- {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا}.. قاعدة قرآنية في فهم العلاقات الإنسانية
في خضم العلاقات الاجتماعية التي تتشابك فيها حسابات المصلحة وتوقعات النفع، يميل الإنسان بطبعه إلى الارتكان إلى ظنونه؛ فيمنح ثقته، ويوجه عاطفته، ويرتب أولوياته بناء على تقدير مسبق لمن يظنه الأقرب نفعا والأبقى أثرا. غير أن التجربة الإنسانية، بما تحمله من مرارات ومفاجآت، كثيرا ما تصفع هذا اليقين المتوهم، وتكشف أن الرهان على جهة معينة قد يتبدد، ليأتي النفع من مكمن لم يكن يخطر للمرء على بال.
فقد كان الناس قبل الإسلام يقسمون أموالهم وفق معايير قائمة على التوقعات الشخصية، أو القوة، أو مقدار ما يرجى من النفع، وكان هذا يؤدي إلى ظلم واضح؛ إذ يحرم الإنسان بعض الأقارب من المال لأنه لا يظن أنهم سيقدمون نفعا كبيرا، بينما يفضل غيرهم اعتمادا على تقديرات بشرية قد تكون خاطئة. وجاء التشريع القرآني ليقطع الطريق على هذه التقديرات غير المنضبطة، ويربط الميراث بروابط ثابتة لا تتغير، مثل الأبوة والبنوة والقرابة والزوجية.
غير أن القرآن الكريم يقطع هذا الاطمئنان المتعجل بحقيقة عميقة تصحح نظرة الإنسان إلى العلاقات ومآلاتها، حين يقول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾(النساء: 11). فقد ورد هذا المعيار في سياق بيان أحكام الميراث، لكنها تحمل في طياتها حكمة إنسانية واسعة تتعلق بطريقة نظر الإنسان إلى علاقاته، وتقديره لمصادر النفع في حياته.
جاء التشريع الإلهي ليزيح الظن البشري ويستبدل به الحق الثابت، رابطا الميراث بأواصر وجودية لا تتبدل بتبدل المصالح، كالأبوة والبنوة والزوجية، مرسيا بذلك حقيقة كبرى: أن الله هو العليم بمنافع العباد
وفي هذا السياق، يشخص سيد قطب تلك الحيرة البشرية قائلا: فهنالك من تدفعهم عاطفتهم الأبوية إلى إيثار الأبناء على الآباء، لأن الضعف الفطري تجاه الأبناء أكبر، وفيهم من يغالب هذا الضعف بالمشاعر الأدبية والأخلاقية فيميل إلى إيثار الآباء، وفيهم من يحتار ويتأرجح بين الضعف الفطري والشعور الأدبي. كذلك قد تفرض البيئة بمنطقها العرفي اتجاهات معينة، كتلك التي واجه بها بعضهم تشريع الإرث يوم نزل، فأراد الله سبحانه أن يسكب في القلوب كلها راحة الرضى والتسليم لأمر الله، ولما يفرضه الله، بإشعارها أن العلم كله لله، وأنهم لا يدرون أي الأقرباء أقرب لهم نفعا، ولا أي القسم أقرب لهم مصلحة ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.
أما ابن عاشور فيذهب إلى نقد المعيار الجاهلي وتفكيك عدم انضباطه؛ إذ يبين أن الإنسان قد لا تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه أو أبناؤه، وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين، وربما لم تعرض أصلا، فهم متفاوتون من هذا الاعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم؛ إذ اعتمدوا أحوالا غير منضبطة ولا موثوقا بها. ولذلك قال تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، فشرع الإسلام الفرائض على ما لا يقبل التفاوت، وهي الأبوة والبنوة، ففرض الفريضة لهم نظرا لصلتهم الموجبة، لكونهم أحق بمال الأبناء أو الآباء.
وهكذا جاء التشريع الإلهي ليزيح الظن البشري ويستبدل به الحق الثابت، رابطا الميراث بأواصر وجودية لا تتبدل بتبدل المصالح، كالأبوة والبنوة والزوجية، مرسيا بذلك حقيقة كبرى: أن الله هو العليم بمنافع العباد، وأن الإنسان مهما اجتهد في تقدير المصالح يظل سائرا في عالم لا يملك مفاتيح غيبه. ولهذا قرر القرآن هذه الحقيقة بعبارة قصيرة لكنها عميقة الدلالة: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.
فالنفي هنا لا يقتصر على حالة فردية أو ظرف معين، بل هو تقرير لحقيقة عامة مفادها أن الإنسان لا يملك العلم الكامل بمستقبل العلاقات ولا بمآلاتها؛ فقد يكون الابن الذي لا يرجى منه نفع في نظر الناس سببا في أعظم البر والعناية، وقد يكون القريب الذي يظن أنه الأقرب نفعا أقل أثرا مما يتوقع. إن تغير الأحوال، وتفاوت النفوس، واختلاف الظروف، كلها عوامل تجعل تقدير النفع أمرا متغيرا لا يمكن ضبطه بمعايير ثابتة.
تتوتر العلاقة الزوجية أو تتبدل الأحوال، وربما يصل الأمر في بعض الحالات إلى الجفاء أو الانفصال، فيظهر حينئذ أن بعض الأقارب الذين أهملوا أو جفوا اعتمادا على ذلك التقدير كانوا أحق بالمراعاة
ويكشف هذا المعنى عن منهج قرآني دقيق في تنظيم العلاقات الإنسانية؛ فالقرآن لا يبني الحقوق على توقعات النفع، بل على الروابط والواجبات. فالإنسان مأمور بأن يؤدي حقوق القرابة والرحم والبر، سواء تحقق له من هذه العلاقات نفع ظاهر أم لم يتحقق؛ لأن معيار العدل لا يقوم على المنفعة المتوقعة، بل على الحق الثابت.
كما تحمل الآية بعدا تربويا مهما؛ فهي تربي الإنسان على التواضع أمام محدودية علمه. فكثير من الناس يتعاملون مع الآخرين بمنطق الحسابات الضيقة: من ينفعني أكثر؟ ومن يستحق أن أمنحه اهتمامي؟ لكن هذه النظرة قد تكون قاصرة؛ لأن النفع الحقيقي قد يظهر في أوقات لاحقة، أو في صور مختلفة لا يدركها الإنسان في بدايتها، وقد يكون أعظم النفع في أمور معنوية لا تقاس بالمصالح المادية المباشرة.
ويظهر أثر هذه الحقيقة القرآنية كذلك في واقع العلاقات الأسرية والإنسانية؛ فكثيرا ما يندفع الإنسان بدافع العاطفة أو التقدير اللحظي إلى تقديم بعض العلاقات على بعض، فيقدم الزوج زوجته على أهله، أو تقدم الزوجة زوجها على أقاربها، ظنا أن هذا التقديم هو الطريق الأقرب إلى الاستقرار والنفع، لكن مسار الحياة قد يكشف بعد زمن أن تلك الحسابات لم تكن دقيقة.
فقد تتوتر العلاقة الزوجية أو تتبدل الأحوال، وربما يصل الأمر في بعض الحالات إلى الجفاء أو الانفصال، فيظهر حينئذ أن بعض الأقارب الذين أهملوا أو جفوا اعتمادا على ذلك التقدير كانوا أحق بالمراعاة، وأقرب نفعا مما ظن يوما.
ويمتد هذا المعنى إلى دوائر أخرى من العلاقات؛ فكثيرا ما يقدم الإنسان صديقا مقربا على بعض أهله أو معارفه، فيمنحه من الثقة والاعتماد ما لا يمنحه لغيره، وربما وقع العكس أيضا؛ فيهمش الصديق بدعوى أن القريب أولى بالتقديم، ثم تكشف التجارب بعد حين أن تلك المفاضلات قامت على حسابات بشرية قاصرة؛ فيتبين أن القريب الذي أهمل لصالح من سمي «صديق العمر» لم يكن إهماله إلا خطأ في التقدير، كما قد يظهر أن الصديق الذي همش بدعوى أن القريب أولى لم يكن أمره كذلك.
إن محدودية العلم البشري تجعل الإنسان يخطئ كثيرا في تقدير مآلات الأمور، ولذلك جاء ختام الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾؛ ليكون مرساة للطمأنينة والثقة بحكمة الله
تثبت الأيام أن الأقدار تختار لنا من النفع ما لا تختاره عواطفنا المندفعة؛ وهنا تتجلى دقة القاعدة القرآنية: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾؛ إذ تذكر الإنسان بأن تقدير مواقع النفع ليس أمرا يسيرا يمكن ضبطه بالحسابات العاطفية أو التوقعات الآنية، بل هو أمر تتداخل فيه عوامل كثيرة لا يحيط بها علم البشر، بينما يظل علمها الكامل عند الله سبحانه.
وهكذا، تتجاوز هذه القاعدة سياقها التشريعي المباشر لتقدم للإنسان ميزانا وجوديا، يعيد صياغة علاقاته على أسس من العدل والواجب لا الحسابات الضيقة؛ فليس كل ما يراه المرء نفعا يكون كذلك في الحقيقة، وليس كل ما يظنه بعيدا عن مصلحته يكون خاليا من الخير.
إن محدودية العلم البشري تجعل الإنسان يخطئ كثيرا في تقدير مآلات الأمور، ولذلك جاء ختام الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾؛ ليكون مرساة للطمأنينة والثقة بحكمة الله الذي وضع الحقوق في مواضعها بعلم محيط لا يعتريه نقص، وحكمة بالغة لا يخالطها هوى. فما على الإنسان إلا أن يمتثل لشرع ربه، مطمئنا إلى أن البر والصلة قيم متعالية، وأن الخير الحقيقي يكمن في اختيار الله له، لا في أمر ساقه إليه ظنه القاصر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق