات القديمة لتأمين نفقات علاج زوجها القعيد، وأستاذ علم الاجتماع الذي يسلك في حياته عكس ما يعلّمه للطلاب ويلقيه في المحاضرات، معلنًا ولاءه المطلق لأوراق الـ 200 جنيه فقط.

كل شخصية من هذه النماذج تظهر في العمل مرة واحدة، بطلًا لحكايتها في إيجاز سينمائي بديع، لتسلم خيط السرد إلى البطل أو البطلة التي تليها، من خلال أداءٍ رائع لمجموعة من النجوم، ليلى علوي وأحمد السقا وخالد الصاوي وهاني رمزي وأحمد رزق وأحمد السعدني وصابرين وإسعاد يونس.

لغة هادئة وشديدة البلاغة تذكّر بواقعية سينمائية تنتمي، بشكل ما، إلى عالم صلاح أبو سيف ثم عاطف الطيب ومحمد خان، تردّ الاعتبار لصناعة السينما التي جرفتها أمواج البروباغندا السياسية ولوثة دراما الوطنية الزاعقة.

بعد المشاهدة ، وجدتُني متعاطفًا مع كل شخصياته، حتى الفاسدة منها، والتي انتظمت أمامي مثل مجموعةٍ من الضحايا لواقع خانق ومُقبض، يحاولون ردمه تحت وابلٍ من الدراما التلفزيونية الفجة، والبروباغندا الإعلامية الساذجة التي تحدّث الناس عن الجنة التي صنعها جنرال الجمهوية الجديدة على الأرض، وتطلب منهم تصديقها، بينما هم قابعون في جحيم السياسات الاقتصادية التي تسحق الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ونار القبضة الأمنية التي تلفح كل من يجأر بالاحتجاج أو بالشكوى.

في الليلة ذاتها التي شاهدتُ فيها الفيلم، جلست أقلّب في قنوات التلفزة المصرية، المعروفة بأنها تابعة لشركات المخابرات، فوجدت إعلانًا يبدأ بصوت إنسان وصورة كلبٍ يقول إنه كلب إعلانات، ويحدّث المشاهد عن روعة الحياة في كومباوند سكني جديد، ويدعوهم إلى الشراء فيه والانتقال إليه، حيث الجمال والهدوء والراحة، والمساحات الخضراء التي توفر له الانطلاق والاستمتاع المطلق.

هذا الكلب، يتحدّث بلسان الجمهورية الجديدة وقيمها، تلك الجمهورية التي تتوعد قاطني نصف عدد الوحدات العقارية في البلاد بتسيير قوات الجيش للحرب عليهم وإجلائهم من بيوتهم، بناء على أوامر صارمة من الرئيس الجنرال الذي أمهل قواته ستة أشهر فقط لإنجاز المهمة.

هذه المرّة، يبدو عبد الفتاح السيسي مصمّمًا على الانتقام من الجماهير بعد عامين من تظاهراتها ضد قراراته بإزالة البيوت والمساكن في القرى والأحياء الفقيرة، وهي التظاهرات التي أجبرته على التراجع والانسحاب، وتقديم رئيس حكومته، مصطفى مدبولي، ليعلن عن إجراءات تصالح، على دفعات ميسرة، وذلك على ضوء تحذيرات الأجهزة الأمنية من انفجار الوضع.

تشير الأرقام الرسمية إلى أن 50% من الوحدات العقارية في مصر مخالفة، كما ورد في إفادة معتز محمود، رئيس لجنة الإسكان في البرلمان، في ذلك الوقت،  ولو أضفت إلى ذلك المباني المقامة على أراضٍ زراعية، تكون نحو 85% من المباني مخالفة .. هذا يعني أن السيسي يريد هدم مصر  كلها، إلا 15% تقريبًا.

لكن ذلك كله يهون أمام سعادة كلب الإعلانات برغد الحياة في براح منتجعات الجمهورية الجديدة.

قيس سعيد "الحاكم بأمره"

 قيس سعيد "الحاكم بأمره"
محمد كريشان

«الدولة الآن هي قيس سعيّد وقيس سعيّد هو الدولة».. 

هذا أصدق ما كتبه أحد الصحافيين التونسيين للتعبير عن طبيعة المرحلة الحالية منذ أن قرر الرئيس التونسي في 22 سبتمبر/ أيلول إسقاط أجزاء من الدستور الصادر عام 2014 والإبقاء على البعض الآخر، مانحا نفسه سلطة الحكم بمراسيم بعد شهرين من إقدامه على عزل رئيس الوزراء وتعليق عمل البرلمان وتولي مهام السلطة التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية.

وصف يعيد إلى الأذهان المقولة الشهيرة المنسوبة للملك الفرنسي «لويس الرابع عشر» الذي حكم فرنسا بين 1661- 1715 والملقب بـ «الملك الشمس» حين قال «الدولة هي أنا» حتى غدت مثلا شائعا للتعبير عن الشطط في الاستبداد. 

وإذا كان التاريخ العربي يحيلنا إلى من عرف باسم «الحاكم بأمر الله» الخليفة الفاطمي السادس الذي حكم من 996 إلى1021، فإن قيس سعيّد يجوز أن نطلق عليه دون تجن «الحاكم بأمره».

الأمر الرئاسي الذي أصدره الرئيس التونسي لم يكتف بتفصيل الدستور وتفكيكه على مزاجه الشخصي، فأبقى على ما يريد ورمى بغيره، وإنما احتكر لنفسه أيضا تعديل الدستور والقانون الانتخابي معلنا أنه سيتولى التشريع عبر أوامر رئاسية، وسيغير النظام السياسي للبلاد. 

يحدث كل ذلك دون تحديد سقف زمني ودون وجود أية هيئة رقابية على ما سيفعله ودون إمكانية للطعن في أي أمر رئاسي يمكن أن يصدره مع أن الله وحده سبحانه من «لا معقّب لكلماته».

أما المجالات التي يمكن أن يفتي فيها الرئيس بمفرده، وتصدر كقوانين باتة ونهائية، فقائمتها طويلة من الشغل والصحة والثقافة والإعلام والبيئة والجيش والأمن والمعاهدات الدولية والأحزاب والجمعيات والنقابات والقضاء والانتخابات والجنح والجنايات والضرائب والأداءات بمعنى كل مناحي الحياة في البلاد تقريبا، حتى أن البعض ساخرا ما إذا كان العلم الوطني والنشيد الرسمي سيبقيان على حالهما أم لا.

واضح الآن أن الأمر لم يعد يتعلق بالتصدي لـ «خطر داهم» يهدد الدولة، ولا حتى بوضع حد لحالة من الفوضى والتسيب والفساد وانعدام المسؤولية تسببت فيها منظومة سياسية مهترئة وحكومة عاجزة وبرلمان مثير للسخرية، وإنما هي رغبة جامحة للحكم الفردي.

كل ذلك شكّل صدمة لكل من توهّم أن ما قام به الرئيس ليلة 25 يوليو/ تموز من حل الحكومة وتعليق صلاحيات البرلمان إنما جاء لمصلحة وطنية ضاغطة غفرت له تعسفه البيّن في اللجوء إلى الفصل 80 من الدستور. لقد أفاق كثير من هؤلاء الآن، وليس الجميع، على أن ذلك كان بعض الحق الذي يراد به كل الباطل.

أما أقوى المناهضين للرئيس سعيّد فيبقى بلا جدال الوضع الاقتصادي الذي بات بعض الخبراء يخشون عليه من مصير لبنان أو اليونان

لا شك في أن الوضع السابق كان مزريا ساهم كثيرون في مزيد تعفينه، ولا شك كذلك أن حركة «النهضة» ورئيسها على وجه الخصوص لم تنجح في شيء نجاحها في تأليب الناس ضدها بسبب انتهازيتها وحرصها على البقاء في الحكم، مهما كان الثمن. لقد انزلقت هذه الحركة تدريجيا في نفس ممارسات حزب الراحل بن علي السابقة من سوء تصرف ومحسوبيات ووضع اليد مع لوبيات الفساد وباروناته، ورفض زعيمها للديمقراطية داخل حزبه وتجاهله للأصوات الداعية للإصلاح وضرورة تخليه عن رئاسة مجلس النواب وغير ذلك كثير، وكل ما سبق يفسر في البداية تهليل الكثير من التونسيين ابتهاجا بالتخلص من هذه الرموز المكروهة للغاية.

هذا الوضع انعكس الآن حتى على المشهد السياسي الحالي في البلاد فالمخاوف الجمّة التي أثارتها خطوات الرئيس جعلت معظم الأحزاب تعدل عقارب ساعاتها، إلا قلة ممن أعمى الكره الأيديولوجي قلوبها وعقولها. ومع أن عددا من الأحزاب أصدرت بيانات مشتركة وصلت حد اتهام سعيّد بأنه بات «فاقدا للشرعية» وكذلك إلى إنشاء تنسيقيات للتصدي لتوجهاته المخيفة إلا أنها ليست مستعدة، الآن على الأقل، لوضع اليد مع حركة «النهضة» لأن ذلك سيكون مجلبة للسخط والغضب الشعبيين.

المطمئن نسبيا أن المجتمع المدني التونسي بدأ يستفيق ويتحرك، بعد مرحلة من الانتظار والضبابية وبعض الأمل في الرئيس، فنزل الناس إلى الشارع في وقفات احتجاجية قد تشهد المزيد من الزخم في المستقبل، كما شرعت الكثير من المنظمات في إصدار البيانات المشتركة المحذرة من مخاطر الحكم الفردي المطلق وويلاته في بلد تآمر عليه كثيرون، من الداخل والخارج، لإجهاض تجربته المتميزة رغم كل العثرات. ومع أن «الاتحاد العام التونسي للشغل» بات أكثر انتقادا للرئيس بعد فترة من المهادنة والتفهّم إلا أن تحرّكه الحقيقي في الشارع لإحباط أي نزعة استبدادية هو الذي سيكون المرجح للقوى الرافضة مع قطاعات رمزية وازنة كالقضاة والمحامين وغيرهم.

أما أقوى المناهضين للرئيس سعيّد فيبقى بلا جدال الوضع الاقتصادي الذي بات بعض الخبراء يخشون عليه من مصير لبنان أو اليونان، فعندما يصطدم الناس أكثر فأكثر بمزيد تردي المستوى المعيشي وارتفاع الأسعار سيدركون وقتها أنه ليس بالشعارات والكلام الفارغ يعالج الاقتصاد أو يتم التصدي للفساد. كل الأمل أن يدرك الجميع ذلك سريعا دون أن تضطر البلاد إلى دفع ثمن فاحش كهذا.




(عن صحيفة القدس العربي اللندنية)
 

نهاية القرن الأمريكي

نهاية القرن الأمريكي

د. عطية عدلان

“هل انتهى القرن الأمريكيّ؟” سؤالٌ اتَّخَذَهُ عنواناً لكتابه “جوزيف صمويل ناي” أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، وصاحب المؤلفات التي شكلت مصدرا لتطوير السياسة الخارجية في عهد “باراك أوباما”، وبرغم أنّه انتهى إلى نتيجة أقل تشاؤمًا رأيناه قد ضَمَّنَ كتابه حقائق واقعية ربما تثير تشؤمًا أكثر على مستقبل أمريكا عند قُرَّائه قبل غيرهم، وفي مستهل كتابه أورد سؤالاً لأحد الخبراء: إذا كانت الإمبراطورية البريطانية قد استمرت قرنين؛ “فلماذا بدأنا بالانحدار بعد نحو خمسين سنةً!”([1]).

الأمر – إِذَنْ – بدأ قبل الزلزال الأفغانيّ، وله أسباب أعمق وأقدم من صعود “طالبان”، غير أنّ الخروج الأمريكيّ على هذا النحو المهين من “كابل” استثار القضية من مكمنها، ومن المؤكد أنّ هذا الحدث – المحَلِّيّ الكونيّ في آن – قد أكّد المخاوف وسكب على وقودها زيتا جديداً؛ لذلك وجدنا الصحف الغربية عموماً والأمريكية على وجه الخصوص يعلو موجها هادرا ومنذرا، فعلى سبيل المثال: نشرت مجلة “الإيكونوميست” مقالا ل “نيال فيرجسون” بعنوان: “لماذا لن تكون نهاية الإمبراطورية الأمريكية سلمية؟” ورد فيه: “قد يكون الوقت قد حان لمواجهة حقيقة – فهمها تشرشل جيداً – وهي أنه: نادراً ما تكون نهاية الإمبراطورية عملية غير مؤلمة”([2])، والذي يقول هذا الكلام هو “فيرغسون” أستاذ التاريخ الذي دافع كثيرا عن الإمبراطوريات، إلى حدّ أنّه يعتبرها ضرورة حتى للأمم المستعمرة فيقول في كتابه الشهير “الصنم”: “إنّ تجربة معظم الدول في إفريقيا والشرق الأوسط منذ عام 1945م إضافة إلى أجزاء كبيرة من آسيا تضع إيمان “روزفلت” بالتحرر من الاستعمار في غير محله”([3]).

وليس الأمر مجرد تشاؤم نفسيّ وَلَّدته الصدمة المباغتة، وإنّما هو “تشاؤم استراتيجي

حتى الطائر الذي حلَّق طويلا وغرَّد كثيرا في سماء التبشير ببلوغ الإنسانية نهايتها على شواطئ الليبرالية الأمريكية “فرنسيس فوكوياما” يعكس اليوم الاتجاه الذي رسمه بإصرار وحتمية في كتابه “نهاية التاريخ” ويدخل عن طواعية واختيار سرب المغردين في الاتجاه التشاؤميّ؛ فها هو يكتب في مجلة الإيكونوميست في 18 أغسطس 2021م مقالا بعنوان “نهاية الهيمنة الأمريكية” ومما قال فيه: “وحقيقة الأمر أنّ نهاية العهد الأمريكي جاءت قبل ذلك بكثير؛ لكن الأسباب طويلة المدى للضعف والانحدار الأمريكي هي في الحقيقة محلية أكثر منها دولية” … “ليس من المرجح أن تستعيد الولايات المتحدة مكانتها المهيمنة السابقة، ولا ينبغي لها أن تطمح في ذلك”([4]).

واللافت للنظر بشدة أنّ كثيرا من المنذرين بزوال الهيمنة الأمريكية بعد انسحاب أمريكا من أفغانستان يربطون – بلغة صارمة ملؤها الزعر والهلع – بين هذا الحدث وحدث الخروج السوفيتي من نفس البلد، أوردت مجلة “نيويوركر” الأمريكية الأسبوعية بتاريخ 15 أغسطس 2021م مقالا بعنوان: “هل يمثل الانسحاب الكبير من أفغانستان نهاية العصر الأمريكي؟” للكاتبة روبن رايت” قالت فيه: “إنّها لنهاية مشينة تضعف مكانة الولايات المتحدة في العالم وربما بشكل لا رجعة فيه” … “إنّها ليست مجرد هزيمة ملحمية للولايات المتحدة؛ فقد يكون سقوط كابل بمثابة نهاية لعصر القوة العالمية للولايات المتحدة” … “إنّ الانسحاب الكبير لأمريكا من أفغانستان مهين على الأقل بقدر ما كان انسحاب الاتحاد السوفيتي من هذا البلد عام 1989م وهو الحدث الذي ساهم في نهاية امبراطوريته”([5]).

وليس الأمر مجرد تشاؤم نفسيّ وَلَّدته الصدمة المباغتة، وإنّما هو “تشاؤم استراتيجي” مبنيّ على دراسات سابقة؛ فلولا اهتزاز ثقة المفكرين في جدوى استمرار الهيمنة الأمريكية لأسباب أقدم وأعمق من مجرد هزيمتها “مِنْ قِبَلِ تَمَرٌّدٍ تَسْلِيحُهُ لا يزيد عن قذائف آربي جي وألغام أرضية وبنادق كلاشنكوف” على حدّ تعبير “ليز سلاي” الصحفية ب”الواشنطن بوست”، لولا هذا الاهتزاز في الثقة لأسباب داخلية عميقة؛ لما اندفع في الصحافة الأمريكية والعالمية هذا السيل العارم من التصريحات التشاؤمية الحادّة من مفكرين ومتابعين كبار، بوزن فوكوياما الذي قال مشيراً إلى أحد أبعاد الأزمة: “فالمجتمع الأمريكي يسوده استقطاب حاد … تَحَوَّلَ منذ ذلك الحين إلى صراع مرير حَوْل الهوية الثقافية”.

إلى هذا البعد الخطير أشار أحد المحترفين لاستطلاع الرأي العام “وليام ماك إنترف” في تصريح ل”الواشنطن بوست” فقال: “عندنا قوتان ضخمتان تصطدمان، واحدة ريفية مسيحية محافظة دينيا، والأخرى متسامحة اجتماعيا توافق على تخيير المرأة بين الحمل وعدمه، علمانية تعيش في نيو إنجلاند وعلى شاطئ المحيط الهادئ” ولعل صعود اليمين المحافظ قد أعطى لإحدى هاتين القوتين بعدا سياسيا واسع المدى كان أقصى تجلياته متمثلا في “الترامبية” التي لم تمت لمجرد نجاح بايدن، وبخلاف هاتين القوتين هناك اتجاهان آخران يتصارعان، اتجاه يعظم الموروث عن الآباء المؤسسين وآخر جديد طائش يتعجل نهاية العالم، وكما عبر “باتريك بوكانن” الذي عمل مستشارا لرؤساء أمريكا من نيكسون إلى ريجان: “إنّنا بَلَدَان وشَعْبَان: أمريكا قديمة تموت، وأمريكا جديدة تنال ما تستحق”([6])، فالصراع الثقافي على الهوية صار مارداً جباراً مقلقاً؛ ولاسيما مع تعقد التركيبة الديموغرافية للمجتمع الأمريكيّ بسبب نشأته وحتميات الهجرة.

  ويناقش فريد زكريا في كتابه “مستقبل الحرية” مشكلة الجمود السياسيّ ويَرُدَّها إلى طبيعة النظام

وقد أوجز “جوزيف ناي” مشكلات أمريكا الداخلية والمستعصية على الحلّ، لكنّه – لكونه أقل تشاؤما وأكثر واقعية – أدغم بها بعض عوامل للصمود الحضاري، فقال: “الولايات المتحدة تواجه مشكلات حقيقية في مسائل من مثل: الديون والتعليم الثانويّ وعدم تساوي الدخل والجمود السياسي، لكن يمكن أن يلاحظ أحدنا أنّها جزء من المشهد، إذ ثمة على الجانب الإيجابي من القضية مزايا الديموغرافيا والتكنلوجيا والطاقة”([7])، غير أنّ ما ذكره من إيجابيات لا يصمد أمام تلك المشكلات لأنّ المشكلات جذرية بخلاف تلك التي يراها روافع.

وما لخَّصَهُ وأَجْمَلَهُ “جوزيف ناي” في ذاك الموضع فَصَّلَه في مواضع عديدة وبنى عليه، وفَصّلَه كذلك آخرون، ربما يجدر البدء بهم قبل العودة إلى “ناي”، يتحدث “فرجسون” عن الآثار الاقتصادية الناجمة عن السلوك الاستهلاكيّ للأمريكان – والذي يصعب تغييره ولو على المدى البعيد – فيقول: ” ارتفع حجم ديون القطاع المنزلي/الأسري من 44% من الناتج المحلي الإجمالي في الستينيات والسبعينيات إلى 78% عام 2002م … فقد أقرت الحكومة الاتحادية في يوليو 2003م بأنّ فائض الميزانية المقدر بمبلغ 334 مليار دولار – والذي جرى توقعه قبل عامين – قد تحول – بفضل توليفة جمعت الركود والحرب وتخفيض الضرائب – إلى عجز لا يقل عن 475 مليار دولار”([8])، وبعد استطراد في شرح الأزمة، يعلق قائلا: “فمنذ عام 1985م تحولت الولايات المتحدة من دائن عالميّ إلى أكبر مَدِينٍ في العالم … لابد من الاعتراف بأن اعتماد أمريكا على رأس المال الأجنبي تشبه التوازن فوق حبل مشدود على علو شاهق”([9])، ثم يواصل ناعيا على المجتمع الأمركي الطبيعة المترهلة: “الاستهلاك اعتمادا على الاقتراض، الإحجام عن الذهاب إلى جبهات القتال، النزعة لفقد الاهتمام بالمهمات والمشاريع طويلة الأمد؛ إذا كانت كل هذه السمات تستحضر صورة أمريكا في الذهن كمتمرد كسول مغرم بالجلوس وعدم مغادرة البيت، أو بتعبير أكثر فظاظة: مدمن استراتيجي للجلوس ومشاهدة التلفزيون؛ فإنّ الصورة تستحق التفكير والتأمل … ويبدو أنّ: “عبء الرجل الأبيض محمول على كرشه”([10]).

ويناقش فريد زكريا في كتابه “مستقبل الحرية” مشكلة الجمود السياسيّ ويَرُدَّها إلى طبيعة النظام؛ فيقول: “تستحوذ فكرة الانتخاب على عقل السياسيّ، والآن السياسيون الأمريكيون يركزون بشكل عنيد على الفوز في الانتخاب القادم، واستثناء كل شيء ما عدا ذلك، لا لأنهم بشر أسوأ من أسلافهم، ولكن لأنّ النظام يدفعهم في هذا الاتجاه”([11])، وفي سياق تفصيله لجذور الأزمة يصف الأحزاب وطبيعة عملها الذي آلت إليه: “إنّ الحزب على الأغلب تحول إلى عربة لجمع التبرعات لصالح مرشح ذي طلة تلفزيونية مميزة”([12])، وباختصار ينقل المشهد: “أصبحت الحكومة الأمريكية في كلمات “راوخ”: “كتلة مجمدة عملاقة من البرامج المعظمة العالقة في أزمة نقدية دائمة”([13]).

وأودّ أن أوذكر هنا صرخة أحد العقلاء الذين كتبوا من منطق الحرص على الغرب كله وحضارته

وبرغم أنّ الأزمة الديموغرافية في أمريكا أقلّ من أوربا وروسيا والصين، إلا أنّها ليست ببعيدة عنها؛ لكونها مرتبطة بالرجل الأبيض المتحضر من جهة الطبيعة الثقافية والسلوكية التي أضفتها عليه الثورة الثقافية المعاصرة، وصارت وثيقة الصلة به، يقول “بيتر فرديناند داركر” الحاصل على “الوسام الرئاسي للحرية” بأمريكا عام 2002م: “إنّ أهم حقيقة مفردة جديدة – ولو لم يكن ذلك إلا بسبب أنّها حقيقة ليس لها سابقة في التاريخ كله – هي انهيار نسبة الولادات في العالم المتقدم كله” وبلهجة فزعة مفزعة يقول “باتريك بوكنان”: “الغرب يموت؛ لقد توقفت أُمَمُهُ عن التكاثر، وتوقف سكانه عن النمو، وبدأوا بالانكماش، ولم يقم – منذ الموت الأسود الذي حصد أرواح ثلث سكان أوربا في القرن الرابع عشر – تهديد أخطر لبقاء الحضارة الأوربية من هذا الخطر الماثل … جميع ملل الإيمان المسيحي ممثلون في المسيرة العظيمة لموت الغرب”([14]).

أمّا عن أزمة العنصرية والعصبية، والهوس اللاهوتي بنهاية العالم، الذي أفصح عن نفسه في لغة “جيمي سواغرت” و”جيري فالول” و “ليندسي” وغيرهم، بل وفي خطابات سياسية لساسه من الأمريكان على مستوى رؤساء وزعماء من أمثال ريجان، مما أوردته كتب سيارة مثل كتاب “النبوءة والسياسة” ل “غريس هالسل” عن هذه الأزمة وآثارها التي يمكن أن تتفاقم مع صعود اليمين المحافظ في الغرب كله، عن هذه الأزمة الكبيرة “حَدِّثْ ولا حرج”، وأودّ أن أوذكر هنا صرخة أحد العقلاء الذين كتبوا من منطق الحرص على الغرب كله وحضارته، يقول “ريتشارد كوك” بواقعية شديدة: “إنّ مورثات العدوان الصليبيّ المنحرف، والمدعومة بالعلم والتقنية وأقوى النظم الاقتصادية والعسكرية مزقت الغرب ومن ورائه العالم إلى أجزاء، وحين يعاد توحيد مورثات التعصب المفرق مع الأصولية الدينية؛ فإنّ هذه المورثات تبقى تهديداً قوياً للغرب، لا من الخارج فقط بل من الداخل الذي يعتبر أكثر تهديداً”([15]).

وَثَمّ أزمة قلّ من تحدث فيها، ولعلها تنتمي إلى ظاهرة “ترهل المارد العملاق”؛ ففي تقرير نشرته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عام 2013م يقارن مهارات البالغين في عشرين دولة متقدمة تبين أنّ 36 مليون أمريكي لديهم مهارات خفيضة، وأنّ العمال الأمريكيين تم تصنيفهم في المستويات الأخيرة في مهارات الحساب والكفاءة التكنلوجية … فالطلاب الأمريكيون لا يبدو أنهم يحسنون من معارفهم ومهاراتهم بما يكفي لمواكبة الاقتصاد المتطور، فإذا عدنا إلى “جوزيف ناي” وجدناه – برغم فتور الحالة التشاؤمية لديه – يحذر من الأزمة المالية – التي لا يرى لها الخبراء حلا – بهذه اللهجة المفرطة في الخوف والتخويف: “وبعد الأزمة المالية أصبح المصدر الرئيسي للمخاوف مستوى الدين الحكومي، ففي مفردات التاريخ البريطاني: “تلك هي الطريقة التي انحدرت بها الإمبراطوريات؛ بدأت بانفجار الديون”([16]).

أمّا عن أزمة التباين الفاحش بين الدخول والعوائد، تلك الأزمة التي يصعب إيقاف مدها مع تنامي الفكر النيوليبرالي واستبداد “صبية مدرسة شيكاغو” بالتنظير الاقتصادي وفرضهم لنظرية “ميلتون فريدمان” المحابية بشدة للرأسمال على حساب اليد العاملة، مع نفوذ “جماعات الضغط النفعية” وتسلطها على سياسات الأحزاب، عن هذه الأزمة يتحدث “توماس بيكيتي” في آخر صيحة موجعة: “يتقاضى الموظف المتوسط في شركة “وول مارت” أقل من 25000$ في السنة، في حين أنّ “مايكل ديوك” رئيس تلك الشركة حصل على أكثر من 23 مليون دولار في 2012م، كما أنّه في 2011م حصل “تيم كوك” من شركة “أبل” 378 مليون دولار في شكل مرتب وأسهم ومزايا أخرى، حيث كان ذلك الرقم يعادل 6258 ضعف متوسط راتب الموظف في “أبل”، وهذا الاتجاه يوجد في كل مكان في عالم الأعمال”([17]).

هذه هي الصورة التي تجليها كتب ومقالات وتصريحات وأبحاث وتقارير لمفكرين وعلماء وصحفيين ومختصين من الغرب ولاسيما أمريكا نفسها، وإذا كان هناك خلاف في درجة التشاؤم فإنّ الإجماع منعقد على أنّ الهيمنة الأمريكية في طريقها إلى الزوال، وإن بقيت أمريكا دولة عظمى قوية لفترة تطول أو تقصر، فبعض هؤلاء الأقل تشاؤما يرى أنّ الأمر سيؤول إلى اللاقطبية، بحسب تقرير ل “راند شويلر” يقول: “فإنّ قانون توسع الكون يعني أنّ النظام في هذا العالم قد استبدل بفوضى واسعة وعلى نحو مذهل، ويبين أنّ النمط المستقبلي لن يكون قوة عظمى تصارع أو تهادن، وإنّما الكون المعلوماتي، وهو الجواب عن: ما هو التالي؟ إنّه لا أحد”.

أمّا مجلس الاستخبارات القومي – الذي يعد التقديرات بخصوص الرئيس الأمريكي – فقد نشر أخيرا تقريرا عن عام 2030م يتنبأ فيه أن تبقى الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة في العالم، لكن لن تكون هناك هيمنة؛ فقد انتهت لحظة القطب الواحد، والولايات المتحدة لن تكون قوية كما كانت في الماضي، ودرجة الانحدار النسبيّ لن تكون كما لو أنّها نهاية العهد الأمريكيّ([18]).

وسواء ترجحت كفة المتشائمين أو تأكدت تنبؤات الأقل تشاؤما؛ فإنّ النتيجة بالنسبة إلينا واحدة

وأكتفي بذكر هذه الأقوال الأقل تشاؤما؛ لأنّها أشارت كلها إلى زوال الهيمنة، وانتهاء عهد القطب الواحد، وهذا ما يهمنا في الحقيقة، مع كونه أكثر واقعية من التحليلات التي تذهب إلى الانهيار التام السريع، والذين ذهبوا إلى هذا التوقع المرجح – وهو اللاقطبية واللاهيمنة – يرون أنّ محور الصين وروسيا لن يكون قطبا بديلا؛ لأسباب أراها من وجهة نظري منطقية، فالصين – وإن كانت تقبع وراء جدار الصراعات العالمية، أو كما عبر البعض “تستمتع بمغربات الركوب المجاني، ما دام أنّ هناك من يقود الحافلة” – فإنّها برغم ذلك لا تمتلك المقومات الحضارية لتكون وحدها قطبا محوريا مع وجود وصعود قوى كثيرة، ونفس الكلام بالنسبة لروسيا وإن اختلفت الأسباب.

أمّا عن تحالف الصين وروسيا فبرغم الخطاب الدافئ “فإنّ هناك عقبات حقيقية تقف في وجه التحالف الروسي الصيني تتجاوز حدود التنسيق الدبلوماسي التكتيكي؛ فالصين كقوة صاعدة لديها ما تكسبه أكثر من روسيا في الوقت الراهن، من ضمن ذلك الدخول إلى التجارة والتكنلوجيا الأمريكية، علاوة على ذلك لا تزال هناك بقايا من عدم االثقة التاريخية بين روسيا والصين؛ فهما تتنافسان في تأثيرهما في آسيا الوسطى، وأثار غضب الروس وجهة نظر الصين التجارية التي ترى أن التبادل التجاري بينهما هو تبادل الصناعات مقابل المواد الخام”([19]).

وهذ الذي يجري ليس غريبا ولا عجيبا؛ فهذه سنة إلهية ماضية، عبر عنها ابن خلدون بقوله: “إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم”([20])، والله تعالى يقول: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140).

وسواء ترجحت كفة المتشائمين أو تأكدت تنبؤات الأقل تشاؤما؛ فإنّ النتيجة بالنسبة إلينا واحدة أو متقاربة؛ لأنّ المهم هو زوال الهيمنة والقطبية، وسواء آل الأمر إلى قطبيات متعددة بينها تنافس أو إلى اللاقطبية واللاهيمنة فإنّ الفرصة لدينا كبيرة؛ بتوفر هامش للاستقلال وفرص للحرية وسقف للإرادة السياسية التي يجب أن تتوجه نحو التحرر والانطلاق ولو بالتدريج، المهم هو أن تتوفر الإرادة، ولا ريب أنّ الشعوب قادرة – إن شاءت – على الضغط على حكوماتها لتغير من سياساتها تبعا للمتغير الجديد، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 21).

([1]) هل انتهى القرن الأمريكي؟ – جوزيف ناي – ترجمة محمد إبراهيم العبدالله – مكتبة العبيكان – الرياض – ط أولى 2016م صــــ8
([2]) عن المعهد المصري – ترجمة عادل رفيق – في 20 أغسطس 2021م
([3]) الصنم “صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية” – نيل فرجسون – ت: معين محمد الإمام – مكتبة العبيكان – الرياض – ط 1422م صــــ258
([4]) عن المعهد المصري: ترجمة: عادل رفيق – بتاريخ 27أغسطس 2021م
([5]) السابق – 26أغسطس 2021م
([6]) موت الغرب – باتريك جيه بوكانن – ترجمة محمد محمود التوبة – مكتبة العبيكان – الرياض – ط 1426ه صــــ 22
([7]) هل انتهى القرن الأمريكي؟ – جوزيف ناي – ترجمة محمد إبراهيم العبدالله – مكتبة العبيكان – الرياض – ط أولى 2016م صــــ106-107
([8]) الصنم “صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية” – نيل فرجسون – ت: معين محمد الإمام – مكتبة العبيكان – الرياض – ط 1422م صــــ392
([9]) الصنم “صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية” مرجع سابق صــــ423
([10]) الصنم “صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية” مرجع سابق صــــ430
([11]) مستقبل الحرية (الديمقراطية الضيقة الآفاق في الداخل والخارج) – فريد زكريا – ت فادي أديب – ط أولى – دار مجالات – بيروت – صـ 208
([12]) السابق صـــ 205
([13])  أيضا صــــ 193
([14]) موت الغرب – باتريك جيه بوكانن – ترجمة محمد محمود التوبة – مكتبة العبيكان – الرياض – ط 1426ه صــــ27
([15]) انتحار الغرب – ريتشارد كوك ، كريس سميث – ترجمة محمد محمود التوبة – ط أولى 2009م العبيكان السعودية صــــــ 88-89 بتصرف بسيط
([16]) نهاية القرن الأمريكي ل جزيف ناي .. مرجع سابق صــــ78
([17]) رأس المال في القرن الحادي والعشرين – توماس بيكيتي – ترجمة محمود الشاذلي – دار الثقافة الجديدة – القاهرة – ط أولى 2015م صــــ27
([18])  هل انتهى القرن الأمريكي؟ – جوزيف ناي – ترجمة محمد إبراهيم العبدالله – مكتبة العبيكان – الرياض – ط أولى 2016م صــــ91-92
([19]) هل انتهى القرن الأمريكي؟ – جوزيف ناي – ترجمة محمد إبراهيم العبدالله – مكتبة العبيكان – الرياض – ط أولى 2016م صــــ39
([20])  مقدمة ابن خلدون – ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون – دار يعرب – دمشق – ط أولى 2004م صـــ 332

الثلاثاء، 28 سبتمبر 2021

تأملات - ما أجمل قصيدة قيلت في المئة سنة الماضية؟

برنامج: تأمـــــلات

ما أجمل قصيدة قيلت في المئة سنة الماضية؟





من العالم والطبيب مصطفى محمود؟ وكيف نازع المتنبي؟

الدكتور مصطفى محمود طبيب وكاتب ومفكر مصري، ترك للبشرية إرثا فكريا ضمّ مئات الكتب والمقالات والأبحاث في الدين والفلسفة والاجتماع والتصوف وغيرها من الآداب والفنون.

وترك وراءه عناوين متنوعة تحكي قصةَ طبيب كان قلمه مشرط جراحة ومبضعًا أخرج به لبَّ الحقيقة، وأنار قبس المعرفة؛ فنازع -بحقٍّ- المتنبي في لقبه "مالئ الدنيا وشاغل الناس".

وُلد مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ في محافظة المنوفية، كان والده موظفًا، وينحدر من أسرة متوسطة الحال، أولى العثرات في حياة مصطفى محمود كانت جسده الضعيف، إذ كان يعاني من مرض في طفولته أجبره على الغياب كثيرا عن مدرسته، مما تسبب في رسوبه 3 سنوات في المرحلة الابتدائية، كما أنه حُرم من اللعب كأقرانه من الأطفال بسبب المرض.

لم تمنعه حاله الصحية من أن يكون متفوقًا في دراسته، محبًّا للاكتشاف والاختراعات البسيطة، فأنشأ في منزل والده معملا صغيرًا صنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية لمكافحة الحشرات، التي عمل على تشريحها أيضًا، ثم مرض والده، وأصيب بالشلل عدة سنوات، وتوفي عام 1939م.

أكمل مصطفى محمود دراسته الثانوية، وانتقل مع والدته من طنطا إلى القاهرة. وتابع دراسته في كلية الطب، ولقبه زملاؤه "بالمشرحجي"؛ نظرًا لخبرته في التشريح، ووقوفه طويلا أمام جثث المشرحة، حيث كان يغوص في فلك التساؤلات عن سر الحياة والموت وما بعدهما.

انقطع عن الدراسة سنتين بسبب مرضه، أمضاهما في المطالعة والتفكير في موضوعات أدبية، فامتهن الكتابة في سنوات دراسته الأخيرة، وكانت تُنشر له القصص القصيرة في مجلة "روز اليوسف"، مما دفعه لاحتراف الكتابة.

تخرج الدكتور مصطفى من كلية الطب جامعة القاهرة عام 1953م، متخصصًا في الأمراض الصدرية، واستمر يجمع بين الطب والتأليف، منتسبًا إلى نقابة الأطباء ونقابة الصحفيين، حتى صدور قرار جمهوري يمنع الجمع بين نقابتين، فآثر الانتماء إلى نقابة الصحافة، وفضل شغفه في عالم التأليف والكتابة والفكر، وترك الطب عام 1960م.

تزوج مرتين؛ الأولى كانت عام 1961، وأنجب طفلين: أدهم وأمل، وبعد 12 سنة انفصل عن زوجته عام 1973، وتزوج مرة ثانية بعد 10 سنين من السيدة "زينب حمدي"، وذلك عام 1983م، وانفصل عنها عام 1987، ولم ينجب منها أطفالاً.

أنشأ عام 1979 مسجده في القاهرة المعروف بـ"مسجد مصطفى محمود"، ويتبع له 3 ‏مراكز‏ ‏طبّية‏ تهتمّ بعلاج ذوي الدخل المحدود، ويقصدها كثير من أبناء مصر؛ نظرًا لسمعتها الطبية. ‏ويضمّ المركز‏ 4 ‏مراصد‏ ‏فلكية‏، ‏ومتحفًا ‏للجيولوجيا‏، يقوم عليه أساتذة متخصصون، ‏ويضمّ‏ ‏المتحف‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الصخور‏ ‏الجرانيتية،‏ ‏والفراشات‏ ‏المحنطة‏ ‏بأشكالها‏ ‏المتنوعة‏ ‏وبعض ‏الكائنات‏ ‏البحرية‏. كما شكّل‏ ‏قوافل‏ ‏للرحمة‏ ‏من‏ 16 ‏طبيبًا لخدمة أبناء القرى النائية.

يقول مصطفى محمود "احتاج الأمر إلى 30 سنة من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين".

وبسبب كل هذه الإنجازات أصبح الدكتور مصطفى محمود ظاهرة فكرية متفرّدة، شكلت كتبه مادة دسمة للمثقفين، في وقت شهد فيه العالم الإسلامي بداية نضوب فكري، بعد ثراء فكري شهدته الخمسينيات والستينيات.

أسلوبُه الجميل الممتزج بالعلم حبّب الناس إليه، وألف المشاهد العربي عبارة "أهلا بيكم" عند التاسعة مساء كل يوم اثنين على امتداد 400 حلقة من برنامجه الشهير "العلم والإيمان"، الذي أصبح من أشهر البرامج العلمية، وحظي بمتابعة واهتمام الجمهور لمدة ربع قرن، وحقق أرباحًا مادية كبيرة، إلى أن أوقف البرنامج بقرار سياسي؛ بضغط من منظمات صهيونية.

وللدكتور مصطفى محمود وثائقي عن "مفاعل ديمونا الإسرائيلي"، و"حروب المياه"… وعناوين أخرى قدمها بأسلوب علمي ولغة رصينة.

يقول الدكتور مصطفى "أهل الحقائق في خوف دائمًا من أن تظهر فيهم حقيقة مكتومة، لا يعلمون عنها شيئًا، تؤدي بهم إلى المهالك؛ فهم أمام نفوسهم في رجفة، وأمام الله في رجفة، وذلك هو العلم الحقّ بالنفس وبالله".

بعد رحلة علاج استمرت عدة شهور فارق الدكتور مصطفى محمود الحياة عن عمر ناهز 88 عامًا، وشُيعت جنازته من مسجده بالمهندسين. ورحل بعد حياة ملأى بالأحداث والتحديات، لكن امتداد كلماته وهمساته باقٍ أبدًا؛ فهو كاتب امتهن طبَّ الكلام فجعله بلسمًا وترياقًا.