‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف قابلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف قابلان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 مارس 2026

لماذا يرى الغربيون الإسلام تهديدا وليس الصين؟

 لماذا يرى الغربيون الإسلام تهديدا وليس الصين؟

يوسف قابلان

كاتب تركي

 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

يعزو الغربيون هيمنتهم على العالم إلى قدرتهم على السيطرة على العالم الإسلامي.

وليس، كما يظن البعض ويدّعي، فقط إلى سيطرتهم على حقول الغاز الطبيعي والنفط الغنية.

فالكتاب والمحللون والاستراتيجيون والأكاديميون الذين يظهرون على شاشات التلفزيون يكررون القول إن الغربيين يسيطرون على العالم الإسلامي لأنه يمتلك ثروات الغاز الطبيعي والنفط!

لكن هل هذا صحيح حقًا؟

الصين لا تأتي، بل تندثر...

هذا الرأي جزئيًا صحيح.

لكن القلق الحقيقي لدى الغربيين ليس هذا.

لو كان قلقهم الحقيقي هو النفط والغاز فقط، لكانوا ركّزوا كل جهودهم على الصين، وحاولوا منع صعودها بأي طريقة. لأن الصين، وفقًا للأبحاث والتقارير التي أعدها الغربيون أنفسهم، ستتجاوز قوة الولايات المتحدة خلال 25 إلى 30 سنة القادمة، وستصبح القوة المادية الأكبر في العالم...

السؤال الملح الذي نتجاهله أو لا نسأله هو: 

لماذا لا يحارب الغربيون الصين، التي ستصبح القوة الأعظم عالميًا في المستقبل القريب، بينما يحاربون الإسلام، ويشنون حربًا لتحويل العالم الإسلامي إلى بركة دماء؟

لماذا يختلقون الإسلاموفوبيا بينما لا يخترعون شيئًا اسمه السينوفوبيا أو الخوف من الصين؟

هذا سؤال مهم، والسؤال الحيوي الذي يجب طرحه وتتبع آثاره.

السبب هو أن الصين تم تحييدها اقتصاديًا، وفقدت نقاط المقاومة التي تنبع من كونفوشيوسية ثقافتها ومن خبرتها الحضارية العميقة، ولم تعد تدّعي حضارة مستقلة، بل اندمجت في النظام العالمي، وبالتالي تم تهدئتها ودمجها فيه.

الصين لا تهدد الهيمنة الغربية، بل على العكس، تتخلى عن ادعاءاتها، وتندمج في النظام الرأسمالي، وبالتالي تدعم النظام العالمي.

باختصار، الصين لا تأتي، بل تندثر...

حالة الشلل الذهني

لذلك فإن تحييد الصين اقتصاديًا، وتحويل الهند إلى نظام رأسمالي، وتحويل اليابان إلى نظام رأسمالي، لا يثير خوف الغربيين بل يفرحهم.

لأن الغربيين يرون أنهم سيطروا على كل الفاعلين الشرقيين خارج العالم الإسلامي، وحوّلوا دينهم إلى متحجر، وكسروا نقاط مقاومتهم، إلا الإسلام وحده لم يتمكنوا من تحجيره أو كسره، وبالتالي لم يتمكنوا من كسر نقاط المقاومة في العالم الإسلامي.

لذلك يرون الإسلام، خصوصًا العالم الإسلامي، كأكبر عائق أمام هيمنتهم العالمية، وأكبر تهديد لهم. 

ولهذا يكرّسون كل استراتيجياتهم لمنع إعادة تجميع العالم الإسلامي ونهضته، وذلك بتحويل الإسلام داخليًا وخارجيًا عبر مشاريع لا حصر لها وابتكار ديانات موازية.

أما تفسير الكتاب والمحللين والأكاديميين في تركيا، عبر شاشات التلفزيون، بأن الغربيين يسيطرون على العالم الإسلامي فقط للسيطرة على النفط والغاز، فهذا حالة شلل ذهني.

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن بعض الكتاب والأكاديميين في الأوساط الإسلامية يتبنّون هذا التفسير ويعلنونه بصوت عالٍ كما لو أنه اكتشاف عظيم.

العقيدة الأمريكية: استراتيجية إخضاع الإسلام

مرة واحدة، تفسير ما يحدث في المنطقة بعوامل مادية فقط هو تفسير جزئي وعارض.

في الوقت نفسه، لا يتردد الغربيون أحيانًا في الاعتراف صراحةً بسبب محاصرتهم للعالم الإسلامي.

فعلى سبيل المثال، تعترف الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بأن السبب الأساسي لوجود الغربيين في المنطقة ليس السيطرة على النفط والغاز، بل إخضاع الإسلام، الذي يهدد الهيمنة الغربية، وتحويله إلى متحجر ومسيطر عليه.

الهدف النهائي: إيقاف تركيا!

يجب أن ندرك أن تركيا تقع في قلب محاولات الغرب لمحيط العالم الإسلامي.

لأن الغربيين يعلمون جيدًا: إذا لم يتم إيقاف تركيا، فإن طموح تركيا الحضاري قد يمنع، على المدى المتوسط والطويل (بين 50 إلى 100 سنة)، إعادة تجميع العالم الإسلامي وقيادته.

وهذا يعني انسحاب الغربيين من المنطقة وتفكك النظام العالمي الاستبدادي الذي يقودونه.

لذلك نحن نمر بمرحلة صعبة...

إنها مرحلة يُعاد فيها كتابة التاريخ...

كما أقول دائمًا، وسأكررها بلا كلل حتى تتحول إلى حقيقة: يجب الاستعداد جيدًا في المجالات الأساسية مثل الفكر والفن والثقافة والشباب والإعلام، وغرس بذور مئة سنة خلال عشر سنوات، والانتباه للفخاخ، مع الثبات دومًا.

حينها نُحبط مخططات الغربيين، ونبني لعبتنا خطوة بخطوة بعون الله...

والسلام.

الجمعة، 30 يناير 2026

الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (3)

 الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (3)

كاتب تركي


أنقل إليكم رحلتنا إلى الأندلس بقلم أخي محرم كرتانجي. وكما في كل مرة، جاء النص شهيا وعميا؛ قراءة تفتح الذهن وتوقظ الذاكرة.


من قرطبة إلى غرناطة: نداء الأذان


في قرطبة، استيقظنا باكرًا واستعددنا للذهاب إلى مدينة الزهراء. بدأنا بزيارة المتحف، حيث شاهدنا فيلماً أُعد بعناية جسّد عظمة المدينة، وكشف عن ضخامة الحضارة الإسلامية في ذلك العصر وقوتها ونفوذها. حتى طقوس استقبال ملك ألمانيا كانت وحدها كفيلة بإثبات أن هذه الدولة كانت، يومها، الأقوى في العالم.


عندما وصلنا إلى غرناطة كان وقت صلاة العصر يقترب. تركنا حقائبنا في الفندق، وتوجّهنا إلى الجامع الكبير في غرناطة القريب. وما إن اقتربنا من المسجد حتى ارتفع الأذان من مئذنته. بعد أربعة أيام بلا أذان، كان لسماع هذا النداء وقع خاص لا يوصف.

كان المؤذن يرفع الأذان من شرفة المئذنة بلا مكبّرات صوت، وكأنما جمع في صوته كل حزن الأندلس وألم غرناطة، فأسكنهما في نبراته.


قال أستاذنا يوسف قابلان: «هذا الأذان يدعونا من جديد إلى الحضارة الإسلامية»، فحوّل حزننا إلى أمل.

لم يكن الأذان مجرد إعلام بوقت الصلاة، بل إيقاظًا لذكرى. كان صوت المؤذن حزينًا، غير أن ذلك الحزن لم يكن حزن هزيمة، بل صوت حضارة لا تُنسى.

الجامع الكبير في غرناطة: موقد العارفين


دخلنا الجامع الكبير في غرناطة بلهفة بعد الأذان. مسجد بعيد عن التكلّف، كريم في عمقه، يعكس نُبل التواضع. إنه معبد يتكلم فيه اليوم صوت الأندلس المُسكت، وتستعاد فيه ذاكرة تاريخ جرى تجاهله طويلًا.

في المساجد التي لها روح، تكون الصلاة مختلفة؛ خشوع أعمق، ونشوة أصدق. وبعد الصلاة، شكلنا حلقة مسجدية حول أستاذنا. حديث يفتح الآفاق ويوقظ الفكر، عشنا معه في غرناطة معنى الأخوّة حتى أعماقنا. تعانقنا، فالأخوّة الإسلامية في الغربة تُعاش بطعم آخر.


قال لنا أستاذنا إن تركيا، إن استطاعت أن تستعيد وعيها وتُنشئ جيلًا رياديًا، فستكون قادرة في زمن غير بعيد على اتخاذ خطوات تؤثر في العالم كله. لكنه حذّرنا أيضًا: إن انشغلنا بما ينقذ يومنا وأهملنا ما يبني مستقبلنا، فإن خطر الزوال نفسه قد يطرق أبوابنا من جديد.


الجامع الكبير في غرناطة هو ختم صامت لكنه حازم ضُرب على الأندلس؛ ختم الأمة وأوليائها. ليس هذا المسجد آخر أنفاس الأندلس، بل قلبها الذي عاد يخفق من جديد.


الحي الإسلامي: حين تتشرب الشوارع الوقار

بعد الصلاة، سرنا في أزقة الحي الإسلامي الضيقة. كانت البيوت متكئة بعضها على بعض، كأنها تتساند. حضارتنا لا تترك الإنسان وحيدًا. الأفنية فضاءات حياة ولقاء، النوافذ تحمي الخصوصية، والأبواب تلمّح إلى جمال الداخل.


في هذه الأزقة يدرك المرء أن الإسلام ليس مجرد عقيدة، بل أسلوب حياة ينظّم كل لحظة وكل مكان؛ نظرة موزونة إلى الحياة، وتعامل قائم على احترام الإنسان.


الساحة التي أُحرقت فيها أربعمئة ألف كتاب


هنا سقطت الأندلس حقًا. في هذه الساحة لم تُحرق الكتب وحدها؛ بل أُحرقت الذاكرة، وأُحرقت المعرفة. جرت محاولة محو قدرة حضارة كاملة على أن تحكي ذاتها. هنا تعلّمت الإنسانية الفعل الشيطاني المسمّى «حرق الكتب». وكل كتاب أُحرق في العالم لاحقًا، تتحمّل وزره أكتاف أولئك الذين أشعلوا النار في كتب غرناطة.


الحكاية التي ترويها أوروبا باسم «عصر التنوير» بدأت هنا، في هذه الساحة التي صارت فيها الكتب رمادًا. ما كُتب في قرطبة من علم، سُرق في طليطلة عبر الترجمات، ثم أُحرق في غرناطة لإخفاء المسروق وتبييضه.

ومن المعرفة المسروقة وُلد الكِبر، ثم تحوّل مع التقدم التقني إلى وحش دفع الإنسانية إلى مأزق خانق؛ مع الثورة الصناعية والاكتشافات الجغرافية وغيرها. لكن الواضح اليوم أن الإنسانية حبلى بالحقيقة؛ تبحث عنها وتسرع نحوها.


الحمراء: «لا غالب إلا الله» وذكر الله

بدأ يومنا الثاني في غرناطة بزيارة قصر الحمراء. الحمراء ليست مجرد قصر، بل تجلٍّ لجمالية الحضارة الإسلامية وقد تحوّلت إلى حجر وماء وضوء. إنها ذكرٌ بصيغة أخرى.


الجملة المكرّرة على الجدران تلخّص حضارتنا كلها: «لا غالب إلا الله». لا غالب سواه. 

إنها كلمة تذكّر الإنسان بنسيانه وغفلته وكبريائه. درسٌ في زحمة اليوم ودوائه في آن واحد. 

ليست زينة لفظية، بل ادّعاء حضاري: 

إعلان صامت بأن الغلبة للحقيقة لا للقوة.

الماء، الانعكاس، وحدائق الجنة


الماء هو العنصر الأساس في الحمراء؛ يذكّرنا بأصل الخلق. تنبيه للإنسان الذي نسي أنه خُلق من علقة. يتدفق الماء إلى الحوض كما يولد الإنسان إلى الدنيا.


حضارتنا تحب الانعكاس؛ فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن. 

يواجه الإنسان ذاته: أنت موجود الآن، وغدًا قد لا تكون؛ تمامًا كظلك المنعكس. من يذكر الموت لا يقع في الكِبر. 

الألوان حاضرة لكنها لا تُتعب العين؛ الضوء موجود لكنه لا يُعمي، بل يتكسّر وينعكس في فضاء الحمراء.

هذه الأمكنة لم تُبنَ للزينة، بل لتذكير الإنسان بالجنة في الدنيا، ودعوته إلى الفوز بها أبدًا. المسلم لا يهيمن على الطبيعة، بل يقيم معها علاقة انسجام. وهذا ما نراه جليًا في الحمراء.

صلاة الجمعة: دليل حيّ على أن الأندلس لم تمت

عدنا لأداء صلاة الجمعة في الجامع الكبير في غرناطة. الصلاة التي أُقيمت فيه ذلك اليوم ذكّرتنا بصلاة العيد في مكة: صامتة، بلا رياء، عميقة. وبعد الصلاة، التهاني المفعمة بفرح العيد بين المسلمين، وملامح السكينة والسرور على وجوه الإخوة الجدد في الإسلام، كانت أصدق دليل على أن الأندلس لم تمت بعد.

بعد الصلاة، سلكنا طريقًا مختلفًا عبر أزقة الحي الإسلامي، متجهين إلى المكان الذي دُعينا إليه من قبل الأخت غمزة. لم نشعر بطول الطريق ولا بمرور الزمن؛ وصلنا بالمودّة.


الحقيقة التي لا تُكتب: المحبة


تذوقنا أطباق الأندلس على مائدة حلال، لكن ما كان حاضرًا حقًا لم يكن الطعام، بل الحديث، والأخوة الإسلامية. 

كلمات أستاذنا يوسف قابلان المشتعلة من القلب إلى القلب. هذه أشياء لا تُروى؛ بل تُعاش. وحين تُعاش، تُنقش في القلب ولا تُنسى أبدًا.

المصدر



الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة(1)
الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (2)

السبت، 24 يناير 2026

الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة(1)

الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (1)

كاتب تركي


طليطلة – الأندلس

الأندلس حضارة علمت أوروبا معنى الحضارة. ففي زمنٍ كانت فيه أوروبا تُجتاح بالغزوات الهمجية، وتُقلب إلى جحيم، وتغرق في بحرٍ من الظلمات، هاجر إلى الأندلس قومٌ من الشام والمغرب؛ فكان عقبة بن نافع، وكان طارق بن زياد، المولى البربري، يزرعان هنا بذور حضارة فريدة، لذيذة، أضاءت أوروبا كالقنديل طوال ثمانية قرون.

سفر رحلتنا الأندلسية

في سنة 710م، أي في القرن الأول من عمر الإسلام، أُسست الدولة الأموية في الأندلس. وحتى عام 756م كانت الأندلس تُدار بولاةٍ يتم تعيينهم من الشام، ثم ما لبثت أن أصبحت دولةً مستقلة.

وفي عهد عبد الرحمن الثالث بلغت الدولة الأموية في الأندلس ذروة ازدهارها. فحين أعلنت الدولة الفاطمية الشيعية، في شمال أفريقيا، الخلافة في مواجهة الخلافة العباسية، وحين ظهر المتمرد الوضيع المدعو ابن حفصون، الذي حول الأندلس إلى ساحة فتن وجحيم، متحالفًا من جهة مع مسيحيي الأندلس، ومعترفًا من جهة أخرى، سنة 910م، بالخلافة الفاطمية الشيعية؛ عندها أعلن عبد الرحمن الثالث خلافته في الأندلس لدرء الخطر الداهم، والقضاء على الفتنة والفساد المستشريين. وكان ذلك بعد مداولات مطولة مع العلماء، إذ إن الأصل أن يكون للمسلمين خليفةٌ واحد، وتعدد الخلفاء يناقض منطق الخلافة.

عاشت الخلافة الأموية في الأندلس ثلاثة قرون، وقدمت تجربة حضارية هائلة… غذت جميع النهضات الأوروبية اللاحقة. لكنها سقطت مبكرًا، سنة 1236م، وانسحبت من مسرح التاريخ.

وبعد سقوط الخلافة الأموية، قدمت إمارة غرناطة – التي سقطت عام 1492م – تجربة حضارية بديعة في رقعةٍ جغرافيةٍ ضيقة استمرت قرابة قرنين ونصف، لكنها لم تنجُ من السقوط والانمحاء بعد هجمات الصليبيين من كل حدبٍ وصوب.

ومنذ ذلك الحين بدأ التاريخ التراجيدي لمسلمي إسبانيا: دماء، دموع، مجازر، ومحاكم تفتيش لا تنتهي.

ابتداءً من مطلع هذا الأسبوع، نخوض رحلةً أندلسيةً عامرة. تتولى تنفيذ الرحلة أختنا بشرى أوتشور، ويقوم بالإرشاد أخونا فاروق أوروج من إسبانيا. فاروق أخٌ جميل متواضع، يتابع فورًا كل شؤون المشاركين في الرحلة. وأود أن أنقل تفاصيل جولتنا بقلمٍ شهي لشيخنا محمد كرتانجي، ممثل MTO في سامسون وعضو فريق إدارتنا… وسنواصل الرحلة يوم الأحد أيضًا.

مسار «الأندلسة» في تركيا

في ثلاثة أيام تمتد رحلتنا من برشلونة إلى مدريد، ومن طليطلة إلى قرطبة، وتُختتم في غرناطة وإشبيلية.

في اليوم الثالث من الرحلة، ومع وصول حافلتنا في ساعات الصباح الباكر إلى منصة المشاهدة التي تطل على مدينة طليطلة (توليدو) بأكملها، فتحنا أعيننا على مشهدٍ لا يُنسى.

لم تكن المدينة التي أمامنا مدينةً نعرفها. داهمتنا مشاعر متداخلة؛ ذُهلنا، وصُعقنا، وغمرنا حزنٌ عميق. فالأبراج التي نراها كنائس كانت منارات، والمباني التي تبدو كنائس كانت مساجد.

بعض المساجد حُوِّلت إلى كنائس، وبعضها هُدم تمامًا وبُنيت مكانه كاتدرائيات ضخمة. وفي خيالي أعيد المنارات إلى كل برج؛ تنعكس المنارات على النهر الذي يطوّق المدينة، وتعلو أصوات الأذان. أتأمل مساجدنا التي تجمع القادمين من قريب وبعيد تحت قبابها.

وتطفئ الشاذروانات، بمياهها الباردة، قلق القلوب التي يعتصرها الخوف من المصير القادم.

وتحت أشجار الظل في الساحة الواسعة، أنضمّ إلى أحاديث أجدادنا المنتظرين وقت الصلاة.

وأنا أتأمل طليطلة، يخطر ببالي كيف انزلقت الدولة العثمانية، التي لم تُحسن قراءة الأندلس ولم تستخلص دروسها، إلى مسارٍ شبيهٍ بـ«الأندلسة». يعتصرني الحزن. أعيش حالة صدمة كاملة. وتظل عبارة أستاذنا يوسف قبّان تتردّد في أذني مرارًا:

«تركيا لم تُؤندلس فعليًا، لكنها تعيش ذهنيًا مسار الأندلسة، ونحن لا نعي ذلك حتى الآن!»

طليطلة: مدينة الشعر

بهذه الأفكار ندخل المدينة عبر السلالم المتحركة، ويبدأ مرشدنا فاروق أوچار الشرح قائلًا:

«ما زالوا يتباهون بما بقي منا، لكنهم يكتفون بالادّعاء؛ لا يعيشون هذا الإرث ولا يُحيونه

في هذا الجزء من الحي كان مسجد، فأصبح كنيسة؛ وكانت كنيسة فصارت كنيسة؛ وكانت كنيسًا فأصبحت كنيسة

لكن هل هذه الكنائس كنائس حقًا؟ إنها كنائس شكليًا فقط…

منارة مسجدنا صارت برجًا، تعلوه صليبٌ وأجراس. العمارة محفوظة، لكن الروح غائبة. مشهدٌ حزين إلى حدٍّ يُبكي في صمت. أن تفكّر بالمسلمين الذين لا يستطيعون دخول هذه الأمكنة حتى للزيارة، يمزّق القلب.

لا أستطيع التحديق طويلًا في الجدران والنوافذ وتفاصيلها. أشعر بالخجل، فأشيح ببصري… ما أراه ثقيلٌ جدًا، ولا نقدر على مواجهته!»

وبعد مسيرٍ قصير، يحدّثنا مرشدنا عن ساحة المدينة التي كانت تُستخدم سوقًا للحيوانات؛ ففي هذه الساحة نفسها أبادت محاكم التفتيش آلاف المسلمين، هنا ذُبحوا وقُتلوا…

نعم، كما يقول أستاذنا يوسف قبلان مرارًا: «نحن نعيش لنُحيي؛ والغرب يعيش ليقتل ويُبيد».

وهنا نشعر بهذه العبارة حتى أعماق عظامنا. يتعكر مزاجنا.

أمام نافذة مقهى مطلّة على الساحة، يشرح لنا شيخنا كيف جرى إخفاء الأندلس وتعتيمها في التاريخ الأوروبي، مع أن «الحقيقة» التي كان يمكن أن تنيرهم كلّهم تقبع هنا.

«طليطلة مدينةٌ كقصيدة شعر. تعرض أروع نماذج العمارة الإسلامية. شوارعها مفاجِئة، ومساحاتها الحياتية تتيح التنفّس؛ البيوت متقاربة، ودودَة، تدعو إلى الألفة…

واجهات المباني تتسابق، كأنها تعكس نور الحضارة الإسلامية بعضُها لبعض. لا يرغب المرء في مفارقة المدينة.»

ماذا جرى لنا حتى فقدنا مدننا؟ وكيف لمن فقد مدنه أن يعثر على ذاته؟

يجيبنا شيخنا: الذين يعيشون مدنهم لا يضلون. يموت الإنسان، وتتغير الأفكار؛ لكن المدينة تذكر.

الثلاثاء، 13 يناير 2026

عبادة قاتلة.. العالم على أعتابنا ونحن غائبون

 عبادة قاتلة.. العالم على أعتابنا ونحن غائبون

يوسف قابلان 

لنلقِ الضوء على أربع مشاهد تعبّر عن مجرى العالم، لنرى حالنا وإلى أين يتجه العالم عن قرب.


الصين، لقد نجحت في إنتاج طاقة شمسية صناعية! 

روسيا، على وشك الانقضاض على أوروبا! الأمر وشيك! ستضرب في أي لحظة!


أوروبا، منسحبة إلى جحورها، تفكر مليًّا: كيف سنرد على الهجوم المحتمل من روسيا؟


ترامب، يبدو مُنتصرًا (يتصرف وكأنه القائد الغالب، ويهون الأمور قائلاً: أنا ملك العالم، متفاخرًا في كل مكان ولدى الجميع).


لكن كل هذه المشاهد الأربعة “مزيفة”. ما نراه فقط، ما يظهر لنا، هو الحقيقة الجزئية. وبالنظر إلى هذه الحالة، لا يمكننا أن نرى بدقة إلى أين يتجه العالم.


أين "روح العالم"؟


هذه المشاهد – عند مقارنتها بأفكار هيجل – تظهر فقط اللاعبين المشاركين في صراعات القوى العالمية، لكنها لا تعكس روح العالم الحقيقية. فهي لا تمثلها بأي شكل. 

روح العالم نحن؛ ونحن من يمثلها. لكن للأسف، "نحن" غائبون.


والأدهى من ذلك، في اللحظة التي يحتاجنا فيها العالم أكثر من أي وقت مضى، يحتاجنا مثلما يحتاج الخبز والماء، في زمن قيامة محتضنة للعدم، نحن بالذات نختفي.


مفتاح قدرة الإنسانية على إقامة علاقات صادقة وحقيقية مع الحقيقة، ومع نفسها، ومع العالم، ومع بعضها البعض، موجود لدينا، بين أيدينا، لكننا غائبون بالكامل.


كما قلت دائمًا: هناك كلمة واحدة يجب قولها للعالم. ونحن من يجب أن نقولها. لكننا غير موجودين. لو كنا مجرد "غياب"، لما كنت سأهتم كثيرًا، لما كنت حزينًا، لما كنت أستنزف نفسي. لكننا أيضًا نختفي.


هل الصين قادمة حقًا؟ قد يقول البعض إن الصين قادمة! 

لكن ليحفروا هذا في أذهانهم: الصين لا تأتي كـ"مسيح"، ولا كمُنقذ، ولن تهدي العالم العدالة أو الرحمة أو الإنصاف، ولن تفتح الطريق أمام البشرية، ولن تخرجها من الطريق المسدود أو الدوامة التي هي فيها. لن تكون قوة منقذة، ولن تنفخ روحًا في الإنسانية.


الصين تصير أكثر رأسمالية، تمتص المخدر، تعيد تناول "الأفيون" مرة أخرى، وتخضع للرسملة الوحشية التي ستغفو عليها ثم تبتلعها.


الصين لا تأتي كفكرة حضارية جديدة ومنعشة لتفتح الطريق للبشرية. بالعكس، الرأسمالية تمنحها "الأفيون" لتغفو، وتخضع للنوم، وتظل في حالة إنكار ذاتها. وأقول ما أعرفه: كل محاولات إنكار الثقافة في التاريخ انتهت بانتحار ثقافي.


كيف فقدت الحضارة الهندية روحها؟


بينما انتقلت الحضارة الهندية من الفيدا إلى الأوبانيشاد، لم تكن على وعي بأنها طعنت روحها في الصميم. قامت بإلغاء طقوسها الحقيقية، وهي "المكان" الوحيد الذي يتجسد فيه جوهر الدين وروحه. إذا ألغيت طقوسك الحقيقية، ستضطر لاحقًا إلى اختراع بدائل زائفة. وهذا ليس كل شيء.


مثال: إذا ألغيت إيمانك بالله، فلن تتأخر في اختراع آلهة زائفة انظر إلى مصير آلهة الثورة الفرنسية، والثورة الروسية التي تم اختراعها كمسيح علماني.


نحن في ذروة "الهيكلية"!


انظروا إلى الثورة الكمالية، وإلى النقطة المأساوية التي وصلنا إليها اليوم – حيث بلغنا ذروة الهيكلية! لقد وصلنا إلى القمة في عبادة الهيكل!


الإيديولوجيا الكمالية، التي ألغت الدين، تحولت بنفسها إلى دين زائف ومغرٍ؛ يتم تعليم طقوسها المُغرية لأطفالنا في مدارسنا. إذا استمر هذا الوضع (وهو في الحقيقة لن يستمر)، ستتحول المدارس إلى هياكل علمانية للعبادة. الجميع سيكون "عباد هيكل".


هنا يمكن القول تمامًا مثل بودريار: 

ظهر شكل "قاتل" من الهيكلية في البلاد. قاتل بمعنى مميت.


هيكلية تُفقد العقل صوابه. هيكلية تنتج طقوسًا زائفة فقط، وتجبر على إنتاجها. تصنع طقوسها عبر النظر إلى "النقيض".


ما هو النقيض؟ لا يمكن شرحه إلا بمثال، وإلا ستظل قوانين الهيكلية تنتظر لاصطياد أي من يجرؤ على النظر. في صامصون، في "الخطوة الأولى"، وفي خطوة أخيرة، دار الناس عدة مرات حول تمثال في طقس يشبه "الطواف"!


لا يصدق، لكنه حدث في هذا البلد! تمامًا حين يحتاج العالم إلينا، حين يكون بحاجة إلى مبادئنا في العدالة والإنصاف والرحمة لتقديمها كحضارة للعالم، نحن نسير في مسارات مأساوية ومضحكة تقودنا إلى الانتحار، ونختفي، أليس كذلك؟


لكن هذه الصورة ستُسجل في التاريخ على أنها وهم. إذا تمكنا من التعرف على روحنا، من معرفة روحنا، من العثور عليها، وتجهيز أنفسنا بها بصدق.


الاثنين، 24 نوفمبر 2025

من الشرنقة إلى الأمة: تشريح التحول الديناميكي للإمبراطورية العثمانية

من الشرنقة إلى الأمة: تشريح التحول الديناميكي للإمبراطورية العثمانية
يوسف قابلان


على الرغم من خطر انقراض هذا المجتمع، لم تتوقف مقاومته واستقامته، ولم تتوقف جهود بناء مستقبل قادر على تغيير مجرى التاريخ، ولن تتوقف. لقد أسسنا الألفية الماضية.

علينا أن نستعد جيدًا للألفية القادمة. على الرغم من محاولات تقويض الروح العثمانية، كتب ممثلنا في بورصة، الأخ نوري غور، عن قوة المقاومة وقيام هذه الروح.

تشريح الأزمة

التاريخ غالبًا ما يقدم سيناريو سهل القراءة: صعود، توقف، سقوط. لكن النفس الأخيرة للإمبراطوريات الكبرى تتجاوز هذه الدورة البسيطة بكثير، فهي فن متعدد الطبقات يحتوي على الدراما والمعجزة معًا. تصنيف ستة قرون من قصة دولة عالمية بأنها مجرد "انحدار محتوم" يعني تجاهل روح النضال المليء بالدم والعرق والفكر، والذي دار حول المحورية، البحث الإيديولوجي، والإصلاح العسكري. إنها قصة تحول يتحول تدريجيًا، ويكتسب قشرة، ثم يتحول إلى كيان مختلف تمامًا.

سر الحفاظ على أرض شاسعة متماسكة يكمن في قوة القلب النابض. وقد تجلت هذه القوة ذات يوم في نظام الجدارة العادل، وفي شبكة العدالة التي امتدت إلى كل زاوية من الدولة. 
ومع مرور الوقت، بدأ الصدأ يظهر حول هذا القلب القوي. 
تراخي الآليات الإدارية وفساد نظام جمع الضرائب فتح جروحًا عميقة داخل الإمبراطورية. 
صعود كبار الفاعلين الإقليميين، وهم "الأعيان"، شكل ثقبًا أسودًا أضعف قوة المركز.

يبدو أن هذا الفساد يبرر استعارة "الرجل المريض"، لكن الإمبراطورية وجدت الحل في إعادة الهيكلة. 
كان صوت الإصلاحات العميق والثابت بمثابة إعلان إرادة إعادة التنظيم خلال عهد "التنظيمات". 
كان محاولة لتكييف أدوات الغرب لصالح قضيتها، لكنها لم تتجاوز حدود التقليد. 
حاول المركز معالجة المشكلات التي لم يستطع حلها بالأساليب القديمة من خلال البيروقراطية والقوانين الجديدة، مثل شجرة تقطع فروعها الجافة لإنقاذ جذعها. لكن النتيجة…

أزمة الذهنية والتحول

أعنف جبهة للتحول كانت في المجال الذهني. البنية التي ارتفعت عند تأسيسها بوعي إسلامي وروح الجهاد وامتزاج إرث روما الكوزموبوليتية، سقطت في فراغ هوياتي بفقدانها الرعايا المسيحيين نتيجة قرارات خاطئة. أصبح من الضروري وجود مادة لاصقة جديدة للحفاظ على الإمبراطورية.

هنا ظهر الإسلام السياسي. كانت إعادة تفسير فكرية عملية لعبد الحميد الثاني، حيث تم التأكيد على الخلافة كزعامة روحية للمسلمين جميعًا في مواجهة القوى الاستعمارية، لتصبح درعًا دفاعيًا. وكان يبدو أنها ستنجح.

المثقفون المخدوعون/المباعون بدأوا بخيانة الحلم العثماني. بدا أن الشباب الأتراك يتحركون لإنقاذ الدولة، لكن الخسائر الجغرافية وأزمات الهوية قادتهم حتمًا نحو ما أسموه القومية التركية، وهو تدميرٌ معنوي. المزج المعقد الذي صنعه جوكالپ بين الثقافة والحضارة، ودمج الثقافة التركية بالحضارة الإسلامية ضمن الحداثة الغربية، أسس لبنية فكرة "تركيا بدون الإسلام" التي سمتها القومية. كان ذلك محاولة لمن فقد روحه لابتكار روح جديدة.

مقاومة الروح الممزقة جسديًا

أكبر مفارقة في القرنين الأخيرين تكمن في مصير الجيش. 
فقد دفعت الخسائر الأوروبية والهزائم الثقيلة الدولة نحو الإصلاح العسكري. 
التدريب الجديد والعقيدة التي جلبها المستشارون الألمان غيرت المشهد في الجبهات. 
الجيش الحديث، الذي حمل داخله وعي "تموت لأجل الأرض هي الوطن"، أبدع مقاومة أثارت دهشة المراقبين الأوروبيين في أكثر الجبهات دموية خلال الحرب العالمية الأولى مثل غاليبولي
كانت النجاحات العسكرية في تناقض صارخ مع الخيانات والانهيارات السياسية، إنها قصة روح ممزقة جسديًا قاتلت حتى اللحظة الأخيرة.

هذه الروح المقاتلة شكلت العمود الفقري لحرب الاستقلال التي نشأت من أنقاض الإمبراطورية. الجيش الذي أعيد بناؤه بروح الجهاد وهتافات "الله الله"، بعد السيطرة على السلطة، ألغى الخلافة، وأبعد الإسلام بسرعة عن المجال العام، وأسس دولة قومية علمانية قائمة على الغرب. 
على الرغم من أن معظم رجال الشعب استشهدوا من أجل القيم التي قاتلوا من أجلها، إلا أن الغربنة لم تتغلغل في أعماق جذور الشعب، فخلقت هوة اجتماعية ومهدت الطريق للردود الداخلية على مؤسسي الدولة الجديدة.

في النهاية، لم يكن مغامرة الستة قرون مجرد غرق للسفينة. بل انتهت ببناء مركب جديد ومرن من أقوى أجزاء السفينة القديمة بجهود الطاقم الذي قاتل حتى اللحظة الأخيرة.

خيانة القادة تأتي بعد البناء.

السقوط لم يكن نهاية، بل كان عملية شرنقة ديناميكية. الاضطرابات الداخلية لم تكن سوى آلام ولادة وجود جديد. وتزداد الآلام، وحان وقت الولادة من جديد…

الجمعة، 3 أكتوبر 2025

كل مكان كان إسرائيلًا! لقد استعبدوا العالم.. الآن سيصير كل مكان غزة، وغزة ستحرر العالم

كل مكان كان إسرائيلًا! لقد استعبدوا العالم.. الآن سيصير كل مكان غزة، وغزة ستحرر العالم



يوسف قابلان

وصل أسطول الصمود إلى هدفه بعد رحلة مدهشة خطفت الأنفاس: انكسر الحصار في العقول، وها هي سفن جديدة تشق طريقها إلى البحر.

من هاتاي انطلقت خمس وأربعون شراعية، ترفع أشرعتها وكأنها تهتف: تقدّموا!

هذا وحده يثبت أن الحواجز تنهار حين يكتسب الفعل بُعدًا عالميًا. لقد تحوّل أسطول الصمود إلى انتفاضة عابرة للحدود، وأثبت للعالم أنّ ما تعجز عنه الدول تستطيع الشعوب الحرة أن تنجزه. قد تستعبد الدول، لكن لا يمكن أن تُكبَّل عقول البشر. فشعوب العالم حرة، والإنسانية لا تُستعبَد.


اليوم أضع بين أيديكم نصا رائعًا يعبّر عن معنى أسطول الصمود، بقلم أخينا الأذربيجاني، الطالب والباحث وقار عزيزوف. نصّ يفيض حرارةً ويترك في الروح أثرًا عميقًا.


كنت قد قلت في مقالي بعد السابع من أكتوبر قبل عامين إنّ غزّة محطة ميلاد. واليوم أكرّر: هناك ما قبل غزّة وما بعدها. ومن غزّة سيُكتب التاريخ من جديد. وهذه الكلمات تحمل إشارات ذلك التحوّل.


رحلة التاريخ نحو فقدان الجوهر

ما ترتكبه إسرائيل في غزة من إبادة معلومة للجميع. لكنّنا كثيرًا ما نحصر هذه الحرب في زمان ومكان محدَّدين. في الحقيقة، هذه الحرب قسمت العالم قسمين: إمّا أن تكون مع غزة، أو مع إسرائيل.

الفارق أنّ المنظومة الفكرية التي شيدها الغرب بلغت أقصى تجلياتها هناك. إسرائيل هي الذروة المكتملة للحداثة الغربية، صورتها العارية التي تكشف حقيقتها.

أما نحن؟ فلسنا بمعزل. 

فإذا قبلنا معايير الحداثة الغربية كمرجعٍ وحيينا وفقها، فنحن أيضًا على الخط نفسه. عندها تكون إسرائيل في داخلنا أيضًا، لا في فلسطين وحدها. وكما قال المفكر يوسف قابلان: لم يعد هناك "نحن".


هذه المجزرة لم تبدأ في 2023، بل جذورها أعمق؛ إنها امتداد لمسار التاريخ في فقدان جوهره. العالم اليوم محكوم بجوهر واحد: "اللاجوهر" الغربي. وإسرائيل هي الثمرة الناضجة لهذا الفراغ، وسائر القوى مجرد داعمين له بأشكال مختلفة.

غزة هي اليُتم الذي أنجبته هذه اللاجوهرية: روحٌ يتيمة تصرخ بعد أن ضاع جوهرها. إنها الصدع الذي فُتح في جدار العالم المتصلب. ومنه يعلو صوت آخر نفَس.

الجسد مادته القوة والسلطة والثروة، أما الروح فمادتها الرحمة. وإسرائيل تمثل آخر قوة لعالمٍ محبوس في الجسد. وتحت هذا الثقل، تئن الروح وتنزف، وصوت عذابها يدوّي في غزة.


سفينة نوح تقودها الرياح الإلهية


هذا الصوت يتردّد في العالم كصرخة… يطرق القلوب التي لم تتصلب بعد… واليوم من كل ركن في الأرض، تبحر سفن مدنية إلى غزة. إنها أنفاس الرحمة التي تهب من القلوب. سفينة نوح جديدة، تدفعها ريح السماء.


إنّ أسطول الصمود رمز لهذه الحقيقة: صمود الرحمة في وجه الطغيان، وبشارة انتقامٍ إلهي آتٍ من الأرض والسماء.

ويبقى السؤال موجّهًا إلينا:
هل أنتم على متن السفينة… أم ما زلتم في هذا العالم؟

غزة، بهذا المعنى، هي النقطة التي انهارت عندها الحداثة، وانبعثت فيها الرحمة من جديد. وذاك الـ "نحن" الذي أشار إليه يوسف قابلان يهمس إلينا من دموع غزة.

كل مكان كان إسرائيل… والآن سيصبح كل مكان غزّة

لكن من نحن؟ هل تخلّصنا من هموم الدنيا وأطماعها؟ أم أننا نشتم إسرائيل بينما نبقى أسرى عقلها نفسه؟

كثيرًا ما ننقاد إلى منطق "التقدّم" و"السلطة" و"الماديات"، ولا يختلف الأمر سوى بالاسم والهوية. نريد أن نملك القوة لنحطّم إسرائيل، ثم ماذا بعد؟ سنعيد إنتاج العدو نفسه. عندها، هل نصبح إلا صورة جديدة من إسرائيل؟

الحقيقة أنّ السلطة الحقيقية كامنة في الرحمة. فلماذا لا نجعل الرحمة واللطف والروحانية أساس الحكم؟ لماذا ننطلق دائمًا من القوة والماديات؟



إنّ ما في أيدينا اليوم من سرعةٍ ولهوٍ وإغراء في الهواتف، هو قنبلة إسرائيلية أخرى. فهي تضرب أرواحنا. وهكذا صارت كل الدنيا إسرائيل وغزة معًا. فالحداثة الغربية سمّت حياتنا، وزرعت فينا منطق السيطرة عبر "السرعة" و"اللذة" و"الإغراء".



نحن لا نملك سلطة في مفاهيم الآخرين؛ نحن عبيد لهم. وهذا ما سمّاه يوسف قابلان "عبودية المعرفة". والأسوأ أنّنا في معظم الأحيان لا ندرك ذلك.



نعم… كل مكان إسرائيل، وكل مكان غزّة. الزمان والمكان تلاشت حدودهما. العالم صار صورةً مقلوبة لذاته.


أسطول الصمود رمز لهذه الحقيقة. صوتٌ يعلو من غزة، وأنفاس رحمة تتوجّه إليها. فإذا تحركت الرحمة، فالطوفان آتٍ. ومن هذا الطوفان سيولد "نحن" جديد حامل للحقيقة.