‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد المنشاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد المنشاوي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 10 أكتوبر 2025

لماذا لم يفز ترامب بجائزة نوبل للسلام؟

 لماذا لم يفز ترامب بجائزة نوبل للسلام؟



واشنطن- استيقظت العاصمة الأميركية على خبر عدم فوز الرئيس دونالد ترامب بجائزة نوبل للسلام، التي منحتها اللجنة اليوم الجمعة لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو التي تدعمها واشنطن ضد نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وقبل السابعة صباحا بتوقيت واشنطن، غرد ستيفن تشوينغ كبير مساعدي ترامب على منصة إكس قائلا إن "الرئيس ترامب سيواصل إبرام اتفاقات السلام وإنهاء الحروب وإنقاذ الأرواح، لديه قلب إنساني، ولن يكون هناك أبدا أي شخص مثله يمكنه تحريك الجبال بقوة إرادته المطلقة، أثبتت لجنة نوبل أنها تضع السياسة قبل السلام".

ولم تذهب الجائزة إلى ترامب على الرغم من تعزيز طموحاته في الفوز بها بعد نجاح جهوده لدفع كل من إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى الموافقة على خطته لوقف إطلاق النار في غزة، وكرر الدفع بأحقيته بالجائزة، لأنه "يحقق سلاما في منطقة الشرق الأوسط لم يتحقق منذ 3 آلاف عام من الصراع".


طموح لم يكتمل

أراد ترامب أن يكون ثاني رئيس أميركي يفوز بالجائزة بعد باراك أوباما الذي فاز بها عام 2009، ولطالما ركز على أحقيته بالفوز بهذه الجائزة السنوية المهمة، واشتكى عدة مرات من عدم تمكنه من ذلك، رغم جهوده لتوقيع ما باتت تعرف باتفاقيات أبراهام في نهاية فترة حكمه الأولى.

وخلال اجتماعه أمس الخميس مع الرئيس الفنلندي بالبيت الأبيض، قال ترامب "الآن حُلّت الحروب، واحدة عمرها 31 عاما، وأخرى 34 سنة، وصراع آخر عمره 35 عاما، وواحدة تذهب إلى 10 سنوات"، وأضاف "لقد أبرمت 7 صفقات وستكون هذه القادمة رقم 8". وأضاف أنه لا يعرف ما الذي ستفعله لجنة نوبل، "لكنني أعرف أنه لم يحل أحد في التاريخ 8 حروب في فترة 9 أشهر"، على حد قوله.

ودخل على خط دعم رغبة الرئيس الأميركي عدد من قادة ورؤساء الدول، وجماعات نشطة مثل عائلات المحتجزين الإسرائيليين في غزة، وتبنوا وجهة نظر تقول إن جهود ترامب للتفاوض على وقف إطلاق النار في القطاع، ومن قبلها أوكرانيا وأماكن أخرى، تستدعي النظر بجدية في استحقاقه الجائزة.

ونشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة- تغريدة على منصة إكس -أمس الخميس-  لصورة معدّلة لنفسه وهو يعلق ميدالية جائزة نوبل للسلام على رقبة ترامب، وكتب "إنه يستحق ذلك".

والأسبوع الماضي، وضع ترامب خطة من 20 نقطة لوقف الحرب في غزة والتي من شأنها أن تشهد تعيينه رئيسا لما يسمى "مجلس السلام" لحكم القطاع. وارتفع الإحساس باقترابه من الفوز بعد أن وضع هذه الخطة بين إسرائيل وحركة حماس، والتي قبلها الطرفان والدول العربية الإسلامية وبقية دول العالم.


سياسات ترامب الخشنة

كتب ألفريد نوبل في وصيته التاريخية المؤسسة لجوائزه أن "يُختار الشخص الفائز أو المجموعة التي قامت بأكبر قدر من العمل أو الأفضل من أجل الأخوة بين الأمم، وإلغاء أو تقليص الجيوش الدائمة وعقد مؤتمرات السلام والترويج لها"، ويترشح للجائزة كل عام ما بين 200 إلى 300 شخص أو مؤسسة.

وعلى النقيض، ومنذ وصوله للحكم، يتبنى ترامب سياسات خشنة وعبّر بلا مواربة عن رغبته في استعادة قناة بنما وضم كندا لتصبح الولاية الأميركية الـ51، ولم يتردد في القول إن بلاده ستمتلك جزيرة غرينلاند بأي طرق ممكنة.

كما رفع الميزانية العسكرية الأميركية لأكثر من تريليون دولار سنويا، وغيّر اسم البنتاغون من "وزارة الدفاع" إلى "وزارة الحرب"، في إشارة لنهج يتعارض مع مفهوم السلام العالمي.

من جانبه، قال ولفغانغ بوستزتاي، الدبلوماسي السابق وخبير الشؤون الدولية، للجزيرة نت، "هذا العام بالتأكيد لن يفوز ترامب بالجائزة، يجب تقديم الترشيحات بحلول يناير/كانون الثاني، وهو تقريبا الوقت نفسه الذي بدأت فيه فترة حكمه الثانية يوم 20 من الشهر نفسه، ولم تكن قد بدأت تظهر بعد أي ملامح لسياسته الخارجية".

وأضاف "لا أعتقد أن اللجنة ستغير قواعدها الخاصة بالترشيحات. العام المقبل، إذا نجحت خطة غزة حقا، فسيكون (ترامب) مرشحا جادا للغاية".


حظ أوفر

يرى الفريق المؤيد لترامب أن جهوده التي أدت لتوقيع اتفاقيات أبراهام سنة 2020، وإشرافه على التوصل لاتفاقية السلام بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس/آب 2025، ومن قبل ذلك مفاوضاته المباشرة مع كوريا الشمالية، وعقد قمتين تاريخيتين مع زعيمها كيم جونغ أون في عامي 2018 و2019، تدعم حظوظه للفوز بجائزة نوبل.

بيد أن مشاركة واشنطن في الهجمات ضد إيران والتي أتت بعد انسحابه قبل سنوات من الاتفاق النووي عام 2018، والفشل في التوصل لاتفاق جديد، عوامل أضعفت حظوظه، كما أن ترامب ألغى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ويكرر التعبير عن ازدرائه للتعاون الدولي بصفة عامة.

وذكر جيف لي -المسؤول السابق في حملة ترامب الانتخابية- أنه "يمكن للمرء أن يجادل بأن قصف برنامج إيران النووي يمكن أن يكون إجراء لبناء السلام ويحمي حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها، لكن هذا لا يشير بالضرورة إلى كونها خطوة في صنع السلام".

وفي حديث للجزيرة نت، وقبل إعلان هوية الفائز بالجائزة، قال أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة سيراكيوز في نيويورك، أسامة خليل "لا أتوقع أن يفوز ترامب بجائزة نوبل للسلام هذا العام. ومع ذلك، إذا كان قادرا على تأمين سلام دائم في غزة يؤدي إلى دولة فلسطينية ويتجنب حرب تغيير النظام في فنزويلا، فمن المحتمل أن يفوز بها قبل انتهاء فترة ولايته الثانية".

من جانبه، قال نائب وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط، والخبير حاليا بالمجلس الأطلسي السفير ديفيد ماك، للجزيرة نت: "لا أتوقع أن يحصل ترامب على الجائزة هذه السنة. هناك كثير من الشكوك المتدلية من قادة إسرائيل وحماس، ولم تنجح خطته بعد. علينا الانتظار لرؤية كيف سيدعم تنفيذ خطته على أرض الواقع، وسط غياب كل التفاصيل والعراقيل، وغياب الثقة بين الحركة وتل أبيب، وهو ما قد يسهم في فوزه بالجائزة العام المقبل".


الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

بعد استهداف قطر.. هل باتت مظلة الأمن الأميركية حبرا على ورق؟

بعد استهداف قطر.. هل باتت مظلة الأمن الأميركية حبرا على ورق؟



واشنطن- على مدار العقود الأربعة الأخيرة، وتحديدا منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، عملت واشنطن على بناء منظومة عسكرية للأمن الخليجي عمادها وجود عسكري مباشر في قواعد عسكرية ضخمة في دول مجلس التعاون، كما سعت إلى تسليح هذه الدول وتدريب جيوشها في مناورات مشتركة.

وخلال فترة حكم الرئيس دونالد ترامب الأولى كثفت واشنطن ضغطها على حلفائها العرب من أجل تأسيس تحالف إقليمي عسكري يعرف باسم "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي" أو اختصارا بكلمة "ميسا" (MESA)، وعُرف إعلاميا باسم "الناتو العربي".

ويضم هذا التحالف إضافة للولايات المتحدة وإسرائيل 8 دول عربية، هي: دول مجلس التعاون الخليجي ال6 ومصر والأردن، في محاولة تعكس الرؤية الأميركية لخريطة شرق أوسط جديد.

ومع أفول فكرة الناتو العربي، لجأت إدارة ترامب إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لتكون وسيلة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

إسرائيل في سينتكوم

بعد ذلك، وطبقا لخطوات تدريجية مدروسة، أعلن البنتاغون دخول إسرائيل رسميا نطاق مسؤوليات منطقة القيادة الوسطى العسكرية "سينتكوم" إلى جانب بقية دول الشرق الأوسط الأخرى مع بداية حكم الرئيس السابق جو بايدن في يناير/كانون الثاني 2021.

وتؤمن النخبة الأميركية أن من شأن آلية تحالف عسكري أن تقرب بين إسرائيل والدول الخليجية لما يجمعها من هدف رئيسي يتمثل في مواجهة -ما تصفها- "التهديدات الإيرانية".

وسمحت خطوة البنتاغون بتعزيز التنسيق بين القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة وشركائها العرب وحليفتها إسرائيل، إلى أن بدأت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، حيث وفرت لها الولايات المتحدة مظلة عسكرية وسياسية لاستكمال عدوانها.

الهجوم على قطر

مثل الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة الذي استهدف وفد التفاوض لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) نقطة فاصلة وضربة قاتلة لخطط واشنطن المتعلقة بمظلات الأمن الجماعي في المنطقة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى تصريحات بريت ماكغورك، كبير مسؤولي الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد بايدن الذي أكد فيها خلال كلمة له أمام منتدى المنامة العام الماضي أن "بلاده تعمل على بناء بنية تحتية متكاملة للدفاع الجوي والبحري بالشرق الأوسط تضمن حلفاء واشنطن".

وفي السياق ذاته، تحدث خبير الشؤون الدولية بمعهد بيكر في جامعة رايس بولاية تكساس كريستيان كوتس أولريشسن وقال إن "الغارة الجوية في الدوحة تعد عملا عدوانيا وقحا وأكثر هجوم مباشر على دولة خليجية منذ مقتل أحد كبار نشطاء حركة حماس في دبي عام 2010".

وأضاف في حديثه "للجزيرة نت" أن الهجوم سيثير تساؤلات حول قيمة الدبلوماسية والوساطة في المستقبل وكذلك حول دور القاعدة العسكرية الأميركية في العديد التي من المفترض أن تكتشف وتردع التهديدات الجوية.

واعتبر الخبير أولريشسن في حديثه أن "الضربة ستكون ذات أهمية على التصورات الإقليمية في الخليج لمظلة الأمن والدفاع الأميركية، مثلها مثل الضربة المنسوبة إلى إيران على المنشآت النفطية السعودية".

وقال إنه في عام 2019، تسبب فشل إدارة ترامب الأولى بالاستجابة في موجات صدمة في عواصم دول مجلس التعاون الخليجي، مما دفع القادة الإقليميين إلى إعادة تقييم قيمة الردع الأميركي.

من جهته، قال أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيراكيوز بشمال ولاية نيويورك البروفيسور -أسامة خليل- في حديث "للجزيرة نت" إن الضربة الجوية الإسرائيلية في الدوحة تُظهر أن القواعد العسكرية الأميركية التي تم إنشاؤها في جميع أنحاء دول الخليج تهدف إلى بسط القوة الأميركية إقليميا وعالميا، مشيرا إلى أن الجيش الأميركي لن يحمي هذه الدول إلا إذا اتبعت سياسات تتماشى مع واشنطن.

رسالة سلبية

بدوره، اعتبر خبير الشؤون الإستراتيجية ومدير مؤسسة دراسات دول الخليج جورجيو كافيرو، أن الضربة الإسرائيلية غير المسبوقة على قطر -وهي حليف وثيق للولايات المتحدة ومضيفة المقر الأمامي للقيادة المركزية الأميركية- تمثل ضربة خطيرة للدبلوماسية الإقليمية والاستقرار في الخليج.

وقال "للجزيرة نت" إنه من خلال استهداف بلد محوري لجهود الوساطة في الشرق الأوسط، أشارت إسرائيل إلى أنه حتى دول مجلس التعاون الخليجي ليست في مأمن من عدوان تل أبيب.

ورجح أن مصداقية الولايات المتحدة ستتأثر كضامن أمني لدول مجلس التعاون الخليجي حتما نتيجة لهذا الهجوم.

أما الأكاديمية وخبيرة الشؤون الخارجية الأميركية بالمركز العربي بواشنطن، عسل آراد فذكرت أنه مع استضافة قطر لأكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في المنطقة، ترسل هذه الضربة رسالة قوية حول حدود النفوذ الأميركي على الإجراءات الإسرائيلية ما لم تستخدم الولايات المتحدة نفوذها الكبير على إسرائيل.

وفي حديثها "للجزيرة نت"، قالت الخبيرة عسل إن ذلك "قد يثير مخاوف بين حلفاء الولايات المتحدة بشأن استعداد إسرائيل للتصرف من جانب واحد ومحتمل، والعجز الواضح للولايات المتحدة عن إيقافها، مما يعقد حساباتهم الدبلوماسية في المنطقة، في الوقت نفسه، يثير تساؤلات حول فائدة الضمانات الأمنية الأميركية للشركاء في المنطقة".

انتقاد إسرائيل

من جانبه، يقول البروفيسور ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة سميث بولاية ماساتشوستس الأميركية، في حديث "للجزيرة نت" إن "تعليقات البيت الأبيض في أعقاب الهجوم انتقدت إسرائيل بشكل غير معهود، وتضمنت التزاما من ترامب شخصيا لقطر بأن مثل هذا الهجوم لن يحدث مرة أخرى".

وأضاف أن هذا يعني أن الولايات المتحدة ستوضح لإسرائيل أنها لا تستطيع تكرار مثل هذا الحدث، "لكن بالنسبة لشركاء الولايات المتحدة في الخليج، فإن ما إذا كانت الضمانات الأميركية ستعتبر ذات مصداقية قد أصبحت الآن موضع تساؤل".

وأقر هايدمان -وهو الخبير غير المقيم بمركز سياسات الشرق الأوسط في معهد "بروكينغز" بواشنطن- أنه إذا شعرت إسرائيل بأنها قادرة على التصرف بطرق تقوض الدبلوماسية الأميركية بشكل مباشر، واستخدام جيشها ضد دول تعتبرها الولايات المتحدة شريكا إقليميا رئيسيا، فما مدى الثقة التي يمكن أن تمتلكها دول المنطقة في قدرة الولايات المتحدة على كبح جماح إسرائيل؟

وقال إن هذا الهجوم -إلى جانب تعليقات كبار أعضاء الحكومة في إسرائيل الذين يحثون على ضم الضفة الغربية المحتلة- يتسبب بالفعل في إعادة تقييم الحكومات في الخليج حول قيمة التطبيع مع إسرائيل، وحول مدى ثقتها في مظلات الولايات المتحدة الأمنية.

المصدر: الجزيرة


الجمعة، 8 مارس 2013

أوهام خمسة بخصوص نفوذ واشنطن فى مصر


أوهام خمسة بخصوص نفوذ واشنطن فى مصر

محمد المنشاوي


سمحت زيارة وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى للقاهرة الأسبوع الماضى بخروج أعراض مرض عضال تعانى منه النخبة المصرية، حاكمة ومعارضة، فيما يتعلق بأوهام حجم النفوذ الذى تتمتع به الولايات المتحدة فى تشكيل الشأن السياسى المصرى الداخلى إلى العلن. وأعرض هنا لخمسة من أهم تلك الأوهام.

الوهم الأول: أمريكا لديها كروت كثيرة يمكن بها تغيير المعادلات السياسية المصرية الداخلية.

ليس صحيحا، تصور البعض أن المساعدات العسكرية 1.3 مليار دولار، والمساعدات غير عسكرية 250 مليون دولار، يمكن لها أن تجعل متخذى القرار فى مصر يعيدون حساباتهم طبقا لما يرضى واشنطن. خلال عصر حكم الرئيس حسنى مبارك، ورغم الانصياع المصرى لواشنطن فى أغلب القضايا الاقليمية، لم يتردد مبارك من سجن الدكتور سعدالدين إبراهيم (صاحب جنسية أمريكية)، ومن بعده الدكتور أيمن نور. احتجت واشنطن، واحتج رئيسها حينذاك جورج بوش، واشتد غضب أصدقاء المعارضين المصريين فى الكونجرس، إلا أن مبارك لم يرضخ، وفقط أفرج عنهما عندما ارتأى له ذلك. حجم الناتج المحلى الاجمالى لمصر بلغ 230 مليار دولار العام الماضى، لذا لا تمثل المساعدات اليوم قيمة كبيرة ولم يعد لها تأثير فى حجم الاقتصاد المصرى. عندما بدأ تدفق المساعدات الأمريكية عام 1981، كانت قيمتها السنوية تبلغ 5% من الناتج المحلى الإجمالى لمصر، وأصبحت نسبة تلك المساعدات أقل من ربع بالمائة 0.25 % عام 2012.

العملية السياسية المصرية هى نتاج لتوازنات وأحلاف ومفاوضات ليس لواشنطن ولا غيرها دخل بها. لقد طلب كيرى من المعارضة المشاركة فى الانتخابات، فهل ستشارك؟ وطلب كيرى من مرسى التوصل لحلول وسط وقبول شروط صندوق النقد، فهل يقبل؟
•••
الوهم الثانى: أمريكا تستطيع انتشال الاقتصاد المصرى من أزمته

لا تستطيع واشنطن بكل مساعداتها، ولا بكل نفوذها داخل صندوق النقد الدولى أن تنتشل مصر سريعا من أزمتها الاقتصادية. قبول مصر لشروط الصندوق يعنى سياسات تقشفية كبيرة وهذا سيكون له تكلفة سياسية مرتفعة على حكومة الرئيس محمد مرسى. سياسات الصندوق وإجماع واشنطن ترفضان الاعتراف بمبدأ «العدالة الاجتماعية»، وما يتبعه ذلك من ضرورة تطبيق سياسات اقتصادية مختلفة تهتم بالعمال وصغار الفلاحين.

من ناحية أخرى، لا تستطيع واشنطن الضغط على دول الخليج لتقديم مليارات الدولارات لمصر. أظهرت خبرة السنوات الماضية أنه ورغم خصوصية العلاقات الخليجية ــ الأمريكية، إلا أن للخليجيين حساباتهم التى لا تستطيع واشنطن معها الضغط عليهم فى الاتجاه المعاكس. الكويت لا تنسى لمبارك المشاركة فى تحريرها من الاحتلال العراقى، والاماراتيون مرتبطون عاطفيا بمبارك منذ أيام الشيخ زايد، وكذلك السعوديون. وهذا إضافة للتخوفات من تضخم التيارات السلفية الإخوانية المحلية.

•••
الوهم الثالث: مصر تستفيد كثيرا من علاقتها الخاصة بأمريكا

ليس صحيحا، ففى عالم السياسة لا تقدم الدول لبعضها البعض مساعدات مجانية أو بدون مقابل، فالمصالح هى ما يجمع بين الدول، وهذه المصالح قليلها مستمر ومستقر، وأكثرها متغير وغير ثابت. واختار حكام مصر أن تكون شريكا استراتيجيا لواشنطن منذ انتهاء حرب أكتوبر، وحتى الآن. وتوفر هذه الشراكة للولايات المتحدة مصدر قوة فريدا، فمصر تتمتع بموقع جيو استراتيجى مميز، وتتحكم فى واحد من أهم الممرات المائية فى العالم. ودفع ذلك مايك مولين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأسبق لتحذير الكونجرس من خطأ «تخفيض المساعدات العسكرية لمصر» مؤكدا أنها ذات قيمة عالية جدا لواشنطن، ولا تستطيع دولة أخرى تقوم بما تقوم به مصر من خدمة للمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط.

ولا يعرف الكثير من المسئولين المصريين ما هى مصالح القاهرة فى العلاقة الخاصة مع واشنطن.

•••
الوهم الرابع: علاقات جيدة مع إسرائيل تضمن رضاء واشنطن عن حكام مصر

ليس بالضرورة، فالإدارة الأمريكية تتبع مع الرئيس محمد مرسى نفس ما اتبعته مع المجلس العسكرى، وهو ما لا يختلف بدوره عما اتبعته مع نظام الرئيس السابق حسنى مبارك فيما يتعلق بالعلاقات الثلاثية التى تجمع مصر بإسرائيل وبالولايات المتحدة. التزام كل حكام مصر بمعاهدة السلام لم يمنحهم حصانة من توجيه الادارة الأمريكية انتقادات حادة بخصوص ملفات أخرى أقل أهمية مثل حقوق الانسان وضمان الحريات للأقليات والنساء.

نظام الرئيس مبارك احتفظ بعلاقات ممتازة مع إسرائيل، إلا أن ذلك لم يجنبه انتقادات أمريكية حادة على خلفية قضايا أخرى تتعلق بطبيعة حكمه الديكتاتورى، وموقفه من بعض القضايا الإقليمية مثل تقسيم السودان واستقبال الرئيس البشير فى القاهرة. موقف حكومة الرئيس مرسى من إسرائيل الواقعى لم يغفر له عندما طالب بالإفراج عن الشيخ عمر عبدالرحمن، ولم يشفع له عندما عارض التدخل الفرنسى فى دولة مالى.

•••
الوهم الخامس: أمريكا أتت بالرئيس محمد مرسى وتستطيع إزاحته إذا ما استدعت الضرورة

لم تشخصن واشنطن علاقاتها الاستراتيجية بأى فصيل سياسى فى مصر، لذا لم تتضرر العلاقة مع مصر من جراء التغير الذى حدث فى هوية حكامها خلال العامين الماضيين، سواء كان يحكم الرئيس مبارك، أو المجلس العسكرى أو الرئيس مرسى.

«الفائز الشرعى» كانت تلك هى كلمة السر داخل الإدارة الأمريكية أثناء تعاملها مع معضلة نتائج الانتخابات المصرية الرئاسية قبل إعلانها رسميا. وشهدت أروقة واشنطن وجهات نظر متناقضة بخصوص ما يجب عمله تجاه تطورات الأوضاع فى مصر خاصة بعدما تم الفرز فى اللجان الفرعية تحت إشراف قضائى، وتسليم نتيجة الفرز لمندوبى المرشحين. وكان لما أقدم عليه حزب الحرية والعدالة من إعلان النتائج بعد ساعات قليلة من إغلاق لجان التصويت، وإقدامه على نشر تفاصيل نتائج فرز اللجان الفرعية والعامة، وعرضها أمام الرأى العام المصرى والعالمى.

واشنطن لم تتدخل فى اختيار رئيس مصر، ولم تساعد أو تشارك فى ترجيح كفة اسم مرشح أو فريق على آخر. والحقيقة هى أنها لا تستطيع ذلك إن أرادت!

•••
وهكذا وبينما ترى واشنطن أن مصر والمصريين يصنعون واقعا جديدا يجب أن تتعامل معه بما يخدم مصالحها، نجد النخبة المصرية تنكر هذا الواقع وتنكر قدرة المصريين على صنعه، وتفضل أن تنغلق وتنفصل بنفسها على أوهامها.