الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

هل بدأت معركة تحرير اليمن؟

 هل بدأت معركة تحرير اليمن؟

 . حسن الرشيدي

هل ما تشهده اليمن من تطورات عسكرية بين الحكومة اليمنية الشرعية ومليشيا الحوثي هو معركة الحسم، أم أن الحرب بين الطرفين ما زالت سجالا، وما هي ظلال تلك التطورات إقليميا ودوليا؟



"تم اتخاذ القرار لتحرير صنعاء وحُسم الأمر"



هذا تصريح لمساعد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن

 سمير الصبري، تناقلته وسائل الإعلام، وتم بثه عبر

 التلفزيون الحكومي اليمني يوم الاثنين السابع من

 سبتمبر، ونُقل حرفياً في تقارير وكالات ومواقع

 إخبارية بصيغ متقاربة.

فمنذ عدة أيام تتوارد الأنباء عن هجوم على عدة

 محاور، يقوم فيها الجيش اليمني بتحرير المحافظات

 التي يسيطر عليها الحوثي وميليشياته العسكرية.

والغريب في الأمر أن الهجوم الذي قام به الجيش

 اليمني، كان قد سبقه هجوم شنه الحوثي على مدينة

 المخا ومحاولة الوصول إلى باب المندب والسيطرة

 عليه.

فهل جاءت هجمات الشرعية في اليمن كرد فعل على

 هجوم الحوثي؟ أم أن الأمر كان مخططًا له منذ عدة

 أسابيع، ومحاولة بسط الشرعية سيادتها على كامل

 أرجاء اليمن وتحريرها من سيطرة الحوثي، وقطع

 الذراع الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية، وعندما

 أدرك الحوثي بخطة التحرير تلك، أراد استباق

 الهجوم الذي كان يعد له، ويحدث خلخلة في حسابات

 المهاجمين؟

أم أن الأمر لا يعدو إلا أن ما جرى هو جولة قتال بين

 الطرفين، اعتاد اليمنيون عليها كل فترة وأخرى؟

هجوم المخا.. بداية المعركة أم محاولة 

لإجهاضها؟



لكي نعرف الأهداف التي كان يبتغيها الحوثي من الهجوم على المخا، لابد من استعراض تفاصيل ما حدث:

بدأ الهجوم الحوثي البري والصاروخي على محور المخا والتي تقع إداريا داخل محافظة تعز يوم الخميس 3 سبتمبر، وتطور خلال اليومين التاليين إلى أشرس اشتباكات في الساحل الغربي منذ سنوات، مع محاولة قطع طريق تعز–المخا والاقتراب من الميناء ومضيق باب المندب.

ونشر الإعلام العسكري الحكومي، بأن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً بالستياً استهدفت مدينة المخا ومديرية الخوخة (الحديدة)، مع تركيز على المخا.

وحاول الحوثيون التقدم عبر جبال مقبنة وغربي تعز نحو طريق المخا، في محاولة لقطع شريان الإمداد الاستراتيجي بين تعز والميناء.

ولا توجد أرقام رسمية موثقة لعدد المقاتلين الحوثيين المشاركين في الهجوم؛ التقارير المتوفرة تذكر فقط أن الهجوم واسع النطاق، وأنه الأول من نوعه منذ سنوات، مع استخدام مدفعية ثقيلة وصواريخ بالستية ومسيرات. بعض التقارير تشير إلى أن الحوثيين هاجموا من ثلاثة اتجاهات في منطقة البرح (قرب الحديدة/المخا)، ما يوحي بهجوم متعدد المحاور، لكن دون تفصيل عددي.

المكاسب التي حققها الحوثيون (وفق التقارير المتاحة)، أنه خلال 48–72 ساعة من بدء الهجوم، تمكّن الحوثيون من الاشتباك على محاور غربي تعز ومحاولة قطع الطريق إلى المخا، لكن معظم المصادر تؤكد أن القوات الحكومية صدت محاولات الاختراق الرئيسية واستعادت تلالاً ومواقع استراتيجية.

وخلال نحو 48 ساعة، انتقلت المعارك من تعز والساحل إلى تحريك نحو سبعة محاور بدرجات مختلفة في تحركات متزامنة تمتد من الجوف وحرض إلى مأرب وتعز والحديدة والبيضاء ولحج.

ولكن كان أخطرها محوران:



أولا:
الجوف، وهي أخطر تطور جديد. تقع شمال شرق صنعاء وملاصقة للسعودية، لكن الجزء الغربي منها يدخل مباشرة في عمق مناطق الحوثيين. وبعض الأنباء تتحدث عن سيطرة القوات الحكومية على معسكر اللبنات وتتقدم باتجاه الحزم، مركز المحافظة. إذا سقطت الحزم واستمر التقدم بعدها، فلن يعود الأمر مجرد استعادة أرض في الجوف، بل فتح ضغط حقيقي على الحوثيين من الشرق.

ثانيا: البيضاء، في وسط الخريطة تقريبا. وأهميتها أنها تقع بين صنعاء ومأرب وشبوة والجنوب؛ ولذلك هي عقدة جغرافية تربط عدة مناطق. لكننا ما زلنا أمام تقدم أولي وليس اختراقا عميقا للمحافظة.

بهذه التفاصيل نستطيع أن نستنتج أن الحوثيين عبر هجومهم الأخير باتجاه مدينة المخا سعوا إلى تحقيق هدف جيوسياسي مزدوج: إعادة فرض التهديد المباشر على مضيق باب المندب الممر المائي الأكثر أهمية إقليمياً ودولياً، وتشتيت كتل القوات التابعة للشرعية المتركزة في الساحل الغربي.

لقد راهن الحوثي على أن ضربة خاطفة في هذه المنطقة الاستراتيجية ستعيد ترتيب أوراق اللعبة وتفرض واقعاً تفاوضياً جديداً يمنحه اليد العليا.

​غير أن التحول الدراماتيكي لم يكن في الهجوم الحوثي ذاته، بل في طبيعة الرد الذي قدمته قوات الشرعية. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع الموضعي أو امتصاص الضربة في حدود جغرافية ضيقة، انطلقت عمليات معاكسة ومكثفة شملت محاور قتالية متعددة في مأرب، والجوف، والبيضاء، وتعز، ولحج. هذا الاتساع السريع في جبهات المواجهة ينفي فرضية العشوائية ويؤكد أننا أمام تحرك يتجاوز مجرد الاشتباك المحلي المحدود.

هل هي خطة جرى العمل عليها من شهور؟


قراءة التحركات الميدانية والعسكرية التي سبقت

 المعارك الأخيرة، تكشف عن إجراءات ووقائع مثبتة

 بقرارات رسمية وتغيرات على الأرض، تُظهر أن

 الحكومة الشرعية اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي كانا

 يعيدان بناء أدوات الحسم الشامل، والانتقال من

 وضعية إدارة الصراع إلى وضعية فرضه فرضاً.


تتلخص أبرز الوقائع والحقائق الموثقة التي

 سبقت المعركة في المحاور التالية:

أولاً: الوقائع العسكرية وتوحيد غرفة

 القيادة والسيطرة

١- تفعيل هيئة العمليات المشتركة:



فقد صدر قرار رئاسي بإنشاء وتفعيل هيئة العمليات

 المشتركة ومقرها العاصمة المؤقتة عدن تحت

 إشراف وزارة الدفاع. هدف هذا القرار دمج كافة

 التشكيلات العسكرية (الجيش الوطني، ألوية العمالقة،

 قوات المقاومة الوطنية، حراس الجمهورية، ألوية

 درع الوطن، والمقاومة التهامية) تحت هيكل قيادي

 وعملياتي موحد لإلغاء حالة التشتت الجغرافي

 والفصائلي.

 ٢-التوسع الميداني لقوات درع الوطن:


شهدت الأشهر السابقة انتشارات عسكرية متتالية لقوات درع الوطن (المشكّلة بقرار رئاسي وتتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة مباشرة). تضمنت العملية تسليم هذه القوات مقرات استراتيجية وتأمين الخطوط الواصلة بين عدن، لحج، والضالع، بالإضافة إلى فتح خطوط تماس جديدة مع الحوثيين ومساندة جبهات تعز والحديدة.

٣- المناورات وتكثيف التدريب وتخرج 

الدفعات النوعية:


شهدت المناطق العسكرية (الثالثة والرابعة والرئيسية في مأرب والساحل الغربي) تخرج عشرات الدفعات العسكرية المتخصصة في حرب العصابات، تكتيكات الاقتحام، وسلاح المدفعية والتأمين الخاطف، مع إجراء مناورات بالذخيرة الحية أُعلن فيها صراحة عن محاكاة اقتحام الجبال والسيطرة على المدن الكبرى (في إشارة إلى صنعاء).

٤- ربط مسار الساحل الغربي بمأرب 

والجوف:


تم فتح قنوات إمداد وتنسيق لوجستي مباشر وميداني بين قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي (بقيادة طارق صالح)، وبين قيادة الجيش الوطني في مأرب والجوف، مما سمح بربط محور الغرب بمركز الشمال عسكرياً لأول مرة منذ سنوات.

ثانياً: المعركة الاقتصادية (خنق شبكات

 الحوثي المالية)

١- قرارات البنك المركزي في عدن لنقل

 القطاع المصرفي:


أصدر البنك المركزي اليمني في عدن قرارات صارمة تلزم كافة البنوك التجارية والإسلامية بنقل مقراتها الرئيسية وعملياتها من صنعاء الخاضعة للحوثيين إلى العاصمة المؤقتة عدن. وتبع ذلك حظر التعامل مع البنوك غير الملتزمة وإيقاف تحويلاتها عبر نظام سويفت الدولي.

٢- سحب البساط النقدي وإلغاء العملات القادمة:


استكمل البنك المركزي نقل المنظومة المصرفية وإلغاء التعامل بالعملات الورقية الصادرة عن سلطات الانقلاب، مما أدى إلى تجفيف شريان المعاملات المالية الضخمة التي كانت تستغلها الجماعة لتمويل مجهودها العسكري، وتسبب في أزمة شلل مالي للمؤسسات التابعة لها في صنعاء.

٣- سحب إيرادات المؤسسات السيادية:


اتخذت الحكومة الشرعية قرارات بوقف تحويل إيرادات شركة الطيران الوطنية اليمنية ومؤسسات الاتصالات والقطاعات الخدمية إلى الحسابات الخاضعة لسلطة الحوثي في صنعاء، وإلزام الشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية بالتعامل المباشر مع الوزارات والجهات التابعة للشرعية في عدن.

الحسابات الإقليمية



السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا يريد الحوثي؟ وماذا تريد الشرعية؟ بل: ماذا تغير في البيئة الإقليمية حتى أصبح تحريك الجبهة اليمنية ممكنًا الآن بعد سنوات من الجمود؟

لفهم ما يجري في اليمن الآن، لا يكفي النظر إلى خطوط القتال الداخلية أو إلى تحركات الحوثيين والجيش التابع للشرعية بمعزل عن محيطهما الإقليمي. فقد ظل الصراع اليمني لسنوات قائمًا على توازن عسكري وسياسي بالغ التعقيد؛ الحوثيون يسيطرون على الجزء الأكبر من المناطق ذات الكثافة السكانية، والقوى المناوئة لهم تملك من القوة ما يكفي لمنعهم من حسم الحرب، لكنها لم تكن تملك الظروف اللازمة لقلب المعادلة بالكامل. وهكذا استقر الصراع عند حالة من الجمود، تتخللها جولات من القتال، دون أن يمتلك أي طرف القدرة أو الإرادة على الذهاب إلى معركة حاسمة.

لكن الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة غيّرت البيئة التي نشأت فيها هذه المعادلة. فقد دخلت إيران المواجهة وهي مطالبة بإدارة عدد من الجبهات والأذرع التي بنت عليها نفوذها الإقليمي، في وقت تعرضت فيه قدرتها على الحركة والرد لضغوط عسكرية مباشرة. ولم يعد اليمن بالنسبة إلى إيران جبهة منفصلة يمكن دعمها بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب؛ بل أصبح جزءًا من حسابات أكبر تتعلق بحجم الموارد المتاحة، وأولويات الرد، والحفاظ على ما تبقى من أدوات القوة الإيرانية في المنطقة.

وانعكس ذلك بصورة مباشرة على الحوثيين. فالقوة التي سمحت لهم بالحفاظ على مواقعهم طوال السنوات الماضية لم تكن ناتجة عن قدراتهم الذاتية وحدها، وإنما ارتبطت أيضًا بوجود بيئة إقليمية وفرت لهم قدرًا من الحماية والدعم والقدرة على المناورة. ومع تغير هذه البيئة، أصبح استمرار الوضع السابق أقل ضمانًا، وظهرت أمام خصوم الحوثيين فرصة لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة والدول الإقليمية أصبحوا أكثر اهتمامًا بإعادة ضبط الوضع في البحر الأحمر، خصوصًا بعد أن تحول الحوثيون إلى عنصر مؤثر في أمن الملاحة وفي الصراع الإقليمي الأوسع. ومن هنا اكتسب الساحل الغربي اليمني وباب المندب قيمة تتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية؛ فإضعاف الحوثيين في هذه المنطقة لا يعني فقط استعادة أراضٍ يمنية، وإنما يعني أيضًا تقليص إحدى الأدوات التي يمكن لإيران استخدامها للتأثير في البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية.

وبذلك تكون الحرب الأمريكية الإيرانية قد وفرت عاملًا خارجيًا جديدًا أخلّ بالتوازن الذي أبقى الحرب اليمنية في حالة جمود. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة، أو أي قوة إقليمية قررت بالضرورة خوض معركة تحرير اليمن نيابة عن الشرعية، وإنما يعني أن الظروف التي كانت تجعل تغيير خريطة السيطرة صعبًا أصبحت أقل صلابة.

وقد تكون القوى الإقليمية المناوئة للحوثيين قد أدركت أن نافذة الفرصة التي فتحتها التطورات الإقليمية لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، فبدأت في استثمارها عسكريًا.

ويعزز هذا الطرح، الإعلان عن تحالف مكة الدفاعي، والذي أصبح عاملا محفزا للقوى الإقليمية المؤثرة للتدثر برداء قانوني، والدخول في صراع إنهاء ملف الحوثي في اليمن.

ومن هذه الزوايا، يصبح توقيت هجوم الحوثيين على المخا أكثر دلالة؛ إذ يمكن النظر إليه باعتباره محاولة للحفاظ على المبادرة العسكرية في لحظة بدأت فيها موازين القوى المحيطة باليمن في التحول.

كما يصبح الرد الواسع للشرعية مفهومًا بصورة مختلفة: ليس مجرد رد على هجوم حوثي، وإنما ربما استثمار للحظة إقليمية جديدة تسمح للمرة الأولى منذ سنوات بمحاولة تغيير قواعد اللعبة نفسها.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

كأن قنبلة نووية سقطت في قلب الاتحاد الأوروبي.. لقد انهار الاتحاد الأوروبي والمحور الألماني الفرنسي..

كأن قنبلة نووية سقطت في قلب الاتحاد الأوروبي.. لقد انهار الاتحاد الأوروبي والمحور الألماني الفرنسي.. 
ليس ما يحدث صعودًا لليمين المتطرف بل تعبيرًا عن سعي الشعب الألماني إلى تعزيز قوته.. 
أنظمة رهينة وقادة رهائن.. هكذا بدأت الحربان العالميتان أيضا

إبراهيم قراغول



أثار فوز حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) اليميني المتطرف بنسبة 44 في المئة في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت صدمة كبرى في أوروبا، بالنظر إلى مكانة ألمانيا بوصفها القوة المهيمنة على الاتحاد الأوروبي.


كأن قنبلة نووية سقطت في مركز الاتحاد الأوروبي. وأنا على يقين بأن جميع الدول الأعضاء منشغلة الآن بتحديد الموقف الذي ستتبناه في مرحلة ما بعد الاتحاد، وبصياغة خططها الوطنية لتلك المرحلة.

انهيار المحور الألماني-الفرنسي وفكرة الاتحاد الأوروبي

إن صعود الحزب من مستوى الولاية باتجاه الحكم الاتحادي يدل على أن تراجع ألمانيا عن فكرة الاتحاد وعودتها إلى السياسات الوطنية بلغا نقطة اللاعودة. ويبدو أن تمكّن اليمين المتطرف، رغم كل محاولات عرقلته، من أن يصبح الحزب الأول في إحدى الولايات، سيدشّن مرحلة سياسية تاريخية تغيّر محور أوروبا بأكملها.


ومن خلال التصريحات التي أدلى بها حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) عقب انتصاره في الانتخابات، يبدو أنه عازم على إسقاط الحكومة بحلول عيد الميلاد. وهذا ليس تطورًا سياسيًا داخليًا، ولا مجرد شأن ألماني، بل يعني انهيار فكرة الاتحاد الأوروبي، وجميع المؤسسات التي شُيّدت، والمحور الألماني-الفرنسي.

جميع الدول الأوروبية ستبحث عن مسارات جديدة


إن انهيار المحور الألماني-الفرنسي يعني انهيار الاتحاد الأوروبي. فدول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا وإسبانيا، كانت قد فقدت الأمل أصلًا في الاتحاد، فيما كانت بريطانيا قد غادرته بالفعل.

إن دلالات ما حدث في ألمانيا وما سيعقبه من تطورات ستدفع جميع الدول الواقعة خارج المجال الطبيعي لألمانيا إلى البحث عن خيارات جديدة.

وبالنظر إلى خطط حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) ومقترحاته قبل الانتخابات وبعدها، فإن الأسوأ بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي لم يأتِ بعد، كما أن ألمانيا مقبلة على تحول أكبر بكثير. وبات واضحًا أن تهديد ميرتس بقوله «سنحظره» لن تكون له أي جدوى.

«سنخرج من الاتحاد الأوروبي ونتفق مع روسيا»


ماذا يقولون؟ 
«سنخرج من الاتحاد الأوروبي. سنخرج من منطقة اليورو. سنعقد السلام مع روسيا، ونعيد فتح خطوط النفط والغاز الطبيعي. لقد دمّرت حرب أوكرانيا الاقتصاد الألماني، وسنوقف هذا الدعم. وسنرحّل جميع المهاجرين».

سنغيّر المناهج الدراسية، وسنمنع تقديم الحقبة النازية في المدارس بصورة سلبية، من خلال اعتماد نهج «مزيد من بسمارك، وقدر أقل من هتلر».

«سيُردَّد النشيد الوطني كل يوم»

ستُحظر
أعلام مجتمع الميم، وسيُعتمد تعليم قائم على حب الوطن، وسيُرفع العلم الألماني على السارية يوميًا في المدارس، وسيُردَّد النشيد الوطني. كما سيُوقَف تمويل المشاريع الفنية والثقافية المصنفة على أنها «معادية لألمانيا».

ستُنشأ «شرطة شعبية» مستقلة، وستحظى الأسرة بالتشجيع والحماية. وستُزال موضوعات مثل «التنوع الجنسي» بالكامل من المدارس. كما ستُصنّف حركة أنتيفا وجميع التنظيمات التابعة لها منظمات إرهابية.

ستُلغى
الحصص المفروضة للسيارات الكهربائية، وسيُوقف الدعم الحكومي المقدم لها. وستُخفّض الضرائب، ويُقلّل العبء البيروقراطي، وتُدعم الشركات الصغيرة…»

العودة إلى المبادئ نفسها التي قامت عليها ألمانيا النازية

تشير هذه البنود وما شابهها إلى عودة كاملة إلى السياسات الداخلية والخارجية والاقتصادية، وإلى نمط العلاقات الدولية الذي ساد في عهد ألمانيا النازية.

وتقول زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD)، أليس فايدل: 
«خلال أول 100 يوم لي، سأغلق الحدود، وألغي المساعدات الاجتماعية المقدمة للمهاجرين، وأنفّذ أكبر عملية ترحيل في ألمانيا».

أوروبا التي أصبح قادتها وحكوماتها رهائن!

يقول المستشار الألماني ميرتس
إنهم سيعودون إلى قواعد مشددة لمنح الجنسية، وسيفرضون قيودًا على حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) أيضًا، في محاولة للحد من تأثير هذا التسونامي. لكنني أعتقد أن أوان ذلك قد فات.

لقد ضاق الشعب الألماني ذرعًا بغياب القيادة وبالسياسات التي تفتقر إلى الشخصية منذ وقت طويل، فاتجه نحو اليمين المتطرف، وبدأ، من أجل ألمانيا، بمعاقبة النخبة العولمية.

كان هذا متوقعًا في الواقع، فاليمين المتطرف كان يصعد في جميع أنحاء أوروبا. وكانت الأنظمة الأوروبية والنخب الحاكمة الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة وإسرائيل والعولميين تثير قدرًا متزايدًا من الكراهية. وكانت الدول قد أصبحت رهينة من خلال هؤلاء الحكام، فيما بلغت المشاركة في الانتخابات أدنى مستوياتها بسبب اليأس.


كيف استطاعت بريطانيا أن توكل هذه الحرب إلى الألمان؟

جاء هذا التطور تحديدًا في الأيام التي وصلت فيها روسيا وألمانيا إلى شفا الحرب، وفي الفترة التي انتشرت فيها مزاعم سقوط مسيّرات روسية على محطات الطاقة الألمانية، وحين بدأت الأزمة الأوروبية-الروسية تمتد إلى ما وراء أوكرانيا. كما جاء في وقت بلغ فيه الهلع الأوروبي بشأن الدفاع عن أوروبا ذروته.

أعتقد أن إسناد بريطانيا إلى الألمان حرب أوكرانيا، التي بدأتها بهدف إبطاء روسيا، كان أكبر فخ نُصب للشعب الألماني.

نعم،
كان ينبغي لألمانيا، باعتبارها قائدة الاتحاد الأوروبي، أن تكون أول من يفكر في الدفاع الأوروبي ويستعد له. لكن هذه الحرب لم تتشكل وفق أولويات ألمانيا، وما زالت تسير في مسار خاطئ.

 ألمانيا ليست «دولة غنية بالموارد».    سيستنزفون الاقتصاد الألماني           

على الرغم من استمرار روسيا في التذكير بـ«احتلال برلين»، فإن جلوس ألمانيا وروسيا إلى طاولة واحدة قد يربك أوروبا بأكملها. وهذا من شأنه أن ينسف تمامًا التصور الأوروبي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.

ألمانيا ليست بلدًا غنيًا بالموارد. ومهما عظمت تقنياتها واقتصادها، فإن إعادة توزيع القوة عالميًا وما يرافقها من تفكك سيستنزفان الاقتصاد الألماني. وحينها، لن يعود ممكنًا أن تتحمل ألمانيا الأعباء المالية للاتحاد الأوروبي، بل قد يصبح من الصعب حتى إبقاء ألمانيا نفسها واقفة على قدميها.


ومن الواضح أيضًا أن تبعية النخبة الحاكمة الحالية للولايات المتحدة وإسرائيل تمنع ألمانيا من التوجه إلى المسارات التي يمكن أن تنقذها.

الشعب الألماني يعود إلى جيناته السياسية. الحربان العالميتان كانتا حربين ألمانيتين-أوروبيتين

لكن تصدعًا أخطر وأكبر بات على أبواب أوروبا. ففي الوقت الذي يدور فيه الحديث عن الحرب العالمية الثالثة، يعود المجتمع الألماني مجددًا إلى جيناته السياسية.

للأمم أقدار لا تكف عن ملاحقتها. وفي عالم اليوم، حيث يعود الجميع إلى تاريخه وماضيه وشفراته السياسية، يعود الألمان أيضًا إلى جيناتهم السياسية.

كانت الحرب العالمية الأولى
حربًا أهلية أوروبية، وحربًا بين الألمان والأوروبيين، ثم تحولت، مع مشاركة أمم أخرى فيها، إلى حرب عالمية.

وكانت الحرب العالمية الثانية
أيضًا حربًا أهلية أوروبية، وحربًا بين الألمان والأوروبيين، ثم اتسعت، مع مشاركة أمم أخرى، لتصبح حربًا عالمية.

وإذا اندلعت حرب عالمية ثالثة، فمن المرجح أن تبدأ بوصفها «حربًا أهلية غربية»، وأن تتشكل مجددًا بفعل الانقسام بين الألمان والأوروبيين.

جميع الأمم تبحث عن مظلة حماية ومجال قوة…


إن النازيين والإبادة الجماعية لليهود وما شابه ذلك من أحداث، يمثّلون الصورة التي سُجّلت بها صراعات القوة هذه في التاريخ. 
أما جوهر المسألة، فيكمن في أزمات تقاسم القوة بين ألمانيا وأوروبا، وفي أزمات تقاسم القوة بين أوروبا والولايات المتحدة وروسيا. أليس هذا ما يحدث الآن أيضًا؟

في جميع أنحاء العالم، تعود الأمم إلى مراكزها وإلى جبهاتها الخاصة. فالضمانات التي تقدمها الكيانات فوق الوطنية لم تعد توفر حماية كافية في ظل معادلة القوة العالمية الجديدة. ولهذا تعزز كل دولة مركز سلطتها، وتقوّي دروعها الدفاعية، وتستعد للعاصفة الكبرى.

لا يمكن تفسير هذا بأنه مجرد «يمين متطرف»

لقد أصبح هذا واقعًا عالميًا لا مفر منه. هذا هو حال الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وألمانيا.

ولو لم يكن اليمين المتطرف موجودًا، وكانت هناك حركة سياسية أخرى قادرة على توفير هذه الضمانات، لكانت هي التي ستصعد. ولذلك لا يمكن اختزال ما تشهده ألمانيا من بحث عن مسار جديد، وسعي الأمة الألمانية إلى مظلات آمنة، في وصف «اليمين المتطرف». فالدول تبحث عن القوة، والأمم تبحث عن الأمن، وأي حركة سياسية تعد بتحقيق ذلك ستزداد قوة في هذه المرحلة.


وستنجح مسيرة حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) «من مستوى الولايات إلى الحكم الاتحادي»، ما لم تواجه عرقلة كبيرة. أو أن جميع الحركات السياسية الألمانية ستزداد تشددًا حتى لا تبقى «خارج اللعبة». فهذا هو الاتجاه العام في العالم، وسيستمر على هذا النحو. ولكن ما النتائج التي ستترتب على هذا التوجه الاجتماعي والسياسي؟

تفكك الاتحاد الأوروبي حتمي! وسيُغلق سوق «العقل العالمي»…

سيتفكك الاتحاد الأوروبي. وستنشئ ألمانيا مجال نفوذها الخاص، وستنشئ بريطانيا مجال نفوذها الخاص. وستشهد العلاقات الأميركية-الأوروبية تصدعًا وانقسامًا عميقين. وسيعود بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى خرائط تحالفاتهم ودفاعهم الوطني. كما ستنشأ شراكات مفاجئة بين الدول الأوروبية من جهة، وتركيا وروسيا من جهة أخرى.

وخلاصة الأمر هي أن العالم يشهد تصدعات كبرى وصراعات على القوة، وأن الدول والأمم والحركات السياسية تعيد تشكيل نفسها وفقًا لذلك. لقد انتهى عهد العبارات المنمقة، مثل «العقل العالمي» و«المواطنة العالمية»، والاتفاقيات متعددة الجنسيات، كما أُغلق سوق «القيم» المتمحور حول أوروبا، والذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وسيعود الجميع إلى خرائطهم الخاصة.


كيف ستندلع الحرب العالمية الثالثة إذن؟


لقد شهدنا حربين عالميتين في مثل هذه الأزمنة تحديدًا. والحرب العالمية الثالثة، التي يكثر الحديث عنها، لن تندلع نتيجة أزمات مثل الصراع الروسي-البريطاني أو الروسي-الألماني أو العدوان الإسرائيلي أو الحرب الأميركية-الإيرانية، بل ستنفجر من صراع القوى الكبرى هذا ومن تصفية حساباتها.

يعيش العالم الآن أجواء مماثلة. وإذا تعذر تقاسم القوة بالطرق الطبيعية، وبصورة عادلة تستند إلى التمثيل الصحيح للأمم، فإن هذه العاصفة الكبرى ستكون حتمية.

النظر إلى «الدول التي يسطع نجمها» مثل تركيا، وقراءة الزمن والمستقبل بصورة صحيحة

المستقبل الحتمي هو الآتي: كل دولة تنكفئ إلى خط دفاعها وحمايتها الخاص. وصعود اليمين المتطرف في ألمانيا هو تعبير عن سعي الأمة الألمانية إلى القوة.

سنرى الأمر نفسه لدى كل أمة. ولذلك انتهى زمن الحديث وفق القوالب الجاهزة. انتهى الاتحاد الأوروبي، وانهارت أوروبا بوصفها اتحادًا، فيما ستزداد الدول الصاعدة، مثل تركيا، تألقًا.

إن الذين يقرؤون الزمن والمستقبل بصورة صحيحة لن يخطئوا، حتى وإن تحدثوا مبكرًا. أما الذين يتحركون بعقلية ما بعد الحرب العالمية الثانية، فسيخسرون في هذا العالم الجديد.

حين تفتي الآلة… دراسة تختبر الذكاء الاصطناعي في 30 مسألة شرعية

 

حين تفتي الآلة… دراسة تختبر الذكاء الاصطناعي في 30 مسألة شرعية




وماذا يحدث عندما يقدم جوابًا جازمًا، بلغة واثقة، بينما يكون الحكم الذي ينطق به بلا أصل أو مخالفًا لما استقر عليه الفقه؟

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

هذه الأسئلة تضعها في قلب النقاش رسالة ماجستير للباحث عمر عامر بعنوان "الإفتاء الآلي بين النظر الشرعي وتحديات التلقي البشري: دراسة تحليلية نقدية في عصر الذكاء الاصطناعي"، مقدمة إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية – شعبة الفقه وأصوله بجامعة أفريقيا الفرنسية العربية، بجمهورية مالي.

لا تتعامل الدراسة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا ينبغي إبعاده عن المجال الديني، ولا باعتباره بديلًا جاهزًا للعلماء، وإنما تنطلق من واقع أصبح فيه الحصول على جواب ديني لا يحتاج إلى الوصول إلى مفتٍ أو مؤسسة دينية؛ يكفي أن يكتب المستخدم سؤاله في إحدى منصات الذكاء الاصطناعي، ليحصل خلال ثوان على إجابة مكتملة الصياغة، تبدو أحيانًا أكثر ثقة وحسمًا من إجابة بشرية.

وهنا تحدد الرسالة مشكلتها: 

هل يمكن إسناد مهمة الفتوى إلى الذكاء الاصطناعي؟ وما حدود الاعتماد عليه؟ 

وكيف يمكن استخدامه أداة مساعدة دون أن تنتقل إليه السلطة الدينية نفسها؟ 

وتضع إلى جوار هذه الأسئلة سؤالًا آخر يتعلق بما تسميه الفارق بين "الاستفتاء البشري"، الذي يستوعب السياق والمآلات وحال السائل، و"البحث الآلي"، الذي يقوم على التوليد الاحتمالي للنص.

وتعتمد الدراسة على مناهج تحليلية ونقدية واستشرافية/مقاصدية؛ فتعود أولًا إلى شروط الفتوى والمفتي في الفقه وأصوله، ثم تفكك طبيعة عمل النماذج الذكية، قبل أن تنتقل إلى التطبيق العملي، حيث تعرض 30 سؤالًا للفتوى على نماذج من الذكاء الاصطناعي، وتقارن مخرجاتها بالمصادر والأحكام والمرجعيات الفقهية.

من أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟"

"مادة مضادة للبكتيريا" للمسح على الجوارب!

الجزء الأكثر إثارة في الدراسة هو الاختبار العملي، إذ تكشف بعض الإجابات عن فجوة كبيرة بين قدرة النموذج على صياغة كلام يبدو مقنعًا وبين امتلاكه معرفة فقهية منضبطة.

إعلان

ومن أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟". جاء جواب أحد نماذج GPT-3.5 Turbo Instruct بأنه يجوز المسح عليها، لكنه أضاف أنه "ينصح باستخدام مادة مضادة للبكتيريا"، ثم انتقل إلى عبارة أخرى عن جواز أن "تجمع المرأة الجوارب بعد الصلاة سواء كانت محجبة أو لا". وهي إضافات لا علاقة لها أصلًا بالمسألة الفقهية المطروحة.

وتقابل الدراسة ذلك بالخلاف الفقهي المعروف حول إلحاق الجورب بالخف وشروطه عند المذاهب، لتخلص إلى أن النموذج لم يخطئ فقط في التفصيل، وإنما أقحم مفاهيم طبية واجتماعية لا تمت إلى الحكم بصلة، وقدم عبارات لا تحمل معنى فقهيًا محددًا.

ولم يكن المثال منفردًا. فعندما سئل النموذج عن جمع الصلاة بسبب المطر، أجاب بعدم الجواز إلا في حالات معينة، وذكر بينها "السفر والحضانة".

وهنا تصبح "الحضانة"، وهي من أبواب الأحوال الشخصية، سببًا لجمع الصلاة في جواب أنتجته الآلة، بينما تعرض الدراسة مذاهب الفقهاء في الجمع للمطر وشروط المشقة والمطر والوحل، وترى في إدخال "الحضانة" مثالًا واضحًا على الخلط بين أبواب الفقه.

وتتكرر الظاهرة في سؤال عن رضاع الكبير؛ إذ أجاب النموذج: "نعم يجوز"، وربط ذلك بعبارات تتصل بـ"النوم والقبل والرعاية".

وفي المقابل تستعرض الدراسة موقف جمهور الفقهاء من عدم ثبوت التحريم برضاع الكبير، والخلاف المتعلق بواقعة سالم مولى أبي حذيفة، ثم تعتبر العبارات التي أدخلها النموذج معايير لا وجود لها في البناء الفقهي للمسألة.

واللافت أن الرسالة لا تستخدم هذه الأمثلة لإثبات أن الذكاء الاصطناعي يخطئ دائمًا؛ فهي تسجل له في مواضع أخرى إجابات صحيحة إجمالًا، بل وترصد ضمن نقاط قوته سرعة الاستجابة، والتغطية العامة الجيدة لبعض المسائل المعاصرة، والإشارة إلى مواطن الخلاف وضرورة الرجوع إلى المختصين. لكن المشكلة، وفق خلاصتها التطبيقية، تظهر في نقص التفصيل المذهبي، والخلط بين درجات الأحكام، وضعف توثيق المصادر، وصعوبة التعامل مع السياق والنية والإرادة والظروف الخاصة بالسائل.

أزمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى
أزمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى (الفرنسية)

عندما سئل الذكاء الاصطناعي عن نكاح الكتابية.. جاءت الإجابة بالمنع

من زكاة التجارة إلى الزواج والطلاق.. السؤال نفسه ليس كافيًا

في اختبار زكاة عروض التجارة، قدم أحد النماذج إجابة تنفي وجوب الزكاة فيها، بل ربط المسألة بضريبة الدخل، بينما تعرض الدراسة موقف المذاهب وقرارات الهيئات الفقهية التي تقر بأصل وجوب الزكاة في عروض التجارة عند تحقق شروطها.

وتلفت هنا إلى خطأين في وقت واحد: أولهما نفي حكم فقهي مستقر، وثانيهما الخلط بين الضريبة والزكاة، وهما نظامان مختلفان من حيث الطبيعة والأحكام.

وعندما سئل النموذج عن نكاح الكتابية، جاءت الإجابة بالمنع، وأضافت أن الكتابية لا تستفيد من بعض حقوق الزوجة الإسلامية مثل المهر والنفقة.

وتقابل الدراسة ذلك بالنص القرآني وآراء المذاهب التي تقر أصل الجواز للكتابية المحصنة مع اختلاف القيود والتفصيلات، وتؤكد أن الزوجة الكتابية لها حقوقها المالية، معتبرة أن النموذج لم يكتف بحكم غير صحيح، بل رتب عليه أحكامًا أخرى في الحقوق الزوجية.

إعلان

ويظهر نوع آخر من القصور عندما تكون إجابة الذكاء الاصطناعي صحيحة في أصلها، لكنها لا تستوعب التفاصيل التي تغير الحكم. ففي سؤال صيام مريض السكري، أجاب النموذج بأنه يجوز للمريض أن يصوم "إذا كانت صحته تسمح بذلك". لكن الدراسة تشير إلى أن المسألة لا تتوقف عند جواز الصيام؛ فقد يصبح الإفطار واجبًا والصيام محرمًا إذا قرر الأطباء وجود خطر على المريض، وهو ما يجعل معرفة حال الشخص الطبية جزءًا من تنزيل الحكم عليه.

وهنا تصل الرسالة إلى أحد مفاتيحها الأساسية: المفتي لا يجيب عن جملة مجردة فقط، وإنما يفتي إنسانًا في واقعة.

 لماذا لا تكفي الإجابة الصحيحة؟

تتوقف الدراسة طويلًا أمام مسألة قد تبدو للوهلة الأولى مفارقة: ماذا لو أعطى الذكاء الاصطناعي الحكم الصحيح فعلًا؟

فالرسالة لا تجعل صحة الجواب وحدها دليلًا على أن الآلة أصبحت "مفتيًا". وهي تميز بين القدرة على توليد إجابة تبدو فقهية وبين تحقق صفة المفتي وممارسة الاجتهاد والإفتاء بالمعنى الأصولي.

وتعود هنا إلى شروط المفتي: فهم السؤال، والنظر في المآلات، ومراعاة المصالح والمفاسد، واختلاف الزمان والمكان والأحوال، والقدرة على التوقف عن الإفتاء عند عدم العلم، فضلًا عن شروط العلم والأهلية والمسؤولية. ومن هذه الزاوية تسأل الدراسة: هل يمكن أن يكون النظام الذي يجمع النصوص ويحللها فقيهًا بالمعنى الأصولي، أم يظل أداة تستثمر ما أنتجه الفقهاء؟

وتطرح في هذا السياق مفهوم "تحقيق المناط": أي تنزيل الحكم الكلي على الواقعة الجزئية المشخصة. وترى أن معرفة الحكم النظري شيء، ومعرفة ما إذا كان ينطبق على هذا الشخص وفي هذه الظروف شيء آخر. فالمفتي قد يحتاج إلى معرفة مكان المستفتي، وعرفه، ونظامه القانوني، وحالته الصحية أو الأسرية، وملابسات الواقعة، بل والقرائن التي لم يذكرها السائل أصلًا.

وهذا يفسر لماذا تصبح بعض الأسئلة الطبية والأسرية اختبارًا أكثر صعوبة من سؤال عن حكم فقهي مجرد.

الباحث عمر عامر (الجزيرة)

فتجنشتاين يدخل غرفة الفتوى

ومن الزوايا غير التقليدية في الرسالة استدعاؤها فلسفة اللغة عند لودفيغ فتجنشتاين إلى النقاش حول الذكاء الاصطناعي والإفتاء.

الفكرة التي تنطلق منها الدراسة أن المشكلة ليست حسابية فقط. فالنظام يستطيع معالجة اللغة وإنتاج جمل سليمة ومترابطة، لكن هل يعني ذلك أنه يفهم المعنى بالطريقة نفسها التي يفهم بها الإنسان؟

تستند الرسالة إلى تصور فتجنشتاين بأن المعنى لا يستقل عن استعمال اللغة في سياق اجتماعي وداخل "أشكال الحياة"، وأن الكلمات لا تُفهم منفردة عن المجال الذي تستخدم فيه. ومن هنا تطرح فجوة بين المحاكاة اللغوية وبين الفهم المقصدي، معتبرة أن هذه الفجوة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالنص الشرعي، حيث لا يقتصر الأمر على معنى المفردة، وإنما يمتد إلى القصد والسياق والمقصد والقرائن.

وتقول الدراسة إن الذكاء الاصطناعي يعمل أساسًا عبر التوليد الاحتمالي؛ أي توقع الكلمات أو الرموز التالية بناء على الأنماط التي تعلمها، في حين يقوم الاجتهاد، في تصورها الأصولي، على معرفة مراتب الأدلة والجمع بينها وفهم المقاصد والمآلات والتمييز بين القطعيات والظنيات. ولذلك لا ترى أن الوصول إلى "أعلى احتمال" لغوي يساوي الوصول إلى حكم شرعي بالمعنى الأصولي.

الذكاء الاصطناعي لا يقول: لا أعلم

الخطر الأكبر ليس الخطأ

تقدم الرسالة مصطلحًا لافتًا هو "القطعية المصطنعة"، وتقصد به أن صياغة النموذج قد تكون دقيقة ومنظمة وحاسمة إلى درجة تجعل المستخدم يتلقى الناتج باعتباره حكمًا نهائيًا، حتى حين تكون الإجابة في حقيقتها احتمالية أو ناقصة أو خاطئة.

فالآلة لا تتردد بالطريقة البشرية نفسها، وقد لا تقول للمستفتي: "لا أعلم"، أو "أحتاج إلى معرفة حالتك"، أو "المسألة فيها خلاف"، وإنما يمكن أن تنتج حكمًا كاملًا بلغة تقريرية.

وتربط الدراسة ذلك بما تسميه "تزييف وعي المستفتي": المشكلة هنا لا تتعلق بخطأ المعلومات وحده، وإنما بطريقة تلقيها. فإذا قدم الخطأ في صورة لغوية واثقة، قد يكتسب سلطة لا يستحقها.

وتضيف الرسالة خطرًا آخر هو تشويه مفهوم الخلاف الفقهي؛ فعندما تختار الآلة جوابًا واحدًا وتقدمه بصيغة القطع، قد يتحول رأي اجتهادي إلى ما يبدو حكمًا وحيدًا، وقد تتحول مسألة خلافية إلى حلال أو حرام بلا ذكر للتعدد الفقهي.

ومن الأمثلة التي تسوقها الدراسة سؤال القنوت في صلاة الفجر. فقد وصف أحد النماذج القنوت بأنه "بدعة"، وقال إن الصلاة لا تجزئ بفعله، بينما تعرض الرسالة الخلاف المعروف بين المذاهب: فمنهم من يستحبه، ومنهم من يراه سنة، ومنهم من يقصره على النوازل. وترى أن المشكلة في الإجابة الآلية ليست فقط في الحكم، وإنما في تحويل مسألة خلافية إلى صيغة إقصائية قاطعة.

إذا أخطأت الآلة.. من يتحمل الفتوى؟

وهنا تصل الدراسة إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية عن صحة الحكم نفسه: من المسؤول عن الخطأ؟

في الفتوى البشرية يوجد شخص معلوم؛ المفتي معروف، ومصدر قوله يمكن تتبعه، ويمكن مراجعته أو مساءلته. أما في الفتوى الآلية فتظهر، بحسب الدراسة، "فوضى الإسناد": هل المسؤول هو المطور؟ أم الشركة؟ أم المنصة؟ أم المستخدم الذي طرح السؤال؟ أم الجهة التي غذت النظام بالمعلومات؟

وتعتبر الرسالة أن غياب هذا الإسناد يميز بصورة جوهرية بين المفتي والآلة؛ إذ لا توجد في النظام نفسه أهلية شرعية أو مسؤولية أخلاقية يمكن أن يحملها عن الحكم الذي أصدره.

ويتضح ذلك أكثر في المسائل التي تتجاوز مجرد المعرفة الفقهية إلى نتائج تمس الحياة والمال والأسرة. ففي مسألة الخطأ الطبي الناتج عن برنامج ذكاء اصطناعي، تستعرض الدراسة توزيع المسؤولية بحسب موقع الخطأ: هل قصر الطبيب في التحقق؟ هل كان العيب في البرنامج؟ هل خولفت تعليمات الاستخدام؟ وتربط ذلك بقاعدة "الضمان يتبع التفريط"، لتبين أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يلغي السؤال القديم عن المسؤولية، وإنما يزيده تعقيدًا.

30 سؤالًا.. والآلة ليست دائمًا في قفص الاتهام

تتعمد الرسالة ألا تجعل الاختبار مجموعة من الأسئلة التقليدية فقط؛ فتنتقل من الزكاة والصلاة والزواج والطلاق إلى العملات المشفرة والعقود الذكية والذكاء الاصطناعي في البنوك والتطبيقات الإلكترونية للزكاة، ثم إلى التشخيص الطبي والتعديل الجيني والتبرع بالأعضاء.

وفي بعض هذه الأسئلة، تقدم النماذج إجابات قريبة بدرجة كبيرة من الاتجاه الذي تستعرضه الدراسة. فعندما سئل ChatGPT عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد فوائد القروض، قال إن التقنية لا تغير حكم الفائدة نفسها: إن كانت ربا فهي محرمة سواء حددها إنسان أو نظام آلي. وتصف الدراسة هذه الإجابة بأنها صحيحة من حيث المبدأ، وإن كانت أقل تفصيلًا من المعالجة الفقهية التي أضافت مسألة التحيز الخوارزمي.

وفي سؤال دفع الزكاة عبر التطبيقات الإلكترونية، اشترط نموذج Bard موثوقية الجهة وضمان وصول المال إلى مستحقيه، وهي إجابة تعتبرها الدراسة صحيحة في أساسها، لكنها ترى أن المعالجة الفقهية البشرية أضافت شرط النية عند الدفع.

وهذه الأمثلة مهمة لأنها تقود إلى نتيجة أقل صخبًا وأكثر أهمية: المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن الوصول إلى الحكم الصحيح في كل مرة؛ بل إنه قد يصل إليه دون أن يمتلك بالضرورة المنهج الذي يضمن الوصول الصحيح في المرة التالية.

هل يقوم الذكاء الاصطناعي بدور علماء الفتوى؟
هل يقوم الذكاء الاصطناعي بدور علماء الفتوى؟ (الأناضول)

ماذا عن الدعوة لإبعاد الذكاء الاصطناعي عن المؤسسات الدينية؟

الذكاء الاصطناعي مساعدًا للمفتي.. لا مفتيًا

ولا تنتهي الرسالة إلى الدعوة لإبعاد الذكاء الاصطناعي عن المؤسسات الدينية. على العكس، تقترح تحويله من منافس محتمل للمفتي إلى "مساعد فقهي ذكي".

وتحدد له وظائف واسعة: جمع الأدلة، وفهرسة الفتاوى، وأرشفة الأسئلة المتكررة، والبحث في المصادر، وتصنيف الأقوال، واقتراح الأدلة، وتحليل المعلومات، على أن تظل الفتوى المعتمدة مرتبطة بالمفتي البشري الذي يملك العلم والأهلية ويتحمل المسؤولية.

وتتوسع الدراسة في تصورها للحوكمة؛ فتقترح إشراف الهيئات الشرعية على الأدوات التي تقدم إجابات دينية، واعتماد مصادر معرفية موثوقة ومتنوعة، وفرض المراجعة البشرية، وتحديد المسؤوليات، ووضع تنبيه واضح للمستخدم بأن المخرج الآلي ليس فتوى رسمية ولا يتمتع بالحجية الشرعية.

وتوصي كذلك بأن يستخدم الطلاب والباحثون الذكاء الاصطناعي بدايةً للتعرف على المسألة قبل الرجوع إلى المصادر الفقهية، وأن يستفيد المفتون منه في جمع المعلومات والبحث السريع دون تفويضه بالترجيح النهائي، وأن يبني المطورون محركات الفتوى على قواعد معرفة فقهية موثوقة مع نظام يراعي المذاهب المعتمدة.


وتلفت الرسالة إلى أن اختباراتها شملت نماذج وإصدارات متفاوتة، وأفردت ملحقًا مصورًا لمحادثات أجريت مع GPT-3.5 Turbo Instruct، وهو إصدار قديم استخدمه الباحث تحديدًا لإظهار الفارق بين النماذج الأقل حداثة والتطور الذي أصاب قدرات الأنظمة اللاحقة.

فتوى بلا مفتٍ

في نهاية المطاف، لا ترى الرسالة أن الاختبار الحقيقي للذكاء الاصطناعي هو أن نسأله سؤالًا فقهيًا فنحصي عدد الإجابات الصحيحة والخاطئة فقط. السؤال الأعمق عندها هو: ماذا يبقى من مفهوم الفتوى إذا فصلنا الحكم عن المفتي، وعن السائل، وعن الواقعة، وعن المسؤولية؟

وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا تتوافر فيه الأهلية الشرعية التي تشترطها فيمن يتصدر للإفتاء، وأنه يواجه قيودًا في تحقيق المناط، وربط الأدلة بمقاصدها، وإدراك السياق والنيات والظروف، فضلًا عن مشكلة الإسناد والمسؤولية. وفي الوقت نفسه ترى أن قدراته في البحث والتصنيف والفهرسة وتحليل البيانات تجعله أداة ذات قيمة كبيرة إذا بقي داخل إطار "الإفتاء المساعد" وتحت الرقابة البشرية والمؤسسية.

وهكذا تصبح المسألة، في منطق الرسالة، أكبر من سؤال: "هل تستطيع الآلة الإجابة؟". فقد تستطيع، وقد تصيب، وقد تقدم في ثوان ما يحتاج الإنسان وقتًا طويلًا لجمعه. لكن الفاصل الذي تتمسك به الدراسة هو بين إنتاج الجواب وبين تحمل معنى الفتوى؛ فالآلة قد تعرف الكلمات، وتستدعي الأقوال، بل وتصل أحيانًا إلى الحكم الصحيح، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام التحول الرقمي في المجال الديني هو: هل تكفي إجابة تشبه الفتوى، لكي يصبح من أنتجها مفتيًا؟

المصدر: الجزيرة