السبت، 25 يوليو 2026

السودان والبحر الأحمر.. سلام المصالح أم فخ التبعية؟

 السودان والبحر الأحمر.. سلام المصالح أم فخ التبعية؟

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي 
  • عندما يتحول السلام إلى فخ
  • مؤامرة السلام التكافئي

علمنا التاريخ أن أخطر الحروب هي التي تُلبس لباس "السلام"، ومن أخطر هذه الأدوات ما سمي بـ"مؤامرة السلام التكافئي"؛ وهو سلام يقوم على ابتزاز الدول الضعيفة مقابل التنازل عن سيادتها وقرارها الوطني.

هذا المفهوم لم يأت من فراغ؛ له جذور في مشاريع غربية معروفة مثل مشروع "إتش آر 1939" (HR1939) الذي حاول إعادة صياغة علاقات الدول الأفريقية مع العالم على أساس التبعية لا التكافؤ.

واليوم، وبينما يدور الحديث حول البحر الأحمر، نقف أمام نفس الاختبار: هل نقبل بسلام الخضوع؟ أم نؤسس للسلام المبني على المصلحة الوطنية العليا؟

يقع السودان على شريان ملاحي عالمي تمر عبره آلاف السفن سنويا وتتحرك فيه تجارة عالمية ضخمة. هذا الموقع ليس مجرد جغرافيا، بل هو ورقة قوة إستراتيجية

تشريح "مؤامرة السلام التكافئي"

هذه المؤامرة لها 3 مراحل ثابتة تكررت في دول كثيرة:

  • الإنهاك: خلق أزمات اقتصادية وأمنية وإعلامية لإقناع الدولة بأنها "محتاجة للإنقاذ".
  • العرض: تقديم "حل سحري" في شكل اتفاقية أو قاعدة أو مساعدات تبدو بريئة.
  • الثمن: رهن القرار السيادي، وتحويل الدولة لساحة صراع، وربط اقتصادها بالخارج.
    النتيجة واحدة في كل التجارب: دولة بلا قرار، وشعب بلا سيادة، وثروات منهوبة. هذا ليس سلاما، بل استعمارا بالوكالة.

البحر الأحمر.. ساحة الاختبار الأكبر

يقع السودان على شريان ملاحي عالمي تمر عبره آلاف السفن سنويا وتتحرك فيه تجارة عالمية ضخمة. هذا الموقع ليس مجرد جغرافيا، بل ورقة قوة إستراتيجية.

واليوم مع الحديث عن إنشاء "نقطة دعم لوجيستي" أجنبية، تظهر أمامنا صورة طبق الأصل من "مؤامرة السلام التكافئي":
الخيار الأول: منطق الخضوع: نوافق على أي وجود مقابل وعود فضفاضة. النتيجة: توتر مع الجوار، عقوبات، تحويل أرضنا إلى هدف.


الخيار الثاني: منطق المصلحة الوطنية العليا: نحول الموقع إلى شراكة اقتصادية حقيقية. النتيجة: عائدات بالدولار، وظائف، استثمار في البنية التحتية، وسيادة كاملة.

الفرق بين الخيارين هو فرق بين دولة حرة ودولة تابعة.

أركان "السلام المبني على المصلحة الوطنية العليا"

هذا هو البديل الذي نطرحه على مؤسسات الدولة والرأي العام:

التكافؤ وليس الإملاء: أي اتفاق يجب أن يحقق عائدا مباشرا وملموسا للشعب السوداني؛ لا اتفاقيات صدقة ولا منح مشروطة.
السيادة المطلقة وغير القابلة للمساومة: أي وجود أجنبي يجب أن يكون محدد المدة، خاضعا للقانون السوداني، وتحت الإدارة السيادية الكاملة. لا مناطق خارج السيادة ولا حصانات مطلقة.

الشفافية المؤسسية: قرار بهذا الحجم لا يصدر من الغرف المغلقة. يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة ويعلن للشعب؛ السرية هي بداية الخيانة.
عدم الاستقطاب: السودان دولة محورية نتعاون مع الشرق والغرب، ولكن لا نكون معسكرا ضد أحد. مصالحنا هي بوصلتنا الوحيدة.

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي. لذلك: أي اتفاق يجب أن يكون معلنا وشفافا أمام دول الجوار

دروس مشروع "إتش آر 1939"

عندما نعود لمشروع "إتش آر 1939" نجد أنه كان يحاول فرض وصاية سياسية واقتصادية على دول المنطقة تحت شعار "المساعدة".
الدرس المستفاد: الدول التي قبلت بالوصاية فقدت قرارها، والدول التي اشترطت التكافؤ والاحترام، كسبت شراكات حقيقية.
نحن في السودان دفعنا ثمن القرارات الفردية والاتفاقيات السرية، ولن نكرر الخطأ.

البعد الإقليمي والدولي

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي. لذلك: أي اتفاق يجب أن يكون معلنا وشفافا أمام دول الجوار.
يجب أن يكون مطمئنا بأن الهدف تنموي تجاري وليس عسكريا استفزازيا، وأن يعزز دور السودان كجسر ربط بين القارات، لا كساحة صراع.
السودان القوي المستقر هو مصلحة لكل الإقليم.

من يصنع القرار؟

القرار الإستراتيجي لا يصنعه فرد ولا مجموعة، يصنعه إجماع مؤسسي قائم على تقدير المصالح الوطنية العليا.
على الحكومة التنفيذية ومجلس السيادة والقوى السياسية الوطنية أن تتوافق على ميثاق واضح: لا تفريط في السيادة، ونعم للشراكة الاقتصادية العادلة.

الرسالة واضحة للداخل والخارج: السيادة أولا، التنمية ثانيا، الكرامة ثالثا. نحن نريد سلاما.

ولكنه سلام الأقوياء، سلام الشرفاء، سلام يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة.

نرفض "مؤامرة السلام التكافئي" بكل أشكالها القديمة والجديدة، ونتمسك بـ"السلام المبني على المصلحة الوطنية العليا" الذي يبني دولة مؤسسات قوية.

إن مصالح السودان الإستراتيجية لا تدار من الخارج. السودان يحكم بإرادة شعبه وبقوة مؤسساته.

هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه الجميع.

عن "الهوية الوطنية السورية"

عن "الهوية الوطنية السورية"


الهوية الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع السوري وقيمه وثقافته..                                                                                      

كثر التساؤل في الآونة الأخيرة عن "الهوية الوطنية السورية"، وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتساءل منذ متى ولدت "دولة سورية"؟ وما تاريخ وجود هذه التسمية؟

لقد ولدت "دولة سورية" من رحم الدولة العثمانية، وقد كانت المنطقة العربية التابعة للدولة العثمانية في آخر عهدها مقسمة إلى عدة ولايات منها: 
ولاية حلب، ولاية دمشق، ولاية بيروت، ولاية بغداد، ولاية البصرة، ولاية الموصل، ولاية الحجاز، ولاية اليمن وكانت هناك متصرفيتان وهما: القدس، وجبل لبنان.

وهناك بعض الولايات كانت قد انفصلت عن سيطرة الدولة العثمانية فعلياً لكنها بقيت مرتبطة بها إسمياً مثل: مصر وتونس والجزائر في القرن التاسع عشر.

من الواضح أن هذا التقسيم الإداري كان الهدف منه هو إدارة هذه المنطقة وتحقيق الأمن فيها، وتقديم الخدمات لها، وجلب الضرائب والزكوات منها إلخ...، لكن جميع هذه المناطق وغيرها من المناطق في أوروبا وآسيا وأفريقيا كانت تتبع الدولة العثمانية إدارياً وسياسياً وعسكرياً، وكانت جميعها تشكل "دولة إسلامية" تحت مسمى "الدولة العثمانية"، وكانت هذه الشعوب " تشكل "أمة إسلامية"، لأنها تجمعها "وحدة ثقافية" مستمدة من القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية وقد أفرزت هذه "الوحدة الثقافية" عدة وحدات منها: "وحدة عقلية"، و"وحدة نفسية"، و"وحدة سياسية"، و"وحدة اجتماعية"، و"وحدة اقتصادية" إلخ..

ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.
لو تساءلنا الآن عام 1900 قبل الحرب العالمية الأولى عن "ولاية دمشق" و "ولاية حلب" اللتين أصبحتا تشكلان سورية فيما بعد، ما الدولة التي تنتمي إليها هاتان الولايتان؟ ومن أمتهما؟ وما هويتهما الوطنية؟

لوجدنا الجواب التالي دون أي تردد: أنهما تنتميان إلى الدولة العثمانية، وذلك واضح من ارتباطهما العسكري والسياسي والإداري والمالي بالسلطات في استامبول وأنهما تخضعان للسلطات المقيمة في استامبول وتتبعان في كل شؤونهما الوزارات الموجودة في إسطمبول.

أما عن السؤال الثاني وهو: من أمتهما؟ فهي "الأمة الإسلامية العثمانية" التي كانت امتداداً للأمة الإسلامية التي ولدت قبل مئات السنين.

أما عن السؤال الثالث وهو: ما هويتهما الوطنية؟ لو نقلنا أحد تعريفات الهوية الوطنية وهو: "الهوية الوطنية هي السمات والصفات الجوهرية المشتركة التي تميز جماعة وطنية عن غيرها وتكوّن شخصيتها، وتعبّر عن انتماء أفرادها إلى وطن واحد".

ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.

لو انتقلنا إلى سنة 1920، ففي هذه السنة دخل غورو إلى دمشق، وحكمت فرنسا سورية بناء على قرار "عصبة الأمم" واتفاق وزيري خارجية إنكلترا وفرنسا سايكس وبيكو في عام 1916، فأخذت فرنسا سوريا ولبنان، وأخذت إنكلترا العراق وشرقي الأردن وفلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.

من الواضح أن "ولايتي دمشق وحلب" أخذتا اسم "سوريا"، وانتقلتا إلى حكم فرنسا، وشكلت فرنسا "الدولة السورية" وأصبحت تابعة للدولة الفرنسية، وبهذا انتقلت "ولايتا دمشق وحلب" إلى القيادة الفرنسية.

من المؤكد أن التغيير الذي حدث عندما جاءت فرنسا إلى الانتداب على سورية من قبل عصبة الأمم هو "الحكم"، لكن الشعب بقي على أخلاقه وقيمه ومبادئه التي كان عليها من قبل، وبقيت "هويته الوطنية" بنفس مواصفاتها السابقة التي كانت عليها في نهاية الحكم العثماني لـ "ولايتي حلب ودمشق".

وسنحاول أن ندرس كيف سارت هذه الأمور الثلاثة: وضع الحكم من جهة، ووضع الأمة من جهة ثانية، ووضع الهوية الوطنية من جهة ثالثة في الفترة التي تلت الانتداب الفرنسي على سوريا، وسيطرته على عليها بعد عام 1920، إلى سقوط حكم البعث في عام 2024 وهروب بشار الأسد.

من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.
فقد مر الحكم في سوريا بعدة مراحل، أما المرحلة الأولى للحكم فقد كانت تغلب عليه الصفة الوطنية العروبية مع التوجهات الدستورية بعد عام 1920-1946، ثم جاء جلاء الجيوش الفرنسية عن سوريا في عام 1946، وبدأت مرحلة جديدة ذات توجه قومي عربي، ووقع تحالف بين هذا التوجه القومي العربي في سورية مع التوجه القومي العربي في مصر، وأدى لقيام الوحدة عام 1958، ثم وقع الانفصال عام 1961، ثم قفز حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم عام 1963، وهو ذو توجه قومي عربي اشتراكي وقد تحول إلى حزب ماركسي في بعض المراحل.

من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.

وقد كان الفكر القومي العربي الذي قام في سوريا وغيرها من البلدان العربية كالعراق والأردن إلخ..، يعتبر أن المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج العربي تحتوي أمة عربية واحدة لكنها مجزأة سياسياً تحت حكومات متعددة، وكان يعتبر أن هذه الأمة تقوم على عاملين، هما: اللغة والتاريخ.

وقد كان المفكرون القوميين الذين قالوا بأولوية عاملي اللغة والتاريخ في تكوين هذه الأمة العربية متأثرين بالنظرية الألمانية في تكوين الأمة التي تعتمد اللغة والتاريخ وقد اعتبر ساطع الحصري أن "عامل اللغة" يكوّن "روح الأمة" وأن "عامل التاريخ" يكون "ذاكرة الأمة".

لا شك أن هذه الجماهير والشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج تشكل أمة واحدة لكنها لا تقوم على عاملين إثنين فقط هما: اللغة والتاريخ المشترك، فإن هذين العامين لا يستطيعان أن يفسرا الوحدة النفسية والعقلية والاجتماعية، والعواطف المشتركة، والعادات والتقاليد الواحدة والآمال والتطلعات الموحدة، بل لابد من إدخال عامل الدين الإسلامي لتفسير وجود "هذه الأمة"، وقيام هذه العوامل المشتركة، لقد سعى المفكرون القوميون إلى إخراج عامل "الدين الإسلامي" من وجوده في بناء هذه الأمة الممتدة من طنجة إلى الخليج.

ولم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل، لذلك كان فشل حزب البعث العربي الاشتراكي في تحقيق أبرز أهدافه وهي إقامة النهضة العربية التي حلمت بها الأجيال لعشرات السنين، والسبب أنه أقامها على أمة موهومة غير موجودة في أرض الواقع وهي "أمة عربية" تقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وليس هناك من "أمة عربية" تقوم على عنصري اللغة والتاريخ فقط، بل هي موجودة في خيال المفكرين القوميين، فالحقيقة إن الأمة الموجودة في أرض الواقع تقوم على عوامل "اللغة التاريخ والدين الإسلامي" وذلك لأن عامل الدين وقيمه وأفكاره ومبادئه متغلغلة في كل شأن من شؤون الأمة: اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً وثقافياً وسياسياً وفنياً إلخ...، لذلك بدلاً من أن يتعامل مع الواقع كما هو ويبني عليه، ومن أبرز عوامل هذا الواقع هو الدين الإسلامي، لذلك فإن حزب البعث خاصة والفكر القومي عامة ونتيجة هذا الخطأ في التشخيص رأى أن واجبه أن يدمر عامل الدين وينزعه ويستأصله من كيان الأمة، لذلك فشل في أن يحقق نهضة وتحول إلى حزب "الطائفة العلوية" في سورية وحزب "العشيرة التكريتية" في العراق.

لم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل
وقد أصاب الدكتور محمود باكير عندما تحدث في كتابه "هندسة الهوية الوطنية.. سوريا المستقبل" عن أبرز مفكرين مؤسسَيْن لحزب البعث هما: ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي، واعتبر أن آراءهما كانت تنطلق من "التفكير الرغاتي" وسمى مرحلتهما "المرحلة الرومانسية، وأعتقد أن ذلك نتيجة لعدم انطلاق الفكر القومي من الواقع، بل انطلاقه من فكر مسبق هو التجربة الأوروبية بشكل عام، واسقاطها على الواقع العربي، وكانت أبرز النتائج اعتبار الدين عامل هدم وتأخر وانحطاط في التجربة الأوروبية، لذلك يجب أن نبعد الدين الإسلامي ونقلعه من كيان المجتمع العربي، وأدى به هذا إلى أن يعيش فقراً ثقافياً، جعل حزب البعث ينزلق إلى الماركسية حيناً، والطائفية والعشائرية حينا آخر، وإلى القطرية حيناً ثالثاً كما ذكرت في سطور سابقة.

لكن عامل الدين بقي حيا في قلوب السوريين وعقولهم وثقافتهم وأفكارهم وفي شوارعهم وحواريهم ويدل على ذلك الثورة التي انفجرت في وجه نظام البعث عدة مرات في سوريا بدءاً من عام 1964 عندما بدأت الثورة من جامع السلطان في حماة، ثم قامت ثورة أخرى من الجامع الأموي 1965 ثم ثورة 1980 والتي شملت مختلف المدن السورية وانتهت بتدمير حماة عام 1982م، ثم ثورة عام 2011 والتي كانت جماهيرها انطلقت من كل مساجد سورية، وكانت قيم الشهادة والتضحية والبذل هي التي تدفع الجماهير السورية إلى مواجهة الآلة العسكرية لنظام البعث والصبر على جحيم الهجرة والسجون والتدمير والتعذيب إلى أن كان النصر حليف السوريين في النهاية وسقوط نظام بشار عام 2024.

لذلك فإن الدرس الذي يجب أن تستوعبه سوريا الجديدة، وتنطلق منه كحقيقة موضوعية متجذرة في كل مناحي وجود سورية البشري والعقلي والنفسي والوجداني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتربوي إلخ.. هو الدين الإسلامي فتعطيه المكانة التي يستحقها كعنصر بناء، فتنطلق منه بالإضافة إلى العوامل الأخرى مثل: اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة لبناء سورية جديدة تكون رافعة لأمة عظيمة، كما كانت على مدار العصور السابقة.

الخلاصة:

تقوم هذه الرؤية على أن "الهوية الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع السوري وقيمه وثقافته، إلى جانب اللغة العربية والتاريخ المشترك وعوامل أخرى. وترى أن الانتقال من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي ثم إلى الدولة السورية الحديثة غيّر البنية السياسية للدولة، لكنه لم يغيّر الأسس الثقافية والدينية للمجتمع.

كما تعتبر أن الفكر القومي العربي، وخصوصاً في مرحلة حكم البعث، اعتمد بصورة أساسية على اللغة والتاريخ في تعريف الأمة، وهو لم يهمل العامل الديني فحسب، بل عاداه، وقصد إلى اقتلاعه وانتزاعه من قلوب وعقول الشعب السوري، مما أدى إلى الفشل في تحقيق الوحدة والنهضة المنشودة وإلى إضعاف الهوية الوطنية وإلى الفقر الثقافي وإلى الانزلاق إلى حكم "الطائفة العلوية".

وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار حضور الدين الإسلامي في المجتمع السوري رغم السياسات الرسمية المختلفة يدل على عمق ارتباطه بالوجدان الشعبي.

وتخلص هذه الرؤية إلى أن بناء سوريا المستقبل يتطلب الاعتراف بالدين الإسلامي بوصفه أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية، إلى جانب اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة، بما يسهم في تحقيق التماسك المجتمعي وبناء دولة قوية ومستقرة.

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

أوراقُ الفتنة

أوراقُ الفتنة
مقدمة أولى: التاريخُ فيه سُمٌّ قاتل



علي فريد الهاشمي 

حَدَّثّنَا (أحمد موسى)؛ قال:
حَدَّثَنا (عمرو أديب)؛ قال:
حدثنا (إبراهيم عيسى)؛ قال:
حدثنا (مصطفى بكري)؛ قال:
"رأيتُ الرئيس (محمد مرسي) في بهو من أبهاء قصر الاتحادية وهو يتحدث مع السفيرين القطري والأمريكي، فاقتربت منهم دون أن يشعروا بي؛ فسمعتهم يتكلمون عن بيع قناة السويس لأمريكا، ورهن الأهرامات لقطر، واقتسام (تيران وصنافير) بين مصر وإسرائيل؛ فأصابتني رجفةٌ من هول ما سمعت وغصصت بريقي وغلبتني كحة لم أستطع كتمها، فانتبهوا لي، ونظر مرسي إليَّ شزراً ثم أمر حرسَه بإخراجي إلى بهو الصحفيين!!

***

لا أحد يملكُ عقلاً يُمكن أن يُصَدِّقَ هذه الرواية..
لا لوضوح الكذب والتلفيق في متنها ومضمونها- فكثيرٌ من العامة والخاصة صَدَّقوا أكثرَ مِن هذا ومستعدون لتصديق أكثر من هذا- ولكن لِسَنَدِها الغارق في الظلمات!!
كلنا يعرف الآن مَن هو (عمرو أديب) ومن هو (أحمد موسى)، ومَن هو (إبراهيم عيسى)، ومَن هو (مصطفى بكري)..
نحن لا نحتاج إلى مَن يُخبرنا بحقيقة هؤلاء الكذبة المرتزقة.. فأية رواية وجدنا بين رواتها هؤلاء وأمثالهم؛ فإننا سنكذبها ابتداءً، ونعرف اختلاقها أو تحريفها.. وأيّ كتابٍ وجدنا صاحبه يستشهد بروايات هؤلاء وأقاصيصهم فقط؛ فإننا سنشك في الكتاب وصاحبه رأساً، وسنتوقف في الأخذ عنه أو الاستشهاد به..
اللهم إلا إنْ جاءت تلك الروايات أو بعضها عن طريقِ ثقاتٍ مشهورين بالصدق والعدالة، أو إنْ عايشناها بأنفسنا وشاركنا فيها، أو إنْ رأيناها صوتاً وصورةً وحركة؛ دون تدخل تقني يتلعب بها أو يقتطع أجزاءها.. والعينُ تُخدَع والبصرُ يزيغ!!

هَب الآن أنه بعد مائتي سنة، أو ألف سنة من زمننا هذا- إن كان قد بقي في الزمن ألف- أراد باحثٌ صادق أو مؤرخٌ عَدْل أن يكتب تاريَخ الثورة المصرية التي عشناها جميعاً؛ فلم يجد- لأيِّ سبب من الأسباب- سوى أحمد موسى، وعمرو أديب، ومصطفى بكري، وأضرابهم؛ لينقل عنهم تاريخ الثورة المصرية لجيله وللأجيال اللاحقة.. هَبْ أنَّ ذلك حدث.. كيف تتخيل أنَّ يكون الحال آنذاك؟!

هذا بالضبط ما فعله (الإمام الطبري) رحمه الله وغفر له في تاريخه المشهور؛ حين روى تاريخ الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وتاريخَ ما تلا ذلك من فتن صاحبت قيام الدولة الأموية؛ معتمداً- في الأعم الأغلب مِن كتابه- على مُتَّهَمين بالكذب، أو وَضَّاعين وسبئية، أو شيعة وروافض؛ مثل: محمد بن السائب الكلبي، وهشام بن محمد الكلبي، وأبي مخنف لوط بن يحيى، ومحمد بن عمر الواقدي.. وغيرهم مِن أمثالهم.

وقبل أن يظنَّ ظانٌ أننا نتجاوز حدود الأدب مع الإمام الطبري رحمه الله؛ فإننا نسارع فنقول ما تعلمناه من أشياخنا- وإنْ كان في النفس منه شيءٌ وأشياء- أنَّ الطبري رحمه الله جرى في تاريخه على نسق زمنه في الجمع والتكثر والإسناد دون تعليق منه أو شرح؛ "ومن أسند فقد أحال، ومَن أحالَ فقد سَلِم"؛ فخرج بإحالاته مِن مظان التُّهَمِ ودهاليز الرِّيَب..
وهذا الكلام الذي ينشب في الحلق فيستعصي على البلع وإنْ شربت وراءه قربة ماء؛ يستشهدون له بقول الطبري في مقدمة تاريخه:"
" فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا".
لا أعرف أحداً تكلم في مرويات الطبري- مَدحاً أو قَدحاً- إلا استشهد بهذا النص أو جوبه به؛ حتى صار هذا النص كالقميص الواقي من الرصاص، أو كمسمارٍ أمام منشار!!
وهذا النص وإنْ كان فيه كثيرٌ من الوجاهة إلا أنَّ خلاصته كالتالي:
سأنقل لك تاريخ الثورة المصرية عن أحمد موسى، وعمرو أديب، وإبراهيم عيسى، وأمثالهم، ثم أنت بعد ذلك وشأنك.. إنْ لم تُصدِّقْ فَعُدْ وَدَقِّق!!
ومع أنَّ هذه الخلاصة حقيقة واقعية مجردة.. إلا أنَّ فيها شيئاً من ظلمٍ للطبري رحمه الله، وذلك لسببين؛ الأول: أنَّ الطبري لم ينفرد بهذا المنهج من بين المؤرخين؛ فكلهم أو أغلبهم كانوا ينهجون هذا النهج في روايات التاريخ والأدب..
والثاني: لأنَّ علم التاريخ آنذاك- إنْ صح أن يُسمى علماً في أولياته- لم يكونوا يعتمدون في مروياته على التثبت والتحقق والتدقيق بقدر اعتمادهم على الجمع والتكثر؛ فهو روايات شفاهية ينقلها إنسان عن إنسان غير مشترطٍ- غالباً- صِدق الناقل أو دِقَّةَ المنقول؛ على عادة العرب والناس عامةً في رواية أخبارها ووقائعها.. ومن هنا جاءت التسمية الأولى لهذا العلم ضمن مصطلح (أيام العرب) أو (أيام الناس).. ومعلومٌ أنَّ ما كان هذا شأنه؛ ربما تزيد فيه الراوي- فيما لا بأس به غالباً، أو فيما به بأس أحياناً-؛ فَبَهَّرَ الخبرَ وَحَسَّنَهُ، وأضاف إليه مِن الأقوال والأفعال ما يرفع به ذِكر قبيلته، ويُشيع به مآثرها، ويعلي به كعبها، ويتكثر به من أشعارها وخُطَبِهَا؛ (كالذي رُوي عن قريشٍ خاصةً مِن أنها كانت تتكثر من الشعر إذ لم يكن لها منه ما لغيرها من القبائل).. وكان الناس لا يحملون كلَّ هذا على محمل الجد دائماً، ولا يتوقفون عنده- غالباً- لإسقاطه وَرَدِّهِ؛ فهم يعرفون أنها أسمارٌ وأخبارٌ وأشعارٌ يُزجون بها أوقاتهم، ويفاخرون بها أندادهم، ويحفظون بها أنسابهم، ويثبتون بها وقائعهم، ويُنَشِّئون عليها أبناءهم..
وربما عرف السامعُ مكامنَ التزيد ومساقطَ الخطأ ومواقعَ المبالغة؛ فتغافل عن كل ذلك وأمضاه؛ إذ ليس السياق سياق تحقيقٍ وتدقيقٍ، أو منافسة ومنافرةٍ ينبني عليها حكم أو يترتب عليها خَطْب..
وهذا وأمثاله مِن طبائع الناس مُذ كان الناس، وهو كثيرٌ وعاديٌ ومطروقٌ، حتى في أيامنا هذه في حكايانا وأقاصيصنا (وسواليفنا).
ولا يعني هذا أنَّ المؤرخين (الصادقين، الخالين من الأغراض، المشهود لهم بالصدق والعدالة)؛ كانوا يتعمدون نقل الأكاذيب أو ترويج الأباطيل- كغيرهم من المؤرخين المتهمين-، ولكنهم كانوا يمارسون ما يمارسه الناس من التغاضي عن التدقيق والتمحيص في نقل التاريخ والآداب؛ لأنه تاريخ وآداب لا ينبني عليه عمل ولا يترتب عليه حكم، كما كانوا يعرفون أيضاً أنه من الصعب- وربما من المحال- أن تُروى الوقائعُ بحذافيرها، أو يصدق الرواةُ كلُّهم؛ فتسامحوا- من أجل ذلك- في الأخذ عن الصادق والكاذب، والصالح والطالح، والبريء والمتهم، والمُعَدَّلِ والمجروح؛ ما لم يتسامحوا بمثله في الأخذ عمن يروي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعٌ ودينٌ تنبني عليه أعمال، ويترتب عليه حلال وحرام.. والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كالكذب على غيره..
فأخذوا عن كل أحدٍ في التاريخ والآداب، ولم يأخذوا في الحديث إلا عمن ثبت صدقه وعدله وضبطه من غير شذوذ ولا علة.. ففرقوا بذلك- كما هو معروف- بين (منهج النقد الحديثي)، و(منهج الجمع التاريخي).
المفارقة هنا أنَّ التاريخ نفسه، أو (أيام العرب)، أو (أيام الناس) كان سبباً كبيراً من أسباب ظهور (منهج النقد الحديثي) نفسه..
(تذكر هذا جيداً واستصحبه معك في القراءة لتعرف أنَّ الأمر في التاريخ لم يعد- مع الزمن- أمر (سواليف) وأخبارٍ وأشعار؛ بل صار ديناً أو شبه دين ينبني عليه عمل، ويترتب عليه حكم)..
كان (يوم الدار)، أو (يوم عثمان) رضي الله عنه- وهو تاريٌخ وحَدَثٌ في أصله- سبباً كبيراً من أسباب ظهور هذا المنهج الضابط؛ فبعد استشهاده رضي الله عنه مظلوماً، وسيطرة الانقلابيين الخوارج على المدينة عاصمة الخلافة، وترويع أهلها، وتغيير نظام الحكم الإسلامي من الشورى إلى بدايات التغلب؛ ظهرت الفرق والجماعات السياسية والدينية التي ما كان صليل السيوف يهدأ بينها إلا ويبدأ صرير الأقلام وشقشقة الألسن؛ فكثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع الأحاديث على لسانه الشريف؛ لاستغلالها في المنافحة والملافحة..
وكان الناس حديثي عهد بتقوى لا يتخيلون أبداً أنه يُمكن لمسلمٍ أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقول: قال، وهو لم يقل، أو فعل، وهو لم يفعل، أو أمر ونهى، وهو لم يأمر ولم يَنْه..
فلما كثر الأمر وخرج عن نطاق تقبل القول أو العمل أو الأمر أو النهي، إلى حدود الغرابة والدهشة ثم الاستنكار؛ تنبهوا لإمكانية الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعلموا أنَّ النفوس تغيرت بعد الجيل الأول، وأنَّ أبناء الزمان أفسدتهم العصبية والحزبية؛ فبدؤوا- طَبْعَاً وتلقائيةً- في رَدِّ كثيرٍ مما يسمعون منسوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إما لأنَّ راوِيهِ مُتَّهمٌ عندهم بتحزبٍ أو بدعة (وهذا هو بعض نقد السند)، وإما لأنَّ الكلام الذي سمعوه منسوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُشبه كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما يقولون: ليس عليه رداء النبوة، (وهذا هو بعض نقد المتن).
وكان لمعرفتهم بطبيعة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وتذوقهم طرائقَ كلام الجيل الأول أثر مبدئي في تمييز الصحيح من السقيم..
وهذا طبعي وفطري في الناس كلهم قديماً وحديثاً؛ فإنك مثلاً حين تسمع لأول مرةٍ كلاماً تستغربه أو تستحسنه أو تستقبحه؛ لا يخطر على بالك شيء أكثر من سؤالك: لمن هذا الكلام، أو من صاحب هذا الخبر، ثم بعد ذلك تنظر في الكلام وتدقق فيه، فإن كنتَ تعرف كلامَ المنسوب إليه، وغلب على ظنك- من معرفتك بطرائق كلامه- أنه يمكن أن يقوله؛ آمنتَ وصَدَّقت بنسبته إليه، وإلا رددتَه وقلت: لا يشبه كلام فلان.. ومَن عايش شعر الشعراء- مثلاً- وعرف طرائقهم في الكلام؛ سهل عليه- في الأعم الأغلب- حين يسمع بيتاً دون نسبةٍ، أو مختلفٍ في نسبته؛ أن يتوقع اسم صاحبه، أو يتوقع زمنه أولاً، ثم صاحبه ثانياً.. وهذا كثير ومتعارف عليه بين أهل كل فن، وهو وإن لم يصدق دائماً بسبب اختلاف الأذواق والفهوم؛ يمكن أن يُستَصْحَبَ لتقوية نِسبةٍ أو تضعيف أخرى.
بهذه البدايات أسسوا منهجاً نقدياً واجهوا به الأكاذيب وفضحوا به الكذبة، ثم تطور هذا المنهج تطوراً عظيماً عبر الأجيال حتى صار ميزةً لعلم الحديث بين العلوم، ومفخرةً لهذه الأمة بين الأمم.
وكان أكثر ما اهتموا به بعد ذلك هو البحث في سلسلة السند، والتفتيش عن عدالة الرواة وضبطهم، وتحديد طبقاتهم، والتأكد من لقاء بعضهم بعضاً، وأخذ بعضهم عن بعض..
وما اهتموا بنقد السند كثيراً إلا لمعرفتهم أنَّ نقد السند وإسقاطه؛ سيوفر عليهم عناء نقد المتن ورده..
فما الحاجة إلى نقد متنٍ في روايةٍ رواها- أو كان بين رواتها- أمثالُ: عمرو أديب، أو أحمد موسى، أو إبراهيم عيسى، أو لَوْحُ الثلج و(برطمان التوابل) يوسف زيدان؟! هي بالضرورة كاذبة غالباً، أو غير صحيحةٍ إلا إذا عضدها من هو معروف بالصدق والضبط والعدالة..
ثم لم يجدوا غضاضةً- بعد أخذٍ ورد- في الأخذ عن صاحب البدعة (غير المكفرة) فيما لا يعضد بدعته، وبشروط العدالة والضبط وعدم الدعوة إلى بدعته؛ لغلبة الظن أنه سيجر القرص إلى ناره؛ فَرَوَوا عن الشيعة الأوائل الذين كانوا (فقط) يُفَضِّلونَ علياً على عثمان- وكان تفضيلُ عليٍ على عثمان بدعةً آنذاك-، كما رووا عن الخوارج في غير بدعتهم أيضاً وبالشروط ذاتها..
والخوارج في الرواية أقل خطراً من الشيعة؛ إذِ الخارجيُّ لا يكذب عليكَ وإنْ قتلك؛ لأنه يرى كفر مرتكب المعصية أو الكبيرة؛ والكذب معصية.. فهو لاعتقاده أنَّ الكذب يُخرجه من الملة؛ يمكن أن يقتلك ولكن لا يمكن أن يكذب عليك.. أما الشيعي فيقتلك، ويكذب عليك، ويرى قتلك ديناً، كما يرى الكذب عليك ديناً!!

***

ما سَبق شَرحٌ شديدُ الاختصار لطبيعة المنهجين:
التاريخي القائم على الجمع والتكثر، والحديثي القائم على التنقية والتحرز.. ولا يُعدَم أن تجد في أوليات المنهجين شذوذاً عن هذه القاعدة؛ فيمكن أن تجد مؤرخاً يتحرز في رواياتِه وينقِّيها؛ فلا ينقل عن كلِّ أحدٍ، ولا يوغل في ذكر تفاصيل لا جدوى لها غالباً، أو اختلُفَ في صحتها؛ كخليفة بن خياط، وعوانة بن الحكم، وسيف بن عمر.. كما يمكن أن تجد مُحدِّثاً يغلبه منهج الجمع والتكثر فيروي كل حديثٍ سمعه أو قرأه طلباً للتكثر، وربما طلباً للرفعة والرواج المعنوي والمادي عند العامة والسلطان..
وفي علماء المدرسة الكوفية الكثير من هؤلاء؛ إنْ لم تكن المدرسة كلها أو أغلبها قامت على هذا وأمثاله.

والأصلُ في كل علمٍ جَمْعُهُ ثم تنقيته؛ فلا يُلام الجامعُ حال جمعه إلا إذا أصدر حكماً قبل التنقية.. والتنقية استبعادٌ وإثبات، والأصلُ في المُنَقِّي أن يشرح أسباب إثباته كما يشرح أسباب استبعاده، فإذا اقتصر الجامعُ على الجمع دون تنقية أو تعليق؛ بدا جمعُه للناس كأنه تنقية، فحكموا على (المجموع غيرِ المنقَّى) واستشهدوا به؛ فضلوا وأضلوا.. وهو ما حدث مع مرويات الطبري التاريخية خاصةً.
وهذا- إنْ جاز أو تُغُوفِلَ عنه في أخبار الماضين من الأمم الغابرة؛ مثل: طِسْم وجديس وعاد وثمود، وأساطير بَدء الخلق وأول الزمان، وترهات الرومان واليونان؛ مما يصلح للأسمار والترويح عن الأنفس-؛ لم يَجُز في رصد أعظمِ فتنةٍ عصفت بالأمة في أولياتها فلم تجتمع بعدها على إمام..
لأن هذه الفتنة لم تعد أخباراً تروى للسمر، أو حكايا تُحكى للترويح؛ بل صارت ديناً ومعتقداً بُنيت عليها أحكام، وترتبت عليها أعمال، واعتُقدت بسببها عقائد، وسُفكت فيها دماء، وقُسِّمَ بها خير القرون إلى ما يُشبه (الملائكة والشياطين)!!
وقد تنبه إلى هذا إمامٌ كبير في الجرح والتعديل؛ هو الإمام (الجوزجاني) رحمه الله؛ فكتب كلاماً مذهلاً فارقاً في بابِهِ يدل على بُعدِ نظرٍ، وشدة تحرز، وصدق توقع؛ فقال في كتابه (أحوال الرجال):
" فَيَا لِعبادِ الله أما لكم في المقانع مِن المبرزين وأهلِ الأمانة من المحدثين سعة ومنتدح أن تحووا حديثهم الذي رووه عن الثقات والمتقنين من أهل كل بلدة؛ فتعتقدونه فإنَّ في حديثهم لذي فهمٍ غنى، لا؛ ولكن كثيراً منكم جار عن الطريق، وجعل طلبه لهذا الشأن وجمعه نزهةً وشهوة، فإذا استُعتِبَ فيه قال: إنما أكتبه للمعرفة، فيا سبحان الله تكتبُ حديثَ أهل الصدق للمعرفة، وحديث المتهمين للمعرفة، فمتى تتركُ هذا؟! وعسى أن ينشأ بعدنا قومٌ فإنْ عوتبوا فيهم؛ قالوا: قد روى عنه فلان؛ فيتخذوه حجة، فكما نقول نحن اليوم لِبَعضِ البُلْهِ: لم تروي عن فلان؟! قال: أليس قد روى عنه فلان؟! فقد صار حديثُ أهلِ الزيغ أيضاً يُطلب بالطُّرقِ المظلمةِ بعد الحجة الواضحة.."
وهذا- كما ترى- نصٌ استشرافيٌ جليل استشرف به الجوزجاني رحمه الله ما حدث بعد ذلك فعلاً.. وهو وإنْ كان يقصد به الحديث الشريف؛ إلا أنه يصدق على كل رواية يُمكن أن يترتب عليها ما يترتب على الحديث الشريف..
والحديث الشريف نفسه- مع كل هذا- لم يسلم من الوضع أيضاً؛ فقد وضع الكذبةُ والمنافقون والمغرضون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثبتَ الضعفاءُ والمجروحون والموهَّنُون عنه صلى الله عليه وسلم؛ ما فاق أثَرُه السيء أثرَ أسوأ المرويات التاريخية لأسوأ الرواة التاريخيين؛ لأنَّ المسلم قد يرد أقاصيص التاريخ بأريحيةٍ غيرِ شاعرٍ بذنب أو حاملٍ لإثم، أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحسب المسلم أن يسمع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يُسلِّم بالأمر والنهي والفعل والتقرير، ثم لا يُشكك في نسبة القول أو الفعل أو التقرير إليه صلى الله عليه وسلم إلا بعد بحث وتدقيق؛ ليريح ضميره ويتحرز من تحمل إثم الرد أو ذنب التشكيك.. ولهذا كان خطر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من خطر الكذب على غيره.. بل لا مقارنة بين الخطرين أصلاً.
الظريف في الأمر أن الإمام الجوزجاني رحمه الله كان شيخاً للإمام الطبري؛ أخذ عنه الطبري كثيراً من علمه، كما أخذ عنه الأئمة: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم.. ومن غير المُتَصَوَّرِ عقلاً ألا يكون الطبري قرأ هذا النص في كتاب شيخه، أو سمعه، أو سمع منه في دروسه المباشرة ما هو أشد منه؛ فالجوزجاني رحمه الله كان معروفاً بالصلابة والحدة في نقد الرجال وسلاسل الإسناد؛ خاصة تلك المتعلقة بالتشيع والمدرسة الكوفية،- وكان مُصيباً في ذلك وبعيدَ نظر فيه رحمه الله- وربما غلبته حِدَّتُهُ فاشتد في إطلاق عبارات الجرح بقسوةٍ بالغة، حتى توقف كثيرٌ من المُحّدِّثين في قبول جرحه لراوٍ بعينه إنْ انفرد بجرحه، بينما عدوا تعديله قمة التعديل.. وهو صاحب القاعدة السابقة (جواز الأخذ عن صاحب البدعة الصدوق في غير ما يعضد بدعته).
والطبري عموماً لا تغيب عنه هذه المضامين وأمثالها؛ بيد أنَّه رحمه الله غلبته طبيعته الموسوعية المحبة للجمع والتكثر، وتقصي روايات السابقين وأقوالهم في المسائل التي يتناولها.. وهي طريقة غلبت على كثير من علمائنا الأجلاء عبر تاريخنا كله، خاصةً في العهود المتأخرة.. ولعل السيوطي رحمه الله خير مثال على ذلك؛ فقد شَابَه الطبريَّ ومَاثَلَهُ في الجمع والتكثر والتفسير بالمأثور؛ حتى لتكاد تشعر وأنت تطالع نتاج الرجلين رحمهما الله أنهما تخيلا أنَّ طوفاناً كطوفان نوح سيضرب الأرض ويعفي الآثار ويمحو العلم؛ فهما يجمعان كل شيء حتى لا يضيع..
وهذا وإنْ كان فيه خيرٌ كثيرٌ كثيرٌ كثيرٌ لطالب العلم؛ إلا أن خطره على العوام لا يُستهان به؛ بل وعلى طلبة العلم أيضاً؛ فإنك ستعاني الأمرين حتى تُفهِمَ العاميَّ حقيقةَ الأمر حين يأتيك بروايةٍ غايةٍ في الغرابة والبشاعة، ثم يقول لك: انظر إنها في الطبري، إنها في البداية والنهاية، إنها في مستدرك الحاكم.. وهذا العامي ربما يكون من حملة (الماجستير والدكتوراه) في فنٍ غير فن الرواية أو التاريخ أو ما يسمونها العلوم الإنسانية عموماً.. أما طلبة العلم المتحزبين، أو المغرضين، أو السائرين على الأثر، وعلى كُلِّ أثر؛ فإنَّ الأمرَّيْنَ اللَّذَين عانيتَهما مع العامي سيصيران مع هؤلاء ألف مُرِّ ومُرّ، وستصبح كلمات مثل: (الاستحسان) و(الاستصحاب)، و(غلبة الظن)، و(يُعملُ به في فضائل الأعمال)، و(مَن سلفك في هذا)؛ رصاصاً مذاباً يُصَبُّ في أذنيك صَبَّاً!!
ومع ملازمة هذه الطبيعة له؛ إلا أنَّ الطبري رحمه الله- وكما هو معروف- لم يسحب منهجه في التاريخ إلى التفسير والفقه والحديث؛ فهو في هذه العلوم يجمع أيضاً؛ ولكنه يُنَقِّي ويُهَذِّبُ ويُعَلِّقُ ويُبدي الرأي ويُرَجِّحُ ويتحرى روايات المُعَدَّلين في الإسناد؛ لارتباط هذه العلوم بما يحرم التجوز فيه من قرآن كريم وسنة مطهرة..
ولذلك لم يرو شيئاً لأبي مخنف في تفسيره وحديثه وفقهه؛ بينما روى له في تاريخه قريباً من ستمائة روايةٍ؛ خصص منها لبيعة علي رضي الله عنه، ولما سبقها من مقتل عثمان رضي الله عنه أكثر من مائة وعشرين رواية، كما خصص لموقعة كربلاء ومقتل الحسين رضي الله عنه أكثر من مائة رواية، ثم وزَّع بقيتها على أكثر من مائة وعشرين سنة؛ من خلافة الصديق رضي الله عنه إلى نهاية الدولة الأموية سنة 132ه؛ مروراً بخلافة معاوية رضي الله عنه، واستخلاف يزيد رحمه الله، وموقعة الحرة، وحركتيْ المختار الثقفي والتوابين، ومعارك الخوارج..
ولا يعني هذا أنَّ الطبري جعل أبا مخنف عمدته في الرواية؛ بل كان- كما يبدو- يتخير الرواةَ للأحداث؛ فهو يُغَلِّبُ الأخذ عن (سيف بن عمر) في الردة وبعض الفتوح، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (ابن إسحاق) في السيرة والمغازي، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (الواقدي) في سرايا وغزوات العهد الراشدي، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (عوانة بن الحكم) في أخبار الدولة الأموية وصراعاتها، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (ابن السائب الكلبي) في الأنساب والفتوحات الأولى، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (المدائني) في أواخر الدولة الأموية وبدايات العباسية.. وهكذا تجده يتنقل بين الرواة من راوٍ لآخر بحسب الأحداث؛ إمَّا لغلبة ظنه أن هذا الراوي هو الأعلم بالحدث، أو أنَّ روايته هي الأليق بالتصديق والأقرب للواقع؛ وإما- وهو ما أميل إليه بشدة- لمجرد الجمع والتكثر؛ بغض النظر عن الصدق والكذب.
وواضحُ هنا أنَّ الطبري رحمه الله اختار أسوأ الرواة (أبا مخنف) لأسوأ أحداث تاريخنا (مقتل عثمان، وبيعة علي، ومقتل الحسين)؛ وهي أحداثٌ مفصليةُ صارت- أو صُيِّرَتْ بفعل السياسة والتحزب- سبباً في إفرازِ ومراكمةِ أسوأ أنواعِ الدمامل والصديد عبر عصورنا الإسلامية كلها.. ثم جاء الطبري رحمه الله وصبغها باسم هذا الشيعي الكذاب، حتى ليصح أن يقال- مع بالغ الاحترام للطبري: لولا الطبري ما كان أبو مخنف!!
***
سيقول لكَ أهلُ الاختصاص: إنَّ إخضاع تاريخ الطبري لمناهج النقد الحديثة عملٌ غير مستحسن، والأفضل النظر إليه بعين زمنه.. وهذا الكلام وإنْ كان مغرقاً في التجريد العقلي الجاف؛ إلا أنَّه يؤكد ما نحاول تقريره في هذا المقال.. فحين نظرنا إلى تاريخ الطبري بعين زمنه؛ وجدنا عينَ زمنه تقول لنا:
احذر مما تقرأ فإنَّ جُلَّهُ مرويٌ عن عمرو أديب، ومصطفى بكري، وإبراهيم عيسى، وأحمد موسى.. فإذا رأيت سَقَطَ أبناءِ الزمان، و(عيالَ الفيس بوك) يكتالون من هذه الروايات بالكيلو (ويتنططون) بها أمام الناس، ثم يرمونها في وجوههم؛ معتمدين على نظافة اسم الطبري؛ فأخبرهم أنَّ نظافة اسم الطبري لا تنسحب على (قذارة) أبي مخنف، وإبراهيم عيسى، وأنَّ أمانة الطبري في النقل المُسنَد لا تنسحب على (خيانة) ابن السائب، ومصطفى بكري في الكذب المفضوح!!
صحيحٌ أنَّ إخبار هؤلاء العيال بهذا وأمثاله لن يردعهم عن (النطنطة) والتقافز.. بيد أنه سيُشِيعُ بين الناس منهجيةَ (السند) في النقل عن كتب الثقات، ثم منهجية (الفهم) لطبيعة تلك الكتب بحسب تخصصاتها.. وشيئاً فشيئاً سيبدأ الناس في قراءة الطبري وأمثاله من خلال (السند)؛ فلا يقولون بعدها: "قال الطبري: وكان تحت منصة (رابعة العدوية) نَفَقٌ ينتهي بكُرةٍ أرضية يمارس فيها المعتصمون (جهاد النكاح)، وتعذيب المخالفين وقتلهم ودفنهم فيها.. وقد حدثتنا قناة الميادين الشيعية أنَّ هذا النوع من الجهاد انتقل إلى سوريا وشاع فيها؛ حتى لا تكاد تجد مجاهداً إلا مارسه أو حرص على ممارسته.." لن يقولوا إنَّ الطبري قال ذلك؛ بل سيقولون: هذه روايات الكذبة أبي مخنف، وأحمد موسى، وابن السائب، وعمرو أديب؛ بالإضافة إلى منصات الشيعة الإعلامية التي كانت تمارس- فيما يخص سوريا- دعايةً سوداء ضد المجاهدين في الإعلام؛ بالتزامن مع قَتْلِ ميليشياتهم للمسلمين السوريين على الأرض..
الظريف- وهذه جملة اعتراضية- أنَّ الذي مارس القتل حقيقةً في (رابعة) كان هو النظام المصري الذي أشاع هذه الأكاذيب ضد معتصمي رابعة.. والذي مارس (قتال النكاح) حقيقةً في سوريا؛ كان هو النظام النصيري الشيعي الذي جَنَّدَ مَن أسماهنَّ (صبايا العطاء) للتشبيح والترويح عن الضباط الروس الصليبيين والضباط الإيرانيين المشركين.. ولا غرابة في هذا عندهم؛ فالشيعة يمارسون ذلك يومياً من خلال (المتعة) التي يعتمدونها ديناً!!
***
بهذه الطريقة في القراءة سيفهم الناس شيئاً فشيئاً طبيعة التأليف في علم التاريخ قديماً، كما سيفهمون طبيعة الطبري في الولع بالجمع والتكثر الذي كان منهجاً شائعاً في التأليف آنذاك.. بل والآن أيضاً؛ فإنَّ أحداً لا يؤلف كتاباً أو يكتب بحثاً إلا جمع وحشد له غالبَ ما كُتبَ في موضوعه.. وحسبك أنك لا تكاد تخطو خطوةً في أبحاث (العَالِمية) التي يسمونها الماجستير والدكتوراه إلا وتصاحبك أسئلةُ المشرف عليك: هل جمعت كل ما يخص موضوعك؟! هل استقصيتَ كل الآراء فيه؟! هل طالعت الدراسات السابقة؟! وهكذا دواليك تجمع، ثم تصنف، ثم ترتب، ثم تنقح، ثم تنقد، ثم تتابع أو تخالف..
***
وقد كان في الإمكان التغاضي عن جَمْعِ الطبري وروايتهِ عن المشهورين والمُتهَمِين بالكذب والرفض والسبئية؛ إنْ هو نقَّح واستدرك ونقد وأبدى رأيه.. كنا سنعرف- على الأقل- موقفه من الأحداث بدلاً من تعريض اسمه لتهمة التشيع التي برأه منها جلة العلماء قديماً وحديثاً.. وقد أحسن ابن كثير في هذه النقطة تحديداً؛ فعلى الرغم من اعتماده في (البداية والنهاية) على تاريخ الطبري ومروياته في الفتنة- بما فيها مرويات أبي مخنف- إلا أنه كان يُحَذِّرُ مِن الاغترار برواياته، وينتقد إكثار الطبري من الرواية عنه، ويستدرك وينقح ويُبدي رأيه رفضاً وتشكيكاً.. وهذا ما لم يفعله الطبري- جرياً على عادة التسامح في رواية التاريخ-؛ فلم ينتقد ولم يعلق، "ووقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح"؛ كما قال- الأستاذ شاكر مصطفى في موسوعته: (التأريخ العربي والمؤرخون)، "ولم يحاول استخلاص الروايات الموثقة مما جمعه، وترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفياً بالعزو إلى المصادر"؛ كما قال الأستاذ أكرم ضياء العمري في كتابه (عصر الخلافة الراشدة)؛ ما "أدى إلى تراكم الروايات الكاذبة والمستشنعة عن تاريخنا الإسلامي عبر العصور، وترسيخ الأوهام والأباطيل عنه في أذهان الناس" كما قال الأستاذ محمد طاهر البرزنجي في كتابه (صحيح وضعيف تاريخ الطبري).
كان هذا أكبر انتقاد وُجِّهَ للطبري رحمه الله في تاريخه؛ بالإضافة إلى انتقادات أخرى؛ مثل: إكثاره من الحكايات الخرافية والإسرائيليات عن بدء الخلق، وأوليات الأمم، وقصص الأنبياء وأحوال العرب قبل الإسلام، وعُمْرِ الدنيا، ثم تجزئته للأحداث وتوزيعها بين السنين والعودة إليها في سنة أخرى، وقطعه رواية راوٍ لِذِكْرِ روايةِ راوٍ آخر وسط رواية الأول، وإغفاله بعضَ الأحداث الكبرى مثل فتح الأندلس ودولة بني أمية فيها.. وغير ذلك مما ستشعر به حين تقرأ الكتاب قراءة متصلة، أو ستجده مختصراً ومركزاً في مقدمات كتاب (صحيح وضعيف تاريخ الطبري).
***
سيثور في ذهنك الآن- ولعله ثار سابقاً- سؤالٌ يقول: ألم يجد الطبري- وهو مَنْ هو في علمه وصدقه وضبطه- رواة موثوقين في زمنه، وفيما رجع إليه من مصادر قبل زمنه؛ ينقل عنهم بدلاً من النقل عن كل هؤلاء المتهمين أو الكذبة أو الضعفاء؟!
والحقيقة أنه وَجَدَ موثوقين كُثر، وروى عن موثوقين كُثر، أو عمن هم أقومُ قيلاً أو أقل ضعفاً أو أكثر قبولاً، أو عن ضعفاء غير متهَمِين بكذبٍ أو تشيع؛ فقد روى عن ابن أبي خيثمة، ومحمد بن بشار (بندار)، ومحمد بن المثنى العنزي البصري، ويونس بن عبد الأعلى، وأبو كريب، وخليفة بن خياط، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم، وعمر بن شبة النميري؛ وغيرهم من أمثالهم على اختلاف مراتبهم في الموثوقية؛ بيد أنَّ روايته عن هؤلاء غابت أو طُمرت وسط ركام المرويات الأخرى لأسبابٍ عِدَّةٍ؛ منها:
الأول: أن المواضيع التي روى لهؤلاء فيها لم يثر حولها كثيرُ جدلٍ، أو كان الاختلاف حولها هَيِّنَاً لَيِّنَاً لم تتفرق الأمة بسببه؛ مثل الفتوحات الأولى، وخلافة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وبعض الأحكام، وبعض التفسير، وبعض تفاصيل الأنظمة الإدارية المستحدثة في الخلافة الراشدة، أو الدولتين الأموية والعباسية..
الثاني: أنَّ ما رواه عنهم فيما تفرقت الأمة بسببه كان قصيراً ومختصراً غالباً لا يروي غُلة الأقاصيص والحكايا والأساطير التاريخية، أو واقعياً بحسب حجمه الطبيعي آنذاك دون تهويل أو تزيد؛ فغالب روايات خليفة بن خياط، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم؛ في مقتل الحسين مثلاً؛ كانت صفحات معدودة ليس فيها كثير تفاصيل، وبعضها- كرواية خليفة بن خياط- لا تكاد تُتِمُّ صفحتين..
الثالث: أنَّ ما رواه عنهم من مطولات فيما تفرقت الأمة بسببه؛ ظل دون زخم ملحمي كزخم مقتل الحسين؛ فروايته عن سيف بن عمر في مقتل عثمان مثلاً تجاوزت سبعين صفحة كان فيها من التوازن والواقعية والمعقولية ما يمكن أنْ يُقرِّبها من الحقيقة؛ بيد أنها ظلت- منذ ذلك التاريخ وحتى الآن للأسف الشديد- حادثةً عاديةً أو أقرب إلى العادية إذا قورنت بزخم حادثة الحسين.. هذا على الرغم من علو درجة عثمان رضي الله عنه التي فاقت درجة الحسين رضي الله عنه فضلاً وسابقةً وبذلاً وجهاداً ومنصباً شُورِّيَاً، بالإضافة إلى بشاعة ما ارتكبه الخوارج الانقلابيون في حق عثمان من إهانةٍ وإذلالٍ وتجويعٍ وتعطيشٍ ونهبٍ لداره، وهتكٍ لعرضه، وترويعٍ للمدينة وأهلها، واستباحةٍ لحرمتها، وإسقاطٍ للشورى وتغييرٍ لنظام الحكم، وجعجعةٍ بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللاتي هُنَّ (أهل البيت) بنص القرآن؛ مما لم يحدث مثله للحسين رضي الله عنه؛ على الرغم من تزيد الكذابين في تفاصيل مقتله.. ولا يحتاج المُدقّقُ إلى كثير نظر لمعرفة أسباب ذلك؛ فَتَسَيُّد الرؤية العباسية المعتمدة على الرواية الكوفية، ثم التشيع بدرجاته كلها، ثم ترفع أهل السنة عن انحطاط اللطم والكربلائيات وتجديد الأحزان وتوثين البشر، ثم العاطفية المغالية عند كثير من خواص أهل السنة وعوامهم تجاه الحسين؛ كلُّ هذا وغيرُه سَاهَمَ في تضخيم حادثة الحسين إلى حدٍ مغرق في الغرائبية والتوثين، وترقيق حادثة عثمان إلى حدٍ مغرقٍ في التهاونية والعقوق!!
وأنت ترى في عصرنا هذا كيف يتلعب الإعلام بالقضايا تلعب الصبيان بالكُرةِ، وكيف يخدع- حتى العقلاء- عن عقولهم خديعة الطفل بالحلوى؛ فيُعلِي من شأن قضية ويخفض من شأن أخرى، ويضع قضية في المركز، ويُهمل أخرى في الهامش؛ وهما في الأهمية والعاطفية والدينية سواء؛ فيُري الجميعَ حصارَ (غزة) ساعةً بساعة ويوماً بيوم؛ بينما يُخفي في الهامش مثلاً حصار الحوثي لمدينة (تعز) منذ 2015 وحتى كتابة هذه السطور.. ويُرِي الجميعَ مجازر (غزة) على الهواء مباشرةً- وهي تستحق- بينما يُخفي في الهامش مجازر (الموصل) التي فاقت مجازر غزة عشرات المرات (ولا مفاضلة في المجازر).. أما (الباغوز) فسأكون شديد التفاؤل إن ظننتُ أن عشرة بالمائة ممن يقرؤون كلامي هذا يعرفونها أو يعرفون مكانها؛ فضلاً عن معرفتهم بما حدث فيها من إبادةٍ كاملةٍ شاملة!!
هذا عدا تجريف الوعي وتغييب العقول بتصوير المنحرفين مهتدين، والمشركين مجاهدين، والمجرمين أبطالاً مقاومين؛ تماماً كما يحدث الآن مع الشيعة- حَوثَةً، وحزبالةً، وحَشْدَاً، ومَلالِيَاً-؛ لأنَّ أمريكا تضربهم بعد انتهاء غرضها منهم؛ ككلابِ صيدٍ صادت بهم مُعَلَّمين، ثم صادتهم مسعورين!!
لقد تم تضخيم حادثة الحسين تضخيماً كبيراً جداً؛ لا لمكانته وفضله فقط؛ فإنَّ أباه علياً رضي الله عنه قُتِلَ قبله وكان أفضل منه، وعثمان رضي الله عنه قُتِلَ قبله وكان أفضل منه، وعمر رضي الله عنه قُتِلَ قبله وكان أفضل منهم جميعاً؛ ولكن لأنَّ (قناة الجزيرة الكوفية) آنذاك رأتْ أنَّ حادثة الحسين هي النموذج الأمثل الصافي الذي يمكن استخدامه بحمولاته(الدينية والعاطفية والسياسية والثورية)؛ في تحقيق الأغراض وإدراك الأهداف؛ ثم لا يستطيع أحدٌ الاعتراض على هذا الاستخدام، أو إسقاطه أو إعادة النظر والتفكير فيه؛ كالذي يمكن أن يحدث مع مَقَاتِلِ الشخصياتِ الأخرى.. وهي بهذه الحمولات سلاحٌ مثاليٌ فتاكٌ يمكن استخدامه لتحقيق كل الأغراض الدينية والسياسية والعاطفية والثورية، وطعن وتشويه كلِّ مَن تسول له نفسه إعادة التفكير والنظر باتهامات (النصب)، وكراهية آل البيت، وماذا ستقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة (هذا إنْ أدخلوك الجنة).. تماماً كـ(قضية فلسطين) التي حَمَّلهَا مستخدموها بكل الحمولات الدينية والعاطفية والسياسية والثورية؛ لتحقيق أهدافهم وإدراك أغراضهم؛ حتى صارت وثناً يُعبد من دون الله، أو صنم عجوة يعبده القومجيون بأنواعهم، والمتأسلمون بأنواعهم، والشيعة بأنواعهم، ثم يأكلونه عند أول عَضَّةِ جوع.. فإذا ظهر من يطالب بضرورة التوقف قليلاً لإعادة النظر في حمولات هذه القضية، وطبيعة استخداماتها، ومنطلقات مستخدميها؛ ضربته اتهامات (التصهين، والعمالة، والاستخذاء، والتخذيل، وكراهية مَنْ أسموهم رجال الله، والاستهانة بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.. لتظل فلسطين كدماء الحسين التي استخدمها العباسيون لضرب أبناء عمومتهم الأبعدين بني أمية، ثم لما انتهوا منهم؛ التهموا صنم العجوة وضربوا أبناء عمومتهم الأقربين بني عليٍ والحسين؛ وبطرائق أشد بشاعة وأكثر خسة.. ولو نال بنو علي والحسين ما ناله بنو العباس لفعلوا في أبناء عمومتهم ما فعله أبناء عمومتهم فيهم؛ فإنَّ الملك عقيم، والتاريخ يكتبه المنتصرون، ويُثّبِّتُهُ العامةُ والغوغاء وينقيه الغرباء.. ولا جذر أثبت من العامة والغوغاء؛ فإنهم إنْ نشؤوا على شيء وتعاقبت عليه أجيالهم؛ صار تغييره محالاً أو قريباً من المحال.. ولا ألم أبشع من ألم الغرباء؛ فإنهم لا يواجهون المنتصر الذي كَتَبَ وهَلكَ بقدر ما يواجهون التربةَ نفسَها التي نبتوا فيها.. ولا غربة أشد من هذا!!
***
لقد كان منهجُ الطبري في الجَمْعِ سيفاً ذا حدين؛ جاء منه بعضُ خير، وسال منه سيلُ شر.. أما خيره فإنَّ اعتماد الطبري على الإسناد فتح لمن جاء بعده أبواب معرفة حقيقة الرواية بمعرفة حقيقة الراوي.. صحيحٌ أنَّ هذه الأبواب لا يتقن الدخول منها كلُّ أحد؛ ولكنها- في النهاية- أصلٌ أصيل يمكن للباحث- آن البحث والمناقشة- أن يُصحح بها الروايات أو يُضَّعفَهَا أو يَرُدَّهَا؛ تماماً كما هي أصل أصيل في التعامل مع رواة الحديث الشريف جرحاً وتعديلاً؛ وإنْ كان المنزع في الحديث الشريف غير المنزع في علم التاريخ.. وقد أسقط ابنُ الأثيرُ في (كامله) سلاسلَ الإسناد، وانتقى وهَذَّبَ وأعادَ الصياغةَ سَردَاً دون سند؛ فخفف على القاريء بعضَ العنت، ولكنه ثَقَّلَ المؤنة على الباحث المدقق لاضطراره إلى الرجوع إلى سلاسل الإسناد لمعرفة الصحيح من الزائف..
وتخيل أنت أنَّ الطبري- وهو الرائد الأول الذي استقى منه كل من جاء بعده هذه المرويات- حَذَفَ سلاسلَ الإسناد كما فعل ابن الأثير؛ فظهرت مروياته كلها كأنها صحيحة معتمدة عنده؛ لعدم تدخله في الرواية بنقدٍ أو تهذيب.. كيف كان الوضع سيكون آنذاك؟!
أما شَرُّهُ؛ فهو ذلك الشر الذي حَذَّرَ منه الإمام الجوزجاني تلاميذه في نصه سالف الذكر؛ حيث قال: "..... ولكن كثيراً منكم جار عن الطريق، وجعل طلبه لهذا الشأن وجمعه نزهةً وشهوة، فإذا استُعتِبَ فيه قال: إنما أكتبه للمعرفة، فيا سبحان الله تكتبُ حديثَ أهل الصدق للمعرفة، وحديث المتهمين للمعرفة، فمتى تتركُ هذا؟! وعسى أن ينشأ بعدنا قومٌ فإنْ عوتبوا فيهم؛ قالوا: قد روى عنه فلان؛ فيتخذوه حجة، فكما نقول نحن اليوم لِبَعضِ البُلْهِ: لم تروي عن فلان؟! قال: أليس قد روى عنه فلان؟!".
وهذا الشر هو الذي صبغ تاريخنا كله بسيل من الأكاذيب تلقاها المؤرخون عن المؤرخين فأثبتوها تكثراً وجمعاً وتقميشاً؛ فصارت- وإنْ نفاها بعضُهم وشكك فيها بعضُهم وتوقفَ فيها بعضهم- كما قال الشاعر:
قد قِيلَ ما قِيلَ إنْ صِدقاً وإنْ كذباً
فما اعتذارُكَ عن قولٍ إذا قيلا
الظريف أنَّك ستجد الطبري في بعض رواياته عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما يقطع الرواية ويكتفي بما ذكره منها؛ معللاً ذلك بشناعة بقيتها أو بشاعتها، أو عدم احتمال العامة لها؛ فقد قال حين تناول المراسلات بين معاوية رضي الله عنه وبين محمد بن أبي بكر:"... فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة"، وقال في أسباب (مسير المصريين إلى عثمان رضي الله عنه):"... ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته"، وقال في قصة مقتل عثمان رضي الله عنه:" وأمَّا الآخرون فإنهم رَووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، وأموراً شنيعة كرهت ذكرها"..
وهذه الجمل الاستدراكية القليلة من الطبري تدل على أنه لم يكن غافلاً عن كلمة شيخه الجوزجاني، أو عن شناعة وبشاعة ما بين يديه من مرويات أبي مخنف والواقدي وابن السائب وغيرهم.. ولكن لعلها شهوة الجمع والتكثر، أو لعله الميل النفسي والهوى، أو لعله أي شيء آخر ضمن دائرة حسن الظن.. وما أكثر ما خَاطَبْتُ الطبري بيني وبين نفسي وأنا أقرأ هذه الجمل قائلاً: غفر الله لك.. ليتك حين أعرضت عما أعرضت عن ذكِره لشناعته؛ سمعتَ كلامَ شيخك وأعرضت إعراضاً كاملاً عن أبي مخنف وأمثاله؛ فقد كانت أكاذيبه سبباً من أسباب فساد العقول، وغلبة الأهواء، وسفك الدماء على مدار أكثر من ألف سنة، وما منع من ذلك كله تنبيهُك في مقدمتك أنك أدَّيْتَ على نحو ما أُدِّيَ إليك!!
***
ختاماً أقول:
لقد قرأتُ تاريخ الطبري كاملاً ثلاث مرات؛ مرةً في بدايات سنوات الجامعة، ومرة قبيل بحث الدكتوراه، وثالثة من خمس سنوات تقريباً.. ثم أنا أعود إليه الآن بين الفينة والأخرى لأقارنه بالمطولات مِن أمثاله كلما عَنَّ لي مشكل، أو واجهتني عُقدة، أو (نَطَّ) في وجهي (عيالُ الفيس بوك).. والنطنطة لا تفنى والعيال لن تَكُف!!
ما زلت أذكر وقع المرة الأولى على قلبي.. لقد تلوث!!
يبدو أننا لا نكبر إلا إذا تلوثت قلوبنا، وتلوثُ القلوب استنارةٌ للعقول.. لقد هَجَمْتُ بالقراءة على ما لم يكن قلبي الطري مستعداً له؛ فَسَقَطَ العَشَاءُ بي على سِرْحَان!!
والقراءة المبكرة كالزواج المبكر؛ متعةٌ وتلوث.. تلوثٌ بالمعرفة في الأولى وتلوثٌ بالمسؤولية في الثانية.. وما هو بتلوث على الحقيقة بل فهم لطبيعة الحياة..
تبدو المعرفةُ- في مستوىً من مستوياتها- تلوثاً وجُرماً وورطةً أخفُّ ما فيها الدهشةُ الحائرة، وأثقلُ ما فيها استحالة الرجوع!!
ورطةُ المعرفة الكبرى أنكَ لا تملكُ أدواتَ مواجهةِ تَبعاتِها إلا بمزيدٍ منها؛ فكأنها فَخٌّ لا تَنخلعُ منه إلا إلى فَخٍّ آخر، ومع كل فَخٍّ جديد ألمٌ جديد يستنبتُ أداةَ مواجهةٍ جديدة؛ تماماً كألم الثعبان حين ينسلخُ من إهابٍ لإهاب، والنسرِ حين ينخلعُ من مخالبَ لمخالب.. وعلى قَدْرِ تتابع آلام معرفتك؛ يكون اكتمالُ أدواتِ مُواجَهَتِك!!
***********************************
مقالات قادمة إنْ شَاء اللهُ ويَسَّر:
_ الكوفة.. دارُ السَّكِ ومَسْكُوكَاتُها.
_ كيف نقرأ تاريخنا.






هل دقّت ساعة القرن الأفريقي؟

هل دقّت ساعة القرن الأفريقي؟

كاتب وباحث مالي في الشؤون الأفريقية.
مدير مركز الخالي للتعليم والتدريب.

مع مرور ذكرى قرنين ونصفٍ خلال هذا الشهر على إعلان الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها، تبدو اليوم وكأنها تمر بمرحلة حساسة من تاريخها، بسبب ما تعيشه من تغيرات داخلية وضغوط سياسية واقتصادية، إلى جانب تغير تدريجي في موقعها داخل النظام العالمي.

وفي الوقت نفسه، يتزايد الاهتمام العالمي بالجنوب، وبشكل خاص بالقارة الأفريقية التي وصفت -لقرون طويلة بشكل خاطئ- بأنها " مظلمة"، لكنها تظهر اليوم بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بها لفترة طويلة.

ومن أديس أبابا، حيث تتقاطع أسئلة الحاضر مع ثقل التاريخ الأفريقي، تبدو هذه اللحظة مناسبة للتفكير في التحولات التي يشهدها العالم. فالتاريخ لا يتحرك في اتجاه خطي ثابت، بل يعيد توزيع مراكز الثقل بين القارات وفقا لتغيرات اقتصادية وديمغرافية.

قبل قرنين ونصفٍ، وتحديدا في عام 1776، كانت الولايات المتحدة مجرد ثلاث عشرة مستعمرة ممزقة، تعاني من التبعية وتكافح ضد إمبراطورية عظمى مهيمنة. وبعد 250 عاما، أصبحت هذه الولايات المتحدة واحدة من أكبر القوى في العالم، واليوم تعيش أفريقيا لحظة شبيهة بتلك، لكنها تحمل في داخلها إمكانات كبيرة، سواء من ناحية السكان، أو الموارد، أو التحولات الاقتصادية التي بدأت تظهر بشكل تدريجي.

تمر أفريقيا اليوم بمرحلة صعود تدريجي، لكنه غير مكتمل بعد، يعتمد على قدرة الدول الأفريقية على تحويل مواردها وإمكاناتها الديمغرافية إلى قيمة إنتاجية مستدامة داخل الاقتصاد العالمي

أولا: من الضعف إلى السيادة.. الدروس الأمريكية في مرآة أفريقية

لقد تحولت الولايات المتحدة من دولة زراعية ناشئة إلى قوة صناعية ومالية وعسكرية هيمنت على القرن العشرين بلا منازع. وقد تحقق ذلك عبر مجموعة من العوامل، أهمها التوسع الجغرافي، وتطوير المؤسسات، وتراكم رأس المال، والاستفادة من الهجرة والقوة الديمغرافية الفتية.

إعلان

غير أن قراءة الواقع الأمريكي الراهن تشير إلى تحولات بنيوية جديدة، من أبرزها الاستقطاب السياسي الداخلي، وتصاعد الدين العام، فضلا عن تغير طبيعة القيادة الاقتصادية عالميا مع صعود قوى عالمية أخرى. هذه التحولات لا تعني تراجعا حتميا، بقدر ما تعكس انتقالا من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى نظام دولي أكثر تعددية.

وفي المقابل، تمر أفريقيا اليوم بمرحلة صعود تدريجي، لكنه غير مكتمل بعد، يعتمد على قدرة الدول الأفريقية على تحويل مواردها وإمكاناتها الديمغرافية إلى قيمة إنتاجية مستدامة داخل الاقتصاد العالمي.

ثانيا: الديمغرافيا والتحضر
تمثل أفريقيا اليوم القارة الأكثر شبابا من حيث التركيبة السكانية، وهو عامل يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية مهمة إذا ما اقترن بالاستثمار في التعليم، والصحة، والبنية التحتية الإنتاجية.

غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن "العائد الديمغرافي" لا يتحقق تلقائيا، بل يحتاج إلى سياسات اقتصادية طويلة الأمد قادرة على استيعاب القوى العاملة المتزايدة.

فالنمو السكاني الكبير بين الشباب يمثل قوة مهمة للقارة؛ لأنه يعني توفر طاقة بشرية كبيرة وقدرة استهلاكية وإنتاجية يمكن أن تدفع التنمية.
وبالتوازي مع هذا التحول السكاني، تشهد أفريقيا توسعا حضريا سريعا في السنوات الأخيرة، وهو من بين الأسرع في العالم.

المدن لم تعد مجرد أماكن للسكن فقط، بل أصبحت مراكز للنشاط الاقتصادي والتجارة والخدمات والتواصل، رغم أنها ما زالت تواجه تحديات مثل ضعف البنية التحتية والضغط على الخدمات الأساسية.

تشهد أفريقيا اليوم توسعا في خياراتها الدبلوماسية والاقتصادية، في ظل عالم يتجه نحو التعددية القطبية. وتتيح هذه البيئة الدولية للدول الأفريقية مساحة أوسع للمناورة وبناء شراكات متنوعة مع قوى دولية متعددة

ثالثا: أوراق القوة الجديدة

تمتلك أفريقيا حصة كبيرة من الموارد الإستراتيجية المرتبطة بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مثل الكوبالت والليثيوم واليورانيوم والمعادن النادرة.

لكن القيمة الجيو-اقتصادية لهذه الموارد لا تتحدد بوجودها الخام فقط، بل بمدى القدرة على تطوير صناعات تحويلية محلية.
تشير التجارب المقارنة إلى أن الدول التي نجحت في تحويل مواردها إلى قوة اقتصادية عالمية هي تلك التي طورت بنية صناعية متكاملة، واستثمرت في التكنولوجيا، وحوكمة الموارد، وليس مجرد الاكتفاء بدور التصدير الأولي.

وفي هذا السياق، تسعى بعض الدول الأفريقية إلى إعادة صياغة موقعها داخل سلاسل القيمة العالمية، لكن هذا المسار لا يزال في بداياته، ويواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والتمويل، والاستقرار المؤسسي.

رابعا: التعددية الجيوسياسية

تشهد أفريقيا اليوم توسعا في خياراتها الدبلوماسية والاقتصادية، في ظل عالم يتجه نحو التعددية القطبية. وتتيح هذه البيئة الدولية للدول الأفريقية مساحة أوسع للمناورة وبناء شراكات متنوعة مع قوى دولية متعددة.

لكن هذا التعدد في الشراكات لا يعني بالضرورة استقلالية كاملة في القرار الاقتصادي ما لم يقترن بسياسات داخلية متماسكة تعزز القدرة التفاوضية للدول الأفريقية وتقلل من التبعية الهيكلية.

إعلان

أما اندماج الاتحاد الأفريقي بشكل أعمق في المؤسسات الاقتصادية العالمية، فهو يعكس تحولا تدريجيا في مكانة القارة، لكنه يظل عملية تراكمية طويلة الأمد أكثر من كونه تحولا فوريا.

خامسا: من مفارقة التأسيس إلى مسار الاندماج السياسي.. الذاكرة الأفريقية داخل التجربة الأمريكية

تقوم التجربة الأمريكية في أساسها على خطاب تأسيسي يقوم على الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، غير أن هذا الخطاب رافقه في مراحل تاريخية طويلة واقع مختلف، تمثل في نظام العبودية الذي جرى من خلاله نقل ملايين البشر من القارة الأفريقية قسرا إلى الولايات المتحدة، للعمل في الزراعة وتأسيس القاعدة الاقتصادية الأولى للدولة الناشئة.

وخلال تلك المرحلة، اتسمت الحياة الاجتماعية والسياسية بأنماط واسعة من الإقصاء والتمييز، حيث حُرم هؤلاء من المشاركة في الحياة العامة، وامتدت أشكال الفصل إلى التعليم والعمل والمرافق العامة، بما جعل هذه المرحلة من أكثر الفترات تعقيدا في التاريخ الاجتماعي الأمريكي.

ومع ذلك، لم يكن هذا المسار ثابتا. فقد شهدت الولايات المتحدة تحولات تدريجية بدأت بإلغاء العبودية، ثم تعززت عبر حركات الحقوق المدنية التي أعادت صياغة موقع الأمريكيين من أصول أفريقية داخل الدولة.

ومع الوقت، انتقل هذا المكون من الهامش إلى المشاركة السياسية والاجتماعية، وصولا إلى وصول شخصيات من أصول أفريقية إلى أعلى مواقع الحكم، من أبرزها انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، في لحظة عكست تحولا رمزيا مهما في بنية المجتمع الأمريكي.

وفي سياق تاريخي أوسع للعلاقة بين القارة الأفريقية والعالم الجديد، تبرز أيضا روايات تاريخية متداولة حول عبور الأطلسي قبل الحقبة الكولومبية، ومن بينها ما ينسب إلى الملك أبو بكر الثاني، أحد ملوك إمبراطورية مالي، الذي تشير بعض الروايات إلى أنه قاد رحلات باتجاه الغرب قبل وصول كريستوفر كولومبوس.

ورغم أن هذه الروايات لا تزال محل نقاش أكاديمي، فإنها تعكس عمق الحضور الأفريقي في المخيال التاريخي المرتبط بالعالم الجديد، وتضيف بعدا تفسيريا للعلاقة التاريخية بين الضفتين.

كما أن هذا الامتداد لم يتوقف عند ذلك، بل تجسد لاحقا في عودة بعض أحفاد الأفارقة المحررين أو المهاجرين إلى القارة الأفريقية، حيث أسهموا في تأسيس كيانات سياسية جديدة، من أبرزها دولة ليبيريا في غرب أفريقيا، إلى جانب تجارب مماثلة في سيراليون. وهو ما يعكس أن العلاقة بين أفريقيا والولايات المتحدة ليست علاقة طارئة، بل علاقة تاريخية ممتدة تشكلت عبر قرون من التداخل الإنساني.

في الختام، بينما احتفلت الولايات المتحدة بمرور 250 عاما على تأسيسها، فإن هذا الحدث يعيد طرح أسئلة أوسع حول طبيعة التحولات في النظام الدولي، وكيف تتغير موازين القوة عبر الزمن.

فالتجربة الأمريكية، بما فيها من صعود تاريخي كبير وما رافقه من تناقضات داخلية، خصوصا ما يتعلق بالإرث الأفريقي داخل المجتمع الأمريكي، تظل مثالا مهما لفهم مسار بناء الدول وتطورها عبر مراحل طويلة.

وفي المقابل، تبدو أفريقيا اليوم في مرحلة انتقالية، تحمل فرصا كبيرة مرتبطة بالسكان والموارد والتحولات الاقتصادية، لكنها ما زالت في حاجة إلى استكمال شروط هذا الصعود بشكل تدريجي.

وبين التجربتين، يظل التاريخ المشترك بين أفريقيا والولايات المتحدة حاضرا، ليس فقط كذاكرة، بل كعامل يساعد على فهم طبيعة العلاقة بين الطرفين ومسارها الطويل.