‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات رأي (تحليلات). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات رأي (تحليلات). إظهار كافة الرسائل

الأحد، 20 سبتمبر 2026

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو

قبل أسابيع عدة كنت أتابع جلسة حوارية أكاديمية حول الانتخابات الإسرائيلية، واستغربت تبشير بعض الحاضرين بقرب "انتهاء الأزمة" التي تتمثل في نظرهم في حكومة نتنياهو فقط، وذلك من خلال "الحل السحري": غادي آيزنكوت!

لدى البحث والتمحيص، تبين أن عددا من الجهات المرتبطة بأنظمة رسمية عربية وإقليمية تنتظر قدوم آيزنكوت وتكاد تعتبره "المخلص" القادم الذي سيعيد "أيام رابين" -كما قالها لي أحد المحللين حرفيا- وكأن أيام رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين كانت أيام السمن والعسل والبركة والسلام.

ولا أستطيع إخفاء استغرابي مما أعتبره سطحية في النظر إلى الواقع الإسرائيلي ومحاولة للتعلق بأي قشّة، وإن كانت شخصا مثل آيزنكوت بكل ما يمثله تاريخه وفكره القومي، الذي يضعه في خانة الصقور لا الحمائم في إسرائيل.

"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول

هذا لا يعني أن فوز حزب آيزنكوت وتمكنه من تشكيل حكومة -إن حدث- لن يشكل سابقة في السياسة الإسرائيلية. فعلى جميع الأحوال، إن أصبح آيزنكوت المغربي الأصل رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم، فإنه سيكون أول يهودي شرقي "مزراحي" يصل إلى رأس الحكومة في إسرائيل منذ إنشائها، وهذا بحد ذاته أمر جديد في إسرائيل التي هيمن فيها اليهود الغربيون "الأشكناز" تاريخيا على مؤسسات الدولة.

ومن المفارقة ألا نجد دولة غربية تناقش هذه العنصرية الإسرائيلية تجاه اليهود الشرقيين الذين لم يكن منهم أي رئيس للأركان أو رئيس للحكومة، حتى كسر موشيه ليفي العراقي الأصل هذه القاعدة بعد نحو أربعين عاما على قيام الدولة، فكان أول يهودي شرقي يصل إلى رئاسة أركان الجيش، بينما لم يتمكن يهودي شرقي من كسر هذه القاعدة فيما يتعلق برئاسة الحكومة منذ نحو ثمانين عاما حتى اليوم.

لعل هذا هو الشيء الوحيد المميز في آيزنكوت لو أصبح رئيس الحكومة القادم. ولكن الواقع أنه لن يكون له أي ميزة أخرى تجعله يجري تغييرا هائلا في السياسة الإسرائيلية الحديثة فيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أو يحدث انقلابا في هذه السياسة كما يتأمل البعض. ويرجع ذلك لعدة اعتبارات:

أول هذه الاعتبارات هو أن تيار الصهيونية الدينية أحدث اختراقا عميقا وانقلابا كبيرا في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما في جهازي الشرطة والاستخبارات، وهذه الأجهزة تعمل بالدرجة الأولى في الداخل الإسرائيلي. وتمكن التيار بالفعل من تأسيس دولة ظل مسلحة موازية للدولة، ولا سيما بين مستوطني الضفة الغربية.

وبالتالي فإن أي حكومة تحاول تجاوز التيار أو العودة إلى ما قبل تسلمه السلطة، ستضطر لدخول حرب عميقة لتخليص أجهزتها الأمنية الرئيسية من سيطرة هذا التيار عليها واقتلاع أثره من الحياة السياسية الإسرائيلية، وهذه مسألة تحتاج إلى إرادة سياسية كاملة، وسنوات من العمل الطويل، وتأييد شعبي جارف لتنفيذه، وهذا متعذر في الظروف الحالية دون المغامرة باحتمالية الدخول في انشقاق أو حرب أهلية في إسرائيل.

انزياح المجتمع الإسرائيلي المستمر نحو اليمين يجعل من غير المرجح لأي حكومة قادمة أن تحاول تحدي هذه المنظومة الاجتماعية اليمينية المتشددة، وهذا المجتمع الذي يمجد العنف أصبح في ربع القرن الأخير يميل دائما إلى تأييد من يظهر المزيد من القوة والعنف تجاه ما يعتبره خطرا على الدولة.

فالمجتمع الإسرائيلي مثلا ليس ضد الحرب على قطاع غزة، والصراع المتعلق بهذه الحرب داخل إسرائيل لا يرتبط بفكرة الحرب ذاتها، لأن الحرب تتمتع بتأييد ساحق في المجتمع، وإنما يقع الاختلاف في أبعاد هذه الحرب وأهدافها وكيفية فرضها ومدتها ونتائجها.

الاعتبار الثاني يتعلق بكون غادي آيزنكوت من اليهود الشرقيين الذين يلفهم الشعور بالدونية في إسرائيل. وهذا ما قد يجعل من المستبعد أن يجري تغييرا كبيرا في السياسة الخارجية الإسرائيلية. بل بالعكس، فمن المرجح تاريخيا أن كثيرا من أبناء الأقليات أو الفئات التي تعاني من الدونية يميلون إلى المزيد من التشدد والإفراط في إظهار الولاء للمشروع إذا وصلوا استثنائيا إلى سدة الحكم، وذلك لإثبات ولائهم وكونهم جزءا أصيلا من منظومة المشروع.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها

أما طبيعة شخصية آيزنكوت باعتباره صاحب "عقيدة الضاحية" التي قام عليها التدمير الواسع في قطاع غزة، فهي ثالث الاعتبارات التي يجب أخذها بمنتهى الاهتمام ودراستها بعمق.

و"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وبالتالي فإن آيزنكوت في الحقيقة كان له أثر كبير في هذه الحرب حتى وهو خارج رئاسة الأركان. وهذه النقطة بحد ذاتها تبين أنه ليس شخصية حمائمية، وإنما يعتبر من الشخصيات اليمينية المتشددة، ولا سيما في الجانب الأمني.

كما أنه أعلن بوضوح خلال الحرب على غزة أن الحديث عن قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول مجرد "هذيان"، رافضا بشكل قطعي مجرد طرح هذا الموضوع للتفاوض. وتحليل هذا الأمر في شخصيته يرجع إلى كونه فقد ابنه الأصغر (غال)، الذي كان مسعفا قتاليا في قوات الاحتياط، في جباليا في قطاع غزة يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 أثناء عملية عسكرية مرتبطة باستعادة جثث أسرى إسرائيليين. كما أنه فقد أيضا اثنين من أبناء إخوته أو أخواته، (ماور كوهين آيزنكوت) و(يوغاف بازي)، في الحرب على غزة.

فإذا أضفنا هذا الفقد إلى خلفيته العسكرية المتشددة المرتبطة بـ"عقيدة الضاحية"، فإن ذلك يرجح كونه شخصا مدفوعا بعقيدة الانتقام الشخصي والسخط ضد الفلسطينيين، ولا يجعل من المنطق أصلا التفكير في أنه يمكن أن يغير نظرته بسهولة.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها، وإنما كانت مدفوعة بكون المشروع أتى -حسب آيزنكوت- في وقت غير مناسب وهو مضر بإسرائيل.

فهو من الشخصيات التي تبني مواقفها على ما يتعلق بمصلحة الدولة أولا وصورتها في العالم. وهو يتبع في ذلك مدرسة بن غوريون الدبلوماسية، التي يسوّق آيزنكوت نفسه أمام جمهوره على أنه مجدد لها.

يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة. لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية

لعل النقطة التي ينطلق منها بعض المحللين في تفاؤلهم بقدوم آيزنكوت هي كونه لا يظهر حماسا خاصا في الناحية الدينية المسيحانية والخلاصية كالذي يظهر لدى أقطاب تيار الصهيونية الدينية. فآيزنكوت لم يصدر عنه حتى اليوم أي تصريح يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك أو باقتحامات المستوطنين له، ولم يعبر عن أي موقف في هذا الاتجاه سواء مع أو ضد الاقتحامات وأداء الطقوس الدينية في المسجد أو غير ذلك من اعتداءات ذات طابع ديني في المواقع المقدسة.

وهذه النقطة قد يراها البعض إيجابية، خاصة أن آيزنكوت كان رئيس أركان الجيش خلال أحداث هبّة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية التي انتهت بإزالة البوابات بضغط أمني (لا ندري إن كان آيزنكوت جزءا منه أم لا).

لكن هذا الغموض في الحقيقة ليس إيجابيا كما يظن البعض. فصمت آيزنكوت على ما يقوم به بن غفير في المسجد الأقصى لا يعني رفضه لما يجري، وإنما قد يكون نابعا بالدرجة الأولى من كونه ينظر إلى الدين ضمن فكرة الدولة، باعتباره يهوديا تقليديا قوميا ابتداء، أي إنه لا يرى في الدين تناقضا مع الدولة، بل يرى أن الدولة ينبغي أن ترعى الدين، بعكس تيار الصهيونية الدينية الذي يقدم الاعتبار الديني الخلاصي على الاعتبار السياسي أو اعتبارات الدولة نفسها.

والدة آيزنكوت المغربية المتدينة صرحت عام 2014 أنها كانت تأمل أن يكون آيزنكوت حاخاما، وادعت أنه يضع اعتبارات خاصة للدين، وأن لديه مرجعية حاخامية ثابتة يستشيرها في كل شيء.

وهذا الأمر قد يجعل غموض آيزنكوت في هذا الجانب مقصودا لاعتبارات تتعلق بخلفيته العسكرية الصارمة التي تحرص على عدم إظهار أي أثر للمعتقدات الشخصية في القرارات المرتبطة بمصلحة الدولة.

وقد تكون الحالة الوحيدة التي تجاوز فيها آيزنكوت هذا الغموض كلمته التي ألقاها في منطقة حائط البراق خلال طقوس إحياء ما يسمى "يوم القدس" وخصصها للصلاة لأجل الجيش. وهذه المسألة تعني أن آيزنكوت لن يكون بالضرورة ضد عمل جماعات المعبد المتطرفة في المسجد الأقصى إن رأى أن هذا الأمر لن يضر بأمن الدولة، وهو ما يعتمد بالدرجة الأولى على ردود الفعل العربية والإسلامية على ما يجري في الأقصى كما رددنا غير مرة.

باختصار، يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة.


لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية: بل يلتقي معه حاليا في رفض الدولة الفلسطينية، وفي أولوية السيطرة والأمن والقوة، ويختلف عنه في أنه يبرر ذلك بمنطق الأمن والواقعية والمصلحة الدولية، لا بوعد توراتي أو خلاص ديني. وهو بالتالي ليس حمامة سلام، بل صقرا تقطر جناحاه دما وإن حمل في منقاره غصن زيتون.

صراع المائة عام كيف تشكّلت حكاية الصراع والسياسة بين السعودية واليمن؟

صراع المائة عام
كيف تشكّلت حكاية الصراع والسياسة بين السعودية واليمن؟

كاتب وباحث في العلوم السياسية


إذا أردت فهم ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية للجزيرة العربية، فلا بد أن تعود بالزمن نحو قرن كامل. فالقصة ليست مجرد حرب اندلعت عام 2015، وإنما حكاية طويلة بين جارَين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ، وحكمت علاقتهما براغماتية سياسية لا تعرف عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح وتحالفات تتغير بتغير موازين القوى.

المشهد الأول: الإمام والملك — حرب 1934

في ثلاثينيات القرن الماضي، كان شمال اليمن خاضعاً لحكم «الإمامة الزيدية» بقيادة الإمام يحيى حميد الدين، بينما كانت المملكة العربية السعودية قد تأسست حديثاً بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود. أما جنوب اليمن، فكان واقعاً تحت الاحتلال البريطاني فيما عُرف بـ«محمية عدن».

حاول الإمام يحيى توسيع نفوذه شمالاً في مناطق عسير ونجران وجازان، باعتبارها أراضي يمنية. وفي المقابل، كانت الدولة السعودية الناشئة تعمل على تثبيت حدودها وتوسيع سيطرتها، فتصادم الطرفان وخاضا حرباً قصيرة انتهت بانتصار السعودية.

وفي أعقاب الحرب، وُقّعت «معاهدة الطائف» عام 1934، التي رسمت الحدود بين البلدين وأقرت بتبعية تلك المناطق للسعودية، على أن تُجدّد المعاهدة كل عشرين عاماً.

المشهد الثاني: سقوط الإمام والحرب بالوكالة — 1962–1970

في 26 سبتمبر 1962، أطاح عدد من ضباط الجيش اليمني، الذين عُرفوا باسم «الضباط الأحرار»، بنظام الإمامة وأعلنوا قيام «الجمهورية العربية اليمنية» في الشمال. وبذلك تحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.

أرسلت مصر في عهد جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود لدعم الجمهوريين، بينما خشيت السعودية من تمدد المد الناصري الثوري ووصوله إلى حدودها الجنوبية.

وهنا وقع أول التحولات الكبرى في السياسة السعودية تجاه اليمن. فعلى الرغم من حربها السابقة مع الإمام يحيى، سارعت الرياض إلى دعم حفيده الإمام محمد البدر (آخر أئمة المملكة المتوكلية اليمنية). لم يكن ذلك حباً في الإمامة، وإنما محاولة لدرء خطر رأت السعودية أنه أشد تهديداً لها: وجود جيش ثوري ناصري على حدودها.

انتهت الحرب بعد انسحاب القوات المصرية عقب هزيمة يونيو 1967، وصولاً إلى تسوية عام 1970، حين اعترفت السعودية بالجمهورية اليمنية مقابل ضمان أمن حدودها ومصالحها.

المشهد الثالث: صالح ولعبة التوازنات وزلزال الخليج — 1978–2000

مع وصول علي عبد الله صالح إلى الحكم عام 1978، تبنّت السعودية استراتيجية تقوم على «إدارة الفاعلين» داخل اليمن، من خلال بناء شبكات نفوذ وعلاقات مباشرة مع شيوخ القبائل والقوى الدينية والسياسية.

وكان الهدف ضمان النفوذ السعودي ومنع ظهور دولة يمنية قوية يمكن أن تتحول إلى منافس إقليمي أو مصدر تهديد على الحدود الجنوبية للمملكة.

وفي عام 1990، اتحد شطرا اليمن، الشمالي والجنوبي، لتولد «الجمهورية اليمنية» برئاسة علي عبد الله صالح. لكن فرحة الوحدة لم تدم طويلاً، إذ غزا صدام حسين الكويت بعد أسابيع قليلة.

اتخذ صالح موقفاً عُدّ مؤيداً لصدام حسين، ما أثار غضباً سعودياً وخليجياً واسعاً. وردّت السعودية بإنهاء الاستثناءات التي كانت تتمتع بها العمالة اليمنية وترحيل مئات الآلاف من اليمنيين، وهو ما شكّل صدمة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبرى لليمن.

لكن السياسة تتبع المصالح، ولذلك عادت العلاقات تدريجياً إلى مسارها، وتُوّجت المصالحة بتوقيع «معاهدة جدة» عام 2000، التي رسمت الحدود البرية والبحرية بصورة نهائية، وأنهت النزاع الحدودي التاريخي بين البلدين.

المشهد الرابع: صعود الحوثيين والانقلاب — 2004–2014

في جبال صعدة شمالي اليمن، كانت حركة دينية وسياسية مسلحة تتشكل تحت اسم «الشباب المؤمن»، قبل أن تُعرف لاحقاً باسم «الحوثيين». تنتمي الحركة إلى البيئة الزيدية، وتتبنى خطاباً معادياً للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.

خاضت الدولة اليمنية ضد الحوثيين ست حروب متتالية. وفي الحرب السادسة عام 2009، امتدت المواجهات إلى داخل الحدود السعودية، لتدخل الرياض للمرة الأولى في صدام عسكري مباشر مع الجماعة.

وعندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في اليمن عام 2011، سعت السعودية إلى احتواء الثورة ومنع وصول القوى الإسلامية إلى السلطة، فرعت «المبادرة الخليجية» التي انتهت بتنحي علي عبد الله صالح ونقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.

وهنا وقع واحد من أكثر التحولات السياسية إثارة في تاريخ اليمن الحديث: تحالف صالح، الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين وكان حليفاً للسعودية في مواجهتهم، مع أعدائه السابقين؛ رغبةً في الانتقام من خصومه السياسيين ومن الرياض التي تخلت عنه.

وفي المقابل، وجدت السعودية نفسها متحالفة مع الإمارات وبعض القوى الإسلامية واليمنية في مواجهة التحالف الجديد بين صالح والحوثيين.

استغل الحوثيون هذا التحالف، واقتحموا العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وسيطروا على مؤسسات الدولة ومخازن الأسلحة الثقيلة، لتبدأ مرحلة جديدة تماماً من الصراع.

المشهد الخامس: عاصفة الحزم والتعقيد الميداني — 2015–2026

رأت الرياض في سيطرة جماعة تحظى بدعم من إيران على العاصمة اليمنية، وعلى مساحات واسعة بمحاذاة حدودها الجنوبية، خطراً أمنياً واستراتيجياً مباشراً.

وفي مارس 2015، أطلقت السعودية، على رأس تحالف عربي، «عملية عاصفة الحزم» بهدف الحد من النفوذ الحوثي وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً إلى السلطة.

لكن العملية تحولت إلى حرب طويلة ومعقدة وشديدة الكلفة إنسانياً وعسكرياً. أطلق الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المنشآت الاقتصادية والحيوية داخل السعودية، بينما واصل التحالف شن الغارات الجوية ودعم القوات المناهضة للحوثيين على الأرض.

وبعد سنوات من الحرب، عجزت الرياض عن تحقيق نصر عسكري حاسم أو إحداث تقدم ميداني ينهي سيطرة الحوثيين. وتوقفت الضربات السعودية إلى حد كبير، ودخل الطرفان في هدنة غير معلنة منذ ربيع عام 2022.

استمر هذا الوضع حتى يوليو الماضي، عندما قصفت طائرات سعودية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية تقل شخصيات يمنية تابعة للحوثيين من الهبوط، بدعوى أنها انتهكت الحظر المفروض على المطار منذ اندلاع الحرب عام 2015.

وردّ الحوثيون بفرض حصار بحري على السعودية عبر باب المندب، لتنفتح جبهة جديدة في الصراع وتتسع المواجهة من الحدود البرية إلى الممرات البحرية.

 تحاول السعودية، من خلال ما يُعرف بقوات «الحكومة الشرعية» -وهي خليط من القوات النظامية والقبائل والميليشيات المسلحة- تغيير المعادلة الميدانية والضغط على الحوثيين الذين يسعون لترسيخ سيطرتهم ومدها جنوبا إلى باب المندب.

وهكذا تعود العلاقة بين السعودية واليمن إلى دائرتها التاريخية: تحالفات تتبدل، وخصوم يصبحون حلفاء، وحلفاء يتحولون إلى أعداء. فمن الإمام يحيى إلى الحوثيين، ومن الملك عبد العزيز إلى عاصفة الحزم، بقيت القاعدة واحدة: لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وإنما صراع مستمر على الحدود والنفوذ والأمن وموازين القوة بينما يدفع اليمنيون ثمنا باهظا له.



الجمعة، 18 سبتمبر 2026

سلوك الأمم بعيدا عن القيم

 سلوك الأمم بعيدا عن القيم

محمد صالح البدراني


وجوه بلا ملامح

الأزمة الراهنة ليست في غياب القيم، بل في "تسييل القيم". العشيرة أو المجتمع المصغر الذي يستقبل الفاسد كالمنتصر وقد كانت العشيرة تطرد لمجرد المخالفة (تخلعه) لأنه عار، ليس جهلاً بأنه فاسد، بل لأن هنالك إعادة تعريف "الافتخار" بناءً على المنفعة العينية المباشرة، الفاسد هنا يُنظر إليه كـ"صائد مغانم" وليس خائنا للأمانة، والاعتداء عليه يُترجم كاعتداء على النفوذ السياسي للعشيرة، وتغيب العدالة في فورة العصبيات، وفقدان للفتات.

هذا المجتمع هو نتيجة ولادة مزقت رحم الأمة بدأت بتسفيه الطاقات ورفض إمكانية الإصلاح واليأس من الذات في الإنتاج، فالعبقري منهم إنسان عادي فيحبطوه، فهو يضيف مسؤوليات، وأما التافه فيمجدوه. وهكذا فُقدت الثقة بالنفس وأحبطت عناصر الإصلاح ليبقى القطيع وغرائزه، فلا تقل نحن كنا أمة كذا ولا ترثي أو تحتقر أهلك أيضا، وإنما استعلي لترى لا لتتكبر وتعرف المسار السالك بدل الدوران في دائرة الخرفان.

عولمة الفساد البراغماتي

حين ننطلق من "حلف الفضول"، نجد أن فلسفته الأساسية قامت على فكرة "كبح جماح فائض القوة المتغطرسة"، لقد أدرك عقلاء مكة أن ترك النفوذ القبلي (العاص بن وائل) يسحق القيمة الأخلاقية (حق الغريب المستضعف) سيؤدي حتماً إلى انهيار السلم الأهلي وجعل المجتمع غابة، حتى الوجدان الجاهلي إذن أدرك حينها أن ترك الظلم يمر دون رادع قيمي سيحول المجتمع حتماً إلى غابة تلتهم في النهاية صانعيها.

اليوم، المشهد ينعكس عالمياً بشكل مرعب؛ فما يحدث في أعتى الديمقراطيات الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية ليس بعيداً عما يحدث في بنية العشيرة المحلية، عندما يتحدث زعيم سياسي بحجم دونالد ترامب -أو من يمثّل تياره- بلغة "الصفقات المالية المشروطة" والوعود النفعية المباشرة الموجهة لفئات أو أحزاب لضمان المكاسب، فإننا أمام "تراجع بنيوي لقيم الديمقراطية" وتحللها إلى "براغماتية نفعية فجة".

هذا التسونامي العالمي لا أدري فيه من يقتبس ممن! فلم يعد الفاسد خارجا عن سياق العصر، بل يرى نفسه "تلميذاً نبيهاً" مع قوة تمنح الحصانة، ومال يشتري الشرعية.

عبقرية حلف الفضول لم تكن في كرم المشاركين، بل في تحويل "المروءة" من شعور قلبي إلى "تحالف تنفيذي". المفكر اليوم عاجز لأنه يعرض "أفكاراً مجردة" وهذه بضاعة كاسدة، حيرة المفكر والمثقف اليوم لا تنبع من جهله بالحلول، بل من "عقم أدواته" أمام أدوات السياسة الحديثة، المفكر يملك "الحجة والتحليل الوجداني والتاريخي"، بينما "السطحيون الجدد" يملكون السلطة التنفيذية والمالية، أدوات التوجيه الجمعي (الخوارزميات ووسائل التواصل).

في الماضي، كانت المؤسسات (سواء كانت مؤسسة الدولة الحديثة أو مؤسسة العشيرة التقليدية المحكومة بأعراف المروءة) تعمل ككوابح، اليوم، تم تفكيك هذه المؤسسات أو "تسييلها" لتصبح مجرد أدوات في يد الفرد القوي. العشيرة التي كانت تطرد الفاسد لحماية اسمها، أصبحت تُختزل في قرار "نخبة براغماتية" داخلها تحدو لها الأمنيات، والدولة التي تدخلت فيها أمريكا لنشر "الديمقراطية" تحولت إلى مسوخ مشوهة، لأن النموذج المُصَدَّر إليها كان مشوهاً أساساً ويقوم على المحاصصة والغنائم، مما جعل البيئة المحلية تتقبل الفساد كـ"آلية بقاء" وليس كانحراف.

خاتمة:

المحاباة في مقاومة الفساد كالسوسة في كوخ من خشب مدهون، تراه لامعا جميلا ولكن لمسة واحدة كافية ليتحول هباءً منثورا وكأنه لم يكن. تسييل القيم عندما تتحول الأخلاق من كوابح ثابتة إلى أدوات لسانية مرنة لخدمة المنفعة، فيُعاد إنتاج الفاسد شعبياً كمنتصر يعدّ نوعا من السادية مستحدثا.

تحول المضايف من منابر لإعانة المظلوم وسد ذريعة الشر، إلى منصات لإصدار بيانات تدافع عن المتهمين بتبديد المال العام بذريعة "الكيدية السياسية"، هو الدليل القاطع على فقدان المعايير الأصيلة التي كانت تعطي الشرعية والحصانة والاحترام لأي منظومة تحولت سلوكيا إلى بؤرة ظلم وتنمر، وغياب الثقة بمنظومة الدولة ومؤسساتها، وهذا له ما يبرره واقعا في سلوك السلطة.

خطورة الأزمة اليوم لا تكمن في وجود الفاسد، فالمنحرفون موجودون في كل زمان ومكان، ولكن الخطورة تكمن في سقوط كوابح الإنكار المجتمعي، عندما تتحول مجالس تزعم الرأي العام إلى منصات لتبرير الانتهاكات وإسباغ الشرعية على المتهمين بتبديد مقدرات العامة، ولا تنصر المظلومين، فإننا ننتقل من الفساد الفردي إلى التحلل الهيكلي؛ وعندما تذهب السلطة إلى الحلقات الضعيفة بل وتؤيد مخاوف المترددين في نصرة المنحرفين عندما تستخدم القوة أو القانون بتحريك الشكاوى؛ تفقد الطهارة الأخلاقية الكاملة في نظر الناس، خصوصا وأنها تترك رؤوس الفساد فسيعود هؤلاء المدانون بشكل آخر ربما أكثر جشعا.

فظاهرة الإخلاف ليست في العظايا بل أسرع منها في الفساد، "، فالفاسد مفضوح إلا أمام نفسه، فهو وحده يظن أنه غير مكشوف وكل التبريرات التي يسوقها محض مادة تندر للجمهور، وهذا سيجعل الفساد مبررا عند كل متمكن من اختلاس أو نهب بحجة أخذ الحق المنهوب، حيث يتحقق فينا التوصيف القرآني الصدّام لآليات الانهيار الحضاري: "كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ". هذا الصمت والتواطؤ النفعي الجمعي هو "لبئس ما يفعلون"، لأنه يشرعن الغابة ويهدم ما تبقى من أساسات الأخلاق العامة، ويكون البنيان آيلا للسقوط مهما دُعِّم بالاستبداد. قال رسول الله: "إنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ".

الفيلسوف اليوناني أنارسيس (Anacharsis) الذي زار أثينا في القرن السادس قبل الميلاد؛ له عبارة شهيرة يُبنى عليها هذا الوصف الفلسفي الساخر:"إن القوانين مثل بيوت العنكبوت، تصطاد الحشرات الصغيرة والضعيفة، ولكن الطيور الكبيرة والأقوياء يمزقونها ويمرون عبرها، فيُعاقب ظل الغني ويُجلد جسد الفقير".