‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائعنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائعنا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

الدعوة*

الدعوة*

 مصطفى لطفي  المَنْفَلُوطي

ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيًا إلى ترك ضلالة من الضلالات، أو بدعة من البدع، إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تُخمَد نارها، ولا يخبو أوارها حتى تهلك، أو يهلك دونها.

ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس سلب الأجسام أرواحها، بأقرب منالًا من سلب النفوس غرائزها وميولها. ولا يظنُّ الإنسان بشيء مما تملك يمينه ظنَّه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وأنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء، ولا تمزقت الأشلاء في موقف الحروب البشرية، من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب، وذودًا عن العقائد.

لذلك كان الدعاة في كلِّ أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزؤُها في ذخائر نفوسها، ويفجعونها في أعلاق قلوبها.

الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة، وقلوب صابرة على احتمال المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة؛ حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.

الدعاة الصادقون لا يبالون أن يُسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين، أو ضالين، أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون.

الدعاة الصادقون يعلمون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، عاش بين أعدائه ساحرًا كذابًا، ومات سيد المرسلين؛ فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياءً وأمواتًا.

سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنًّا، ولا تسمع له قولًا، إنَّه يضرُّ نفسه من حيث لا ينفع أُمّته، فيكون أجهل الناس، وأحمق الناس.

هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألمَّ بنفوس كثير من العلماء، فأمسك ألسنتهم عن قول الحق، وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجُمِّدت الأذهان، وتبلّدت المدارك، وأصبحت العقول في سجنٍ مظلم، لا تطلع عليه الشمس، ولا ينفذ إليه الهواء.

الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نارٌ متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرِقه رويدًا رويدًا، فلا يزال العقل يتألّم لحرارتها، ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء، فرأى النار نورًا، والألم لذة وسرورًا.

لا يستطيع الباطل أن يصرع الحقَّ في ميدان؛ لأنَّ الحقَّ وجود والباطل عدم، إنما يصرعه جهل بعض العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.

محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون، في عصور متعددة، فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرًا، والثالث آخر… وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.

الجهلاء مرضى، والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارًا من إزعاج المريض، أو خوفًا من صياحه وعويله، أو اتقاء لسبِّه وشتمه، فإنَّه سيكون غدًا أصدق أصدقائه، وأحبَّ الناس إليه.

وبعد؛ فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبًا إليها إلا إذا كان خائنًا في دعوته، سالكًا سبيل الرياء والمداهنة في دعوته، وقليل أن ينال حظَّه من إكرامها وإجلالها، إلا بعد أن تتجرع مرارة الدواء، ثم تشعر بحلاوة الشفاء.

الدعاة في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة 

{-الكظة: البطنة-} الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنَّه لا يوجد بينهم شجاع واحد!

أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء الجامع وخطباء المنابر، كلُّهم يدعون إلى الحقِّ، وكلُّهم يعظون وينصحون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرًّا، أو يلاقي في طريقها شرًّا.

رأيت الدعاة في هذه الأمة -إلا من رحم الله- أربعة:

رجلًا يعرف الحقَّ، ويكتمه عجزًا وجبنًا؛ فهو ساكت طول حياته، لا ينطق بخير ولا شرٍّ.

ورجلًا يعرف الحقَّ وينطق به؛ ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته، فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرًا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المرَّ في (برشامة)؛ ليسهل تناوله وازدراده.

ورجلًا لا يعرف حقًّا ولا باطلًا؛ فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في بيدائها، فيدعو إلى الخير والشرِّ، والحقِّ والباطل، والضارِّ والنافع في موقف واحد، فكأنَّه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:

مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا.

– ورجلًا يعرف الحقَّ، ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجدِّ المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنَّه صاحب هوى، يرى أنَّه لا يبلغ غايته منه، إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنَّه يوردها موارد التلف والهلاك، باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!

ما أعظم شقاء هذه الأمة، وأشد بلاءها! 

فقد أصبح دعاتها -إلا من رحم الله- في حاجة إلى دعاة، ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون ثم يرشدون؟

 

المصدر: كتاب “مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله الكاملة”، دار الجيل – بيروت، 1404هـ، 1984م، [1/295]- بتصرُّف

الجمعة، 21 مارس 2025

الحوار الأخير مع الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله

الحوار الأخير مع الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله

بدلاً من تقويم عوج الحياة بنصوص الشريعة..

يحتال على نصوص الشريعة

حتى يُبرِّر عِوَج الحياة المعاصرة باسم تطوير الشريعة

نُشرت في مجلة "الأمة"

العدد الحادي والثلاثون - السنة الثالثة رجب 1403هـ - نيسان (أبريل) 1983م.


 


اجرى الحوار: انور الجندي

الدكتور محمد محمد حسين رئيس قسم الادب واللغة العربية بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية واستاذ الادب العربي في جامعة الاسكندرية منذ 1933م . وهو يجاهد في سبيل مفهوم اسلامي اصيل للادب العربي ، وقد عمل سنوات طويلة في كلية الاداب بجامعة بيروت العربية، واصدر عددا من المؤلفات في مقدمتها كتابه الاشهر الذي ادى خدمات واسعة بنقل وجهة النظر الاسلامية الى شباب الجامعات " الاتجاهات الوطنية في الادب المعاصر " في جزأين، من الثورة العربية الى قيام الجامعة العربية، ( 1882-1946م) وله مؤلفات متعددة منها : كتابه (حصوننا مهددة من داخلها) وقد توفي الى رحمة الله في (ربيع الاخر 1403هـ) (1983م)، وقد اجرينا معه الحديث اثناء زيارته للقاهرة.. على امل ان يتم في زيارة اخرى غير ان قضاء الله نفذ قبل ان نتم الحوار.

قلت للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله في اخر لقاء معه :

اليوم وبعد ان مضى عليك في الميدان نصف قرن (1933-1982م) وانت تجالد في وجه التغريب ، والشعوبية ، والغزو الثقافي، ازاء السموم الناقعات التي طرحها الدكتور طه حسين وغيره في طريق الادب العربي ، ماهو تقويمك لهذه المرحلة .. وهل استطاعت ان تحقق شيئا ؟

وابتسم الدكتور محمد محمد حسين الذي فتح افاقا في مجال تصحيح المفاهيم، وتحرير الادب العربي والثقافة الاسلامية ابتسامة ذات معنى، فقد عرفته منذ عشرين عاما وانا على طريق مواجهة التغريب والغزو الثقافي, وانتفعت كثيرا برصيده الضخم في هذا المجال .

والدكتور محمد محمد حسين واحد من ابناء المدرسة الاسلامية الملتزمة التي نشأت في احضان حركة اليقظة الاسلامية، والتي حملت لواء (اسلمة) الادب والثقافة في كلية الاداب على مدى خمسين عاما، وتحريرها من الزيف والسموم التي صبغها بها الدكتور طه حسين وشيعته، امثال : علي عبد الرازق، وامين الخولي ، وابراهيم مصطفى ... وهو رائد الاصالة في مجال الادب شأنه شأن علي سامي النشار في مجال الفلسفة، وعبد القادر عودة في مجال الشريعة والقانون، ومحمود ابو السعود ، وعيسى عبده في مجال الاقتصاد، كل هؤلاء ردو للاسلام اعتباره بعد ان طواه التغريب زمنا في الدراسات الجامعية ... فلهم اجرهم عند ربهم .

قال : لعلك تعرف من احاديث بيننا مستفيضه ماضية ان التغريب قد كبل الفكر الاسلامي بسلاسله ، فلم يدع مجالا من المجالات الا ووضع قيوده وحواجزه حتى يحتوي الفكر الاسلامي في دائرة مغلقه فلا يستطيع تحقيق ذاتيته او التماس مصدره القراني الاصيل ، وهي محاصرة شملت عدة ميادين : اهمها واخطرها ميدان الشريعة الاسلامية .

اولا : تطوير الشريعة الاسلامية :

فلنبدا بهذا الخطر الذي يتصل باحتواء الشريعة الاسلامية .

قال : هذا مجال بذلت فيه القوى الاستعمارية وذات النفوذ في البلاد العربية بعد الحرب العالمية الثانيه جهودا كبيرة من اجل احتواء الشريعة الاسلامية تحت اسم التطوير بحيث تصبح اداة لتبرير القيم الغربية ، وتقريب مابين الشعوب الاسلامية والغرب ، فهي الغاية الاخيرة والهدف المقصود الذي تسعى اليه، ومن اساليبهم في هذا التطوير ان يستدرجوا المسلمين الى مؤتمرات للكلام في نقط معينة من نظم الشريعة التي تخالف ما استقر عليه عرف الغربيين مما يجري باسم المدنية ، وذلك لكي يلجئوهم الى تحريف نصوص القران والحديث والميل بها الى ما يوافق العادا ت الغربية السائدة . واكثر ما تجد هذا التحريف في ( المرأة) وما يتصل بشؤونها مثل ما يدعي بعضهم من ان الاسلام قد اسس المرأة حقوقا في الحكم او الكلام عن الحجاب او النقاب وتعدد الزوجات والربا .

ولقد يطلب من احدهم ان يتحدث عن هذه الموضوعات، فيشغل نفسه بتبرير الاساليب العصرية السائدة مما يخالف الشريعة الاسلامية ، فينتحل لها الاعذار ، ويخترع الحيل لتحريمها ومحاولة الميل الى اقصى ما تحمله النصوص نحو القيم الغربية ارضاء للداعين له ، وبذلك يقع في الاحبولة التي دبرها له ولامثاله دهاقين المستشرقين ، فهو في سبيل دفع تهم الجمود التي يلصقها الغربيون بالشريعة ينجرف الى اقصى الطرف المناقض في بيان ما تنطوي عليه الشريعة من مرونه التطبيق حتى يبلغ بهذه المرونه حد الميوعة وانعدام الذات والمقومات التي تجعلها صالحة لان تكون ذيلا لاي نظام وتبعا للاهواء، وبذلك ينتهي الى الغاء وظيفة الدين ، لانه بدلا من تقويم عوج الحياه بنصوص الشريعة يحتال على نصوص الشريعة حتى يبرر عوج الحياه المعاصرة. وتجري دراسات المستشرقين ومؤتمراتهم نحو هذا الغاية الخطيرة، وهي تهدف الى محاصرة ( الدين) لتضييق دائرة نفوذه وقصرها على شؤون العبادات والغاء المعاملات التي يقوم عليها تنظيم المجتمع.

كذلك فان من محاذير اعمالهم مع بعض من يؤيدهم من علماء المسليمن فكرة اعادة النظر في الدين وتطويره ومنهم من يطالب بوضع تجربة الدين وتجربة النبوة والمعجزات والصلاة والحياة الاخرة موضع البحث واخضاعها لقوانين علم النفس الحديث التي تقوم على الحدس ، والتي تخضع للتغيير والتبديل...

ثانيا : تبعية التعليم للغرب:

وماذا عن الخطر الذي يأتي من جانب تبعية التعليم في البلاد العربية للمنهاهج الاجنبية؟

قال الدكتور محمد محمد حسين : ان حصوننا مهددة من داخلها ، ان وزارات التربية والتعليم هي اهم المعاقل والحصون الساهرة على امن الشعوب وكيانها، لانها هي المؤتمنة على اثمن ما تملكه الامة من كنوز ، وهي الثروة البشرية بما تنطوي عليه من قوى مادية ومن ملكات عقلية وخلقية ممثلة في رجال الغد الذين تشرف على تربيتهم ، وهي ثروة تتضاءل الى جانبها كل كنوز الارض ، لان كنوز الارض لاتساوي شيئا بدونها ، فالعقل هو الذي يستخرجها ، والخلق الديني هو الذي يدفع الناس الى بذل الجهد والى اعمال هذا العقل فيما وكل اليه من امور ، ولا ريب ان اتصال القائمين على شؤون التربية والتعليم في هذه البلاد العربية بالمؤسسات الغربية والتعاون معها في ترويج مبادئ واساليب يقال: ان المقصود بها هو رفع مستوى التعليم واصلاح شؤون الجيل الجديد .

امر لايصدقه عقل ولا يتفق مع ما يبذلون من محاولات ظاهرة وخفيه لابتلاع هذه الامة والكيد لها. ان التقدم الصناعي لا يغني شيئا ان غفلنا عما حفظه التاريخ من دروس وعضات ، فتفرقت بنا السبل، ودب فينا دبيب الخلاف ، ومزقتنا الدعوات المتنافرة التي ينقض بعضها بعضا والدين واللغة هما اهم دواعي الالفة والتماسك في كل مجتمع اسلامي والدين هوالذي يوحد العادات والامزجة ، فتجمع الناس فيما يحبون و فيما يكرهون , وفيما يألفون وفيما يعادون على الوان معينة من الاساليب البيانية ، لذلك كانت المعاهد والمؤسسات التي تقوم على صيانة الدين واللغة هي بمثابة الحصون والمعاقل التي تسهر على حمايتنا وسلامتنا .

وتحاول بعض الدول الغربية ان تجمع رجال التربية في مؤتمرات لاحتوائهم وتوجيههم وجهتها هي ، والمركز الدولي للتربية الاساسية في العالم العربي لا عمل له الا سلخ الريف العربي من دينه وخلقه وعروبته . وطبعه بالطابع الغربي ، اتمام لما بذله الغرب من جهود في فرنجة هذه المنطقة بعد ان اعلن المستشرقون ان تاثير الفرنجة او التغريب لم يتجاوز المدن ، وهو احتيال خبيث لدخول الريف بعد ان عجز التنصير ، وعجزت الاساليب الاستعمارية عن اقتحامه الى ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وهاهو يقتحم اليوم تحت ستار بما يسمى بالتربية الاساسية . وهي بهذا تهدف الى تغيير الافكار والنزعات والاتجاهات على اسس غربيه خالصة تروج باسم العلم, هذا التغيير لا يبالي ان خالف الاسلام وتعاليمه لان القائمين على هذا التغيير هم مجموعة من الخواجات الذين يختفون خلف الشخوص العربية التي تبدو للناظر وكانها تتحرك بارادتها وهي تسير وراء خطوط مرسومة وتهدف هذه المؤسسات الى افساد المراة الريفية وفرنجتها واستئصال حيائها وخلط الذكور بالاناث ، واخراج المراة للاسواق، وامتهانها بين الرجال مما يعرض المجتمع كله الى الفساد والانحلال والاندثار، والهدف الخفي هو استقاء معلومات دقيقه من مصادر موثوق بها تخدم الذين يرسمون الخطط السياسية والحربية لهذه المنطقة . وكذلك يرمي اشراك البنين والبنات في الرحلات ، وهو ماتدعو اليه الماسونية يتحول الى انظمة عملية.

اننا اذا احتجنا الى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقهم في الصناعات الالية التي كانت سببا في مجده وسيادته، فمن المؤكد اننا في غير حاجة الى استيراد قواعد السلوك والتربية والاخلاق التي تدل الامارات والبوادر على انها ستؤدي الى تدمير حضارته ، والقضاء عليها قضاءً تاما في القريب العاجل .

ثالثا: بعث التاريخ القديم :

قلت وماذا ترى في دعوة التغريب والشعوبية والغزو الثقافي الى احياء الحضارات السابقة على الاسلام ؟

قال الدكتور محمد محمد حسين : هذا خيط من الخيوط الاساسية التي تكون الشرك الذي يراد به احتواء المسلمين : مجتمعهم وفكرهم فان المستشارين الغربيين اليوم في البلاد العربية يدعون الى العناية بالتاريخ القديم . والى ان يبذل علماء الاثار الغربيون جهدا مشتركا لتدريب علماء الاثار المسليمن ، وهو هدف يرمي الى تلوين الحياة المحلية في كل بلد من بلاد دار الاسلام بلون خاص يستند في مقوماته الى اصوله الجاهلية الاولى وبذلك تعود الحياة الاجتماعية التي وحد الاسلام مظاهرها الى الفرقة والتشعب برجوعها الى اصولها القديمة السابقة على الاسلام فيستريح المستغلون من احتمال تكتل المسلمين علينا ان نكشف خصائص هذه الدعوة ونبين خطورة اهدافها التي لا تخدم الا مطامع الغرب التي يتوسل اليها في البلاد العربية وفي العالم الاسلامي بتقطيع اوصالها، وبث روح التنافر والتدابر والتقاطع بين افرادها وجماعاتها، استدامة للوضع الراهن الذليل الذي كانت فيه.

وتحاشيا لاتحادها الذي يؤدي الى قوتها ، وقد ظهرت الدعوة الى احياء الحضارات السابقة على الاسلام في وقت واحد في تركيا والشام مصر والعراق وشمال افريقيا والهند واندونيسيا بمظهر واحد واساليب متشابه . ومن ذلك استخدام الفلكلور لهذا الغرض ايضا ، والبحث عن كل مايتصل بعادات الشعوب وتقاليدها وخرافاتها واساطيرها ومعتقداتها وفنونها وكل ما يجري على السنتها من اغان وامثال , او شتائم واهازيج, وتهدف من وراء ذلك الى التعمق في تحليل نفوس اصحابها وادراك دوافعها ونوازعها وفهم ما ينتظم عواطفها من منطق بغية الوصول الى امثل الطرق واحدق الخطط للتمكن من هذه الامم واستغلالها وادامة عبوديتها ...

رابعا : تدمير المجتمع الاسلامي :

قلت : وماذا عن التحديات التي تواجه المجتمع الاسلامي نتيجة لمخططات التغريب؟

قال الدكتور محمد محمد حسين : ان هناك هدفا مبيتا هو فرنجة المراة الشرقية وحملها على اساليب الغرب في شتى شؤونها، في الزواج والطلاق، وفي المشاركة في العمل والانتاج، وفي شتى الميادين ، وفي الزي والمحافل . هذا الاتجاه هو بدوره جزء من اتجاه اكبر يراد به سلخنا من ادب اسلامنا وتشريعه . والحاقنا في الغرب في التشريع والادب والموسيقى والرسم وسائر شؤون الحياة من جد ولهو .

وابرز جوانبه ناحيتان اختلاط النساء بالرجال واشتغال النساء باعمال الرجال. واحب ان انبه ان هذه الخيوط كلها تجري في اتجاه واحد هو خطة الصهيونية الكبرى للسيطرة على العالم من طريق هدم كل مافيه من قوى، ومن قولهم في البروتوكولات : ان لفظة (الحرية) تجعل المجتمع في صراعه مع جميع القوى بل مع قوة الطبيعة وقوة الله نفسها وقولهم نحن الذين هيئنا لنجاح (داروين, وماركس , ونيتشا) ان ما ينادى به على انه حقوق المرأة لا يهدف الا الى مخالفة عرف راسخ وتحطيم قاعدة مقررة، واقامة عرف جديد في الدين والاخلاق، والذوق وخلق المبررات والمقومات التي تجعل انسلاخنا عن اسلامنا وعروبتنا وشرقيتنا امر واقعا, كما يجعل دخولنا في دين الغرب ومذاهب الغرب وفسق الغرب امرا واقعا كذلك , واخطر ما في هذه الدعوة وامثالها مما يراد به حملنا على كل فاسد من مذاهب الغرب ان اصحابها يهدفون اقحامها على اسلامنا زاعمين انها لا تعارضه. وقد كان قاسم امين هو اول من جرأ الناس على تحريف النصوص حين طلع علينا بطائفة من المزاعم التي تقوم على المخارق, وعلى النصوص المحرفة عن مواضعها والمخلوعة عن سياقها خلعا يخرجها عن مدلولها, وحين تصيد من كتب التاريخ وروياته على اختلاف درجاتها ودرجات مؤلفيها كل شاذ غريب فحشدها في حيز واحد وضم بعض اشتاتها الى بعض حتى خيل الى قارئها على انها على شذوذها وقلتها شيء مألوف كثير الوقوع. ان كثير من النصوص التاريخية والفقهية التي اقتطعها ناقصة الدلالة.. غامضة العبارة .

وقد استطاع ان يروج ذلك كله بين الناس بمرور الايام بفضل قوة حزبه الذي كان ينوه به اللورد كرومر في تقريره وهو الحزب الذي علق كرومر عليه الامال في رعاية المصالح الانجليزية عن طريق انشاء علاقات الود والتفاهم بين الانجليز والمسلمين في مصر . وقد تبين من بعد فساد الاستدلال بهذه النصوص حتى ان شوقي قال في قصيدته "رثاء قاسم امين"ما يدل على ذلك . ولك البيان الجذل في انتانه العلم الغزير من مطلب حسن كثير في مزالقه العثور ما بالكتاب ولا الحديث اذا ذكرتهما نكير حتى ليسأل هل تغار على العقائد او تغير ؟

سابعا : كتابات الادباء عن الاسلام :

ماذ ترى في كتابات العقاد وطه حسين الاسلامية ؟

محمد محمد حسين : ان طه حسين والعقاد لاينتميان اصلا الى المدرسة الاسلامية من الناحية الفكرية ولاكنهما ينتميان منذ نشاتهما الاولى الى المدرسة الليبرالية المتحررة التي تعتبر ( لطفي السيد) استاذها الاول في جيلهما : والمدرسة الليبرالية تحكم العقل المجرد والمتحرر من كل المواريث الفكرية والسلوكية في كل شيء ولا تبالي ان تلتقي مع الدين في كل وجهات النظر او بعضها او تتعارض معه اوتخالفه, ولكن كان طه حسين اكثر عنفا واكثر جرأة في معارضة الدين ، وفي المجاهرة بما يثير الناس ليلفت الى نفسه الانظار, لقد هاجم طه حسين اباه في ما كان يتلوه من اوراد في اعقاب الصلاة وفي الليل ( في كتاب الايام ) .

ان طه حسين والعقاد قد اكتسحتهما الموجة الاسلامية العارمة فتتابعت كتبهما بعد ان اصبح ذلك هو البدع الشائع الذي يغمر الاسواق , ولم يعد التشدق بالكفر ونظرياته المستوردة سمى من سمات المفكرين تستهوي الاغرار من الشباب كما كان في العشرينيات .

ويرجع هذا الانقلاب الفكري الى عدة عوامل عدلت بالناس وبكثير من المفكرين عن طريق احتذاء الحضارة الغربية والفكر الغربي, وردتهم الى طريق الاسلام : موجة التنصير , هجرة اليهود الى فلسطين ، سقوط الخلافة علي يد الكماليين وظهور جمعيات اسلامية عظيمة . قاعدة اساسية ينبغي ان توضع في الحسبان حين يوزن الادباء والمفكرين من وجهة النظر الاسلامية، وهي ان الاسلام نظرية في السلوك بمثل ما انه نظرية في المعرفة ولذلك كان من المهم ان لايقبل فكر اسلامي او ادب اسلامي من مفكر او اديب لايمارس الاسلام ولا يلتزم به ومعروف ان طه حسين والعقاد لم يكونا ممارسين للاسلام في اصوله لاصيله.

ثامنا : موجة الشعر الحر :

وماذا ترى في موجة الشعر الحر التي استشرت في البلاد العربية؟

محمد محمد حسين : الشعر الحر في اصل نشاته شعبه من اتجاه عام يدعو الى تغليد الغرب في فكره وحضارته، فاطلاق الشعر من القافية التي ظل يلتزمها طوال هذه القرون منذ عرفنا الشعر العربي : دعوى تستمد حجمها ومبرراتها من الشعر الغربي الذي لم يعرف القافية الا في حدود ضيقة من اثار احتكاكه وتاثره بالادب العربي في الاندلس . ولمذا الحرص على تسمية هذا النوع من الادب شعرا, انه ادب نثري ولم يقل احد ان الادب النثري يخلو من التصوير ومن التاثر والتاثير العاطفي , بل انه حين يخلو منهما لايصح ان نعتبره ادبا على الاطلاق .

ان هذا الحرص على تسميته شعرا لم يجيء الا من اعتباره شعرا عند الغربين وهو على كل حال اخذ في التراجع والتقلص وقد بدات موجته في الانحصار بعد ان بلغت دروتها في العقدين السابقين من هذا القرن وكان كل ماتركته من اثر هو ضعف هذا الجيل , وعجزه عن تذوق الشعر العربي الاصيل في تراثه الطويل وكان مما فتن به اصحابه انهم تصورو انفسهم انهم اصبحو شعراء عالميين بعد ان ترجم بعض شعرهم للغات الاوروبية كانهم يكتبون للغرب ولايكتبون لقومهم من العرب , وكأن شرطا من شروط الادب الجيد ان يكون مقبولا عند غير اهله : ولعل هذه الترجمات كانت وجها من وجوه المخطط الذي يغري بترويج هذا الاتجاه الذي ينتهي ان نجح الى قطع ما بين حاضرنا الادبي وبين تراثنا من صلات .

لقد كان اصحاب هذا الاتجاه يدافعون عن مذهبهم بحجج ابرزها اثنتان :

الاولى : ان القافية قيد يلتزم به الشاعر على حساب عناصر الشعر الاخرى من فكر وصور وعاطفة .

الثانية : ان اغلاق باب التشديد وتقييد حرية الفنان في ابتكار ما يناسبه من قوالب واساليب يشمل انطلاقه وينتهي الى حال من الركود والجمود يتخلف معها الشعر ويتراجع .

والرد على الحجتين سهل ويسير : اما الحجة الاولى فهي تعلة الضعفاء الذين يعجزون عن النهوض باعباء الشعر من كل جوانبه وعناصره , وقد نهض بها الفحول من الاقدمين فما راينا في شعرهم جورا على الفكر والصور بسبب التزام القافية , وفن الشعر للقادرين عليه... وفي النثر متسع لغير القادرين , والبعد عن ميدان الادب جملة اولى بالعاجزين .

واما عن دعوة تجديد وحرية الفنان فقد توافرا دائما على مدار القرون , وفي مختلف العصور والبيئات , فجدد شعراء العرب وابتكروا ما بتكرو , واضافو ما اضافو في حدود طبيعة الشعر العربي , ومع التزام مقوماته الاصيلة , فاختلفت الوانهم باختلاف العصور والبيئات , ومع ذلك قد كان هذا الابتكار في اشكال الشعر وقوالبه وقوافيه قصير العمر , ولم يلبث الشعر ان عاد الى النبع الاصيل وحين بدات نهضة الشعر المعاصر بعد ركود طويل منذ مايقارب القرن , عاد رواد النهضة الى النبع الاصيل يستقون منه ويسقون ... ثم ان دعوى الحرية بلا قيود في اي جانب من جوانب الحياه هي دعوى تقوم على سذاجة الداعي اليها او سوء قصده , فليس هناك حرية مطلقة للانسان ولا لشيء من خلق الله , وليست الحرية المطلقة الا الهوى , ﴿ولو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن .

نعم لوكان للارض اختيار لدارت كما تهوى , ولوكان للشمس وسائر الكواكب اختيار لجرت على ما تهوى , ولو كان للكائنات التي تخضع لسنن الله الكبرى القاهرة من تجاوب وتنافر من اختيار لفسد الكون وبطلت الحياة , ومن سنن الله الكبرى ان يكون الناس شعوبا وامما, وان يكون لكل امة لسانها الخاص ومزاجها وتقاليدها , والفنون على اختلافها لها انتماء قومي , وشرطها الاساسي ان تجمل عند قومها اولا وقبل كل شيء , وليس مهما بعد ذلك ان تجمل اوتحسن عند غيرهم , والكلام عن الانسان في هذا المجال وعن العالمية ضار جدا وهادم لاسباب النهضة عند الامة الضعيفة بنوع خاص , لانها لايقوم لها نهضة الا على مغارسها واصولها الاولى والنهضة على غير هذا الاساس فناء لذات العنصر الاضعف في العنصر الاقوى ...وهذا وقد كان من الاسألة كثير وكثير... ورحم الله الدكتور محمد محمد حسين و اجزل مثوبته .

مجلة الامة العدد - 31 - رجـ( 7 )ـب 1403هـ

الخميس، 22 يونيو 2023

من روائع إقبال (كتاب نصي)

        من روائع إقبال (كتاب نصي)

تأليف : ابو الحسن علي الحسني الندوي  


 الى الأمة العربية :

خصص محمد إقبال قصيدة من أبدع قصائده للحديث مع الأمة العربية ، ليسجل فيها فضلها و سبقها ، في حمل الرسالة الإسلامية ، و الأخذ بيد الإنسانية ، و افتتاحها لتاريخ جديد و فجر سعيد ، و سرعان ما ينتقل إلى موضعه الحبيب الأثير، فيذكر الشخصية الحبيبة التي كانت على يدها نهضة هذه الأمة و سعادتها ، بل نهضة الإنسانية و سعادتها ، فيرسل على عادته النفس على سجيتها ،

و يعطي القلب و العاطفة زمامه ، و يسترسل في الحديث ، فيقول: (( أيتها الأمة العربية ! التي كتب الله لباديتها و صحرائها الخلود ، من الذي سمع العالم منه نداء «لا قيصر ولا کسری» لأول مرة في التاريخ (1) (يشير إلى الحديث المشهور: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، و إذا هلك كسرى فلا کسری بعده». ) ، و من الذي أكرمه الله بالسبق إلى قراءة القرآن ؟ من الذي أطلعه على سر التوحيد ، فنادى بأعلى صوته: «لا إله إلا الله» ، و ما هي البقعة التي اشتعل فيها هذا السراج الذي أضاء به العالم ؟ هل العلم و الحكمة إلا فتات مائدتكم ، وهل قوله تعالى : (( فَأَصْبَحْتُم

ص 119

بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانً )) إلا وصف حالكم ، إن نفس ذلك الأمي أعاد على هذه الصحراء الخصب و النمو ، فأنبتت الأزهار و الرياحين ، إن الحرية نشأت في أحضانه ، و إن حاضر الشعوب ليس إلا وليد أمسه ، إن الجسد البشري کان بلا قلب و روح ، فأعطاه القلب و الروح و كشفت اللثام عن جمال وجهه ، إنه حطم كل صنم قديم ، و أفاض الحياة على غصن ذاو من أغصان العلوم و المدنية ، و أنجب أبطال و قادة مؤمنين ، أقاموا المعارك الفاصلة بين الحق و الباطل ، فتارة يدوي الأذان في ساحة الحرب ، و تارة تتجلى الآذان بقراءة «الصافات» (۱) (يشير الى سورة «الصافات») ، بين صليل السيوف و صهيل الخيول ، إن سيف البطل المغوار كصلاح الدين الأيوبي ، و نظرة الزاهد الأواب كأبي یزید البسطامي ، مفتاحان لكنوز الدنيا و الآخرة .

إن العقل و القلب يجتمعان تحت لوائه ، و إن ذكر جلال الدين الرومي ، و فكر فخر الدين الرازي يلتجئان تحت ردائه ، إن العلم ، و الحكمة ، و الشرع ، و الدین ، و الملك ، و الإدارة ، و لوعة القلوب ، مقتبسة من نوره ، و ليست «الحمراء» في غرناطة ، و قصر «التاج» في آكره (2) (يعني «التاج المحل» الذي بناه الإمبراطور المغولي «شاه جهان»  و يعتبر آية في الفن المعماري ، و يأتي إليه الجوالون و الزائرون من أقاصي البلاد) ، اللذان خضع لجمالهما وجلالهما كبار

ص 120

الفنانين الناقدين ، عظماء العباد الزاهدين ، ليس إلا صدقة من صدقات بعثته ، و مظهراً من مظاهر عبقرية أمته ، إن بعض ظاهره تجلى في سمو ذوق أمته ، و سلامة تفكيرها ، و جمال فنها ، أما باطنه فقد تقاصر عن إدراكه كبار العارفين .

لقد كان الانسان حفنة من تراب ، و قبضة من أشلاء و عظام ، لا يدري ما الكتاب و لا الإيمان ، فعرفه بالعلم و الإيمان ، و أذاقه لذة العبادة و الإحسان ، فجزاه الله عن الإنسانية أفضل الجزاء . ))

يذكر إقبال الأمة العربية عهدها القديم قبل البعثة حين كان نظام العرب فوضى ، يعيشون كالبهائم التي لا هم لها في الحياة إلا الأكل و الشرب ، و كان مثلهم كمثل السيف المفلول يتراءى للناظر لامعاً قاطعاً ، و لكن ليست له ظبة فهو لا ينتفع به ، فيقول الشاعر (1) (من ترجمة الأستاذ سعيد الندوي به) :

(( أيها العرب قد من الله عليكم ، إذ جعلكم مثل السيف البتار أو أحدَّ منه ، و كنتم فيما قبل ترعون الإبل في الصحراء ، تركبون عليها ، و تظعنون بها ، ثم انعكست الآية ، فسخر الله لكم المقادير ، فضلاً عن الإبل ، فأصبحتم من مالكي أعنتها ، فلو أقسمتم على الله لأبركم ، و هنالك دوت تكبيراتكم و صلواتكم ، و زمزمت جلبة حروبكم و مغازيكم بين الخافقين ، فارتج بها ما بين الشرق

ص 121

و الغرب ، فما أحسن تلك المغامرات ، و ما أجمل تلك الغزوات )) .

و بعد ما يمدحهم الشاعر ، و يذكر حماستهم الا و غضبتهم المضرية في الله و رسوله ، و يبدي فرحه و سروره ، و يملكه الحزن ، و التألم بما يرى من خمود الى النشاط ، و الإحجام بعد الإقدام ، و الفرقة بعد الوحدة، و العبودية بعد السيادة ، و الاتباع بعد القيادة ، و يقبل إليهم مخاطباً معاتباً و يقول:

(( أسفاً على هذا الخمود و الجمود ، أيها العرب ! ألا ترون إلى الأمم الأخرى ، كيف تقدمت و سبقت ! أما أنتم فما قدرتم قدر هذه الصحراء التي نشأتم فيها ، و هذه الحرية التي ورثتموها ، و کنتم أمة واحدة ، أمة الإسلام ، فصرتم اليوم أمماً ، و كنتم حزباً واحداً ، حزب الله ، فأصبحتم أحزاباً ، لقد فرقتم جمعكم ، و مزقتم شملكم ، و انقسمتم على أنفسكم )) .

(( اعلموا أيها السادة ! أن من ثار على شخصيته و كرامته ، و فقد الثقة بنفسه مات و محي من الوجود ، و من فر من معسكره و انحاز إلى صفوف الأعداء ، و تطفل على مائدتهم ، عوقب بالهوان و الشقاء ، و الطرد و الجلاء، ألا إنه لم يجن عدو على عدو مثل ما جنيتم أنتم على أنفسكم ، و لم يسئ أحد إلى أحد إساءتكم إلى أمتكم ، إنكم آذيتم روح رسول الله صلى الله عليه وسلم بصنيعكم ، فهي متألمة متوجعة شاكية مستغيثة )) .

ص 122

الشاعر عارف بمكائد الإفرنج ، و ما لديهم من سهام مسمومة و هو شديد المعرفة بهم ، و قد عاش فيهم و درسهم و خبرهم ، فهو يتألم إذ يرى في الأمة العربية من يحسن الظن بهم ، و يعتمد عليهم في بناء صرح الحياة ، و فض المشكلات ، فيرسل صيحته و ينذرهم من المصير المظلم المؤلم ، و يقول:

(( مهلاً أيها الغافلون ! إياكم و الركون إلى الإفرنج ، و الاعتماد عليهم ، ارفعوا رؤوسكم ، و انظروا إلى الفتن الكامنة في مطاوي ثيابهم ، ألا إنه لا حيلة لكم و لا وزر إلا أن تطردوهم عن منهلكم و تذودوهم عن حوضكم ، إن حكمة الغرب قد أسرت الأمم ، و تركتها سليبة حزينة لا تملك شيئا ، إنها مزقت وحدة العرب ، و اقتسمت تراثهم ، إن العرب لما وقعوا في حبالهم تنكر لهم كل شيء ، و قسا عليهم هذا الكون ، و لم يجدوا من يرثي لهم و يرفق بهم، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت و ضاقت عليهم أنفسهم )) .

و بعد ما يفيض الشاعر في بيان شرور الإفرنج و مكائدهم ، و يحذر العرب من الانسياق إليهم و الوقوع في شركهم ، يقبل إلى تشجيع العرب و الترفيه عنهم ، ويقول: (( إن الله قد رزقكم البصيرة النافذة ، و لا تزال فيكم الشرارة كامنة ، فقوموا أيها العرب ! و ردوا فيكم روح عمر بن الخطاب مرة أخرى ، إن منبع القوة و مصدرها هو الدين ، منه يستمد المؤمن العزم و اليقين ، و ما دامت ضمائركم أمينة للسر الإلهي ، فيا عمار

ص 123

البادية ! أنتم الحراس للدين ، و أمناء الله في العالمين .

إن غريزتكم العربية الإسلامية ميزان للخير و الشر ، و أنتم ورثة الأرض ، إذا تألق نجمكم في آفاق السماء أفلت نجوم و طوى بساطهم ، لن تسعهم الصحراء و الفيافي ، فاضربوا في وجودكم ، الذي يسع الأفاق ، كونوا أسرع من العاصفة و أقوى من السيل ، حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة و تسبق الريح )) .

(( ليت شعري ! من خلفكم في الحياة ؟ إن العصر الحاضر وليد نشاطكم و كفاحكم ، و صنيع جهادكم و دعوتكم ، و ما زلتم سادته و ولاته حتى أفلت زمامه منكم ، فتبناه الغرب و امتلكه ، و من ذلك اليوم فقد هذا العصر و هذا المجتمع الإنساني شرفه و كرامته و أصبح تحت ولايته منافقاً خليعاً ، ثائراً على الدين )) .

(( فيا رجل البادية ! و يا سيد الصحراء ! عد إلى قوتك و عزتك ، و امتلك ناصية الأيام ، و خذ عنان التاريخ و خذ قافلة البشرية إلى الغاية المثلى )) .

و هنا نبذة أخرى من أبياته يشكو فيها إلى روح رسول الله  ﷺ ضياع الأمة الإسلامية ، و انطفاء شعلة الحياة و الإيمان في نفوس العرب ، و يشكو وحدته و غربته في هذا المجتمع الإسلامي البارد الجامد ، و يناجيه مناجاة من قام بين يديه، وأذن له في الكلام و يقول:

(( لقد تشتت شمل أمتك يا محمد ! يا رسول الله ، فإلى أين يلجأ

ص 124

المسلم الحزين ، و إلى من يأوي ؟ لقد سكن بحر العرب المضطرب المائج ، و فقدت الأمة العربية ذلك اللوع و ذلك القلق الذي عرفت به ، فإلى من أشكو ألمي ، و أين أجد من يساعدني على آلامي و أحزاني ؟ و ماذا يفعل حادي أمتك ، و كيف يقطع الطريق الشاسع ، و يطوي السفر البعيد في هذه الجبال و المهامه ، و قد ضل سبيله ، و فقد زاده ، و انقطع عن الركب ، بالله ! قل لي ماذا يصنع حامل دعوتك ، المؤمن برسالتك ، و أين يجد زملاءه و رفقته؟ )) .

و يؤلم الشاعر أن يرى العرب لا يزالون ينظرون إلى الأوربيين الانجليز و الأمريكيين كأصدقاء مخلصين ، و أعوان منجدين ، يحلون لهم مشكلة اللاجئين ، و يردون إليهم أرض فلسطين ، مع أنهم لا يزالون تحت سيطرة اليهود و نفوذهم السياسي و الاقتصادي و الصحافي ، يقول :

(( أنا أعلم جيداً يا إخوتي العرب ! أن النار التي شغلت الزمان وبهرت التاريخ ، لم تزل و لا تزال تشتعل في وجودكم ، صدقوا أيها السادة ! إنه لا دواء لكم في جنيف و لا في لندن ، لأنكم تعلمون أن اليهود لا يزالون يتحكمون في سياسة أوربا ، و لا يزالون يملكون زمامها ، إن الأمم لا تذوق طعم الحرية و الاستقلال حتى تربي فيها الشخصية و الاعتداد بالنفس ، و تعرف لذة الظهور )) .

وأخيرا يقول كلمة صريحة مركزة بليغة مع تلطف و اعتذار :

ص 125

(( معذرة يا عظماء العرب ! لقد أراد هذا الهندي (1) ( لا يعزبن عن البال أن محمد إقبال توفي قبل ولادة باكستان سنوات، وقبل أن تكون هناك جنسية باكستانية ) ، يخاطبكم و يقول لكم كلمة صريحة ، فلا تقولوا أيها الكرام : هندي ، و نصيحة للعرب ؟ إنكم كنتم يا معشر العرب ! أسبق إلى معرفة حقيقة هذا الدين ، و إنه لا يتم الاتصال بمحمد ﷺ إلا بانقطاع عن «أبي لهب» ، و إنه لا يصح الإيمان بالله الا بالكفر بالطاغوت ، كذلك لا تتم الفكرة الإسلامية إلا بإنكار القوميات و الوطنيات ، و الفلسفات المادية ، إن العالم العربي ، أيها السادة ! لا يتكون و لا يظهر إلى الوجود بالثغور و الحدود ، و إنما يقوم على أساس هذا الدين الإسلامي وعلى الصلة بمحمد ﷺ ))  

ص 126

الأحد، 4 يونيو 2023

قوة العرب المعطلة

 قوة العرب المعطلة

محب الدين الخطيب

ما ذلَّ الشرق، وانقطعت صلته بينبوع قوته، ومادة حياته، إلَّا يوم جهل الناطقون بالضاد قدر أنفسهم، ونسوا رسالتهم العُلويةَ، التي كانوا بها ملح الأرض؛ فرفعوا يدهم عن دفة السفينة، وتعطلت ألبابهم عن هداية القافلة؛ وهنالك استعجم الإسلام.

ولا تعود إلى الشرق قوتُه وحياته إلَّا إذا عاد إلى اغتراف إيمانه المحمدي من ينبوعه الأول، من بين الصخور التي انفجرت عن معينه، وصفَّق عليها برحيقه السَّلْسل.

ولا يكون ذلك إلا إذا اشتركت في حمل مشعله سواعدُ العرب، وسُمع في حُداء صوت أبناء العرب.

 

بالإسلام يلمُّ الشرق شَعثه، ويستعيد قوته، وتنمو فيه أخلاق الرجولة، ويتأهل لمشاركة الأمم في حمل عبء الحضارة، واحتلال المحلِّ الشريف من صفِّ القيادة.

وإذا دبَّت في الإسلام روح الحياة، فعاد إلى ما كان عليه من صفاء وبهاء، وصراحة في عصر السعادة وفي أيام التابعين- فستجد فيه الإنسانية دواءها من أوصابها، وسيتَّقي به البشر طغيان القوميات، الذي يتمخَّض بمذبحة جهنمية تحترق بها الأرض.

وإذا بقيت منها بقية بعد الحرب المقبلة فستستعدُّ لشرٍّ منها.

وإذا أبطأ على الناس شرُّ القوميات وملاحمها، فسيكتسحهم وباء الشيوعية، الذي يتغلغل في أحشاء الأُمم، وتقاومه الأُمم بالعصبيات الحقودة الباغية.

وهكذا يستشفي الناس من داء بداء، ما لم يهتدوا إلى الإسلام، ويستشفوا به.

وكيف يهتدون إلى الإسلام، والمسلمون واقفون في طريقه، يصدُّون الأُمم عنه بمخازيهم، وجرائمهم،وضعفهم، ونفاقهم، وشحهم، وحسدهم، وشحنائهم، وكذبهم على الإسلام بأنهم أهله ودعاته؟!

 

تجربة جرَّبها آباؤنا مرة يوم باعوا نفوسهم للهداية المحمدية، ووقفوا عليها مداركهم، وأفئدتهم، وسواعدهم، ونقودهم، وأسلحتهم، وسَرَوْا على ضوئها إلى مقاصدهم، ورجعوا إلى ميزانها في تقدير الأمور، فنجحت تلك التجربة النجاح كلَّه، وما لبثوا أن رأوا النفوس التي باعوها لله، وكانت نفوس رجال من عامة الناس، عادت إليهم وهي نفوس ملوك، ورأوا مداركهم التي وقفوها في سبيل الله، صارت من أغزر ينابيع الحكمة، وأفئدتهم التي عمروها بالإيمان بالله، أهَّلتهم لاقتحام العقبات، واختراق الآفاق، وسواعدهم التي حملوا بها ألوية الإسلام إلى أُمم الأرض، تقدمت أُمم الأرض لمصافحتها ومسالمتها، ونقودهم التي بذلوها لإعلاء كلمة الحقِّ عوَّضهم الله منها كنوز كسرى وقيصر، وأسلحتهم التي جردوها لنصرة اليقين، غدت ملاذ العزِّ، وعنوان الفوز، ونقمة الله على الظالمين.

 

وقف الحكيم الفرنسي غوستاف لوبون يراقب بعض ما استطاع أن يراقبه من تصرفاتهم في أدوار التاريخ، فهتف بملء فيه يقول: ما عرفت الإنسانيةُ فاتحاً أحكم ولا أعدل من العرب.

تركوا وراءهم في آفاق الأندلس من بدائع الفن، وآيات العمران، وآثار الحضارة ما يشهد لهم بأنهم أدقُّ الأمم حسًّا، وألطفهم ذوقًا، وأبعدهم نظرًا، وأقلهم غطرسةً ودعوى.

تركوا وراءهم في مكتبة الإنسانية معارف في كلِّ ضرب من ضروب الحكمة، والتفكير، والعلم، عجزت جهالة أعدائهم من التتار والصليبيين والأسبانيين عن تبديدها في مياه دجلة، ونيران طرابلس، والقدس، ومحاكم التفتيش؛ فبقيت من بقاياها أثارة، لا تزال مطابع المستشرقين في أوربا، وهِمم الشرقيين في الهند، وإيران، وبلاد الغرب، تجدُّ في نشر الألوف منها في أكثر من مائة عام، وكلُّ ما نُشر منها لا يساوي قطرةً من بحر علم العرب، الذي لا يزال مطويًّا في مخطوطات دور الكتب الشرقية والغربية، مما عرفه الناس، ومما لم يسمعوا به.

وتركوا وراءهم هداية لو تجرَّد الغرب من تعصُّبه الأعمى للكنيسة، وأخذ بهداية الإسلام- لشفاه الله من كلِّ أمراضه، ولتمتع بالسعادة التي يبحث عنها في الظلام، ولا يجدها.

بل لو تجرَّدنا- نحن أحفاد العرب- من جهالتنا الكسيحة، ووطَّنَّا النفوس على العمل بقواعدها، وعملنا على إحياء تكاليفها الاجتماعية، التي لا تكون الأُمَّة أُمَّة إلا بها- لظهرت حقيقة الإسلام في سيرتنا وسريرتنا، وتجلَّت محاسنه في أعمالنا ومعاملاتنا.

ويومئذ نكون حجة للإسلام لا عليه، ومبشرين به لا منفرين عنه، وقبل أن ينتفع الإسلام بنا ذيوعًا وانتشارًا، ننتفع به نحن تقدمًا واعتلاء.

 

هنالك تعرف الأُممُ الإسلامَ بنا، وتعرِّفنا بالإسلام، وهنالك تُقبل شعوب الأرض على الإيمان به أُمَّة بعد أُمَّة؛ كما يقبل الأفراد الآن على الدخول فيه واحدًا بعد واحد.

في أعناقنا- نحن العرب- جريمةُ إعراضِ أُممِ الأرض عن معرفة هداية الإسلام، وفي أعناقنا- نحن العرب- جريمة خذلاننا وضعفنا واستخذائنا لكثير من أمم الأرض، حتى اليهود.

 

وما دام ناشئ الفتيان منا ينشأ على حب الشهوات، والظنِّ بأنَّ الإسلام دين لا فائدة له في سعادة الدنيا، ويجهل نفسه بأنَّه من سلالة أمة اختصَّها الله بالرسالة إلى الإنسانية، لو أهَّلت نفسها لأدائها لتغيَّرت الأرض بذلك غير الأرض؛ ما دام ناشئ الفتيان منا ينشأ على ذلك- فبطن الأرض أولى له من ظهرها.

 

نحن العرب نصلح لأن نكون خير الأمم أو شرَّ الأمم، أما التوسط بين ذاك وهذا فلم يقع في دور من أدوار التاريخ.

 

نكون في سبات عميق، وفي غفلة تأخذ علينا السبل؛ فإذا استيقظنا قفزنا قفزتنا من سَمْت القدم إلى سمت الرأس، وأصبحنا ملح الأرض، وتاج الإنسانية، وقادة الدنيا.

ولكن كيف نستيقظ؟

ومن الذي يوقظنا؟


الدرر السنية: www.dorar.net

المصدر: كتاب (الحديقة) لمحب الدين الخطيب، 

اعتنى به: سليمان الخراشي، 

الناشر: المكتبة السلفية، القاهرة. 

دار العاصمة، الرياض. (ص: 1428) بتصرف.

الاثنين، 2 يناير 2023

فتيان صنعوا التاريخ - 4 - الزبير بن العوام ”أول من سلّ سيفة في الدفاع عن الإسلام”

فتيان صنعوا التاريخ - 4 -

الزبير بن العوام

(حواري رسول الله ﷺ ) 15 سنة :

أول من سلّ سيفة في الدفاع عن الإسلام





هو فتى أسلم في الخامسة عشر من عمره، وصاحب أول سيف شھر في الإسلام، ففي الأيام الأولى للإسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة، كالإعصار..، ليتبين صحة الخبر، معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلھا حتى يظفر بھم أو يظفروا به، وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا به....؟ فأنھى إليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب.

وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد لقي حظه من اضطھاد قريش وعذابھا. وكان الذي تولى تعذيبه عمه، حيث كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزھق أنفاسه، ويناديه وھو تحت وطأة العذاب:" أكفر برب محمد، أدرأ عنك العذاب". فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غض العظام.. يجيب عمه في ّ تحد رھيب: " لا والله لا أعود لكفر أبدا"

. ويھاجر الزبير إلى الحبشة، الھجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشھد المشاھد كلھا مع رسول الله لا تفتقده غزوة ولا معركة.

وما أكثر الطعنات التي تلقاھا جسده واحتفظ بھا بعد اندمال جراحاتھا، أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده.

ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده، يحدثنا عنھا فيقول: " صحبت الزبير بن العوام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذعا بالسيوف، وإن في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي. فقلت له: والله لقد شھدت بجسمك ما لم أره بأحد قط. فقال لي: أما والله ما منھا جرح إلا مع رسول الله وفي سبيل الله".

ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسھم يتقھقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح ھو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه، ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرھيبة ذاتھا، وسيفه يتوھج في يمينه لا يكبو، ولا يحبو.

وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشھادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله. وكان يقول: " ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلّم، وإني لأسمي ّ بني ". بأسماء الشھداء لعلھم يستشھدون".

وھكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشھداء راجيا أن يكونوا يوم تأتيھم آجالھم شھداء

ولقد قيل في تاريخه: " أنه ما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا إلا الغزو في سبيل الله".

وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله: " والله لنذوقن ما ذاق حمزة، أو لنفتحن عليھم حصنھم".. ثم ألقيا بنفسيھما وحيدين داخل الحصن، وبقوة أعصاب مذھلة، أحكما إنزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!!

ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم ھوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة.. أبصره بعد ھزيمتھم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنھزم، فاقتحم حشدھم وحده، وشتت شملھم وحده، وأزاحھم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة..!! **

ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباھي به ويقول: " إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير بن العوام".. ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفي القوي، والشجاع الأبي : ، والجواد السّخي، والبائع نفسه وماله لرب العالمين ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال:

أَقامَ عَلى عَهدِ النَبِيِّ وَهَديِهِ حَوارِيُّهُ وَالقَولُ بِالفِعلِ يُعدَلُ

أَقامَ عَلى مِنهاجِهِ وَطَريقِهِ يُوالي وَلِيَّ الحَقِّ وَالحَقُّ أَعدَلُ

هُوَ الفارِسُ المَشهورُ وَالبَطَلُ الَّذي يَصولُ إِذا ما كانَ يَومٌ مُحَجَّلُ

إِذا كَشَفَت عَن ساقِها الحَربُ حَشَّها بِأَبيَضَ سَبّاقٍ إِلى المَوتِ يَرفُلُ

وَإِنَّ اِمرَأً كانَت صَفِيَّةُ أُمُّهُ وَمِن أَسَدٍ في بَيتِها لَمُرَفَّلُ

لَهُ مِن رَسولِ اللَهِ قُربى قَريبَةٌ وَمِن نُصرَةِ الإِسلامِ مَجدٌ مُؤَثَّلُ

فَكَم كُربَةٍ جَلّى الزُبَيرُ بِنَفسِهِ عَنِ المُصطَفى وَاللَهُ يُعطي فَيُجزِلُ

فَلا مِثلُهُ فيهِم وَلا كانَ قَبلَهُ وَلَيسَ يَكونُ الدَهرَ ما دامَ يَذبُلُ

ثَناؤُكَ خَيرٌ مِن فَعالِ مَعاشِرٍ وَفِعلُكَ يا اِبنَ الهاشِمِيَّةِ أَفضَلُ

وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رھان..!! فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا..!!

وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته.. حتى وھو يجود بروحه، ويوصي ولده عبدالله بقضاء ديونه قال له: " إذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي".. وسأل عبدالله: أي مولى تعني..؟ فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير

يقول عبدالله فيما بعد: " فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".

فاللهم يا مولى الزبير، افتح أعين شباب أمتنا ليروا ما كان يفعل أجدادهم، وابعث فينا من شبابنا أمثال الزبير ليذودوا عن محارم المسلمين واكتب لنا النصر على أيديهم.. 
اللهم آمين.