الخميس، 24 سبتمبر 2020

الحوار الأخير مع الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله

الحوار الأخير مع الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله

بدلاً من تقويم عوج الحياة بنصوص الشريعة..

يحتال على نصوص الشريعة

حتى يُبرِّر عِوَج الحياة المعاصرة باسم تطوير الشريعة

نُشرت في مجلة "الأمة"

العدد الحادي والثلاثون - السنة الثالثة رجب 1403هـ - نيسان (أبريل) 1983م.


 


اجرى الحوار: انور الجندي

الدكتور محمد محمد حسين رئيس قسم الادب واللغة العربية بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية واستاذ الادب العربي في جامعة الاسكندرية منذ 1933م . وهو يجاهد في سبيل مفهوم اسلامي اصيل للادب العربي ، وقد عمل سنوات طويلة في كلية الاداب بجامعة بيروت العربية، واصدر عددا من المؤلفات في مقدمتها كتابه الاشهر الذي ادى خدمات واسعة بنقل وجهة النظر الاسلامية الى شباب الجامعات " الاتجاهات الوطنية في الادب المعاصر " في جزأين، من الثورة العربية الى قيام الجامعة العربية، ( 1882-1946م) وله مؤلفات متعددة منها : كتابه (حصوننا مهددة من داخلها) وقد توفي الى رحمة الله في (ربيع الاخر 1403هـ) (1983م)، وقد اجرينا معه الحديث اثناء زيارته للقاهرة.. على امل ان يتم في زيارة اخرى غير ان قضاء الله نفذ قبل ان نتم الحوار.

قلت للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله في اخر لقاء معه :

اليوم وبعد ان مضى عليك في الميدان نصف قرن (1933-1982م) وانت تجالد في وجه التغريب ، والشعوبية ، والغزو الثقافي، ازاء السموم الناقعات التي طرحها الدكتور طه حسين وغيره في طريق الادب العربي ، ماهو تقويمك لهذه المرحلة .. وهل استطاعت ان تحقق شيئا ؟

وابتسم الدكتور محمد محمد حسين الذي فتح افاقا في مجال تصحيح المفاهيم، وتحرير الادب العربي والثقافة الاسلامية ابتسامة ذات معنى، فقد عرفته منذ عشرين عاما وانا على طريق مواجهة التغريب والغزو الثقافي, وانتفعت كثيرا برصيده الضخم في هذا المجال .

والدكتور محمد محمد حسين واحد من ابناء المدرسة الاسلامية الملتزمة التي نشأت في احضان حركة اليقظة الاسلامية، والتي حملت لواء (اسلمة) الادب والثقافة في كلية الاداب على مدى خمسين عاما، وتحريرها من الزيف والسموم التي صبغها بها الدكتور طه حسين وشيعته، امثال : علي عبد الرازق، وامين الخولي ، وابراهيم مصطفى ... وهو رائد الاصالة في مجال الادب شأنه شأن علي سامي النشار في مجال الفلسفة، وعبد القادر عودة في مجال الشريعة والقانون، ومحمود ابو السعود ، وعيسى عبده في مجال الاقتصاد، كل هؤلاء ردو للاسلام اعتباره بعد ان طواه التغريب زمنا في الدراسات الجامعية ... فلهم اجرهم عند ربهم .

قال : لعلك تعرف من احاديث بيننا مستفيضه ماضية ان التغريب قد كبل الفكر الاسلامي بسلاسله ، فلم يدع مجالا من المجالات الا ووضع قيوده وحواجزه حتى يحتوي الفكر الاسلامي في دائرة مغلقه فلا يستطيع تحقيق ذاتيته او التماس مصدره القراني الاصيل ، وهي محاصرة شملت عدة ميادين : اهمها واخطرها ميدان الشريعة الاسلامية .

اولا : تطوير الشريعة الاسلامية :

فلنبدا بهذا الخطر الذي يتصل باحتواء الشريعة الاسلامية .

قال : هذا مجال بذلت فيه القوى الاستعمارية وذات النفوذ في البلاد العربية بعد الحرب العالمية الثانيه جهودا كبيرة من اجل احتواء الشريعة الاسلامية تحت اسم التطوير بحيث تصبح اداة لتبرير القيم الغربية ، وتقريب مابين الشعوب الاسلامية والغرب ، فهي الغاية الاخيرة والهدف المقصود الذي تسعى اليه، ومن اساليبهم في هذا التطوير ان يستدرجوا المسلمين الى مؤتمرات للكلام في نقط معينة من نظم الشريعة التي تخالف ما استقر عليه عرف الغربيين مما يجري باسم المدنية ، وذلك لكي يلجئوهم الى تحريف نصوص القران والحديث والميل بها الى ما يوافق العادا ت الغربية السائدة . واكثر ما تجد هذا التحريف في ( المرأة) وما يتصل بشؤونها مثل ما يدعي بعضهم من ان الاسلام قد اسس المرأة حقوقا في الحكم او الكلام عن الحجاب او النقاب وتعدد الزوجات والربا .

ولقد يطلب من احدهم ان يتحدث عن هذه الموضوعات، فيشغل نفسه بتبرير الاساليب العصرية السائدة مما يخالف الشريعة الاسلامية ، فينتحل لها الاعذار ، ويخترع الحيل لتحريمها ومحاولة الميل الى اقصى ما تحمله النصوص نحو القيم الغربية ارضاء للداعين له ، وبذلك يقع في الاحبولة التي دبرها له ولامثاله دهاقين المستشرقين ، فهو في سبيل دفع تهم الجمود التي يلصقها الغربيون بالشريعة ينجرف الى اقصى الطرف المناقض في بيان ما تنطوي عليه الشريعة من مرونه التطبيق حتى يبلغ بهذه المرونه حد الميوعة وانعدام الذات والمقومات التي تجعلها صالحة لان تكون ذيلا لاي نظام وتبعا للاهواء، وبذلك ينتهي الى الغاء وظيفة الدين ، لانه بدلا من تقويم عوج الحياه بنصوص الشريعة يحتال على نصوص الشريعة حتى يبرر عوج الحياه المعاصرة. وتجري دراسات المستشرقين ومؤتمراتهم نحو هذا الغاية الخطيرة، وهي تهدف الى محاصرة ( الدين) لتضييق دائرة نفوذه وقصرها على شؤون العبادات والغاء المعاملات التي يقوم عليها تنظيم المجتمع.

كذلك فان من محاذير اعمالهم مع بعض من يؤيدهم من علماء المسليمن فكرة اعادة النظر في الدين وتطويره ومنهم من يطالب بوضع تجربة الدين وتجربة النبوة والمعجزات والصلاة والحياة الاخرة موضع البحث واخضاعها لقوانين علم النفس الحديث التي تقوم على الحدس ، والتي تخضع للتغيير والتبديل...

ثانيا : تبعية التعليم للغرب:

وماذا عن الخطر الذي يأتي من جانب تبعية التعليم في البلاد العربية للمنهاهج الاجنبية؟

قال الدكتور محمد محمد حسين : ان حصوننا مهددة من داخلها ، ان وزارات التربية والتعليم هي اهم المعاقل والحصون الساهرة على امن الشعوب وكيانها، لانها هي المؤتمنة على اثمن ما تملكه الامة من كنوز ، وهي الثروة البشرية بما تنطوي عليه من قوى مادية ومن ملكات عقلية وخلقية ممثلة في رجال الغد الذين تشرف على تربيتهم ، وهي ثروة تتضاءل الى جانبها كل كنوز الارض ، لان كنوز الارض لاتساوي شيئا بدونها ، فالعقل هو الذي يستخرجها ، والخلق الديني هو الذي يدفع الناس الى بذل الجهد والى اعمال هذا العقل فيما وكل اليه من امور ، ولا ريب ان اتصال القائمين على شؤون التربية والتعليم في هذه البلاد العربية بالمؤسسات الغربية والتعاون معها في ترويج مبادئ واساليب يقال: ان المقصود بها هو رفع مستوى التعليم واصلاح شؤون الجيل الجديد .

امر لايصدقه عقل ولا يتفق مع ما يبذلون من محاولات ظاهرة وخفيه لابتلاع هذه الامة والكيد لها. ان التقدم الصناعي لا يغني شيئا ان غفلنا عما حفظه التاريخ من دروس وعضات ، فتفرقت بنا السبل، ودب فينا دبيب الخلاف ، ومزقتنا الدعوات المتنافرة التي ينقض بعضها بعضا والدين واللغة هما اهم دواعي الالفة والتماسك في كل مجتمع اسلامي والدين هوالذي يوحد العادات والامزجة ، فتجمع الناس فيما يحبون و فيما يكرهون , وفيما يألفون وفيما يعادون على الوان معينة من الاساليب البيانية ، لذلك كانت المعاهد والمؤسسات التي تقوم على صيانة الدين واللغة هي بمثابة الحصون والمعاقل التي تسهر على حمايتنا وسلامتنا .

وتحاول بعض الدول الغربية ان تجمع رجال التربية في مؤتمرات لاحتوائهم وتوجيههم وجهتها هي ، والمركز الدولي للتربية الاساسية في العالم العربي لا عمل له الا سلخ الريف العربي من دينه وخلقه وعروبته . وطبعه بالطابع الغربي ، اتمام لما بذله الغرب من جهود في فرنجة هذه المنطقة بعد ان اعلن المستشرقون ان تاثير الفرنجة او التغريب لم يتجاوز المدن ، وهو احتيال خبيث لدخول الريف بعد ان عجز التنصير ، وعجزت الاساليب الاستعمارية عن اقتحامه الى ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وهاهو يقتحم اليوم تحت ستار بما يسمى بالتربية الاساسية . وهي بهذا تهدف الى تغيير الافكار والنزعات والاتجاهات على اسس غربيه خالصة تروج باسم العلم, هذا التغيير لا يبالي ان خالف الاسلام وتعاليمه لان القائمين على هذا التغيير هم مجموعة من الخواجات الذين يختفون خلف الشخوص العربية التي تبدو للناظر وكانها تتحرك بارادتها وهي تسير وراء خطوط مرسومة وتهدف هذه المؤسسات الى افساد المراة الريفية وفرنجتها واستئصال حيائها وخلط الذكور بالاناث ، واخراج المراة للاسواق، وامتهانها بين الرجال مما يعرض المجتمع كله الى الفساد والانحلال والاندثار، والهدف الخفي هو استقاء معلومات دقيقه من مصادر موثوق بها تخدم الذين يرسمون الخطط السياسية والحربية لهذه المنطقة . وكذلك يرمي اشراك البنين والبنات في الرحلات ، وهو ماتدعو اليه الماسونية يتحول الى انظمة عملية.

اننا اذا احتجنا الى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقهم في الصناعات الالية التي كانت سببا في مجده وسيادته، فمن المؤكد اننا في غير حاجة الى استيراد قواعد السلوك والتربية والاخلاق التي تدل الامارات والبوادر على انها ستؤدي الى تدمير حضارته ، والقضاء عليها قضاءً تاما في القريب العاجل .

ثالثا: بعث التاريخ القديم :

قلت وماذا ترى في دعوة التغريب والشعوبية والغزو الثقافي الى احياء الحضارات السابقة على الاسلام ؟

قال الدكتور محمد محمد حسين : هذا خيط من الخيوط الاساسية التي تكون الشرك الذي يراد به احتواء المسلمين : مجتمعهم وفكرهم فان المستشارين الغربيين اليوم في البلاد العربية يدعون الى العناية بالتاريخ القديم . والى ان يبذل علماء الاثار الغربيون جهدا مشتركا لتدريب علماء الاثار المسليمن ، وهو هدف يرمي الى تلوين الحياة المحلية في كل بلد من بلاد دار الاسلام بلون خاص يستند في مقوماته الى اصوله الجاهلية الاولى وبذلك تعود الحياة الاجتماعية التي وحد الاسلام مظاهرها الى الفرقة والتشعب برجوعها الى اصولها القديمة السابقة على الاسلام فيستريح المستغلون من احتمال تكتل المسلمين علينا ان نكشف خصائص هذه الدعوة ونبين خطورة اهدافها التي لا تخدم الا مطامع الغرب التي يتوسل اليها في البلاد العربية وفي العالم الاسلامي بتقطيع اوصالها، وبث روح التنافر والتدابر والتقاطع بين افرادها وجماعاتها، استدامة للوضع الراهن الذليل الذي كانت فيه.

وتحاشيا لاتحادها الذي يؤدي الى قوتها ، وقد ظهرت الدعوة الى احياء الحضارات السابقة على الاسلام في وقت واحد في تركيا والشام مصر والعراق وشمال افريقيا والهند واندونيسيا بمظهر واحد واساليب متشابه . ومن ذلك استخدام الفلكلور لهذا الغرض ايضا ، والبحث عن كل مايتصل بعادات الشعوب وتقاليدها وخرافاتها واساطيرها ومعتقداتها وفنونها وكل ما يجري على السنتها من اغان وامثال , او شتائم واهازيج, وتهدف من وراء ذلك الى التعمق في تحليل نفوس اصحابها وادراك دوافعها ونوازعها وفهم ما ينتظم عواطفها من منطق بغية الوصول الى امثل الطرق واحدق الخطط للتمكن من هذه الامم واستغلالها وادامة عبوديتها ...

رابعا : تدمير المجتمع الاسلامي :

قلت : وماذا عن التحديات التي تواجه المجتمع الاسلامي نتيجة لمخططات التغريب؟

قال الدكتور محمد محمد حسين : ان هناك هدفا مبيتا هو فرنجة المراة الشرقية وحملها على اساليب الغرب في شتى شؤونها، في الزواج والطلاق، وفي المشاركة في العمل والانتاج، وفي شتى الميادين ، وفي الزي والمحافل . هذا الاتجاه هو بدوره جزء من اتجاه اكبر يراد به سلخنا من ادب اسلامنا وتشريعه . والحاقنا في الغرب في التشريع والادب والموسيقى والرسم وسائر شؤون الحياة من جد ولهو .

وابرز جوانبه ناحيتان اختلاط النساء بالرجال واشتغال النساء باعمال الرجال. واحب ان انبه ان هذه الخيوط كلها تجري في اتجاه واحد هو خطة الصهيونية الكبرى للسيطرة على العالم من طريق هدم كل مافيه من قوى، ومن قولهم في البروتوكولات : ان لفظة (الحرية) تجعل المجتمع في صراعه مع جميع القوى بل مع قوة الطبيعة وقوة الله نفسها وقولهم نحن الذين هيئنا لنجاح (داروين, وماركس , ونيتشا) ان ما ينادى به على انه حقوق المرأة لا يهدف الا الى مخالفة عرف راسخ وتحطيم قاعدة مقررة، واقامة عرف جديد في الدين والاخلاق، والذوق وخلق المبررات والمقومات التي تجعل انسلاخنا عن اسلامنا وعروبتنا وشرقيتنا امر واقعا, كما يجعل دخولنا في دين الغرب ومذاهب الغرب وفسق الغرب امرا واقعا كذلك , واخطر ما في هذه الدعوة وامثالها مما يراد به حملنا على كل فاسد من مذاهب الغرب ان اصحابها يهدفون اقحامها على اسلامنا زاعمين انها لا تعارضه. وقد كان قاسم امين هو اول من جرأ الناس على تحريف النصوص حين طلع علينا بطائفة من المزاعم التي تقوم على المخارق, وعلى النصوص المحرفة عن مواضعها والمخلوعة عن سياقها خلعا يخرجها عن مدلولها, وحين تصيد من كتب التاريخ وروياته على اختلاف درجاتها ودرجات مؤلفيها كل شاذ غريب فحشدها في حيز واحد وضم بعض اشتاتها الى بعض حتى خيل الى قارئها على انها على شذوذها وقلتها شيء مألوف كثير الوقوع. ان كثير من النصوص التاريخية والفقهية التي اقتطعها ناقصة الدلالة.. غامضة العبارة .

وقد استطاع ان يروج ذلك كله بين الناس بمرور الايام بفضل قوة حزبه الذي كان ينوه به اللورد كرومر في تقريره وهو الحزب الذي علق كرومر عليه الامال في رعاية المصالح الانجليزية عن طريق انشاء علاقات الود والتفاهم بين الانجليز والمسلمين في مصر . وقد تبين من بعد فساد الاستدلال بهذه النصوص حتى ان شوقي قال في قصيدته "رثاء قاسم امين"ما يدل على ذلك . ولك البيان الجذل في انتانه العلم الغزير من مطلب حسن كثير في مزالقه العثور ما بالكتاب ولا الحديث اذا ذكرتهما نكير حتى ليسأل هل تغار على العقائد او تغير ؟

سابعا : كتابات الادباء عن الاسلام :

ماذ ترى في كتابات العقاد وطه حسين الاسلامية ؟

محمد محمد حسين : ان طه حسين والعقاد لاينتميان اصلا الى المدرسة الاسلامية من الناحية الفكرية ولاكنهما ينتميان منذ نشاتهما الاولى الى المدرسة الليبرالية المتحررة التي تعتبر ( لطفي السيد) استاذها الاول في جيلهما : والمدرسة الليبرالية تحكم العقل المجرد والمتحرر من كل المواريث الفكرية والسلوكية في كل شيء ولا تبالي ان تلتقي مع الدين في كل وجهات النظر او بعضها او تتعارض معه اوتخالفه, ولكن كان طه حسين اكثر عنفا واكثر جرأة في معارضة الدين ، وفي المجاهرة بما يثير الناس ليلفت الى نفسه الانظار, لقد هاجم طه حسين اباه في ما كان يتلوه من اوراد في اعقاب الصلاة وفي الليل ( في كتاب الايام ) .

ان طه حسين والعقاد قد اكتسحتهما الموجة الاسلامية العارمة فتتابعت كتبهما بعد ان اصبح ذلك هو البدع الشائع الذي يغمر الاسواق , ولم يعد التشدق بالكفر ونظرياته المستوردة سمى من سمات المفكرين تستهوي الاغرار من الشباب كما كان في العشرينيات .

ويرجع هذا الانقلاب الفكري الى عدة عوامل عدلت بالناس وبكثير من المفكرين عن طريق احتذاء الحضارة الغربية والفكر الغربي, وردتهم الى طريق الاسلام : موجة التنصير , هجرة اليهود الى فلسطين ، سقوط الخلافة علي يد الكماليين وظهور جمعيات اسلامية عظيمة . قاعدة اساسية ينبغي ان توضع في الحسبان حين يوزن الادباء والمفكرين من وجهة النظر الاسلامية، وهي ان الاسلام نظرية في السلوك بمثل ما انه نظرية في المعرفة ولذلك كان من المهم ان لايقبل فكر اسلامي او ادب اسلامي من مفكر او اديب لايمارس الاسلام ولا يلتزم به ومعروف ان طه حسين والعقاد لم يكونا ممارسين للاسلام في اصوله لاصيله.

ثامنا : موجة الشعر الحر :

وماذا ترى في موجة الشعر الحر التي استشرت في البلاد العربية؟

محمد محمد حسين : الشعر الحر في اصل نشاته شعبه من اتجاه عام يدعو الى تغليد الغرب في فكره وحضارته، فاطلاق الشعر من القافية التي ظل يلتزمها طوال هذه القرون منذ عرفنا الشعر العربي : دعوى تستمد حجمها ومبرراتها من الشعر الغربي الذي لم يعرف القافية الا في حدود ضيقة من اثار احتكاكه وتاثره بالادب العربي في الاندلس . ولمذا الحرص على تسمية هذا النوع من الادب شعرا, انه ادب نثري ولم يقل احد ان الادب النثري يخلو من التصوير ومن التاثر والتاثير العاطفي , بل انه حين يخلو منهما لايصح ان نعتبره ادبا على الاطلاق .

ان هذا الحرص على تسميته شعرا لم يجيء الا من اعتباره شعرا عند الغربين وهو على كل حال اخذ في التراجع والتقلص وقد بدات موجته في الانحصار بعد ان بلغت دروتها في العقدين السابقين من هذا القرن وكان كل ماتركته من اثر هو ضعف هذا الجيل , وعجزه عن تذوق الشعر العربي الاصيل في تراثه الطويل وكان مما فتن به اصحابه انهم تصورو انفسهم انهم اصبحو شعراء عالميين بعد ان ترجم بعض شعرهم للغات الاوروبية كانهم يكتبون للغرب ولايكتبون لقومهم من العرب , وكأن شرطا من شروط الادب الجيد ان يكون مقبولا عند غير اهله : ولعل هذه الترجمات كانت وجها من وجوه المخطط الذي يغري بترويج هذا الاتجاه الذي ينتهي ان نجح الى قطع ما بين حاضرنا الادبي وبين تراثنا من صلات .

لقد كان اصحاب هذا الاتجاه يدافعون عن مذهبهم بحجج ابرزها اثنتان :

الاولى : ان القافية قيد يلتزم به الشاعر على حساب عناصر الشعر الاخرى من فكر وصور وعاطفة .

الثانية : ان اغلاق باب التشديد وتقييد حرية الفنان في ابتكار ما يناسبه من قوالب واساليب يشمل انطلاقه وينتهي الى حال من الركود والجمود يتخلف معها الشعر ويتراجع .

والرد على الحجتين سهل ويسير : اما الحجة الاولى فهي تعلة الضعفاء الذين يعجزون عن النهوض باعباء الشعر من كل جوانبه وعناصره , وقد نهض بها الفحول من الاقدمين فما راينا في شعرهم جورا على الفكر والصور بسبب التزام القافية , وفن الشعر للقادرين عليه... وفي النثر متسع لغير القادرين , والبعد عن ميدان الادب جملة اولى بالعاجزين .

واما عن دعوة تجديد وحرية الفنان فقد توافرا دائما على مدار القرون , وفي مختلف العصور والبيئات , فجدد شعراء العرب وابتكروا ما بتكرو , واضافو ما اضافو في حدود طبيعة الشعر العربي , ومع التزام مقوماته الاصيلة , فاختلفت الوانهم باختلاف العصور والبيئات , ومع ذلك قد كان هذا الابتكار في اشكال الشعر وقوالبه وقوافيه قصير العمر , ولم يلبث الشعر ان عاد الى النبع الاصيل وحين بدات نهضة الشعر المعاصر بعد ركود طويل منذ مايقارب القرن , عاد رواد النهضة الى النبع الاصيل يستقون منه ويسقون ... ثم ان دعوى الحرية بلا قيود في اي جانب من جوانب الحياه هي دعوى تقوم على سذاجة الداعي اليها او سوء قصده , فليس هناك حرية مطلقة للانسان ولا لشيء من خلق الله , وليست الحرية المطلقة الا الهوى , ﴿ولو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن .

نعم لوكان للارض اختيار لدارت كما تهوى , ولوكان للشمس وسائر الكواكب اختيار لجرت على ما تهوى , ولو كان للكائنات التي تخضع لسنن الله الكبرى القاهرة من تجاوب وتنافر من اختيار لفسد الكون وبطلت الحياة , ومن سنن الله الكبرى ان يكون الناس شعوبا وامما, وان يكون لكل امة لسانها الخاص ومزاجها وتقاليدها , والفنون على اختلافها لها انتماء قومي , وشرطها الاساسي ان تجمل عند قومها اولا وقبل كل شيء , وليس مهما بعد ذلك ان تجمل اوتحسن عند غيرهم , والكلام عن الانسان في هذا المجال وعن العالمية ضار جدا وهادم لاسباب النهضة عند الامة الضعيفة بنوع خاص , لانها لايقوم لها نهضة الا على مغارسها واصولها الاولى والنهضة على غير هذا الاساس فناء لذات العنصر الاضعف في العنصر الاقوى ...وهذا وقد كان من الاسألة كثير وكثير... ورحم الله الدكتور محمد محمد حسين و اجزل مثوبته .

مجلة الامة العدد - 31 - رجـ( 7 )ـب 1403هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق