الاثنين، 1 يونيو 2026

بعض ما لا يُحكى عن فتح القسطنطينية

 

بعض ما لا يُحكى عن فتح القسطنطينية

 محمد إلهامي


لقد فضّل أهل القسطنطينية الحكم العثماني على الخضوع لروما. فما الحقيقة التي يخفيها هذا الاختيار التاريخي؟

“ليس كل ما يلمع في روايات الفتح ذهبًا؛ فهذا المقال يكشف، على لسان ألد خصوم العثمانيين من المستشرقين، المفارقة الصادمة: كيف أصبح السلطان حاميًا للكنيسة، وكيف عاد النازحون إلى ‘كارثة’ الفتح مختارين.”

بين عمائم الأتراك وقلنسوات اللاتين

قد التزمنا في هذا المقال أن نسوق أقوال المؤرخين الغربيين فقط ليكون ذلك أبلغ في الحجة!

قليل من العرب والأتراك من يعرفون أن القسطنطينية فضَّلت أن تذهب إلى الأتراك على أن تخضع لسلطان الكاثوليكية في روما، وفيما قبل هذا الفتح العظيم جرت أحد أهم المحاولات في توحيد الكنيستين تحت سلطان البابا في روما، وأخفق الاتفاق الذي عقد قبل أربعة عشر عاما (١٤٣٩م)، ويروي المؤرخ الأمريكي ول ديورانت أنه “لما عاد الإمبراطور اليوناني وحاشيته إلى القسطنطينية (بعد إتمام هذا الاتفاق)، قوبلوا بالإهانات والشتائم، فقد رفض رجال الدين والشعب الخضوع إلى روما”، وما إن انتصر اتجاه الاتحاد بالقوة –في العام السابق للفتح ١٤٥٢- حتى تجنب الشعب “الاتصال بالكنيسة الكبرى؛ ولَعَن رجال الدين المعارضون للاتحاد كل من يؤيدونه، ورفضوا أن يغفروا ذنوب كل من حضروا قراءة المرسوم، وأهابوا بالمرضى أن يموتوا دون تناول القداس بدل أن يتناولوه من يد قس “اتحادي”، ورفض بطارقة الإسكندرية، وإنطاكية، وبيت المقدس (قرار الاتحاد)”١. وساعتها “قال الرجل الثاني في الإمبراطورية البيزنطية القائد الأعلى لوكاس نوتار: إنني أفضل أن أرى عمائم الأتراك في القسطنطينية على أن أرى قلنسوات رجال الدين اللاتين”٢.

لماذا فضَّل اليونانيون السلطان على البابا؟

ويعلق المؤرخ الفرنسي فرناندو بروديل على هذا فيقول: “الحق أن الكنيسة الأرثوذكسية –ولنا أن نقول الحضارة البيزنطية- فضَّلَتْ على الاتحاد مع اللاتينيين الخضوعَ للأتراك، ولا سبيل هنا إلى إلقاء الأمر على قرار متعجل اتُّخِذ عفو الساعة في مواجهة حدث معين، وإنما لا يعدو الأمر أن يكون النتيجة النهائية والطبيعية لسباق زمني طويل من تحلل إمبراطورية بيزنطة ذاتها، والتي رفضت الوحدة مع اللاتينيين وكانوا دون سواهم القادرين على إنقاذها من الخضوع لبراثن الأتراك، وذلك من ناحية أخرى ما عمل على ازدياد نفور اليونانين من التقارب مع اللاتينيين وكانت بينهم خلافات عقدية لاهوتية. فقد كانت الوحدة ممكنة… ولكن اليونانيين كانوا يفضلون الأتراك… ويكتب بطريرك القسطنطينية عام ١٣٨٥ إلى البابا أوربان السادس يقول: إنهم [أي: الأتراك المسلمون] على الأقل يتركون للكنيسة اليونانية كامل حرية الحركة… ويكتب بترارك –وهو من أشهر كتاب العلوم الإنسانية في عصر النهضة ومن المؤرخين البارزين- يقول: لا شك أن هؤلاء المنشقين [أي: أهل القسطنطينية] خافوا منا.. وكرهونا من أعماقهم”٣.

مرسوم الفاتح: حماية الكنيسة لا هدمها

ويذكر المستشرق البريطاني المعروف توماس أرنولد أنه “لم تكد حاضرة الإمبراطورية الشرقية القديمة (القسطنطينية) تسقط في أيدي العثمانيين حتى توطدت العلاقات بين الحكومية الإسلامية والكنيسة المسيحية بصفة قاطعة وعلى أساس ثابت. ومن أولى الخطوات التي اتخذها محمد الثاني بعد سقوط القسطنطينية وإعادة إقرار النظام فيها، أن يضمن ولاء المسيحيين بأن أعلن نفسه حامي الكنيسة الإغريقية؛ فحرَّم اضطهاد المسيحيين تحريما قاطعا، ومنح البطريق الجديد مرسوما يضمن له ولأتباعه ولمرءوسيه من الأساقفة حق التمتع بالامتيازات القديمة والموارد والهبات، التي كانوا يتمتعون بها في العهد السابق. ولم يقتصر المسلمون في معاملة رئيس الكنيسة على ما تعود أن يلقاه من الأباطرة المسيحيين من توقير وتعظيم، بل كان متمتعا -أيضا- بسلطة أهلية واسعة… وكان من أثر ذلك أن الإغريق -ولو أنهم كانوا يفوقون الأتراك عددا في كل من الولايات الأوربية التابعة للدولة العثمانية- قد جعلهم التسامح الديني الذي رخص لهم، وما تمتعوا به من حماية لحياتهم وأموالهم، يسرعون في الموافقة على تغيير سادتهم وإيثار سيادة السلطان على سيادة أية سلطة مسيحية، وكان الغزاة العثمانيون في بقاع كثيرة من المملكة يلقون ترحيبا من جانب الإغريق، ويعدونهم مخلصين لهم من الحكم الظالم المستبد”٤.

استقلال روحي مقابل سيادة سياسية

وهكذا فإن احتفاظ الكنيسة –كما يقول نيقولا فاتان– “باستقلال روحي لم يكن بوسعه إلا أن يداعب مشاعر الشعب المعادية للاتينيين، وسوف تدار “الأمة” اليونانية وتُمَثَّل من جانب البطريرك، وسوف تُحَلُّ الخلافات بين اليونانيين عن طريق محاكم أرثوذكسية، وأخيرا، فإن الممارسة الحرة للعبادة سوف تكون مكفولة، وصحيح أن هذا القانون يتمشى مع الوضع العادي للطوائف المسيحية في البلدان الإسلامية، لكن تأكيده على نطاق الدولة وتعزيز مكانة البطريركية يشكلان حدثا هاما”٥.

المتوحشون الذين بنوا حضارة (على لسان خصم)

ويدافع المستشرق الأمريكي الصهيوني برنارد لويس عن صورة العثمانيين الفاتحين، رغم أنه من ألدّ أعدائهم، فيقول بأن “الأتراك الذين دخلوا القسطنطينية فاتحين، لم يكونوا المتوحشين البدائيين كما يصورهم بعض كتاب الغرب. بل كانوا ورثة وحاملي حضارة قديمة ورفيعة: أي حضارة الإسلام القديمة، والتي هم أنفسهم أضافوا إليها قدرا غير يسير”، وهو حين يصف عظمة اسطنبول لا ينسى أن يقول أن “معظم اليونانيين الذين كانوا غادروا المدينة قبيل الفتح قد عادوا إليها إلا القليل منهم، وجاء الآخرون من جميع أنحاء الإمبراطورية ليشاركوهم، وشكل هؤلاء جالية غنية تحت زعامة بطريركهم. وقد ازداد عدد اليهود أيضا، والذين كانوا موجودين من قبل في العاصمة البيزنطية”٦.

عودة النازحين إلى “كارثة” الفتح!

ويفسر المستشرق الألماني كارل بروكلمان هذه العودة بقوله: “عمل محمد على تنظيم أحوال اليونان (الروم) المغلوبين، للتو والساعة. والواقع أنه أبقى على استقلال البلغار الكنسي، فِعْل أسلافه من قبله، واعترف –وفقا للفكرة الإسلامية المعززة بالتقاليد الدينية- بجميع السلطات الدينية اليونانية. بل إنه زادها قوة إلى قوة بأن وكل إليها أمر القضاء المدني وتطبيق أحكامه على أتباعها… ولم يكد يُعَيِّن في البطريركية ممثلا حازما للكنيسة الوطنية حتى رجع إلى أرض الوطن، بناء على دعوته، عدد غفير من الروم الذين نزحوا عن ديارهم قبل الكارثة”٧. وهو يقصد بالكارثة: الفتح! ولكنه مستشرق يرى الكارثة ولو في التسامح العظيم الذي لم يوجد في تاريخهم مثله!!

اسطنبول: من عاصمة بيزنطية إلى جوهرة إسلامية

وما إن تم الفتح حتى بدأ محمد الفاتح في سياسته “الرامية إلى استعادة شأن اسطنبول، وقد أمر محمد الثاني بأعمال هامة: إصلاح الحصون وبناء قلعة الأبراج السبعة (يديقولي) وقصر في وسط المدينة، وفي عام ١٤٥٩ يتلقى كبار وجهاء الدولة الأمر بأن ينشئ كل منهم مجمعات علاجية وخيرية وتجارية حول المساجد الكبرى. وعندئذ تعاود الحياة الفكرية والاقتصادية الازدهار في المدينة”٨، حتى “بلغت العاصمة قمتها من المجد”٩ في عهد سليمان القانوني بشهادة برنارد لويس!

الهوامش

[١] ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، دار الجيل، بيروت ٢٠/٢١.

[٢] نيقولو باربارو: الفتح الإسلامي للقسطنطينية، ترجمة ودراسة د. حاتم الطحاوي، عين للدراسات والبحوث، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢م. ص٣٥ (مقدمة المترجم، وهو ينقل عن:

Dukas: decline  decline and fall of byzantium, Trans. By, Harry J. Magoulias (Detroit, ١٩٧٥) p. ٢١٠.

[٣] فرناندو بروديل: تاريخ وقواعد الحضارات، ، ترجمة وتعليق سفير. د. حسين شريف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩م. ص٢٥.

[٤] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرون، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٨٠م. ص١٧٠ وما بعدها.

[٥] نيقولا فاتان: صعود العثمانيين، ضمن “تاريخ الدولة العثمانية” بإشراف: روبير مانتران، ترجمة بشير السباعي، دار الفكر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٩٩٣م. ١/١٢٤.

[٦] برنارد لويس: اسطنبول.. وحضارة الخلافة الإسلامية، ترجمة وتعليق: سيد رضوان علي، الدار السعودية، جدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م. ص١٣٥.

[٧] كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: أمين نبيه فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٦٨م. ص٤٣١.

[٨] نيقولا فاتان: صعود العثمانيين ١/١٢٤.

[٩] برنارد لويس: اسطنبول.. وحضارة الخلافة الإسلامية ص١٣٦، ١٣٧.

المصدر

نشر في: تركيا بوست، محمد إلهامي.



السِّباحة عكس التَّيار !

نقطة نظام


أدهم شرقاوي

وُلدَ الكاتِب المناهض للعبودية «فريدريك دوغلاس»، عبداً في «ماريلاند» عام 1817، كان قد كتب في كتابه الشهير «عبوديتي وحريتي»: العبودية منظومة مبنية على خلق مستويات عميقة من الخوف! 

كان دوغلاس يسير دوماً عكس التيار! 

علَّمَ نفسه القراءة والكتابة، رغم خطر العقوبة المشدد! وحين جُلِدَ عقاباً على سلوكه المتمرد، هربَ إلى الولايات الشمالية في أميركا، في سن العشرين دون أي أموال أو علاقات! 

ولكنّه سرعان ما صار قيادياً في حركة مناهضة العبودية، يجوب الولايات الشمالية، سارداً على الجماهير عن شرور العبودية. 

أراد منه مناهضو العبودية أن يظلَّ في دائرة محاضراته، ليكرر نفس الحكايات مراراً وتكراراً، ولكنه أراد لنفسه أكثر من ذلك، فتمرَّدَ مرَّةً أخرى، وأسس جريدته الخاصة المناهضة للعبودية، وهو تصرف غير مسبوق من عبدٍ سابق! وحققت الجريدة نجاحاً ساحقاً!

أحياناً على المرء أن يخطو خُطوةً أبعد، لأن الخطوة الوحيدة المتاحة، أو التي يبدو أنها كذلك، في الغالب لا تُؤدي إلى نتائج مرجُوَّة! 

كان أمام دوغلاس أمران لا ثالث لهما، أن يتحمل عذاب الجلد كل مرَّة، أو أن يهرب، فاختار أن يهرب! لقد رأى أن المجهول الذي فيه حرية ومغامرة، أفضل من العبودية المبنية على السلامة إن هو أطاع! وبالمناسبة العبودية هي العبودية، ليس لها اسم آخر، ومهما كان طول الحبل الذي يُربطُ به المرء! المرءُ إما أن يكون حُراً أو يكون عبداً، لا يوجد منطقة وسطى!

الحياة في الغالب لمن يجرؤ فقط، ولمن يستطيع المواجهة، ولمن يرفض أن يكون في عنقه سلسلة ولو كانت من ذهب، ولكنها جرأة متعقلة، وإلا صار الأمر تهوراً، وجرأة منبثقة من قيمة عليا ومبدأ، وإلا صار الأمر انحلالاً!

بلال بن رباح تخلَّد في التاريخ لأنه، ثار على منظومة العبودية التي أرستها الجاهلية، العبدُ ملكٌ لسيده، هكذا كانت تقول شريعتهم، ليس له أن يختار ديناً، ولا رأياً، ولا حتى عاطفة بخلاف ما يأمر به السيد! أما بلال فكان له مع كل هذا شأن آخر، كانت أعلى أيامه في سلَّم الحرية حين رُبطَ على رمال مكة الملتهبة، ووضعت الصخرة على صدره! 

كان موثقاً في الظاهر طليقاً في حقيقة الأمر، لقد هزَّ منظومة العبودية كلها!

سعد بن أبي وقاص تخلَّد في التاريخ لأنه أخذ موقفاً مغايراً لما تعرفه مكة، بل لما تعرفه العربُ جميعاً! العقيدة أهم من العائلة! هذا كان عنوان ثورته، وحين أقسمت أمه أن تقف في الشمس، فلا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه، قال لها: يا أماه، لو كانت لك مائة نفس، خرجتْ نفساً نفساً ما تركتُ هذا الدين!

صهيب الرومي تخلَّد في التاريخ لأنه قلبَ مفهوم المُلكية! المال صنو الروح، هذا ما تقوله العرب، ولكنه عندما خرج مهاجراً يريدُ المدينة، لحقت به قريش تحاول إرجاعه، فلما عجزتْ ساومته على ماله، كيف تأتينا صعلوكاً لا مال لكَ وتريدُ أن تُغادرنا ثرياً؟! هذا ما قالوه له! ولكنه دلَّهم على موضع ماله، فأخذوه، ومضى هو إلى حيث حبيبه، وفي المدينة تلقاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بابتسامة عذبة، وكان جبريلُ قد أطلعه على ما كان بين صهيبٍ وقريش، فقال له: ربح البيعُ أبا يحيى!

البلياتشو الباكي وقناع شارلي شابلن

 البلياتشو الباكي وقناع شارلي شابلن

حمد حسن التميمي


هل لاحظت يوماً أن أكثر الناس إضحاكاً في محيطك هم أكثرهم صمتاً حين ينصرف الجميع؟ 

هذا التناقض ليس مصادفة ولا استثناء، بل هو نمط إنساني رصده الفن منذ أوبرا «بلياتشي» الإيطالية عام 1892، حين صورت لأول مرة المهرج الذي يُضحك الجمهور بينما ينكسر من الداخل. 

هذا ما يُعرف بالبلياتشو الباكي، الإنسان الذي يحمل أثقل الأوجاع خلف أخف الابتسامات. 

وما من نموذج في التاريخ جسد هذا التناقض بصدق أكثر من رجل أضحك العالم كله بينما كان يبكي وحده.

في إنجلترا الفيكتورية وُلد طفل في أحياء لندن القاسية لأم مريضة عقلياً وأب غائب، ووجد نفسه وحيداً في ملجأ للأيتام وهو لم يتجاوز السابعة. 

لم يكن لديه ما يحميه من قسوة العالم سوى شيء واحد اكتشفه مبكراً: أن يضحك الناس. حين يضحكون لا يسألون، وحين يضحكون لا يرون ما خلف القناع. كان اسمه شارلي شابلن، وأصبح لاحقاً الرجل الذي أضحك الملايين بينما كان يحمل في داخله ما لا يعرف أحد ثقله. 

لخص شابلن هذه المعادلة بنفسه حين قال: 

«الحياة مأساة حين تراها عن قرب، لكنها كوميديا حين تراها من بعيد»، وهو الذي عاش المأساة عن قرب شديد وقرر أن يعرضها للعالم من بعيد.

كارل يونغ سمى هذا الثقل بالظل، ذلك الجانب المظلم من الشخصية الذي يدفنه الإنسان تحت القناع الذي يعرضه للعالم. 

منذ عام 1912 لاحظ يونغ من خلال تحليل أحلام مرضاه أن كل إنسان يحمل جانباً مظلماً يدفنه تحت القناع الاجتماعي، وكلما كان القناع أكثر بهجة كلما كان الظل في الداخل أكثر كثافة وخطورة. 

والأخطر في نظرية الظل أن الكبت لا يُضعف الظل بل يُضخمه، كل ما تدفنه يكبر في الظلام حتى يصبح أثقل مما تستطيع حمله.

والمجتمع بطبيعته لا يساعد البلياتشو على مواجهة ظله، بل يُعمق الكبت ويكافئه. 

المجتمع لا يسأل البلياتشو كيف حاله لأنه يعرف الإجابة المعلبة مسبقاً. من يُضحك الناس لا يُسمح له بالحزن، لأن حزنه يكسر الدور المنوط به ويُربك الجمهور الذي اعتاد على العرض. 

وهكذا يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إما أن تستمر في تقديم ما يتوقعه منك الآخرون، أو أن تخلع القناع وتواجه نظرات الاستغراب والخيبة. وكثيرون يختارون الاستمرار لأن خيبة الآخرين أقل إيلاماً من مواجهة أنفسهم.

والأكثر مرارة أن القناع لا يبقى قناعاً إلى الأبد. 

حين تؤدي دوراً لسنوات طويلة يبدأ الحد بين الدور والإنسان يذوب، تماماً كما رصد يونغ حين قال إن الشخصية التي نعرضها للعالم تبدأ تأكل الشخصية الحقيقية إذا أطعمت طويلاً. 

البلياتشو الذي بدأ يضحك حماية لنفسه يجد يوماً أنه لم يعد يعرف كيف يبكي، ليس لأن الألم اختفى بل لأن القناع التصق بالجلد حتى أصبح استئصاله جراحة لا يطيقها.

ثمة لحظة يصل إليها كل بلياتشو، لحظة يُغلق فيها الباب خلفه بعد أن أضحك الجميع، ويجلس وحده في صمت لا يشبه الراحة. 

هذا الصمت ليس استراحة بل فاتورة، تُدفع وحيداً بعيداً عن الجمهور الذي لا يعرف أن العرض له ثمن. الرمادي الموحش الذي يسكن حياة كثيرين ممن نعتبرهم مصدر الفرح في محيطهم ليس تناقضاً غريباً بل منطق حتمي، لأن من يُنفق طاقته على إضاءة حياة الآخرين يعيش في العتمة حين ينصرفون.

حين تفكر في أكثر شخص يُضحكك في حياتك، هل سألته يوماً كيف حاله فعلاً، أم أنك اكتفيت بالضحكة ومضيت؟

حمد التميمي

«الضو»... في زمن «الفراويلة»!

 خواطر صعلوك

«الضو»... في زمن «الفراويلة»!


عزيزي القارئ، هل أنت من حزب سلامة فراويلة، أم من حزب عباس الضو؟

وإذا كنت شاهدت مسلسل «المال والبنون»، فبأي الشخصيتين أعجبت؟

هل المبادئ والقيم تسبّب الفقر، أم الفقر هو سلاح الشيطان؟

لكي نجيب عن هذه الأسئلة دعنا نغوص في تحليل السرديات الإعلامية والدرامية، ونفكك كيفية صناعتها لتشكيل الوعي وتمرير القيم الأخلاقية الكبرى، فإننا نادراً ما نصطدم بشخصية نجحت في اختزال صراع الأجيال وأزمة الضمير البشري كما فعلت شخصية «عباس الضو» في رائعة «المال والبنون».

هذا الرجل، الذي جسّده الراحل عبدالله غيث، رحمه الله (ثم أكمله شقيقه حمدي غيث، في الجزء الثاني)، لم يكن مجرد دور في مسلسل تلفزيوني، بل كان وثيقة بصرية و«بوصلة أخلاقية» تمشي على قدمين، تفضح هشاشة المبرّرات التي يسوقها الفاسدون لسرقة الأوطان والأعمار، وتُعرّي بشاعة النفاق المجتمعي.

تتجلّى عزيزي القارئ عبقرية السرد في هذا العمل في مشهد المواجهة التأسيسي بين الصديقين الفقيرين... عباس الضو، وسلامة فراويلة... كلاهما يعمل لدى «خواجة» يهرّب الآثار ويسرق تاريخ البلد... يموت الخواجة وتُترك الثروة الحرام بلا صاحب. هنا، يقف العقل البشري أمام اختبار «اللحظة الفاصلة».

سلامة فراويلة، ينظر إلى الذهب المكدس وكأنه هبة، ويبرّر جريمته فيقول منتشياً ومبرّراً سرقته: «المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدنيا»... في تلك اللحظة، لا ينفعل عباس الضو، ولا يصرخ ولا يلقي خطبة عصماء.

إذا كنت شاهدت هذا المسلسل التسعيناتي، فلا بد أنك أدركت أن المأساة الحقيقية لعباس الضو، والتي تجعله شخصية واقعية موجعة لا مجرد ملاك بأجنحة خيالية، هي أنه دفع ضريبة نقائه كاملة، نقداً، ومن لحم حيّه وحياة أبنائه.

صُناع العمل لم يجاملوا «الضو»، ولم يمنحوه نهاية سعيدة سريعة مكافأةً على أمانته... بل تركوه يعاني شظف العيش، يكابد الفقر، ويرى ابنيه (يوسف وعبدالمنعم) يتمزقان بين مبادئ أبيهما النبيلة، وبين بريق ثروة «فراويلة» التي تتضخم يوماً بعد يوم، وتمنحه النفوذ والوجاهة الاجتماعية...

عباس الضو، يمثل تلك «اللعنة النبيلة» التي تصيب كل شريف يقرر أن يمشي مستقيماً في عالم أعوج؛ حيث يُتهم بالسذاجة، والتخلف والجمود وتضييع الفرص الذهبية التي لا تأتي في العمر إلّا مرة واحدة.

انظر حولك عزيزي القارئ كم عباس الضو، تعرف وكم سلامة فرويلة، تعرف؟ إذا أسقطنا هذه الشخصية على واقعنا المعاصر، متجاوزين حقبة التسعينات، فسنجد أن معركة «الضو» لا تزال مستمرة وبشراسة أكبر... في زمننا هذا، الذي تتسيده ثقافة الاستهلاك، والنجاح السريع، وتغليف الانتهازية بمصطلحات برّاقة مثل «الشطارة»، «القفز على الفرص»، و«المرونة الإستراتيجية» وإذا ما أخذتها أنا راح يأخذها غيري...

يبدو عباس الضو، وكأنه كائن منقرض يغرّد خارج السرب.

كم سلامة فراويلة، نلتقيه اليوم؟

يسرق المال العام أو يحتكر السلع أو يصعد على أكتاف زملائه أو حتى يرقص على جراح إخوانه...، ثم يذهب ليجلس في الصفوف الأولى في المناسبات، مبرّراً ذلك بأنه «رزق...»؟

وفي المقابل، كم عباس ضو، منسي في زوايا المكاتب، يعض على مبادئه بالنواجذ، يرفض الرشوة والتكسب غير المشروع، ويأبى الانخراط في «شلة» الفساد، ليعود إلى بيته مرهقاً، خالي الوفاض، لا يملك من حطام الدنيا إلّا شرفه وضميراً حياً وروحاً خفيفة لم تتلوّث بمال حرام؟

شخصية عباس الضو، ليست مجرد حنين لدراما الزمن الجميل، بل هي «مقياس جودة» لا يصدأ، نقيس به مدى صلابة الإنسان أمام فتنة المال والسلطة. لقد كان «الضو» يدرك بوعي فطري عميق أن المال الحرام يشبه ماء البحر؛ كلما شربت منه ازددت عطشاً، وأن الأوطان والمجتمعات لا تُبنى بعقلية «فراويلة» الذي يسرق تاريخها لبناء مجده الشخصي، بل تُبنى بعقلية «عباس» الذي يرضى بالقليل، ليحفظ للبلد شرفه.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

صورة السعادة

 خلجات

صورة السعادة


في لحظة فرحٍ تغمرها الضحكات والابتسامات العفوية، والقهقهة المصطنعة، والأسنان البراقة، وكلمات التراحيب المتكلفة، ومشاهدة الحاضرين المشاركين والمُغبَطين والحاسدين، وما إن تنتهي المناسبة أو اللحظة المأمولة حتى يغزو شعور التعب والثقل والخذلان قلب المحتفل، وكأن الفرح جُعل ليجلب الحزن، والابتسامة ما رُسمت إلا لتلحق بها الدمعة. ولم يبقَ لتلك اللحظات إلا ذكرياتها، وقد تكون آلامها تغطي على ذكرياتها، فلا يعود الإنسان يطيق تذكر فرحتها ولحظاتها.

فلو كان يصحب تلك اللحظات من الابتسامات التكلفُ والغرورُ والزهوُ بالنفس، وإدخالُ الغيظ على نفوس بعض الحاضرين، أو الخوفُ من حسد بعض الناظرين، والتكلفُ المادي والمعنوي أثناء تلك اللحظات، والأصعب من ذلك التكلفُ في إظهار الفرح، لكانت الفرحة البسيطة أجمل وأبهج للنفس. وكأن الفرحين جاءهم نبأ الموت وانتهاء الحياة، مع العلم أنه أمر طبيعي، بل هو نبأ حقيقي واقعي لا محالة، لا نكران له ولا تكذيب. 

فإذاً، فلِمَ تبدو السعادة والفرح مخذولين رغم جمالهما وقصر لحظتهما؟

يعيش الإنسان الحياة بما فيها من ألم وأفراح وأتراح، وصعود وهبوط، وصدق وخذلان، بمفاهيم أظنها مغلوطة، بل هي مغلوطة لا أشك في ذلك، وإن قلت: «أظن»، فإنما أرقق الكلام ووقعه. فلم يعد له صبر على الفرح والحصول عليه، ويعطي اللحظة أكبر مما تحتمل، ويتوقع من الآخرين الالتفات إليها، باحثاً عن الملفت للأنظار والجديد الفريد. وربما يكون صاحب الفرحة، في قرارة نفسه، يرى أنه لا يستحق هذه الفرحة، ولم يلتزم بما فيها من مهمات، ولا بما عليها من مسؤوليات، وما يترتب عليها من ضغوطات، ومع ذلك يريد أن يفرح بها كأي شخص طبيعي يرى أنه ارتقى من مقام إلى مقام.

لكنه يحب أن يعيش دون أدنى شعور بما يجب عليه أن يشعر به؛ فمع زيادة المسؤولية تزيد الفرحة، والعكس كذلك، حتى يصبح الأمر طبيعياً عنده، ونعمةً يعيش بها، يفرح بوجودها وأثرها، لا فرحةً يترف بها دون استشعار معناها والمراد منها.

خلق الله الإنسان وله مهمة في الحياة يؤديها، وقد يعيش السنين ضائعاً لا يعرف له غاية ولا وجهة ولا مقصداً، متنقلاً بين الأفكار والمرادات، يطرق أبواب الحياة حتى يُفتح له الباب المراد له أن يُفتح. ولكن إذا كان أثناء تقلباته وتخبطاته وطرقه وضياعه مستشعراً سيره ليجد مراد الله منه ومهمته في الحياة، كان ألم التوهان والضياع فرحاً قلبياً روحياً. وإن طرق الباب المطلوب وفُتح له، وعرف غايته ومقصده، كانت الفرحة فرحتين: فرحة البلاغ، وفرحة السعي.

والأجمل في قلبه أنه لا يشاركه فرحته حاسد ولا مجامل؛ لأنهم لا يرون في وصوله فرحاً، ولن يدعو أحداً إليه، لأنه قد وجد من الفرح ما لا يُعبَّر عنه إلا باستشعار النعمة وفضل المنعم. وتساوت بذلك الدنيا والآخرة، وأصبح الفرح الصوري الذي اعتاده الناس صورياً يفرح به لاعتياد الناس على الفرح به، ولكنه يفرح لمعنى ما يفرح به الآخرون، ولإدراكه الحقيقة الخفية عما يظنه الناس فرحاً قائماً على التباهي والمجاملات وكيد الآخرين.

للسعادة صورة، وللحزن صورة، ولو أدرك الفرح ساعة المصاب لما حزن، ولو أدرك السعادة وقت الحزن لتصبر على الحزن والبلاء. والحياة ساعة وساعة. ولو طرح كل ذلك جانباً، وعاش بقلب وذهن معلقين بالمعنى الحقيقي لما هو كائن وما سيكون، وبالجزاء، لأظهر الحزن والفرح صورةً ليست للمجاملة، ولكن لمعرفته أن الحياة كلها صورة زائلة، وأن البقاء ببقاء لب الاتصال القلبي والروحي بالمعنى و المراد من الدنيا.