الأربعاء، 29 أبريل 2026

في مَدِيح القِراءة

 بيني وبينك .. 

في مَدِيح القِراءة

د. أيمن العتوم

أوّلُ كلمةٍ في أَقْدسِ كتابٍ على آخِر نبيّ. ما من دينٍ من قبلُ افتتح بها وابتدأ. بها انكتَب التّاريخ، وبها ثبتَ في النّفس اليقين، وبها انتصرتِ الأُمم، وارتفعَ شأنُ الدُّول، وفي حروفها تلخّصتِ الحضارة، وعلى نُورِها استبانت الدّروب، وصَلُحَ أمرُ النّاس، واستقامتِ السّبيل. إنّها كلمة (اقرأ).

مَنْ عَمِل بمقتضاها اهتدَى، ومَنْ تَنَسَّم رُوحَها ارتقَى، ومَنْ تحصَّنَ بها احتمى، ومَنْ أوى إلى ما تُرشِدُ إليه فكأنّما أوى إلى ركنٍ شديد.
استعرضِ التّاريخَ أمامكَ كلّه، فإنّكَ لن تجدَ العُلماء والعُظماء والقادة إلا وهم أهلُها، ولن تجدَ الشّعراء والفُصَحاء والبُلغَاء إلاّ وهم بَنُوها، ولن تجدَ الأنبياء والقدّيسين والصّدّيقين إلاّ نبتٌ طيّبٌ من رِياضِها. اقرأ أيّها الإنسان؛ لأنّه لا يُمكن أنْ تصلَ إلى ما تتوقُ إلاّ بها. اقرأ لأنّكَ لن تعرفَ ما تريدُ إلاّ إذا تمثَّلْتَها؛ بها تتحقّق الغايات، وتُدرك الأمنيات. اقرأ لأنّه إنْ لم تقرأ فإنّكَ آثِم، وإنّ أعظمَ الإثم أنْ يتوجّه إليكَ الحقُّ سبحانه في أوّل أوامره الإلهيّة بها، ثُمّ تضربَ بهذا الأمر عُرضَ الحائط، وتُلقِي به دُبُرَ أُذُنَيك، والله يدعوكَ إليه بهذا الوضوح وهذا الاقتِضاب!
القراءة تُعيدُ إلى الإنسانِ إنسانيّتَه، إنّ المُتوحّشين والطُّغاة والجبابرة وأهل الفُجُور منها على أمرَين: إمّا أنّهم لم يقرؤوا، وإمّا قرؤوا دونَ فَهْمِ المُرادِ مِمّا به أُمِروا، إنّهم قرؤوا على عمًى من الشّيطان لا على هُدًى من الرّحمن، فإنّ الله وهو أصدقُ القائلين، قال مِنْ بعَدِها دونَ فاصلٍ: (اقرأ باسم ربّك). ثُمّ أتبعَها (الّذي خَلَق)، فباسمه، أي: بِهُداه. والّذي خلق؛ أي: بتفكّر في ملكوته «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ» ؛ وتلك كانتْ قراءةَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الغار، وهو بعيدٌ عن ضوضاء النّاس، وضجيج الأنام، وصَفْقِ الأسواق. القراءةُ حياة، وإنّ الحياةَ خارجَها مَوْت، فلا يغرّنّك مَنْ تأوّل في الأمر وتَفَكَّه، فإنّ مَنْ تراهم يمشون ويأكلون وينامون ليسوا أحياءً بالمعنى الحقيقيّ للحياة ما لم يكونوا قارئِين.
اقرأ أيّها البَشَريّ المُكوّن من أخطاء وآثام واجتِراحات وعواطف، فإنّ القراءة هي الّتي تُقلّصُ تلك الأخطاء إلى أدنى حدّ بحسب مساحة القراءة الواعية. وإنّها الّتي تَقُودُكَ إلى التّجافي عن الآثام؛ فإنّ مَنْ عَلِمَ لا يستوي معَ مَنْ لا يعلم. وإنّها الّتي تجعلك لا تجترحُ إلاّ ما كان خيرًا، فتأتي الحَسَنَ وتتركُ القبيح. وإنّها تَزِنَ عواطفك بميزانٍ لا يطغَى فيه قلبُكَ على عقلِكَ فيُورِدُكَ المهالك.
اقرأ؛ فلستَ من حجرٍ، ولا كُوّنْتَ من جَهْل، ولا أنَت كائنٌ يريدُ عُبورَ قنطرة الحياة دون أنْ يعرفَ سِرّها أو بعضَه، ولا حَيٌّ يعيشُ دون أنْ يُدركَ كُنه حياته، ولولا القراءة لَكُنْتَ هَمَلاً:
قد رَشَّحُوكَ لأمرٍ لو فِطْنَتَ له
فارْبأ بنفسَكَ أنْ ترعَى مَعَ الهَمَلِ
د. أيمن العتوم
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

التخادم الإيراني الصهيوني أم الخادم الفارسي؟

 آخر كلام       

التخادم الإيراني الصهيوني أم الخادم الفارسي؟ 



د. محمد المقاطع 


لم يكن متاحاً ولا ممكناً ولا في مقدور الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين أن يدمر أو يسيطر على الدول العربية الكبيرة في المشرق العربي!

 فجاءت فكرة التحالف الفارسي - الصهيوني، أو قُل التخادم الفارسي - الصهيوني، بل قل الخادم الفارسي للصهيونية هو مدخل ذلك وأداته لتحقيق ذلك، وقد كان. 

فقد بدأ التمهيد بالعراق بعد عام 2003، وتمت الاستفادة من التواجد الأميركي الكبير في العراق لإنجاز مهمة إضعاف وكسر أي مكون مخالف لعقيدتها الثورية   في العراق! وقد تم! 

لكن الأمر يحتاج إلى تواجد عسكري وبشري قادر على أن يكون شريكاً في استمرار إضعاف العراق وتغيير موقعه من دولة مواجهة وصدّ الصهيونية إلى كيان مهلهل سهل اللفتراس! 

فكان الرأي إسناد الدور لإيران التي كانت مليئة بالحقد والضغينة تجاه العراق وأهله، وهي التي مرّت بحرب مريرة استمرت 8 سنوات، فسُمح لإيران أن تهيمن على العراق وتمزّقه وتستنزف ثرواته وتجزئته لميليشيات مسلّحة تديم حالة اللاستقرار وتمكّنها من الهيمنة عليه، وهو مخطط صهيوني نفّذته إيران بتوافق تام. 

واستخدم النمط نفسه في لبنان، وقد كان حزب الله هو الذراع المنفذة للدور الإيراني، بمباركة ودعم أميركي وصهيوني، سمح للحزب بالتمدد والتوسّع والتسلح، بل وسمح أن يقود منظوماته الحرس الثوري الإيراني بجسور بحرية وجوية لتسليحه ودعمه بالكوادر القيادية والفنية، بل والمقاتلة من حزب الله لتفكيك لبنان، وتمّ شرذمته وضُيّعت هيبة الدولة، ليكون لبنان لُقمة سائغة لحزب الله في مرحلته، ثم للكيان الصهيوني توافقاً أو قسراً في مرحلة لاحقة، وهو ما نشهد بقية مراحله اليوم!

 وقد تمددت إيران عبر العراق إلى سورية، واستغلت ثورة 2011 لتكون مدخلاً لتعزيز الدعم الأميركي، للوقوف بوجه «داعش» والمتطرفين من الجهاديين السنّة! 

والحقيقة أنه مخطط لكسر سورية وإضعافها وتقسيمها، والسماح بالسيطرة الإيرانية التي تمت لاحقاً عليها بترتيبات مع الكيان الصهيوني، وقد تم تدمير سورية وإذاقة شعبها في مكونه السنّي القهر والمسالخ والمجازر الجماعية، وكانت إيران الفاعل على الأرض في القيام بهذا الدور لتكون سورية، بعد ذلك، لُقمة سائغة للكيان الصهيوني، وهو ما تم فعلاً! 

ورغم النجاح الباهر الذي حققته ثورة 8 ديسمبر 2024، لا يزال شبح سورية الضعيفة وتقسيمها خطراً محدقاً! 

وعلى المنوال نفسه، تمكّن الإيرانيون من التغلغل باليمن في أواخر مرحلة حكم علي عبدالله صالح، بدعم وتعزيز التواجد الإيراني، من خلال الإسناد المباشر للحوثيين، وأفسح الأميركيون والصهاينة المجال لإيران براً وبحراً وجواً بتواجد عسكري بشري ومعدات وفنيين وقيادات، حتى صار اليمن مفككاً منشغلاً بانقسامات داخلية وتسلّط طائفي يقوم على أساس التطهير العرقي والفرز المذهبي، وبتخطيط ومشاركة إيرانية مباشرة! ورغبة ودعم صهيوني في جعل إيران أداة تنفيذ ذلك! وقد تم!

 وانتهى الدور المسنود لإيران حتى تتحرك الآلة الصهيونية للقضاء على إيران، واستكمال المخطط بعد التخادم الإيراني - الصهيوني، وتركت هذه الدول للكيان الصهيوني اتفاقاً أو عنوة أو تقاسماً للنفوذ، وهو ما نرى تحقُّقه اليوم! 

وهو سبب وسرّ الغطرسة الصهيونية في تصوير هيمنتها على دول المنطقة كأمر سهل وميسّر، وهو ما لم يكن ليتم لو لم يكن ذلك بالترتيب والتخادم الإيراني - الصهيوني!  

ولكن يبدو أن لله سبحانه حكمته بأن يختلف المتواطئون وهم رؤوس الشر بالمنطقة! فطوال 47 عاماً لم تخرج طلقة واحدة على الكيان الصهيوني من إيران، حتى نصدق اليوم أنهم أعداء! 

هم الحلفاء المتواطئون الذين تغيّرت مصالحهم، والدور الإيراني انتهى بتدمير العراق ولبنان وسورية واليمن وإضعافها لمصلحة الكيان الصهيوني!  


الثلاثاء، 28 أبريل 2026

لماذا ستُصبح حماقاتنا أغلى ما نملك في عام 2026!

 خواطر صعلوك

لماذا ستُصبح حماقاتنا أغلى ما نملك في عام 2026!



تخيّل معي يا صديقي أننا نجلس الآن في مقهى، أرتشف قهوتي وتنظر أنت في شاشة هاتفك، ثم تقرأ لي قصيدة مذهلة عن لوعة الفراق، قصيدة تهز الوجدان وتجعل الدمع يترقرق في المآقي... أصفق بحرارة، فتخبرني ببرود أن مَنْ كتب هذه القصيدة ليس متنبياً جديداً، ولا شاعراً يكتوي بنار العشق، بل هو «روبوت» بارد، كتبها في ثلاث ثوانٍ بعد أن أعطيته بضع كلمات مفتاحية!

أهلاً بك في عام 2026، العام الذي دخلنا فيه رسمياً عصر انهيار الحقيقة.

لقد اعتدنا في العقود الماضية أن نبحث عن الكمال؛ صورة خالية من العيوب، نص لغوي متين، صوت نقي لا تشوبه شائبة... 

ولكن، ماذا يحدث عندما يصبح «الكمال» متاحاً للجميع ومجانياً؟ 

وماذا سيحدث عندما تتمكن الخوارزميات من توليد مقطع فيديو حقيقي تماماً لزعيم سياسي يعلن فيه حرباً لم تقع، أو صورة مفبركة ببراعة تامة تدمر حياة إنسان بريء؟

عندما يغرق السوق بالذهب المزيف الذي لا يمكن تفريقه عن الذهب الحقيقي، تنهار قيمة الذهب نفسه... 

وفي عالمنا اليوم، غرقنا في طوفان المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، فأصبح «المزيف» هو القاعدة، وبات «الكمال» هو السلعة الأرخص والأكثر وفرة في سوق النخاسة الرقمي.

هنا، وفي هذه اللحظة التاريخية الفارقة، تنقلب الموازين رأساً على عقب. 

ففي عالم يستطيع فيه أي حاسوب أن يكتب مقالاً عبقرياً، أو يرسم لوحة مبهرة، أو يؤلف سيمفونية معقدة، أو حتى يصنع فيلماً قصيراً مميزاً... 

ما الذي سيتبقى لنا نحن البشر لنتميز به؟

الإجابة بسيطة وموجعة في آن واحد:.. سيتبقى لنا نقصنا!

نعم يا سادة، ستصبح «اللحظة الإنسانية الحقيقية» هي العملة الأندر والأغلى في العالم. ذلك الخطأ العفوي في النطق أثناء إلقاء خطبة، تلك الدمعة الحقيقية التي تفر من عين متحدث وتفسد مساحيق التجميل، تلك التأتأة النابعة من ارتباك صادق، ذلك الرأي الشجاع في مقال صحافي والمخالف للمألوف الذي ترفض الآلة «المبرمجة على الحياد والسلامة» أن تتبناه... كل هذه النواقص ستصبح هي «العلامة المائية» الوحيدة التي تثبت أن مَنْ يقف أمامنا هو كائن من لحم ودم، وليس سلسلة من الأكواد البرمجية.

لقد دخلنا عصر ما يمكن تسميته بـ «اليقين الفاخر»... قديماً، كان اليقين متاحاً للجميع؛ ترى بعينيك فتصدق. أما اليوم، فاليقين أصبح ترفاً لا يملكه إلا القلة. أن تتأكد بنسبة مئة بالمئة أن ما تقرأه أو تراه أو تسمعه هو حقيقة مطلقة، سيصبح خدمة مدفوعة الأجر، ورفاهية باهظة الثمن... سنبحث عن «الصدق» كما يبحث التائه في الصحراء عن قطرة ماء، ولن نثق إلا في الأشياء التي تحمل بصمة الضعف البشري، لأن الآلات صُممت لتكون بلا ضعف وبلا نواقص.

الخلاصة يا عزيزي القارئ، أننا قضينا آلاف السنين نحاول التخلص من عيوبنا، ونخفي حماقاتنا، ونطمح للوصول إلى كمال مستحيل. واليوم، يأتي الذكاء الاصطناعي ليحقق هذا الكمال البارد، فيجبرنا على العودة إلى ذواتنا.

لا تخجلوا من عثراتكم، ولا تداروا ندوبكم، ولا تحذفوا زلات لسانكم العفوية... ولا تسعوا للكمال... احتضنوا هذه النواقص وعضوا عليها بالنواجذ، فهي الشيء الوحيد المتبقي الذي يثبت أننا مازلنا على قيد الإنسانية... قبل أن تبتلعنا الخوارزميات. 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل!

أسئلة مشروعة حول مجال التاريخ! إ

 أسئلة مشروعة حول مجال التاريخ!

إدريس ممادي

"هل انتهى جدل علمية التاريخ من عدمه أم لا يزال؟"

المواضيع التاريخية

أين يتجه اليوم عِلم التاريخ؟ 
ومَن المتحكم في المشهد حاليا؟ 
هل المؤرخون والباحثون فيه أم طبيعة المواضيع؟ ماذا بعد بخصوص المواضيع؟ 
ما هي الخطوة الموالية؟ 
هل كما تفضل أحد المتخصصين أن التاريخ يتجدد كلما توهم البعض بنهايته؟ 
هل انتهى فعلا عصر الانفتاح على البحث في مواضيع مختلطة مثل؛ تاريخ اللعب، تاريخ السحر، تاريخ الكرة، تاريخ النكتة؟

هل ابتعدنا فعلا بانفتاح التاريخ على مواضيع متعددة عن محورية السلطة والسياسة والحكم؟ 
هل وجدنا طريقا آخر؟ 
وهل هذا الطريق بديل حقيقي يحقق إحدى غايات الإنسان من التاريخ بالاقتراب من الحقيقة؟ 
وهل أصلا هو طريق للتاريخ ولأجل التاريخ؟ أم هو فقط قاطع للطريق؟ 
وما الداعي أصلا للابتعاد عن السياسة؟ 
هل كانت ضرورة؟ 
هل كانت لحظة ملل؟ أم لحظة بحث عن تفسيرات أخرى للحدث؟ أم ماذا بالضبط؟

جدل عِلمية التاريخ

بعد مرور سنوات من الكتابات المتتالية لرواد المدارس التاريخية، هل انتهى جدل علمية التاريخ من عدمه أم لا يزال؟ 
هل استُقر على كونه علما، لكنه علم من العلوم الإنسانية وليس من العلوم الحقة؟ 
ما بال الكثير من الكُلّيات تصنفه في المغرب التصنيف الكبير بالآداب والعلوم الإنسانية؟ 
هل حان الوقت لاتباع التصنيف الفريد لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بمدينة القنيطرة؟ أليس ذلك بالخيار الأفضل؟ 
وهل التصنيف أصلا سيُحدث فرقا؟أم إن وضعية التاريخ ثابتة مهما تغيرت الألقاب والتصنيفات؟ هل آن الأوان لإصدار حكم نهائي؟ ومن هو المؤهل لإصدار هذا الحكم؟ 
هل الرواد أنفسهم؟ أم نحتاج تقييما موضوعيا خالصا من خارج أبناء التخصص؟

حول المدارس التاريخية

هل يأتي يوم وتتخلى أوروبا -فرنسا وألمانيا بالتحديد- عن جوهرتها المتمثلة في التفوق بالعلوم الإنسانية لصالح جهات أخرى؟ هل هو أمر نتجه إليه حاليا؟ أم إن الأمر قد تم فعلا؟

وإذا كان كذلك، فأي طريق يوجد غير طريق التوجه الأنجلوساكسوني ليحمل المشعل؟ وأي دولة قادرة على دعم هذا الطرح أكثر من الدولة الأقوى اقتصاديا في العالم؟ لكن ماذا سنفعل حينها مع فرنسية مدرسة الحوليات التاريخية؟ وماذا سنفعل أيضا مع قول طه عبد الرحمن مِن أن اللغة الألمانية تتيح إمكانية التفلسف أكثر من غيرها؟

التاريخ واللغات

وبالتوازي مع ذلك، هل هنالك علاقة بين ازدهار وتطور علم معين في قالب لغة معينة؟ إذا افترضنا أن اللغة وعاء، أليست بالضرورة الأوعية مختلفة في الحجم؟ ألا يعني ذلك أن بإمكان التاريخ مثلا أن يتطور في لغة أكثر من لغات أخرى؟ وبالتالي، بما أن اللغة الإنجليزية اليوم هي الوحيدة التي تتجمع فيها صفات العالمية و"اللغة الإنسانية"، هل يمكن أن تحمل -بما أنها ستتدفق فيها الشحنات البشرية المختلفة- مصوغات ترقى بالتاريخ إلى مرتبة لم يبلغها أبدا مع اللغات الإغريقية واللاتينية والعربية والفرنسية والألمانية والإسبانية؟ هل تستطيع الإنجليزية أن تكون تتويجا ليس فقط للتاريخ بل لكل العلوم الإنسانية؟

مكانة التاريخ والمؤرخ

ما موقع التاريخ بين العلوم الإنسانية؟ هل هي مكانة جوهرية؟ أم فقط هو قطعة من بين قطع مهمة؟ وهل هو مهم؟ وما درجة الأهمية؟ أو بالأحرى، هل بقيت له أهمية؟ هل هو عمود إن سقط تسقط البناية؟ أم فقط عمود من بين أعمدة؟ هل إن غاب المؤرخ ينهار المجتمع؟ أم أنه فقط يقدم خدمة مثل النجار والسائق والعامل والجزّار.. إن غاب ستتضرر حياة الناس كثيرا لكنها تستمر؟ هل المؤرخ حاضر اليوم؟ وما درجة تأثيره؟ وكيف يمكن قياس ذلك؟

الكتابة التاريخية والأحداث الراهنة

هل تأكد للجميع الآن أن كتابة المؤرخ في مواضيع عصره تتيح للمؤرخين بَعده الاشتغال على المعرفة بأدوات أكثر عقلانية ومنهجية؟ هل انتهى هذا الموضوع؟ هل اقتنع الجميع؟ لكن، لماذا كل هذا التأخر؟ ولأجل ماذا؟ ألم يتعلم الجميع الدرس من موضوع "بورغواطة" وشُحّ المصادر التي كانت ستؤكد أو تنفي المزاعم الكثيرة؟ أو على الأقل توفر لنا شهادات حية أكثر تنوعا ممن عاشوا في نفس المرحلة داخل المنطقة ومن أهلها؟ هل لا يزال على المؤرخ أن ينتظر 30 إلى 50 سنة أو أكثر ليكتب في قضايا معينة؟ ألم يتغير الحال؟ ألم تظهر معطيات وأدوات جديدة تشعره بأهمية تقليص هذه المدة لأقصى ما يمكن؟

من جهة أخرى، ماذا عن المصداقية والأمانة المرتبطة بالبحث عن الحقيقة؟ كيف يمكن للمؤرخ أن يكتب في موضوع لا تزال نتائجه تتكشّف مرحلة بعد أخرى؟ كيف يمكنه أن يكتب ولم توضع النقطة في حدث معين، إنما مجموعة فواصل فقط؟ هل يقدر مثلا مؤرخ هذا العصر على الكتابة حول حدث اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي في سنة 1963م دون أن ينتظر لحدود سنة 2017م ليطّلع على الأرشيف الجزئي الخاص بالقضية؟ وهل يمكنه أن يعتمد على ذلك فقط؟ أم عليه أن ينتظر سنة 2021م ليطلع على وثائق جديدة أخرى ستُنشر؟ أم إن عليه الانتظار أطول من كل ما سبق حتى تُنشر جميع وثائق التحقيقات مستقبلا؟

الكتابة التاريخية والمستقبل

هل حُسم الأمر بأن مستقبل التاريخ في استعانته أكثر فأكثر بالعلوم المساعدة؟ أم إن مستقبله في العودة عن هذا التشتت والانغلاق على وثائقه؟ 
وإذا كان كذلك، كيف يمكن لهذا الانغلاق أن يتم حتى داخل الوثيقة نفسها، وفحصها يقتضي لوحده الاستعانة بعدة علوم دقيقة؟

هل بات اليوم المؤرخ والباحث في التاريخ ملزما بربط أبحاثه ودراساته بما يسمى علم المستقبليات؟ ما الذي سيخسره المؤرخ إن خصص دراسات حول المستقبل -المتوقع- في ضوء الماضي؟ 
هل هي مغامرة بمستقبله؟ أم إن الأمر أخطر من ذلك وأنها مغامرة بمصداقيته؟ 
لكن ماذا إن أعدنا التأكيد على مسألة "في ضوء الماضي"، هل يستقيم ذلك؟ هل هناك إمكانية للتجربة على الأقل؟

في النهاية، كم يسعنا من الوقت لنجيب عن كل هذه الأسئلة؟

أسئلة شائكة عن مستقبل العالم والعرب والمغرب!



 



عصر البدايات الكبرى: من قراءة الممحي إلى عجز عن قراءة المكتوب!

 عصر البدايات الكبرى: من قراءة الممحي إلى عجز عن قراءة المكتوب!

حلمي الأسمر

"كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي"

نحن لا نعيش مرحلة عادية، ولا حتى أزمة بالمعنى التقليدي الذي اعتدنا عليه في قراءة التاريخ السياسي. 

ما نعيشه اليوم هو لحظة أكثر خطورة وتعقيدا: لحظة بداية ليست بداية واحدة يمكن الإحاطة بها أو تحديد ملامحها بسهولة، بل سلسلة بدايات متزامنة، تتفجر في وقت واحد، كأن العالم قرر فجأة أن يعيد كتابة نفسه؛ لا عبر إعلان نهايات صاخبة، بل عبر تمزيق المسلّمات التي حكمته لعقود طويلة دون أن تُمس. 

والمذهل هنا أن المحللين والكتاب الذين كانوا يتفاخرون بقراءة "الممحي" بدوا عاجزين اليوم عن قراءة المكتوب نفسه، لعمق تعقيد الأحداث وتسارعها، على نحو غير مسبوق في التاريخ البشري. ومع هذا بوسعنا رصد جملة من البدايات الكبرى التي تعين ولو بشكل جزئي على تخيل صورة العالم الذي سيتشكل بعد أن ينحسر غبار الحدث، بل الأحداث الكبرى التي نعيشها.

في فلسطين، لا نشهد تحولا عسكريا فحسب، بل تحولا عميقا في الإدراك العالمي. 

الرواية التي صمدت لعقود، وتغلغلت في الوعي الغربي على وجه الخصوص، لم تعد صلبة كما كانت. ما كان يُعتبر من المسلمات، أصبح اليوم موضع نقاش، بل ورفض. 

الجامعات الأمريكية التي شكلت لعقود حواضن صلبة للدفاع عن إسرائيل، تتحول إلى ساحات احتجاج، والإعلام الذي ظل يردد خطابا واحدا، بدأ -ولو ببطء- يتشقق. 

وحين يخرج صوت من داخل النخبة الإسرائيلية، كصوت الكاتب العبري نداف إيال، متسائلا بمرارة إن كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي، وهو أخطر ما يمكن أن تخسره أي دولة، لأن الدول لا تُهزم فقط حين تُكسر عسكريا، بل حين تنهار الرواية التي تبرر وجودها.

في قطاع غزة، تتجلى المفارقة الأكثر قسوة في هذا العصر؛ قوة عسكرية هائلة، تُصنف ضمن الأكثر تفوقا في العالم، تُستخدم بأقصى درجاتها، وتخلّف دمارا واسعا وكلفة إنسانية صادمة، ومع ذلك لا يتحقق الحسم. هنا لا تكمن الصدمة في حجم القوة المستخدمة، بل في عجزها عن تحقيق الهدف السياسي. هذه هي نقطة التحول الكبرى: لم تعد المشكلة في ضعف القوة، بل في أن القوة نفسها لم تعد كافية. فالمقاومة لم تعد تُقاس بما تملك من أدوات، بل بقدرتها على منع الحسم، وعلى الاستمرار رغم كل شيء، وهذا في منطق الحروب الحديثة ليس مجرد صمود، بل هو شكل جديد من أشكال الانتصار، حتى وإن كان مرا!

تعود فلسطين إلى مركز العالم، ليس كملف سياسي قابل للإدارة، بل كقضية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاوزها. لم تعد مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت مرآة يرى العالم نفسه فيها، بتناقضاته وحدوده. المقاومة، في هذا السياق، لم تعد مجرد فعل عسكري، بل تحولت إلى عنصر يعيد تعريف الصراع نفسه، ويكسر وهم الحسم السريع.

داخل المستعمرة الصهيونية في فلسطين نفسها، لم تعد الأزمة محصورة في السياسة أو في إدارة الحرب، بل تحولت إلى أزمة أعمق تمس البنية الداخلية: أزمة ثقة، وأزمة هوية، وأزمة يقين. جيش قيل إنه لا يُقهر يجد نفسه أمام واقع لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، ومؤسسات كانت تبدو راسخة أصبحت موضع شك وتساؤل. ما كان يُدار في الغرف المغلقة أصبح يُكتب يوميا في الصحف العبرية: خوف من تآكل الردع، وقلق من طول أمد الحرب، وجبهات مفتوحة بلا حسم هنا وهناك، وهواجس من مستقبل لم يعد يشبه الماضي. هذه ليست لحظة انهيار، لكنها بداية أخطر بكثير: بداية شك الدولة بنفسها، والدول لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد ثقتها بذاتها.

لم تعد الحرب تُدار في الميدان فقط، بل أصبحت تُخاض أمام العالم مباشرة. مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد احتكار الصورة أو التحكم في الرواية مقصورا على المنصات "الرسمية"؛ الصور لم تعد تُخفى، والروايات الرسمية لم تعد كافية لإقناع الرأي العام. 

تقارير منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى جانب الاحتجاجات المتزايدة في العواصم الغربية، تشير إلى تحول أعمق: الصورة التي بُنيت عبر عقود لم تعد تعمل كما كانت، بل بدأت تتآكل تحت ضغط الواقع المنقول لحظة بلحظة، بل إن منصات الإعلام الشعبي نافست منصات الإعلام المحترف في نقل الحدث بصورة أكثر سرعة وبدون أي عمليات "مونتاج" أن تجميل، وما يخفيه الرسميون فضحه الشعبيون!

في الخليج العربي لا تُعلن التحولات بصوت مرتفع، لكنها تحدث بوضوح لمن يقرأ ما وراء السطور. لم يعد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة خيارا مطلقا، بل بدأت دول المنطقة في إعادة حساباتها، عبر تنويع الحلفاء وتوزيع المخاطر. لا أحد يعلن القطيعة، لكن الجميع يعيد التموضع بهدوء، وهذه في حد ذاتها بداية تحول استراتيجي عميق.

في العالم العربي لم يعد الشارع كما كان، لم يعد يكتفي بتلقي الروايات الرسمية، بل أصبح يرى ويقارن ويسأل. والسؤال هنا أخطر من الاحتجاج، لأنه يعكس بداية تآكل الهيبة المعنوية للأنظمة

لم تعد الشرعية تُفرض بالصمت، بل أصبحت بحاجة إلى إقناع، ومع كل مشهد يُبث من ميادين الصراع، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

أما في إيران، فتكشف التجربة مفارقة تاريخية لافتة؛ فبدل أن يؤدي الضغط الخارجي إلى إضعافها، ساهم في إعادة ترتيب تماسكها الداخلي وتعزيز حضورها الإقليمي. من مضيق هرمز إلى عمق الإقليم، تثبت إيران أنها لاعب لا يمكن تجاوزه، وأن محاولات احتوائها لم تؤدِّ إلى إقصائها، بل إلى إعادة تشكيل دورها.

ووسط كل هذا المشهد المعقد، تتكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية نفسها، ليس عبر هزيمة مباشرة، بل عبر عجز متكرر عن فرض الحسم. 

فالتجارب الممتدة من حرب العراق إلى الحرب في أفغانستان، وصولا إلى الاشتباك المتوحش مع إيران، تشير إلى نمط واحد: قدرة هائلة على التدمير، مقابل صعوبة متزايدة في فرض نتائج سياسية نهائية. لم تعد القوة الأمريكية قادرة على انتزاع "الراية البيضاء" كما في حروب سابقة، بل تجد نفسها أمام خصوم يعتمدون على الصمود، وتفكيك المعركة إلى مساحات استنزاف طويلة. وهذه المفارقة أعادت إنتاج نفسها في قطاع غزة، حيث لم ينجح التفوق العسكري الإسرائيلي -رغم امتداده وتكلفته الهائلة- في كسر إرادة المقاومة أو فرض استسلام كامل. 

هنا يتقاطع المشهدان: قوتان من الأكثر تفوقا في العالم، تواجهان الحقيقة نفسها؛ أن الحسم العسكري لم يعد كما كان، وأن القوة، مهما بلغت، لم تعد كافية وحدها لإخضاع الخصم أو إنهاء الصراع.

العالم اليوم ليس في حالة فوضى كما يبدو، بل في حالة مخاض لنظام جديد. لم يعد القطب الواحد قادرا على إدارة التوازنات، ولم تتشكل بعد قواعد نظام متعدد المراكز. نحن في مرحلة انتقالية، تتفكك فيها التحالفات القديمة، وتتشكل فيها ملامح قوى جديدة، دون أن يستقر المشهد بعد

ثمة وعي جديد يتشكل في العالم العربي وخارجه، لم يعد الناس متلقين سلبيين، بل أصبحوا جزءا من صناعة الرواية، ومن التأثير في مسار الأحداث. هذه هي النقلة الأخطر: انتقال القوة من يد واحدة إلى وعي جماعي متحرك، يصعب السيطرة عليه أو احتواؤه بالوسائل التقليدية.

في المحصلة، هذه ليست نهايات كما قد يظن البعض، بل بدايات قاسية لعالم مختلف؛ عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية، ولم تعد فيه الرواية مضمونة، ولم يعد فيه الحسم ممكنا كما كان. في زمن التحولات الكبرى لا تسقط القوى لأنها ضعيفة، بل لأنها تكتشف متأخرة أن العالم الذي صنعت فيه قوتها قد تغيّر. 

والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة ليس من الأقوى، بل من يفهم أن قواعد القوة نفسها قد انتهت.. قبل أن تنتهي به.

وفي قلب هذا التحول المتسارع، يبرز تصريح لافت للزعيم الألماني فريدريش ميرتس كعلامة دالة لا يمكن تجاهلها؛ إذ لم يكن مجرد تعليق عابر على مسار تفاوضي متعثر، بل هو تعبير مكثّف عن حالة قلق أوروبي آخذة في التفاقم؛ حين يقول إن الولايات المتحدة "تُذلّ" من قبل القيادة في إيران، فهو لا يصف واقعة دبلوماسية بقدر ما يكشف خللا أعمق في ميزان الفعل والتأثير داخل التحالف الغربي نفسه. 

فالقضية هنا ليست تفوقا إيرانيا مطلقا، بل قدرة طهران على إدارة لعبة الاستنزاف ببرود أعصاب، مقابل ارتباك أمريكي ينعكس مباشرة على حلفائها.

الأوروبيون، الذين يدفعون فاتورة كل تصعيد دون أن يملكوا قرار إشعاله أو إطفائه، بدأوا يرفعون الصوت:  ليس دفاعا عن واشنطن، بل احتجاجا على نموذج قيادة يجرّهم إلى أزمات مفتوحة بلا أفق. من هنا، يبدو تصريح ميرتس وكأنه بداية كبرى للحظة انكشاف، حيث تتعرّى فجوة المصالح داخل المعسكر الواحد، ويتحوّل "التحالف" من كتلة صلبة إلى بنية قلقة، تتآكل من داخلها مع كل جولة فشل جديدة.


علماء التصنيف الحيوي يملكون عناداً يثير الأعصاب

 علماء التصنيف الحيوي يملكون عناداً يثير الأعصاب

د. محمد علي يوسف 

حين تصرخ في وجوههم بأن هذا الكائن الداكن الذي يتدلى من زوايا غرفتك هو قطعا «حشرة» يرمقونك بازدراء أكاديمي ويخبرونك بحسم ليس حشرة.. أنه من «العنكبيات» (Arachnids)، والسبب البسيط أنه يملك ثمانية أرجل ولا يحمل قرون استشعار!

حسنا… في قرارة نفسك لن تفرق معك التسمية الأكاديمية.. ستنظر إليه على أنه حشرة.. وستعامله على أنه حشرة وستحاول جاهدا إزالة شبكته إذا تكونت في بيت مغلق أو غرفة مهملة ولا أظنك ستلتفت كثيرا إلى سجلات الانبهار العلمي التي سيفتحها العلماء الذين أنكروا حشريته حين يحدثوك عن خيوطه.

لكن صدقني لو تأملت تلك السجلات والحقائق فستنبهر..

انبهارك سينبع أساسا من بديع صنع الله في هذا المخلوق أياً كان الوصف الذي ستطلقه عليه..

هذه الخيوط الشفافة تتفوق على الفولاذ نسبةً إلى وزنها في قوة الشد، وتتجاوز «الكيفلار» المضاد للرصاص في مرونتها.

  لو افترضنا أن هذا الخيط الذي يبدو واهيا ضُفر منه كابل بسمك قلم الرصاص، فتشير الحسابات النظرية إلى قدرة تحمل مذهلة يمكنها إيقاف مركبة مسرعة!

تصور..

بيت العنكبوت هو بناء هندسي فائق التعقيد والمتانة، يقف أمامه العلم الحديث مشدوهاً.

بعد أن تتجاوز مرحلة الانبهار ببديع صنع الله الذي أتقن كل شيء.. ستتجلى لك صدمة عميقة في السورة التي حملت اسم هذا الكائن العجيب

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)} 

(سورة العنكبوت)

كيف يكون الأوهن وهو المبني من أحد أقوى المواد الحيوية على وجه الأرض؟

الإجابة يا عزيزي تكمن في الفارق الشاسع بين «قوة المادة» و«حقيقة المأوى».

البيت في تعريفه الفطري هو ملاذ..

جدار يصد الريح..

سقف يمنع المطر، وحصن يرد الأعداء.

ومأوى تسكن إليه..

بيت العنكبوت على قوة مادته يخلو تماما من كل هذه الصفات.

 هو هيكل مكشوف، لا يقي حراً ولا برداً، وتكفي تمريرة عابرة من يدك أو مكنستك لتمزيقه وتحويله إلى عدم..

بيت العنكبوت هو مجرد «فخ» أُقيم لاصطياد الآخرين، ويفتقر لأدنى مقومات الحماية لصانعه.

الأعجب أن الوهن يتجاوز هشاشة المعمار ليصل إلى قاع الروابط الاجتماعية.

في عالم العناكب، أسوأ مكان يمكن أن تتواجد فيه هو هذا “البيت”.

في بعض فصائل العناكب؛ تلتهم الأنثى ذكرها فور انتهاء التلقيح..

في أحيان أخرى الأبناء يغتالون الأم بمجرد خروجهم للحياة.

نحن نتحدث عن بيت تأسست جدرانه على الخيانة والقـ.تل المتبادل.

أي بيت هذا؟

لا سكن ولا مأوى ولا حماية..

مجرد هيكل لجذب الفرائس

هذا هو التشريح الدقيق لمن يعتمد على قوة من دون الله.

الذي يرتهن للمال، أو الجاه والمنصب، أو شبكات النفوذ البشري هو يعيش الوهم ذاته.

إن القوة الظاهرية للمادة لا تصنع أماناً إن انقطعت عن مدد السماء.

وكل حصن يُرفع بعيداً عن ركن الله الشديد = مجرد شبكة خادعة، تنهار أركانها على من احتمى بها عند أول اختبار حقيقي.

من يتجاهل تلك الحقيقة سيشيد حول نفسه حصوناً تبدو في ظاهرها صلبة كخيوط الفولاذ، ويتوهم أنه أحكم نسج روابط لا يمكن اختراقها وستكفل له الأمان الدائم وتصد عنه تقلبات الأيام.

وعند أول هبة حقيقية لعواصف القدر وحين يشتد الاحتياج إلى الملاذ الآمن ستتجلى الفاجعة ويكتشف المحتمي بتلك الجدران المادية أن ما شيده لم يكن سوى خيوط واهية تتطاير في الفراغ العريض.

عندئذ سيدرك أن القلاع التي احتمى بها كانت قصورا على الرمال لن تلبث إلا وتنهار وتتركه للعراء.. وأن من احتمى بهم من بشر ربما يكونون أول من ينهش لحمه لتأمين بقائهم ومصالحهم..

تماماً كما تقتضي قوانين ذلك البيت الواهن.

بيت العنكبوت..

صناعة الوعي «حاجتنا إلى ضبط البوصلة»

صناعة الوعي «حاجتنا إلى ضبط البوصلة»
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

أي شعب في هذا الكوكب تحتل أرضه، وتسلب ثرواته، فإن بوصلته ستتجه تحديدا إلى هذا المحتل، وستتشكل قضيته الأساس من خلال هذه البوصلة.

هكذا تشكلت ثورة الجزائريين ضد المحتل الفرنسي، وثورة الليبيين ضد المحتل الإيطالي وثورة الفلسطينيين ضد الكيان اللقيط، وثورة السوريين ضد نظام الأسد وجنرالات الحرس الثوري، وبكل تأكيد فالعراق ليس استثناء فلقد ثار على الاحتلال البريطاني، ثم الاحتلال الأمريكي الأخير.

اليوم يعاني كثير من العراقيين من فقدان البوصلة، حيث تمكنت إيران من احتلال العراق بالتنسيق مع المحتل الأمريكي، ولا زالت تتحكم في كل صغيرة وكبيرة فيه، وعمدت على تدمير إمكانياته الاقتصادية ومؤسساته العلمية، ونشر كل أسباب التخلف والتفرّق والضياع.

وهذا يقتضي أن يتحمل قادة الرأي في المجتمع العراقي مسؤوليتهم في توعية الناس بحقيقة ما يراد بهم وببلدهم، وإلا فإن العراق سيضيع بكل تاريخه وحضاراته وإمكانياته.

تخيل أن شعبا حباه الله بكنوز الثروات فوق الأرض وتحت الأرض، ولكنه يعيش حالة مزرية من الفقر وتهديم البنى التحتيّة، والعصابات المتحكمة فيه تتبجح علنا؛ (كلنا حرامية) ومع هذا ترى من يشغل نفسه من هؤلاء المساكين بانتقاد الدول التي تنعم بالاستقرار والرفاهية! 

وربما بسبها وشتمها! والغريب أنه بهذا يتماهى مع الجهة التي تحتل بلده وتتحكم بمصيره!

تخيّل أيضا أن مجتمعا يقبع عشرات الآلاف من أبنائه في المعتقلات الرهيبة، والذين تقدم وجبات منهم كل شهر إلى مقصلة الإعدام، فإذا ارتفع صوت لاستنكار هذه الجرائم يأتيك الرد ربما من بعض أقرباء هؤلاء الضحايا؛ بأنه علينا أن نكون (موضوعيين) و (متوازنين)،

كيف؟ لماذا لا تنتقدون الدول الأخرى التي فيها اعتقالات أيضا؟ يعني هو فوق المصيبة التي هو غارق فيها يريد أن يفتح عليه عداوات مع كل دول المنطقة وشعوبها وربما كل دول العالم، وقد نبهت إلى هذا (الجنون) بمقالة سابقة (لا تلفوا الحبال على أعناقكم).

من المحزن هنا أن ترى العراقي المذبوح، من الممكن أن يتكلم في أية قضية عدا قضيته، وأنا أقصد هذه الفئات المغيّبة والمضللة، والتي تخضع في الغالب إلى تثقيف مشبوه، وتوعية منكوسة.

💥أذكر قبل سنوات حضرت تجمعا كبيرا من أهل العلم والفكر، فتكلم كل أهل بلد بقضيتهم، وكاد أن ينفضّ اللقاء دون ذكر اسم العراق! 

فقال أحد العلماء المصريين -جزاه الله خيرا-: يا جماعة كأننا نسينا شيئا اسمه العراق، فرد عليه كبير العلماء (المحسوب على العراق والعراقيين): مشكلة العراق مشكلة طويلة ومعقدة، ولا ينبغي الخوض فيها.

💥سألني أحد الشباب العراقيين بحرقة؛ لماذا خطباء المساجد في كل العالم الإسلامي يدعون بالرحمة لكل الشهداء إلا شهداءنا، ويدعون بالتفريج عن الأسرى والمعتقلين إلا أسرانا ومعتقلينا؟ 

قلت وهل يعلم بشهدائكم وأسراكم أحد؟ وهل ترى أن منشورا هنا، ومقالة هناك يمكن أن تؤسّس لوعي عام بحقيقة مأساتكم؟

إن النموذج الأمثل لضبط البوصلة الصحيحة هو تجربة إخواننا السوريين، فقد حدّدوا هدفهم بدقّة، واستجمعوا طاقاتهم نحوه، ولم ينشغلوا بأية مشكلة خارجية إلا بالقدر الذي يخدم قضيتهم.

ليس معنى هذا أننا نفقد شعورنا كأمة، لا، بل إن تحرر أي شعب من شعوب أمتنا سيكون رافعة للأمة كلها، والذي لا يستطيع أن يعتق رقبته كيف يطلب منه أن يفك القيد عن رقاب الآخرين. 

نعم باستطاعته أن يصفق لأي قضية لا تتعارض مع سياسة جلاديه، لكنه تصفيق لا ينفع تلك القضايا بحال، بينما يستفيد منها المجرمون في تأكيد أن البلاد لا تعاني من شيء، وأن حرية التعبير وحتى المظاهرات مكفولة للجميع!

أكرر هنا أن السوريين رغم معاناتهم الطويلة والضخمة (أكثر من مليون شهيد، وأكثر من عشرة ملايين مشرد، وبلد مهدم بالكامل) ورغم تقصير العرب والمسلمين تجاههم، إلا أني لم أسمع منهم من يسب أو يشتم عربيا أو مسلما إلا من يرتبط بالمليشيات الإجرامية ويدافع عنها. 

وهذا يكفي لبيان معنى ضبط البوصلة التي تحتاجه شعوبنا المنكوبة خاصة في العراق واليمن ولبنان.

ربما تكون الفرصة سانحة الآن لتحقيق قدر من الانفراج، في ظل التدافع الذي يعصف بمنطقتنا، لكن هذه الفرصة لمن يمتلك قضية ورؤية، ويعرف ماذا يريد.