عاجل وخطير
الانفجار الكبير اقترب
مكاوي الملك
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
عاجل وخطير
الانفجار الكبير اقترب
مكاوي الملك
تشويه الهُويّة الكردية في سورية: اضطرابات 1946–1963
شفان إبراهيم
فتح رحيل القوات الفرنسية عن سورية الباب واسعاً أمام اضطرابات اجتماعية وسياسية واقتصادية استمرّت قرابة عقدَين. وبشكل خاص، تبلوَر العنف السياسي، وظهرت ديكتاتوريات عسكرية، ونشأ واقع يتعلّق بنظام التعليم والتنمية الزراعية، وغيرها من القضايا التي أثّرت مباشرة في الشعب السوري، وأسهمت في تعميق صراع الهُويّات. تُضاف إلى ذلك ظاهرة استيطان بعض الجماعات الرحّل في أماكن ليست لها، وتطوّر طبقة متوسّطة بين الحضريّين، والصراع العربي– الإسرائيلي. وفي المحصلة، قادت هذه العوامل إلى ديناميات داخلية وإقليمية جديدة، لم يُفسح فيها المجال للكرد للعب دور في إبراز هُويّتهم القومية.
مرّت الاضطرابات في أربع مراحل. الأولى: التغيّرات على المستوى الاجتماعي–الاقتصادي، وتأثّر الكرد بشكل خاص بالمعجزة الزراعية في المنطقة الكردية خلال الخمسينيّات، لا سيّما أنّ الكرد اشتغلوا في الزراعة قبل ذلك، وخلال العهد العثماني، بوصفها أحد عوامل الاستقرار. لكنّ تأثّر الوضع الاقتصادي بظروف الحرب العالمية الأولى وتوقّف الواردات ألزما القوّات الفرنسية وحلفاءها في سورية ولبنان بإنشاء آلية لتوفير التموين، فتأسّس مكتب الحبوب عام 1939، وعُرف بـ"الميرة". واستفاد منه المزارعون الصغار، فبيعت محاصيلهم، وارتفعت الأسعار تدريجياً، وتمكّنوا من استثمار الأرباح للحصول على مواد إضافية ومزيد من الأراضي الصالحة للزراعة.
بدأت المشكلة مع ثلاثة تحوّلات.
الأول: الأدوار المتقدّمة التي حصل عليها تجّار محافظات الداخل السوري من ذوي رؤوس الأموال الضخمة، ودخولهم في خطّ المنافسة، وحصولهم على امتيازات زراعية ضمن المنطقة الكردية.
والثاني: تسبّبت التنمية الاقتصادية التي نشأت مع زيادة الإنتاج الزراعي وأدوار التجّار في توتّرات بين التجار الوافدين وزعماء القبائل والعشائر، والتنافس على المكانة الاجتماعية.
والثالث: انقسام المجتمع الكردي بين طبقة تستحوذ على مواقع سياسية واقتصادية مهمّة، وفئة تضرّرت من التطوّر السريع للزراعة، إذ هُمّشت، واستُغني عن مزارعين وعاملين زراعيين كثيرين، خصوصاً مع زيادة عدد مضخّات المياه في البلاد إلى 5068 مضخّة عام 1951، ما قاد إلى ريّ آلاف الهكتارات، إلى جانب دور الجرار الزراعي.
برّر أغلب قادة الانقلابات العسكرية في سورية تدخّلهم العسكري برغبتهم في "إعادة النظام" إلى السياسة التقليدية في أوقات الأزمات
قادت هذه التحوّلات إلى تمكّن قادة مجتمعيين كرد من ترسيخ وضع اجتماعي عبر تأمين سلطتهم المحلّية والاستحواذ على مواقع سياسية واقتصادية مهمة، فتحولوا إلى وسطاء بين المجتمعات المحلّية والنظام الوطني في تلك الفترة، عبر ما يملكونه من أموال ونفوذ، من دون أن يتحوّلوا إلى جزء من السلطة التي لم تكن، أساساً، تتقبّلهم خارج سياق الانتفاع منهم. وفي المقابل، فقدت شريحة أخرى أعمالها نتيجة الأسباب المذكورة، واضطرّت إلى الانتقال للعيش في المدن السورية الكُبرى، والعمل عتّالين وبنّائين وميكانيكيين، وعمل بعضهم في التجارة. وساعد هذا النزوح الريفي الكرد الفقراء على اكتشاف تحوّل اجتماعي مهمّ، عبر تعبئة الطبقات الدنيا، لا سيّما العمال منهم.
المرحلة الثانية: قادت مراكمة هذه التحوّلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى الاضطراب الكبير الثاني في سورية؛ فالانتقال من دولة الانتداب إلى دولة مستقلّة، وأهمّية التخلّص من إرث وسردية بناء الوعي وتنظيم السلطة المبنيين من سلطة خارجية، هي فرنسا، كانا يقتضيان، بعد عام 1946، أن تجد السلطة أسساً جديدة لها، للحفاظ على وحدة سورية، وإعادة توجيه الطاقات التي صُرفت ضدّ الفرنسيين نحو إيجاد حلول للتحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ظهرت. كما سيطر ائتلاف من العناصر العسكرية والمدنية، التي عملت معاً لإنشاء جهاز دولة قوي وموحّد تحت راية الاستقلال ضدّ الوجود الفرنسي. وبالتالي، استُبدلت طبقة الأعيان والوجهاء، واحتُكر تمثيل الطبقات الاجتماعية والسياسية للسلطة بفئات محدّدة من تلك العناصر.
كان هذا الجيل الجديد شبه خالٍ من الكرد القادمين من المنطقة الكردية، حيث توزّع اللاعبون الجدد بين أصول اجتماعية مختلفة، ومستويات تعليم وتدريب متفاوتة، وكانوا يحملون رسائلَ سياسيةً جديدةً، ومنضمّين إلى أحزاب جديدة، مثل الحزب الشيوعي السوري، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، و"الإخوان المسلمين". وكان الصراع والتنافس بين ورثة السلطة السورية يبتعد، في كثير من المحطّات، عن المصالح الوطنية.
لعب الجيش دوراً مركزياً، على نحو متزايد، في الحياة السياسية في البلاد
المرحلة الثالثة: مهّد الاضطراب الطريق لاستمرار الاستبداد في سورية الذي بدأت بذوره مع استقلالها. ففي 1947، انهارت الكتلة الوطنية، وأنتجت الوقائع الجديدة منظّمات أصغر حجماً، هي الحزب الوطني، وحزب الشعب، وحزب الشعب الجمهوري، ونقلت ساحة التركيز من بناء السردية الوطنية إلى التركيز على شخصيات وزعامات محلّية في حلب وحماة وحمص ودمشق. وكان أكبر الأخطار التي وقعوا فيها فشلهم في إلهام الأقليات الولاء للفكرة الوطنية التعددية، على خلفية اعتبارهم مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالإسلام السنّي أو أحد فروعه. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأقلّيات مهمّشةً في الساحة السياسية.
ليجد أعيان المدن والأرياف، خلال الخمسينيّات، أنفسهم في تحدٍّ مع صنّاع القرار. وكان العلويون أكثر من استفاد من هذه العملية، إذ استثمروا ذلك عبر زيادة قوّة الشبكات التي شكلوها، شأنهم في ذلك شأن أقليات ريفية أخرى دخلت بأعداد كبيرة في الإدارة والجيش، فصعدت إلى مواقع السلطة عبر القوّة أو الموارد السياسية أو الانقلابات. ولم يستفد الكرد من سكّان المنطقة الكردية في الشريط الحدودي من ذلك كلّه، بل ظلّوا خارج التأسيس والمنفعة.
المرحلة الرابعة: لعب الجيش دوراً مركزياً، على نحو متزايد، في الحياة السياسية في البلاد. وهي الحالة نفسها التي سادت الدول العربية بعد الانتداب. ففي غضون بضع سنوات، تغيّرت معظم الجمهوريات العربية المستقلّة من نظم حكم جمهورية برلمانية إلى نظم عسكرية ديكتاتورية. وبرّر أغلب قادة الانقلابات العسكرية في سورية تدخّلهم العسكري برغبتهم في "إعادة النظام" إلى السياسة التقليدية في أوقات الأزمات، متأثّرين بالنموذج الكمالي. والحقيقة أنّ قادة الانقلابات شرعوا في التحويل السريع للمجتمع، وتركيزه حول شخصية مركزية للزعيم المطلق. وجاءت هزيمة الجيوش العربية أمام القوات الإسرائيلية في فلسطين عام 1948، ليرتفع عدد أفراد الجيش السوري من 18 ألفاً إلى 43 ألفاً عام 1951، وهو ما انعكس على حجم ميزانية الدفاع الوطني، وأيضاً غيّب الكرد في الجزيرة من مصادر القرار والرتب العليا.
هشاشة النظام السوري الموروث من الانتداب الفرنسي، وعدم وجود استراتيجية موحّدة، جعلا من سورية بلداً يتعرّض للضغوط الداخلية والخارجية. وكانت أغلب تحالفات السياسيين المحلّيين تعتمد على التقلبات والأحداث الإقليمية. حتى إنّ أوّل حكومة بعثية عام 1963 دفعت إلى ظهور جيل جديد أكثر راديكالية ومعاداة للغرب. ومن نتائج تكثيف النقاشات بين القوميين السوريين والعروبيين في سورية، أنّها وصلت إلى انعدام الثقة بالأقلّيات القومية والدينية، مصطدمةً بما فعلته فرنسا. وهو ما ترك تراثاً سياسياً ثقيلاً يتسم بالانقسامات والتحالفات التي كان من الصعب توجيهها نحو خطّة وطنية.
هشاشة النظام السوري الموروث من الانتداب الفرنسي، وعدم وجود استراتيجية موحّدة، جعلا من سورية بلداً يتعرّض للضغوط الداخلية والخارجية
تميّزت فترة حكم أديب الشيشكلي، خلال الانقلابات، بأنّها المرحلة الأكثر دمجاً للأقلّيات قسراً في البنية الاجتماعية السورية، وسعى إلى سيادة السورنة أو السورية باستخدام العنف الجسدي واللفظي. وكانت، عملياً، نوعاً من سياسات التعريب ومساعٍ لتشويه الأقلّيات في النقاش السياسي العام في سورية. وخلقت ذهنيةً جماعيةً وصفت مطالب الأقلّيات بالحصول على امتيازات خاصّة تحمي وجودها وهُويّتها، بأنّها ترقى إلى الخيانة. بل إنّ المفاهيم المتشدّدة لتلك المرحلة كانت تتجه، على نحو متزايد، نحو القومية العربية، وتستند إلى إنكار حقوق الأقلّيات في سورية. ووجد الكرد أنفسهم كبش فداء آخر للقومية العربية، وأصبحوا جزءاً من الشعبوية، وأُبعدوا من السياسة نتيجة رفضهم التعريب، واعتُبروا عملاء وخونة مستأجَرين في خدمة الأعداء الأجانب الأقوياء.
مع نهاية حقبة الانتداب الفرنسي، برزت في المنطقة الكردية ثلاثة تجمّعات: القومية العربية، والشيوعية، والقومية الكردية. وقد أثبتت الأخيرة، خلال الحرب العالمية الثانية، نشاطاً خاصّاً، استناداً إلى المبادئ التي أعلنها الحلفاء خلال المؤتمرات المختلفة، وحرّكت الآمال الكردية لتشكيل دولة كردية مستقلّة بعد الحرب، لا سيّما السياسات التصعيدية للاتحاد السوفييتي تجاه تركيا منذ عام 1945.
ومن أبرزها ميثاق الأطلسي الخاصّ بالكرد، والوعود بالاستقلال الذاتي، وميثاق ويلسون المُعلَن في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1941، حين ألزمت بريطانيا وأميركا نفسيهما بتعزيز حقّ جميع الناس في اختيار شكل الحكومة التي يرغبون في العيش في ظلّها، وكذلك رغبتهم في استعادة الحقوق السياسية، وإدارة شؤونهم بأنفسهم، وإعادة تأسيس الدول التي أُخذت منهم بالقوّة. والمسؤوليات والأفكار التي نصّ عليها الميثاق تنطبق، من الناحية النظرية، على العالم بأسره.
وصل خلال انتخابات 1990–1994 عدد من الكرد إلى البرلمان. لكنّ ظلّت المطالب الكردية غائبة عن المناقشات
ومنذ عشرة عقود وأكثر، لا يزال الكرد مستبعدين من مناقشات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أنّ العشائر الكردية طالبت، في ظلّ الانتداب الفرنسي، بالحكم الذاتي لمناطقها، واعتماد اللغة الكردية في التدريس، وحصر الوظائف العسكرية والإدارية بأبناء المنطقة، فإنّ ذلك لم يتحقّق، وبقيت قضيتهم طيّ النسيان والنكران.
ومع تأسيس "المؤتمر السوري العام" عام 1919 في دمشق الذي يُعدّ أوّل هيئة تشريعية سورية حديثة، شاركت شخصيات كردية بارزة ضمن النُّخب السياسية والعسكرية في البلاد، في وقت لم تكن فيه الهُويّة القومية المحدِّد الأساس للعمل السياسي. ووصل الكرد إلى البرلمان السوري، وانخرطوا في صفوف الجيش السوري عام 1946. واستفادوا من النظام الانتخابي الموروث من الانتداب الفرنسي، ونجحوا في الوصول إلى البرلمان في الفترتين 1947– 1949 و1954– 1958، وشغلوا عدّة مناصب وزارية بين عامَي 1949 و1957، وخلال انتخابات الأعوام 1990–1994، وصل عدد لا يُستهان به من الكرد إلى البرلمان. ومع ذلك كلّه، لم يُسمح بإدراج وضع خاص على جدول الأعمال السياسي، وبالتالي ظلت المطالب الكردية غائبة عن المناقشات.
كان اثنان من أبرز زعماء الانقلابات من أصول كردية، ويُستشهد برئاستهما سورية للدلالة على الاندماج المثالي للكرد في سورية. وهي ظاهرة مدهشة. فمن جهة، يُكتفى في عملية الاستدلال بذكر وصول الكرد إلى المناصب المهمة، من دون أن يتحوّل ذلك، من جهة ثانية، إلى دليل على القِدم التاريخي للكرد في سورية.
يُذكر أن الرتبة العسكرية للشيشكلي، وهي عميد، ولحسني الزعيم، وهي عقيد، تؤكّد أنّ الفرنسيين هم الذين أوصلوا الكرد إلى المناصب عبر التوازنات في التمثيل المؤسّسي للحكومة مقابل الآخر. فعلى سبيل المثال، إذا كان أحد المكوّنات مهيمناً في السياسة، كان يتعّين وضع المكوّنات الأخرى في مواقع الهيمنة في الجيش. ففي عام 1944، حين كان العرب السنّة مهيمنين على السياسة في سورية، وعلى الضبّاط والقوات وأجهزة إنفاذ القانون والشرطة، كان تمثيلهم ناقصاً في رتب الجيش وصفوفه. وعلى النقيض، كان الكرد ممثَّلين تمثيلاً زائداً في الجيش، وفي أجهزة إنفاذ القانون والرتب، لكنّ تمثيلهم كان ضعيفاً في البرلمان تحت تأثير نموذج جمهوري.
خلفيات قادة الانقلاب الكردية لم تكن ذات نزعات قومية واضحة؛ فكلاهما (الشيشكلي والزعيم) كان من المتعاطفين مع الحزب السوري القومي الاجتماعي
لكنّ خلفيات قادة الانقلاب الكردية لم تكن ذات نزعات قومية واضحة؛ فكلاهما (الشيشكلي والزعيم) كان من المتعاطفين مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان الشيشكلي عضواً فيه عن دمشق، وهو الحزب الذي كان يناضل من أجل "دولة سورية الكُبرى"، بدلاً من الإثنية أو الدين. كما شكّل اعتمادهما في الخزّان البشري لحكومتيهما على القواعد الاجتماعية في حماة، النقطة المشتركة الثانية.
ثمّ نال الشيشكلي عضوية حركة التحرّر العربي التي تأسست عام 1953، مدعوماً من الضبّاط السنّة في حماة، ومصحوباً بدعم اجتماعي قومي في هذه المنطقة. وغالباً لم تكن لدى الضبّاط أي نزعات إلى تشكيل كيانات قومية، بل إنّ الأصول الكردية لهما، وللصفّ الثاني من قيادتيهما، كانت مصادفةً بسبب الأيديولوجيا المشتركة. وعلى عكس الزعيم ونائبه محسن البرازي، فإنّ الشيشكلي لم يعترف أبداً بجذوره الكردية، وأظهر موقفاً متشدّداً تجاه الأنشطة الثقافية الكردية. وعلى الرغم من ذلك، لم تفارق النعرات والاتهامات الكرد في تلك الفترة، إلى درجة أ تحالف حسني الزعيم–محسن البرازي أثار ردّة فعل بين القوميين العرب الذين رأوا فيه تشكيل نظام عسكري كردي. وعارض "الإخوان المسلمين" إصلاحاته العلمانية المتعلّقة بالمرأة والتصويت والنقاب والديمقراطية. واتّجه المزاج السياسي إلى وصف الزعيم بأنّه يرغب في إنشاء نوع من "الجمهورية الكردية" التي تفضّل الشركس والكرد في الجيش على حساب الوحدات العربية. وبعد إعدام سامي الحنّاوي الزعيم والبرازي، تحدّثت الصحافة السورية عن نهاية "الحكومة الكردية".
يُكتفى بذكر وصول الكرد إلى المناصب المهمّة، من دون أن يتحوّل ذلك إلى دليل على القِدم التاريخي للكرد في سورية
علماً أنّ الزعيم كان يرغب في أداء دور الزعيم الوطني السوري عبر استخدام قنوات مجتمعية كردية، وتضامن جماعي عصبوي، والدعوة إلى القومية السورية. وبعد الانقلاب، أغلقت الأكاديميات العسكرية وقوات الشرطة أبوابها أمام الشباب الكرد. وشكّلت مرحلة الانفصال بين سورية ومصر بداية تعاظم قوة الائتلاف العسكري في مارس/ آذار 1963، الذي أصرّ على تمثيل حزب البعث في السلطة. وكانت هذه نهاية هيمنة النُّخبة الحضرية السنّية في سورية، فاستولى الضبّاط الدروز والعلويون على مناصب رفيعة في الجيش والمؤسّسات المدنية باسم العروبة، ونجح "البعث" في تأسيس عقيدة عروبية للجيش والتعبئة القومية للعصبية باسم الأيديولوجيا المُقنَّعة.
حصل كلّ شيء تحت ستار الإلغاء باسم القومية العربية والجمهورية العربية المتحدة. وسلسلة التحوّلات الاقتصادية والأيديولوجية والسياسية التي وقعت بعد الانتداب الفرنسي، حتّى بدايات انقلاب مارس 1963، حتّمت على المجتمع السوري الاستجابة المؤسّسية لتلك التحدّيات كلّها في بلد تحكمه الظروف المعقَّدة.
الغريب استمرار سردية تخوين الكرد. وعلى الرغم من كلّ ما قدّموه، منذ المؤتمر التأسيسي وحتّى لحظة سقوط النظام البائد، لا تزال العقلية هي هي، وإن لم يكن ذلك على نحو مطلق أو بالتعميم. لكنّ تذكير الكرد بأنّهم حكموا سورية يخضع لتجاذبات وتناقضات آن الأوان لحلّها والخروج من عباءتها، فلم يكن الكرد مهاجرين في يوم من الأيّام، ولم تُدرج قضيتهم في جدول أعمال الحكومة والبرلمان، ولم يتمكّنوا من تفكيك عقلية الإلغاء والتآمر المتأصّلة في ذهنية قسم من النُّخب السورية، فهي مستشرية، ولا نيّة لديهم، غالباً، في مراجعة أفكارهم. وعلى الرغم من أنّهم لم يتقاعسوا عن محاربة إسرائيل، ثمّ النظام السوري، تبقى قضية المنطق المتباين في توصيف الكرد واحدةً من طلاسم الحركة السياسية السورية.
نحو الدولة التأسيسية
محمد صالح البدراني
"لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"
منذ أن بدأ الإنسان يؤسس الدول، انشغل فكره السياسي بالسؤال نفسه: من يحكم؟ وكيف تُوزَّع السلطة؟ وما شكل النظام الأمثل؟ فظهرت الملكيات والجمهوريات، والإمبراطوريات والدول القومية، والليبرالية والاشتراكية، وتعددت الدساتير والأنظمة الانتخابية، لكن سؤالاً أكثر عمقاً ظل خارج دائرة البحث، وهو: كيف تنشأ الدولة أصلاً، وما الذي يجعلها قادرة على البقاء والتجدد عبر الأجيال؟
القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نغيّر الحكومة؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يقبلون أن يكونوا مجتمعاً واحداً، وأن يلتزموا بقانون واحد، وأن يدافعوا عن كيان واحد؟
إن القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها.
الانتماء
إذن لا بد من وجود عنصر أعمق من السلطة والقانون والاقتصاد، ذلك العنصر هو الانتماء، غير أن الانتماء ليس شعاراً ترفعه الدولة، ولا درساً في المناهج الدراسية، ولا حملة إعلامية موسمية، فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه لأنه طُلب منه ذلك، وإنما لأنه يشعر أن كرامته ومستقبله وحريته ونجاحه مرتبطة ببقاء ذلك الوطن، والانتماء الحقيقي ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة تجربة يومية يعيشها الإنسان مع دولته ومجتمعه.
ومن هنا لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها.
لكن الانتماء نفسه ليس البداية، لأنه يولد من عنصر آخر هو الثقة، فالإنسان لا ينتمي إلى كيان لا يثق به، ولا يضحي من أجل مشروع يشك في عدالته أو في صدقه، والثقة ليست عاطفة، بل هي تراكم طويل من الخبرات التي تجعل الإنسان يوقن أن مؤسسات دولته تعمل وفق قواعد يمكن التنبؤ بها، وأن القانون لا يتغير تبعاً للأشخاص، وأن الحقيقة لا تُخفى عنه كلما تعارضت مع مصالح السلطة.
وهنا نصل إلى النقطة التي ربما أغفلها الفكر السياسي طويلاً، إن أصل الثقة ليس القوة، ولا القانون، ولا حتى العدالة بمعناها القضائي، وإنما الحقيقة، فالمجتمع الذي لا يمتلك حقيقة مشتركة عن واقعه لا يستطيع أن يبني مستقبلاً مشتركاً، وإذا أصبحت الإحصاءات أداة للدعاية، والإعلام وسيلة للتبرير، والتعليم مجالاً لإعادة إنتاج الأوهام، والسياسة فناً لإخفاء الوقائع، فإن أول ما ينهار ليس الاقتصاد، بل الثقة العامة، وعندما تنهار الثقة، يضعف الانتماء، ثم تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وجيشها قوياً.
اقتراح قانون أولي لبناء الدولة:
إن الدولة التي تعجز عن إنتاج الحقيقة المشتركة تعجز تدريجياً عن إنتاج الثقة، والدولة التي تفقد الثقة تفقد الانتماء، والدولة التي يفقد مجتمعها الانتماء تبدأ رحلة التفكك مهما امتلكت من أدوات القوة.
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، لأن الأشخاص نتيجة لبنية أعمق، ولا يبدأ بإصدار قوانين جديدة، لأن القانون نفسه يحتاج إلى بيئة تؤمن به. ولا يبدأ بإعادة توزيع السلطات، لأن السلطة لا تستطيع أن تمنح المجتمع ما فقده من ثقة.
إن الإصلاح يبدأ بإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل مؤسسة يجب أن تُبنى. يجب أن تكون بيانات الدولة صادقة، وأرقامها قابلة للتحقق، وقراراتها قابلة للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للاعتراف، فالدولة التي لا تملك الشجاعة للاعتراف بالواقع لن تستطيع أن تخطط للمستقبل، لأن التخطيط لا يقوم إلا على معرفة صحيحة بالواقع.
وعندما تصبح الحقيقة قيمة مؤسسية، تنشأ الثقة، وعندما تنشأ الثقة، يتحول الانتماء من شعار إلى سلوك. وعندما يصبح الانتماء سلوكاً، تتحول الدولة من جهاز يحرس المجتمع إلى مجتمع يحرس دولته.
وربما تكمن مهمة الدولة التأسيسية في هذا التحول تحديداً، فهي لا تُنشأ لتحتكر السلطة، بل لتؤسس بيئة يصبح فيها الصدق قاعدة، والثقة نتيجة، والانتماء ثمرة، فتغدو المؤسسات أدوات لخدمة المجتمع، لا وسائل للسيطرة عليه.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه فلسفة الدولة في القرن الحادي والعشرين: ليست المشكلة الأولى كيف نوزع السلطة، وإنما كيف نبني الحقيقة المشتركة التي تجعل المجتمع قادراً على الثقة، والثقة قادرة على إنتاج الانتماء، والانتماء قادراً على إنتاج دولة تتجدد من داخلها، لا بقوة الحاكم ولا بشعارات الأحزاب، بل بقوة المجتمع نفسه.
وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة
غير أن الانتماء، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس الدولة، لأن الانتماء بطبيعته يتعدد ويتدرج، فالإنسان ينتمي انتماءات متعددة طبيعية لا يجوز للدولة أن تحاربها أو تسعى إلى إلغائها، غير أن الخطأ التاريخي يبدأ عندما تتحول إحدى هذه الروابط إلى المصدر الأعلى للشرعية السياسية، أو ما يمكن أن نسميه بـ"الحاكمية الفئوية" فتصبح الدولة دولة طائفة، أو عرق، أو قبيلة، أو حزب، نوع من العصبية يجعل بقية المكونات جماعات تعيش داخل الدولة دون أن تشعر بأنها شريكة فيها.
الحاكمية:
إن الدولة لا تقوم على وحدة عصبية، وإنما تقوم على وحدة العقد السياسي الجامع؛ ذلك العقد الذي يجعل جميع المواطنين شركاء في الحقوق والواجبات والمصير، بصرف النظر عن اختلاف أصولهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم الثقافية. فالدولة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته، وإنما تطلب منه أن يجعل العقد السياسي الذي ينظم حياته المشتركة مرجعيةً أعلى في المجال العام، بحيث الروابط الأخرى مصادر غنى للمجتمع، لا أدوات لتقسيم السلطة أو تعريف المواطنة.
ولعل من أقدم النماذج التاريخية التي جسدت هذا المبدأ وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة، ولم يكن جوهر الوثيقة إزالة التنوع، وإنما تنظيمه داخل إطار سياسي واحد، وهو ما يجعلها مثالاً مبكراً على أن الدولة لا تُبنى على التشابه، بل على الاتفاق الحر حول عقد جامع يحفظ الجميع، وما نسمعه اليوم من حاكمية طائفة حتى ولو كانت الحاكمية بتوجه علماني هو تيه النخبة بين الحقيقة والهوى؛ فليصحُ مفكرو الأمة.
عوج وعرج الديمقراطية الأمريكية
جعفر عباس
الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده..
بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر من عام 2001 الدامية، شنت حكومة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، هجمات عسكرية على أفغانستان والعراق، وهجوما ثقافيا على العرب والمسلمين، وصل درجة المطالبة بحذف بعض الآيات القرآنية من المناهج المدرسية، بحسبان أنها تدعو للعنف، ثم غشت بوش سحابة من حياء، فقال إن العنف مستشر في العالم العربي، لغياب الممارسة الديمقراطية (بينما الأمريكان ـ اسم الله عليهم ـ قوم مسالمون).
ومن ثم صار بوش حاتم طائي القرن الـ 21 وخصص 25 مليون دولار لغرس الديمقراطية في العالم العربي! تخيّل 25 مليون على 22 دولة، فتحصل كل واحدة منها على مبلغ لا يكفي لإجراء انتخابات في دائرة انتخابية واحدة.
والشاهد هنا هو ليس استخفاف الحكومة الأمريكية بالعرب فحسب، بل استخفافها بالديمقراطية، لأن الأمريكان لا يعرفون منها سوى "الشكل".
يتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره.
وربما يقول قائل إنني كعربيقي (عربي ـ أفريقي)، كالناقة التي تعاير غيرها من الحيوانات باعوجاج الرقبة، لأن علاقة بني قومي في آسيا وأفريقيا بالديمقراطية شفاهية وافتراضية، فالعالم العربي هو من ابتدع خوض رئيس الجمهورية للانتخابات ضد نفسه، تحت مسمى الاستفتاء: ناصر مصر ضد ناصر مصر، وأسد سوريا الأول والثاني، ضد أسد سوريا الأول والثاني، وقس على ذلك في اليمن والسودان والعراق. ولكن العرب لا يزعمون بأنهم سدنة الديمقراطية في العالم كما يفعل الأمريكان، بينما التاريخ المعاصر متخم بالأدلة المادية التي تؤكد أن الولايات المتحدة ظلت على مدى الـ 75 سنة الماضية، راعية الأنظمة الديكتاتورية في كل القارات.
في انتخابات عام 2016 الرئاسية، التي خاضها دونالد ترامب ضد هيلاري كلينتون، فازت الأخيرة بغالبية أصوات الناخبين، ومع هذا خسرت الانتخابات، لأن ترامب تقدم عليها بأصوات ما يسمى بالمجمع الانتخابي (306 ـ 232)، ونظام المجمع هذا يهزم جوهر الديمقراطية، فعندما يهزم 538 صوتا من هذا المجمع، ملايين الأصوات "الشعبية"، تصبح الأغلبية عمليا بلا صوت أو وزن، ومن ثم فالديمقراطية الأمريكية تعاني من خلل بنيوي، لأن مرشحا ما قد يفوز بالرئاسة، دون الفوز بأصوات الناخبين، ويكمن جوهر هذا الاعتلال في أن نظام المجمع الانتخابي يقوم على أن كل ولاية أمريكية لديها مقعدان في مجلس الشيوخ. تستوي في ذلك ولاية تعداد سكانها 25 مليون، وأخرى تعداد سكانها 3 ملايين.
وعلى مستوى مجلس النواب، الذي يفوز أعضاؤه بالانتخاب المباشر، فإن الحزب الحاكم، وقبل كل دورة انتخابية يعيد تقسيم الدوائر بحيث يخلق دوائر جديدة في مناطق نفوذه، وهذا عين ما ظل ترامب يفعله طوال الأشهر الأخيرة في الولايات الجنوبية حيث ثِقَل انصار حزبه الجمهوري. والأدهى من كل ذلك ان نواب الأقلية في مجلس الشيوخ من حقهم تعطيل أي اجراء او قانون، بما يسمى فليبستر filibuster (والكلمة في الأصل تعني قرصنة)، فيبقى شاعرنا الفيلسوف إيليا أبو ماضي يتميَّز غيظا في قبره:
نرضى بحكم الأكثرية مثلما
يرضى الوليد الظلم من أبويه
ويتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره. كما يتجلى في الجفوة السياسية الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بما يعطل عمل المؤسسات. ويعطل مصالح المواطنين الذين يفقدون الثقة في نزاهة الانتخابات، بل وجدوى الديمقراطية.
وكيف لا يشكك المواطنون الأمريكان، والمواطنون في كل مكان، في جدوى الديمقراطية، وهم يرون أفعال ترامب وأقواله، فترامب لم يصل الى الحكم بالوراثة، او نتيجة انقلاب عسكري، بل فاز بملايين الأصوات، ولكنه يدوس آناء الليل واطراف النهار على كل مفاهيم الحكم الديمقراطي بالفعل واللسان، لأنه معني فقط ب"مجده" الشخصي، الذي يتحقق في تقديره بتمكين إمَّعات من حزبه الجمهوري، من المناصب القيادية في الخدمة المدنية والعسكرية، وأنفق على حرب بلا طائل على ايران مبالغ كانت تكفي لتوفير تأمين صحي لملايين الأمريكان، الذين لا يجدون سبيلا الى المشافي، ولإقالة عثرة النظام التعليمي في بلاده الذي ينهار عموديا، مقارنة ببقية الدول الصناعية.
رغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تشهد الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي، بينما تسود المخاوف بشأن نزاهة العملية الديمقراطية في ظل مناخ سياسي وإعلامي واقتصادي مرتبك، تسبب فيه ترامب، مما جعل مجلة ذا إيكونوميست البريطانية الرصينة تقول إن هناك شكوكا في قدرة لديمقراطية الأمريكية على الصمود. وإن ترهيب الناخبين بتدخل قوات إدارة الهجرة والجمارك (آيس)، سيئة السمعة في مراكز الاقتراع ،كفيل بجعل أعداد كبيرة من الناخبين من غير البيض يحجمون عن التصويت طلبا للسلامة.
مع بداية ولاية ترامب الثانية في مطلع 2025، شهد ذلك العام اقتراع 180 ألف أمريكي بأرجلهم، أي هاجروا طوعا واستقروا في دول الاتحاد الأوربي (ايرلندا كانت الوجهة المفضلة لمعظمهم)، بينما قامت حكومة ترامب في عام 2025 بالتهجير القسري ل657,000 شخص، من بينهم 50 ألف من ذوي الأصول المكسيكية المولودين في أمريكا، ومن ثم "أمريكان بالميلاد"، واختار 2.2 شخص الرحيل الاختياري عن الأراضي الأمريكية تفاديا للملاحقات العنيفة ذات الطابع العنصري من جماعة آيس. ومعظم هؤلاء أمريكيون ولكن مزودون بلون البشرة "الخطأ"، وبهجرتهم العكسية ضاعت أصواتهم الانتخابية، ومن ثم فإن ولايتان مثل فلوريدا وتكساس التين كانتا نقطتي انطلاق تلك الهجرات، ستجعل بضعة آلاف تقرر مصير المرشحين في انتخابات الكونغرس.
ورغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة. ومن جهة أخرى فإن وقف ترامب تمويل البحث العلمي حمل 32% من العلماء الأمريكان على الهجرة الى بلدان أخرى خلال ال18 شهرا الماضية.
وهكذا بتنا نرى كيف أن الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده.
نهاية القواعد الامريكية في الشرق الأوسط