‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات رأي (تحليلات). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات رأي (تحليلات). إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

أوصلوا العالم خلال يومين إلى حافة حرب نووية.. لقد جنّ جنونهم.. أمر مرعب!..

 أوصلوا العالم خلال يومين إلى حافة حرب نووية.. لقد جنّ جنونهم.. أمر مرعب!.. 

سيخضع الجميع لاختبار الولاء للدولة والوطن.. تتواصل عمليات التصفية في الداخل.. 

بينما يتآكل النظام الغربي تزداد تركيا قوة.. لم تعد أي خطة تنجح.

إبراهيم قراغول


منذ سنوات، أحاول مناقشة أن جميع الدول تسعى إلى تعزيز مجال سلطتها المركزية، وتقوية دروعها الدفاعية، وكسر نفوذ «العناصر الأجنبية» في الداخل، وأن كثيراً من الدول التي تتصرف بعقلانية تستعد لعاصفة على نطاق عالمي.


وأشدد على أن تركيا، ولا سيما بعد 15 تموز 2016، تصدرت جميع هذه المجالات بوتيرة مذهلة، متجاوزة حتى العديد من الدول الأوروبية، وأنها بدأت استعداداتها مبكراً وقطعت شوطاً كبيراً، وتابعت الاتجاهات العالمية بدقة شديدة، فعززت قوتها وجعلت نفسها جاهزة.

انهار «النظام» الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، استيقظوا! انهارت منظومة القوة الغربية

ذلك أن النظام الأوروبي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية قد انهار. وانهارت الخطط القائمة على الأمن والمصالح الإمبريالية، التي كانت تختبئ خلف خطابات الاتحاد الأوروبي وقيم مثل الديمقراطية والحرية. 
كما انهارت الاتفاقيات متعددة الأطراف والمؤسسات فوق القومية. وبقي المسوقون المحليون، الذين باعوا طوال عقود «القيم» إلى دول مثل تركيا وحشدوا القوة لصالح الدول الأوروبية، بلا عمل.


وانهارت خطط الولايات المتحدة، التي تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، لإقامة إمبراطورية عالمية. كما انهارت منظومة القوة الغربية التي كانت تخطط لإعادة بناء تقليد «إدارة العالم» في القرن الحادي والعشرين، وهو التقليد الذي اعتادته منذ بداية الاستعمار، والذي جعلتنا نبتلعه تحت اسم «الكشوف الجغرافية».

هل ستقضي الحرب بين بريطانيا وروسيا على أوروبا؟

لهذا السبب، انكفأت الولايات المتحدة إلى منطقتها ومجالات مصالحها الضيقة. وخرج الهيكل الفوقي للاتحاد الأوروبي من المعادلة. واليوم، لو لم يكن هناك دعم أميركي، فلن تكون لدى أوروبا أي فرصة للصمود أمام روسيا.

لقد رأينا كيف أصاب الذعر الدول الأوروبية بسبب حرب أوكرانيا؛ لأنه إذا سحبت الولايات المتحدة دعمها، وانفصلت عن أوروبا وسلكت طريقها الخاص، فلن تبقى هناك أي قوة قادرة على الدفاع عن أوروبا.


لهذا أشعلت بريطانيا في أوكرانيا حرباً تستنزف روسيا وتضعفها وتشغلها. وكان من المفترض أن تبدأ هذه الحرب في الشمال بوصفها حرباً بين روسيا وبريطانيا. فألقت بريطانيا بأوكرانيا في أتون النار، ونقلت الحرب جنوباً، بعيداً عن حدودها، إلى البحر الأسود.

أرهقوا روسيا، وأرهقوا تركيا، واستنزفوا البلدين وقلّصوا حجمهما... لكن هذا «المشروع» أفلس


لكن ما يجري ليس حرباً بين روسيا وأوروبا، بل حرب بين بريطانيا وروسيا. وإذا لم تكن أوكرانيا كافية، فستُجر دول مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق وفنلندا وبلغاريا إلى الحرب أيضاً. وليس من الممكن أن تتوقف بسهولة هذه الحرب التي تهدد الحدود الشرقية لأوروبا بأكملها.

وطُبقت على تركيا الصيغة نفسها القائمة على «إرهاق روسيا» ومنعها من بناء قوتها. 
وكانت أوروبا حاضرة مجدداً، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول المنطقة. 
فقد كان معروفاً أن تركيا ستتحول، بعد مئة عام، إلى قوة عسكرية وسياسية هائلة، وأنها ستهز النظام الجغرافي الذي يديره الغرب منذ مئة عام.


كم مرة حاولوا إشعال حرب تركية-روسية! حدث العكس تماماً، وتعاظمت تركيا!

حاولوا دفع تركيا إلى الحرب مع روسيا، بحيث يتعرض البلدان للدمار ويتقلص حجمهما. 
وجرت هذه المحاولة خلال فترة الحرب السورية. وعندما لم يحدث ذلك، جرى تمرير انقلاب عن طريق تنظيم غولن الإرهابي. وكان من المفترض أن تُحتل تركيا من الداخل، ثم تُدفع إلى جبهة مواجهة روسيا وإيران.

صيغت جميع هذه السيناريوهات بهدف إيقاف تركيا وإنهاكها وتقليص حجمها. وفي أثناء ذلك، أُقيمت، إلى جانب إسرائيل واليونان وبعض الدول العربية، جبهة مناهضة لتركيا على نطاق المنطقة بأكملها. 
وكان ذلك أيضاً جزءاً من مخطط لمنع تركيا من النظر إلى ما وراء حدودها وتعميتها.

لم تنجح أي من خططهم. وتغلبت تركيا عليها جميعاً

لم ينجح أي من هذه السيناريوهات، وتغلبت تركيا عليها جميعاً. والغريب أن كل تلك السيناريوهات كانت من تخطيط «حلفاء» تركيا. تخيلوا بلداً يتعرض للضرب في الداخل والخارج على يد حلفائه.

كانت المنظومة الغربية تجرب مشاريع جنونية لمنع بناء القوتين التركية والروسية الصاعدتين. 
وكانت تسعى إلى إنهاك قوتين محتملتين قد تقفان في وجه الغرب. 
أما الصين فلم يكن بوسعها أصلاً أن تكتسب طابعاً عالمياً بسبب ثقافتها السياسية. وإضافة إلى ذلك، كانت تُعد خطط لخوض مواجهة شاملة معها.


وضعوا خطة حصار تمتد مئة عام. لكن تلك الشفرة الوراثية انتقلت إلى القرن الحادي والعشرين!


كانت تركيا تعاني من الحظر العسكري الذي يفرضه حلفاؤها، وتستنفر من أجل أمن أوروبا، فيما كانت أوروبا والولايات المتحدة، باستخدام إسرائيل أداةً للتنفيذ، تؤسسان تنظيمات إرهابية وتمولانها لضرب تركيا!

فكيف كان يمكن لتركيا، المحاصرة من جميع الجهات بحصار عمره مئة عام، أن تعيش القرن الحادي والعشرين؟

في هذه المرحلة تحديداً، تحركت مجدداً في القرن الحادي والعشرين الشفرة السياسية القادرة على بناء التاريخ والجغرافيا. 
وخرجت إلى العلن التحضيرات التي كانت تجري في الخفاء طوال سنوات، وأنهضت تركيا. 
ومنذ ذلك الحين، كان المصير الذي رسمته الحرب العالمية الأولى سيتغير، وكان سيُبنى تاريخ جديد وقوة جديدة.

هاتان التصفيتان وحدهما ألقتا بجميع مخططات الخرائط في سلة المهملات..

توحدت سوريا، وحدث ما أرادته تركيا. لكن قبل ذلك، مُزقت خرائط الإرهاب التي رُسمت وأُلقيت جانباً. ووُضع سيناريو الحرب مع روسيا على الرف. وأقامت تركيا وروسيا علاقة عقلانية في أصعب الفترات.

وفي الداخل، جرى تفكيك تنظيم غولن الإرهابي، وهو بنية استخباراتية تعمل بالوكالة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد. 

وبعد كل ذلك، جرى تفكيك تنظيم بي كا كا، أكثر منفذي النظام الغربي دموية، والذي امتص دماء تركيا طوال خمسين عاماً، في تركيا وسوريا معاً.

ووُضعت النقطة الأخيرة في حقبة تفتيت الجغرافيا والخرائط، المستمرة منذ مئة عام. ولم تعد لدى أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل أي إمكانية لرسم الخرائط في هذه المنطقة. وبدأت محاولات إرساء أسس التكامل الجغرافي ودفع الصراعات إلى خارج المنطقة.


الغرب يتآكل وتركيا تزداد قوة. «القوة» تتجه إلى مراكز جديدة

بدأ كل ذلك مع عودة تركيا إلى ذاتها وجغرافيتها وتاريخها. فالشفرة السياسية القادرة على دمج المنطقة بأكملها وإرساء أسس شراكات عابرة للدول كانت قد تحدت، في حقيقة الأمر، النظام الغربي القائم منذ خمسمئة عام.

كان الغرب يتآكل، فيما كانت تركيا تزداد قوة. هذه هي خلاصة الأمر. 
فالدول التي كانت تفرض حتى الأمس حظراً على التكنولوجيا العسكرية لتركيا، باتت اليوم تعرض عليها الشراكات وتطلب مساعدتها في الدفاع عن أوروبا. نعم، لقد دارت عجلة التاريخ، وبدأت القوة أيضاً تغير عنوانها. وأصبحت تركيا أحد أكبر عناوينها ومراكزها.

لم يتمكنوا من إيقاف تركيا. ولن يتمكنوا!


تركيا لم تتوقف ولن تتوقف. وهذا ما يكمن خلف محاولات إسرائيل في الأسابيع الأخيرة لإجبار تركيا على خوض «حرب مبكرة»: «لنوقف تركيا قبل أن تتجاوز الخط الأخير. ولنسلطهم عليها ما دام الغرب لا يزال يمتلك القوة والنفوذ».

لكن هذه الخطة لن تنجح. وسنرى قريباً جداً كيف ستصبح إسرائيل وحيدة في العالم، وكيف ستُعزل داخل المنطقة.

ذلك أن تحولات القوة وانكساراتها تتواصل بطريقة شديدة التعقيد ومتعددة العوامل، فيما تتابع تركيا هذه المعادلة بدقة مذهلة وتخطيط زمني محكم.

لم يعد من الممكن «إيقاف تركيا». ومن الآن فصاعداً، سنشهد كيف تتوسع المساحات المشتركة بين تركيا ومحيطها الجغرافي. وسنرى أن تركيا لن تتوقف أبداً، ولن تبطئ خطواتها حتى تصبح قوة عظمى.

سيجري تفكيك جميع الكيانات التي تتحدى الدولة وتقيم علاقات خاصة مع الخارج


حتى بعد تفكيك تنظيم غولن الإرهابي وتنظيم بي كا كا، تُتخذ خطوات جديدة لتعزيز الداخل. ويجري تفكيك الكيانات والأوساط التي تتحدى الدولة.

كما يجري تفكيك الكيانات والأوساط التي تدخل في علاقات خاصة مع دولة أخرى، وتكتسب منها القوة، ثم تباشر تحركات داخل تركيا.

وسيستمر ذلك. وسيكون الولاء للوطن والأمة والدولة هو الأساس. 
وكل من يحاول إضعاف الدولة باستخدام أدوات القوة التي يملكها، مثل الإعلام ورأس المال والجماعات الدينية والأحزاب السياسية، وتربطه من أجل ذلك علاقات بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، سيُجرّد من نفوذه.

حان الآن وقت «إضرام النار» في تلك «الحقول» المزروعة

لن يُسمح لأي دولة بإنشاء مجال وشبكة عملياتية داخل تركيا. وأعتقد أن على الجميع إعادة تقييم المكان الذي يقفون فيه والمحور الذي ينتمون إليه، وإضرام النار في الحقول التي زُرعت منذ الحرب العالمية الأولى.

فلننظر إلى ما حدث خلال يومين فقط، ولنرَ أي عالم فُتحت أبوابه، ولماذا يجري الاستثمار عالمياً في مجال سلطة الدولة، ولماذا يجري التدخل بلا رحمة ضد كل ما من شأنه الإضرار بوحدة البلاد، وكيف تستعد تركيا في الداخل والخارج لعاصفة كبرى.


وصل العالم خلال يومين فقط إلى الحرب النووية!..

قبل يومين، توجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو على متن طائرة شحن عسكرية. ولم يُعرف مضمون الزيارة بعد. 
يقول ترامب إنها كانت «من أجل السلام»، فيما تقول المصادر إنها كانت لتحذير روسيا: «لا تهاجموا دول الناتو».

وعقب ذلك مباشرة، دخل جيشا بولندا وبيلاروسيا حالة التأهب. وبدأت طائرات الناتو تسيّر دوريات على الحدود الفنلندية-الروسية. كما بدأ الترويج لحديث عن أن إسرائيل ستشن هجوماً نووياً على إيران.

وانتشرت ادعاءات بأن روسيا ستضرب أوكرانيا بسلاح نووي. ودعت بريطانيا مواطنيها إلى تخزين المواد الغذائية استعداداً لحرب طويلة.

إذا كان العالم بأسره قادراً خلال يومين فقط على ترديد عبارتي «هجوم نووي» و«حرب نووية»، فاحسبوا حجم التهديدات على المستوى العالمي.

يبدو أن العالم قد جنّ جنونه. أمر مرعب!


إن صدور هذه التهديدات بلا تفكير، حتى على ألسنة أعلى المسؤولين، يشير إلى مرحلة خطيرة يمر بها الجنس البشري. ويبدو أن العالم قد جنّ جنونه، وبات يتحرك من دون التفكير في الخطوة التالية.

كل شيء هش إلى هذه الدرجة، وقابل للتغير في لحظة إلى هذا الحد. وعلينا أن ننظر بعناية شديدة إلى ما جعله «العامل الإسرائيلي» وأساليبه أمراً «طبيعياً» في العالم. إنه أمر مرعب!

قد نستيقظ ذات صباح فنجد خمساً أو عشراً من الدول قد دخلت في حرب بعضها مع بعض. ولم تعد هناك أي آلية دولية قادرة على منع ذلك، باستثناء الكتل الشعبية المدنية.

هذه الصورة تفسر كل شيء: قد يصل الأمر حتى إلى «مقاومة بلا رحمة»

قيّموا الصراع الذي تخوضه تركيا في داخلها وفي منطقتها بالنظر إلى هذه الصورة. عندها سيستقر كل شيء في موضعه، ولن تحتاجوا إلى معلومات خاصة أو تفسير لأي خطوة. وباستثناء من لا ترتبط قلوبهم بهذا البلد، فإن الشفرة السياسية لهذه الأرض ستمنحنا جميعاً الإجابات الصحيحة دائماً.

ولهذا السبب، سيستمر الصراع بلا انقطاع في الداخل والمنطقة. وقد يتحول، عند الضرورة، إلى نوع من «المقاومة بلا رحمة». لم يعد للأجندات والبرامج السياسية أي معنى، فهي لا تقدم إجابات للحاضر والمستقبل. ولم تعد تنظيمات الأحزاب السياسية تقدم شيئاً لتركيا.


ستتقدم الدولة والأمة والوطن على كل شيء. وسيواجه الجميع هذا الاختبار!

من الآن فصاعداً، سيجري تعزيز مجال السلطة المركزية للدولة إلى أقصى حد. وستتقدم فكرة حماية الدولة والأمة والوطن على كل شيء.

وفي وقت يواجه فيه العالم حقيقة أن بعض الشعوب قد تصبح بلا وطن بين ليلة وضحاها، لن يكون للخطابات والتحركات المريحة للغاية معنى كبير.

لهذا، ومهما كان نوع الكيان الموجود داخل تركيا، سواء كان في السياسة أو رأس المال أو الإعلام أو المنظمات غير الحكومية أو الجماعات الدينية، فستواجه جميعها اختباراً: هل أنت مخلص لتركيا أم لا؟ وهل تربطك علاقة خاصة بدولة أخرى أم لا؟

تأمين المستقبل. ولهذا لا بد أن نمنح القوة

عند النظر إلى مشهد تحركات القوة في العالم اليوم، يمكننا القول بكل اطمئنان إنه لن يكون بوسع أي شيء الوقوف أمام هذا المسار في المستقبل المنظور.

وهذا أيضاً ما تقوم عليه شراكات القوة التي تحاول تركيا تشكيلها في منطقتها. فهذا هو معنى جميع المبادرات الهادفة إلى حماية حدود الدول، وتعزيز مجال سلطتها المركزية، والسعي إلى الاتحاد بدلاً من الانقسام.

تقع على عاتقنا جميعاً، في إطار الاستعداد للعاصفة الكبرى، مسؤوليات جسيمة، من قبيل تعزيز الوطن والدولة. ولنعلم أنه كلما اتسع مجال نفوذ تركيا، اتسعت معه مساحة السلام والازدهار.

ولنعلم أيضاً أننا لا نبني الحاضر، بل نبني المستقبل ونؤمّنه.

هل لن تعودوا إلى رشدكم إلا عندما تستيقظون على صدمة في ذلك الصباح؟

ولنعلم أيضاً أن إرهاب الأجندة اليومية، الذي يشل عقولنا في الداخل، يهدف إلى إبعادنا عن هذا الإدراك. وأقول دائماً: إنه زمن الكلمات الكبيرة والادعاءات الجريئة. فمن كان ادعاؤه أكثر جرأة، وكلمته أقوى، وكان قادراً على الوصول إلى مسافات أبعد، كان أكثر قوة وأمناً.

ولمن لا يزالون يعدّون هذا مجرد خطابة حماسية وخيال، أقول: 
انظروا فقط إلى ما حدث خلال السنوات العشر الأخيرة. أما زلتم لا تتعظون؟ وهل لن تعودوا إلى رشدكم إلا عندما تستيقظون ذات صباح على صدمة كبيرة؟

الجمعة، 28 أغسطس 2026

كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

 كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

محمد صالح البدراني 

منهج كيسنجر:

على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.

أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.

الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.

فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها


فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.

بريطانيا العراق:

بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.

فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.

العراق خيار صحيح:

اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..

العراق والنظم:

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية


قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.

عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.

ما المطلوب؟

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..

نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.

المثقف المزيف أزمة وعي أم موضة فكرية؟

 المثقف المزيف أزمة وعي أم موضة فكرية؟

زكريا نمر

ان انتشار ما يمكن تسميته بالمثقف المزيف” في هذا الجيل، ساهم في إنتاج جيل متردد، يخشى التعبير العلني عن رفضه لبعض الأفكار الشائعة، حتى وإن كانت تتصادم بوضوح مع قناعاته ومبادئه. 

بل وحتى إذا كانت هذه الأفكار تهاجم دينا، أو تنتصر لنظام استبدادي، أو تسيء لمجتمع بأكمله، يفضل البعض الصمت، بدعوى الحفاظ على صورة “المثقف المقبول”.

هذا الخوف لا ينبع فقط من قلة الجرأة، بل من ترسيخ مفهوم هزلي مفاده أن المثقف الحقيقي هو من يقبل كل شيء بصدر رحب، ولا يرفض أي فكر مهما كان ملوثا أو عبثيا. 

وفق هذا التصور السطحي، لا يسمح لك بأن ترفض أفكار نيتشه أو سيوران أو كانط أو فرويد أو بيكيت أو حتى سقراط، لمجرد أن أسماءهم صارت جزءا من “الذوق الثقافي العام”. 

وكأن رفضك لفكرة ما يعني بالضرورة جهلك، لا موقفك النابع من فهم عميق وقناعة صلبة.

هكذا تجد هذا الدخيل على الثقافة يسرع للدفاع الأعمى عن أي فيلسوف أو مفكر، حتى لو كانت أفكاره تهدم الدين وتزدري الأخلاق وتشكك في المبادئ، فقط ليتجنب نقد زملائه ممن يطلقون على أنفسهم “مثقفين”، وليحتفظ بمكانه بينهم، ولو على حساب الحقيقة والصدق مع الذات.

لقد أصبح المشهد مزعجا للغاية. 

يقرأ أحدهم رواية سطحية لكاتبة مغمورة، ثم يلتقي بثلاثة أو أربعة أشخاص في مناسبة ما، ليبدأوا في الإشادة بالأسلوب والأسطر الرنانة التي لا تحمل مضمونا. ثم يتطوع أحدهم للدفاع باستماتة عن تلك الرواية أو فكرة ما، دون أن يملك أي فهم حقيقي لها، فقط لأنه يريد أن يبدو مثقفا ويتبع “الموضة الفكرية” الرائجة.

وللأسف، نجد كثيرين من هذا الجيل قد ابتعدوا عن الثقافة بمعناها العميق. بدلا من بناء قاعدة فكرية متينة تنطلق من فهم الذات والمجتمع والدين، يسارعون إلى تبني أفكار متناقضة مع هويتهم، قبل أن يمروا بأي تجربة فكرية حقيقية تمكنهم من التمييز بين الغث والسمين، بين الفكر العميق والفكر المنحط.

هنا نصل إلى لب الإشكال: 

ظاهرة المثقف المزيف ليست فقط ظاهرة فردية سطحية، بل أصبحت تمثل إشكالية فلسفية وثقافية عميقة تؤثر على المفهوم العام للثقافة في مجتمعنا المعاصر. فبدلا من أن يكون المثقف هو ذلك الذي ينقل المجتمع من الوعي البسيط إلى الوعي المركب، من الانفعال إلى الفعل، ومن التكرار إلى التجديد، أصبح اليوم نموذجا استهلاكيا، يعيد تدوير أفكار الآخرين، ويرتديها كزينة فكرية دون مساءلة أو تمحيص.

لقد أصبح المثقف المزيف معولا لهدم الوعي، لأنه يختزل الثقافة في تكديس الأسماء والمقولات، بدلا من تحويل المعرفة إلى موقف نقدي حي. وهو بذلك لا يسهم في تحصين المجتمع ضد الرداءة، بل يفتح له الأبواب. بل الأخطر من ذلك، أن هذا النموذج المزيف أصبح يكرس عبر المنصات الإعلامية والجامعات والفضاءات الثقافية، حتى صار هو “النموذج السائد” للمثقف، بينما تم تهميش المثقف الحقيقي الذي يزعج بمنهجه، ويفضح السائد بصدقه، ويعيد طرح الأسئلة التي يخشى الآخرون سماعها.

المثقف المزيف، إذا، لا يكتفي بأن يكون ضحية التبعية، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية. 

إنه يسوق للاغتراب الثقافي والفكري، ويدفع الشباب نحو الانفصال عن جذورهم وقيمهم، باسم “التحرر” و”الحداثة”، دون أن يعي أن الحداثة ليست في الهروب من الذات، بل في تعميق فهمها وتجديدها.

وإذا لم نبدأ بفضح هذا النموذج الزائف، ومواجهة التواطؤ الذي يحيط به، فإننا سنظل ندور في دوامة من “التهريج الثقافي”، حيث تستبدل الأسئلة الحقيقية بشعارات، والمواقف بالفلكلور الفكري، والعقول بالنسخ.

لهذا، فإن المعركة اليوم ليست فقط مع الأفكار، بل مع من يدعي تمثيلها. 

إنها معركة على المعنى، على العمق، وعلى الصدق. وكل من يسعى لبناء ثقافة حقيقية، عليه أن يبدأ أولا بنزع الأقنعة.

الخميس، 27 أغسطس 2026

ترامب يعاقب القانون الدولي

 ترامب يعاقب القانون الدولي

وائل قنديل

سلسلة جرائم دونالد ترامب المُمتدّة من غزة وإيران إلى فنزويلا تكفي لأن يكون الأجدر بالملاحقة القضائية في كلّ الجهات المعنية بشأن العدالة في العالم، لكن المفارقة أنّ الرئيس الأميركي هو الذي يلاحق القانون الدولي، كما يطارد الشرعية الدولية في كلّ الاتجاهات، مُعلنًا أنّه وحده القانون والشرعية، ويضيف عليهما أنّه الأخلاق والحضارة.

في أحدث مطارداته العدالة الدولية استهدف ترامب رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، القاضية اليابانية توموكو أكاني، بفرض عقوبات عليها، شملت تجميد أي أصول لها ضمن الولاية القضائية الأميركية، ومنعها وأفراد عائلتها من دخول الولايات المتحدة، فضلاً عن تقييد وصولها إلى خدمات مالية أساسية.

وليست هذه السيدة اليابانية الحالة الأولى في لائحة ضحايا جنون العقوبات الأميركية، إذ إنها تقع في سياق الإجراءات الشاذة التي اتخذتها إدارة الرئيس ترامب، ضدّ مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، إذ طاولت هذه العقوبات تسعة من  18 قاضياً في المحكمة، ونائبي المدعي العام، والمدعي العام السابق، إضافة إلى موظف آخر في مكتب الادعاء. وكلّ هؤلاء متهمون بأنّهم يضايقون الكيان الصهيوني، ما يضعهم في فوهة بركان الغضب الأميركي عقاباً على التحقيقات الخاصة بملاحقة سياسيين وعسكريين إسرائيليين ضالعين في حرب الإبادة على قطاع غزّة، فضلاً عن تحقيقات خاصة بعسكريين أميركيين على خلفية الحرب في أفغانستان. 

هنا تصبح إسرائيل، وليس ترامب وحده، هي القانون وما يُخالفها هو الخروج عن القانون، ومن ثم استحقّ العقاب، والتهمة ينطق بها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بقوله عن المحكمة الجنائية الدولية إنها "محكمة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة بشكل قاتل"، وتسيء استخدام سلطتها وتتجاوز ولايتها.

الشاهد أنّ ترامب منذ اليوم الأول لظهوره يطبّق سياسة "أميركا فوق القانون وبالطبع فوق الجميع" وبالتالي تمتلك وحدها الحقّ في إعادة رسم خرائط العالم بما يحقّق مصلحتها، وهو ما ينعكس في استباحة حدود الدول وتوهّم سلطة مطلقة في اختيار حكام لدول الكوكب، وعزلهم وإزاحتهم واستبدالهم، والأخطر هو شرعنة أعمال القرصنة والنهب بزعم أنّ من شأن ذلك تحقيق سلام العالم على يد القيصر الساكن في البيت الأبيض.

التطبيق الأوضح لهذه الغطرسة الترامبية التي يتفوّق بها على نازية النازي نفسه كان في حرب الإبادة على غزّة، وقد كوفئ من النظام العربي على جرائمه بحقّ الشعب الفلسطيني بتنصيبه ملكاً على غزّة، يتولى أمورها وحده، من خلال مجلس سلام هو للتشكيل العصابي الدولي أقرب، كلّ وظيفته تأمين مناخ ملائم للكيان الصهيوني لكي يكمل سيطرته على القطاع عسكريًا وأمنيًا، وينتهي من نزع سلاحه من بندقية المقاوم حتى القلم والمسطرة في حديقة التلميذ الصغير، ويمارس عمليات القتل والقنص اليومية لكلّ من يشكّل خطرًا عليه ولو بعد عقدين من الزمان.

وتعبر هذه اللوثة الأميركية ضدّ القانون الدولي عن نفسها بأوضح ما يكون التعبير في كلّ مراحل العدوان الأميركي الإسرائيلي المُشترك ضدّ إيران من الاغتيالات لكل أركان النظام والتدمير والقصف بأسلحة مجرمة دوليًا وصولاً إلى الحصار الاقتصادي الشامل الذي يشبهه ترامب بالإنزال العسكري في الحرب العالمية الثانية (نورماندي) والمُذهل أنّ هناك عرباً ومسلمين يصفّقون لهذا الإنزال ويهتفون لصاحبه في استوديوهات التلفزة ويقسمون أيمانًا مغلظة على أنّه الحل الناجع لإسقاط إيران، في استسلام أو قل انسجام تام مع منطق الخروج على القانون الدولي واحتقاره، وهو ما فعله ترامب في العدوان على غزّة، ووجد تسليمًا كاملًا من العرب لسلطته على غزّة، والذي هو استسلام لبنيامين نتنياهو شخصيًا، مجرم الحرب بنص حكم المحكمة الجنائية الدولية الذي تضمّن مذكرة الاعتقال ضدّ نتنياهو وغالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ضدّ الشعب الفلسطيني في مايو/ أيار من العام 2025 وهو الحكم الذي ناضل من أجله لمدّة عام كامل حتى الموت المحامي الفرنسي جيل دوفير الذي قال بعد صدور الحكم: "الآن يمكنني أن أموت وأنا مرتاح" .

لم يكسر الحصار القضائي ضد نتنياهو والكيان الصهيوني أحد أكثر من العرب الذين استمرّوا في التعامل اقتصادياً وسياسياً مع حكومة مجرمي الحرب في وقت كان من المفترض أن يصبح الامتناع عن التعامل مع نتنياهو وكيانه ليس فقط موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا وقوميًا لازمًا، بل هو قبل ذلك التزام بقرار قانوني من أعلى محكمة دولية يقضي باعتقاله ومحاكمته، وهو القرار الذي استجابت له دول أوروبية مثل إيطاليا وبريطانيا وبلجيكا، وفرنسا قبل أن تتراجع في خضوع مذل للضغط الأميركي الإسرائيلي.

بالعودة إلى ملاحقات ترامب ونتنياهو لكلّ من يحترم قيم العدالة ونصوص القانون الدولي شملت العقوبات الأميركية فرانشيسكا ألبانيزي، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي فرضت عليها عقوبات مُشدّدة لأنها تجرّأت وانتقدت الممارسات الإسرائيلية الإجرامية ضدّ الشعب الفلسطيني، ونشرت تقريرًا موثّقًا بالأدلة عن أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تنفّذها تل أبيب وتدعمها واشنطن، حيث اتهم التقرير أكثر من 60 شركة، من بينها شركات أميركية، بدعم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والعمليات العسكرية في غزة. وكما أعلن وزير خارجيته ماركو روبيو، فإنّ إدارج ألبانيز على قائمة العقوبات الأميركية جاء لأن عملها أدى إلى ما وصفه بملاحقات قضائية غير شرعية للإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

سورية: موعد لطيف مع الموساد

 سورية: موعد لطيف مع الموساد

وائل قنديل

التقى وزير خارجية سورية الجديد، أسعد الشيباني، مع رئيس الموساد الصهيوني في الأردن، فذهبت الإدارة الأميركية باتجاه الرفع الكامل "لسورية أحمد الشرع" من لائحة الإرهاب، وهنّأ وزير الخارجية المصري دمشق بهذه المكرمة الأميركية، وأعلن مظلوم عبدي قائد ما تسمّى قوات سوريا الديمقراطية حلّ المليشيا وتوديع العمل العسكري، لكن ذلك كلّه تزامن مع جولة وزير الحرب الصهيوني في عمق الأراضي السورية، ليعلن أنّ الاحتلال لن يتزحزح خطوة واحدة عن المناطق الجديدة التي استولى عليها في سورية.

إذا كنت ترى في اللقاء الدافئ بين وزير خارجية دولة عربية من دول المواجهة مع الاحتلال ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي عملًا جيّداً لا ينتمي إلى أردأ أنواع التطبيع، فإنّك من دون شك لن تجد رابطًا بين كلّ هذه الهدايا الأميركية وبين لقاء الأردن بين أسعد الشيباني، ممثّل أحمد الشرع، مع رئيس الموساد، والذي يندفع معلّقون سوريون كثيرون إلى تناوله باعتباره مُنجزاً جديداً من منجزات الإدارة الجديدة التي انتشلت سورية من حالة التردّي التي كانت عليها مع النظام البائد.

كما لن تجد غضاضة ولن تشعر بالإهانة وأنت تسمع رسالة وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى الشرع خلال زيارته التفقدية جنوب سورية 

"رسالتنا لرئيس سورية (أحمد الشرع) واضحة عندما تستيقظ في القصر بدمشق، وتنظر إلى جبل الشيخ وترى قواتنا فأنت تعلم أننا هنا من أجل الدفاع عن بلداتنا وحدودنا".

وأغلب الظن أنّك سوف ترغي وتزبد على الهواء مباشرة وأنت تحاول أن تقلّل من خطورة هذه الجولة وأثرها على سيادة سورية على أراضيها، وستقول مثل أحدهم وهو يردّ على سؤال مذيعة "التلفزيون العربي

" إنّها رسالة موجّهة إلى الناخب الإسرائيلي، وليست إلى الحكومة السورية، وأنّ ما قاله كاتس ليس سوى خطاب شعبوي لزوم معركة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وسوف تؤكّد، بكلّ اليقين، الذي لا يعلم أحد مصدره، أنّ هذه التصريحات من وزير الحرب الصهيوني مجرّد استفزازات شخصية، وليست قناعة حكومة الاحتلال، ثم تعلن بكلّ فخر أنّ "إسرائيل احتلت بضع مئات من الكيلومترات من أراضينا لكننا خرجنا من دائرة العقوبات الأميركية". 

تبدو صادمة هذه الحالة من التعايش بسعادة مع التطبيع لدى سياسيين ومثقفين من أكثر دولتين عربيتين كانتا عنواناً تاريخيًاً لجبهات رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، سورية ولبنان، مع اختلافاتٍ طفيفةٍ في أساليب التبرير ومنطلقاته، بين الاستناد إلى كون سورية الجديدة لا تزال وليدة وهشّة وغضّة، ومن الظلم أن نطالبها بأن تتبنّى مواقف قومية بمواجهة الاحتلال، وبين المنطق اللبناني الذي يكرّر من رأس الدولة إلى قاع التحليل الاستراتيجي التلفزيوني أنّه 

"ليس لنا إلا دونالد ترامب" يحرّرنا من الاحتلال الإسرائيلي، ومن الذين يقاومون الاحتلال الإسرائيلي أيضاً.

على أنّ القاسم المشترك هنا وهناك أنّ موضوع فلسطين لا يحضر إطلاقاً في الخطاب، بما يأخذنا مباشرة إلى طور مختلف من التطبيع، أو مفهوم جديد لقضية التطبيع، والتي كان معيارها طوال الوقت المسافة من القضية الفلسطينية بوصفها محور الصراع العربي الإسرائيلي، بل كان الذاهبون إلى التطبيع، حكومات أو أشخاصاً، يبرّرون مذهبهم بالبحث عن تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، بالحوار لا بالحرب، وهو الخيار الذي ثبت بطلانه وفساده نصف قرن من مسيرة السلام الزائف، ولا يحتاج جهداً كثيراً لإثبات فساده، فيكفي النظر إلى مساحة الكيان الصهيوني، ومساحة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة قبل نصف قرن ومقارنتها بالواقع الديموغرافي القائم الآن. من المهم كذلك النظر في أوزان الدول التي تعاطت مشروب السلام الأميركي حاليًاً، من حيث النمو الاقتصادي والتقدّم في مجالات التعليم والثقافة والفنون، تكفي نظرة سريعة على منتجات فن ما بعد التطبيع، ومنتجات ما قبله لتكتشف حجم الانهيار القومي الشامل.

مصر، صاحبة الريادة على طريق التطبيع، تنتظر عين الرضا والرحمة من الكيان الصهيوني، لكي تطمئن على مواردها من الطاقة، التي باتت رهينة الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، ولا تقوى على ردع العدو التاريخي حين يسيطر على المنفذ البرّي الوحيد الذي يربطها بفلسطين، وتظلّ ثلاث سنوات تشاهد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، فلا يصدر عنها سوى أنين بيانات شجب وإدانة مُرتعشة، ونداءات خجلى على دونالد ترامب، بل ووصل بها الحال إلى أن يقول عنها مبعوث ترامب "إذا خسرنا مصر فإنّ كلّ الإنجازات التي تحقّقت في التخلّص من حسن نصر الله ويحيى السنوار ستذهب أدراج الرياح. مصر نقطة ملتهبة، فكلّ ما تحقّق لنا في المنطقة، مثل التخلّص من السنوار ونصر الله وغيرهما، قد ينقلب رأساً على عقب لو خسرنا مصر".. هكذا تحدّث ستيف ويتكوف، مبعوث إدارة ترامب إلى الشرق الأوسط في مارس/ آذار من العام الماضي، وهو يحتفل باغتيال الشهيدين يحيى السنوار زعيم "حماس" الذي دخل التاريخ واحداً من الأبطال الأسطوريين في الكفاح والمقاومة، وحسن نصر الله زعيم حزب الله الذي يسميه العارفون بفضله وقيمته في الوطن العربي "سيد المقاومة"، وهو بالفعل أحد سادتها العظام.

رحم الله أيّاماً كان فيها التعريف الحقيقي للتطبيع يقول إنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يسوّق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحق.

الأحد، 23 أغسطس 2026

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة


أحيانا ينتابنا الشعور بالعودة إلى الماضي، ذاك الذي لم نستطع التخلص منه، أو بالأحرى لا نملك القدرة على التصالح معه، لأننا آثرنا أن نختار ترحيل آلامه وآماله نحو مستقبل هو الآخر يرفض النظر إليه، إلا إذا اعترف بأن ثمة حاجة ملحة للتواصل مع ذواتنا، بغية سماع صوت الحقيقة، والحديث بلغة هي أقرب إلى الهامش منها إلى الخطاب السلطوي، حيث تتأتى معها اللحظات الأكثر جدلية في تاريخ المجتمعات.

ولعل ما كتب في نص آسيا جبار المعنون "بياض الجزائر"، سردية عن مواكب الهجرة، لا إلى الجنوب الكبير، أو الارتماء في أحضان تاريخ استعماري لم تطو صفحاته بعد، بل استدعاء لذاكرة لم تتآكل مع مرور سنوات التيه، ولم تستطع قوى الشر أن تغلق أبواب الشوق نحو جزائر صاغت هويتها ولغتها بما يحفظ للجغرافيا حضورا تاريخيا، واستمرارا للحياة في وجه موت غير مكتمل، يسعى جاهدا إلى إسكات الأصوات وتشويه الكتابة واغتيال الحقيقة.

إن سردية "بياض الجزائر" لآسيا جبار هي تعبير عن بحث في ذاكرة أرادت الإفلات من تشوهات الماضي، عبر استذكار جمالية الحضور لكتاب وثوريين وهامشيين، وقسوة الغياب الذي تركوه فجأة، ضمن صوت فني آمن بأن الكتابة خيار للتنوع، لا افتراضا لجدليات تنفخ في الانقسامات والهويات المستعصية. فالناجون، على قلة أسمائهم، من أكفان الموت البيضاء، ذاكرتهم لن تمحى لمجرد أن تبنى التماثيل، وتنشد عصبيات الماضي في مراسم التشييع الجنائزي. فالقصة ليست موتا يجتاح المكان، بل حكاية أرض تقاوم منافيها، لتعود أكثر بياضا ونقاء.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها

موت غير مكتمل

في سردها للأحداث التي عاينت جزءا مهما من حياة أصدقائها، تقترب آسيا بعمق من معنى أن يكون الموت ذا تفسير مغاير عن الطقوس الجنائزية والشعائر الدينية التي تتوارثها الأجيال فيما بينها، حيث تضع تصنيفا للموت حين تختصر نصفه في موت غير مكتمل، إذ كان استهداف النخبة والمثقفين من طرف من يدعون الحق في امتلاك الذاكرة والهوية، ويزعمون تمثيلهم التاريخي للغة والدين، صورة اختلفت عناوين حضورها السياسي والاجتماعي. فالخوف لم يستهدف الجغرافيا على امتداد تاريخها فحسب، بل طال اللباس والعادات والحرية، ليكون فكرة تجتاح اللغة والهوية والتنوع.

إعلان

إن الطقوس الجنائزية التي أوردتها آسيا في سيرتها، ضمن شخصيات مقربة كعبد القادر علولة، وأخرى نخبوية كفرانز فانون، وقائمة مفتوحة للثوريين تبدأ من عبان رمضان، ما هي إلا إحالة إلى رفضها تدارك التغييرات الطارئة وفهمها ضمن سياقها، ليس لأن الكاتبة لم تع جيدا طبيعة الصراع الثوري ومخلفات الانفتاح الأيديولوجي، في إطار يبعث على الخوف من كل شيء عدا الموت، إذ بعد عقدين من الزمن، تفتح آسيا نافذة نحو أسماء كانت أقرب إليها، في يومياتها وحواراتها وفرحها بالاستقلال الوطني.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها. ففي لحظة، يغتال علولة، ويسقط فانون بعد أن أنهكته اللوكيميا، وتجتاح الخيبة عالم عبان رمضان، كأن الموت يريد أن يتركها لاختياراتها، لكنه يسلبها شغفها بالحياة، بالكتابة، وبالبحث المستمر عن الحقيقة، غير أن جبار استطاعت أن تنفذ ببراعة نحو الجزائر البيضاء، تلك الأرض بمروجها ومواكب حزنها وتقلبات ساستها، في مشهدية أطاحت بتعريف الموت كونه أكفانا تحملها ظلال ذاكرة تشبثت بوطنها الأم.

فانون مجددا

في بياض الجزائر، حضر فانون وكاتب ياسين وغيرهما من المثقفين الذين عرفت أرض الأمير عبد القادر كيف تحيي ذكراهم، فثمة ضرورة ملحة للبحث عن سؤال العودة، حينما يتعلق الأمر باستعادة جثامين ثوار قضوا في سبيل تحرير الأرض، من منازلهم التي اختاروا أن تكون موطنا لنعشهم. إذ كانت الحاجة إلى الإجابة عن سؤال: لماذا نستعيد رفات بعض الثوريين؟ مدعاة لفهم الفراغ الذي أراد البعض تسليطه على سرديات تاريخية، لمنح الشرعية للغة الواحدة. فآسيا لم تنبش قبور رفقاء الثورة، ولا راحت تهدم صروح أساطير تاريخية، إنما قدمت أسئلة في سرديتها، حيث يكون الاهتمام باستعادة ماذا؟ في وقت يهمش فيه الكثيرون ممن وقفوا في وجه السياسات الاستعمارية، من دون أن ينالوا اسما أو لافتة لشارع ما.

إن معذبي الأرض لم يموتوا برحيل فانون، بل ازدادوا شراسة حينما تعلق الأمر بترتيب البيت الوطني، فما كان بالأمس اختلافا في تعريف الثورة والاستقلال، أصبح بعد زمن بياضا يجتاح الجزائر بالاغتيال والتهديد والخوف، من دون معرفة الأسباب المقنعة التي تجعل شخصا ما يستهدف آخر، لقد عادوا مجددا ليطفئوا أنوار المعرفة في تكريماتهم الباهتة.

تجيب آسيا في سرديتها عن الأسئلة المقلقة التي أطلقتها في بداية رحلة الكلمات، ليس من منطلق نظرة تشاؤمية، أو اختزال للماضي في زاوية التضاد، بل لأنها اختارت أن تنحاز إلى الاعتراف، وإلى المصارحة، وإلى الكتابة التي تنقذها من بقايا الموت واليأس الذي حول الحياة إلى غربة موحشة. فما عاد المسرح يعرف عبد القادر، لكنه بات يحسن التصفيق عند كل استحقاق انتخابي، بينما تتوالى مشاهد التمثيل الجنائزي ليعم الصمت.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة

مسرح الكلمات

خلصت آسيا إلى حتمية مفادها أن الكتابة تشكل خطرا وجوديا، ليس على السرديات المضللة والخطابات السلطوية فحسب، بل تهدد أساطير ظلت جاثمة على قمة التقديس، حيث تعجز اللغة عن تفكيكها ومساءلتها، بل ترفض الإحالة إليها، كونها شخصيات مربكة، معتبرة إياها صورا تعيد إلى الذاكرة مفارقات بين أن يعود الأمير إلى الأرض، ويظل أوغسطين عالقا في منفاه.

إعلان

ففي هذا السرد الغني لجبار، بقي حضور الأحبة والتاريخ واللغة حاضرا بنفس تعبيري ونقدي مؤسس، فهي لم تسقط في غياهب الكتابة الإقصائية، ولم تفرض وصاية على سردية تاريخية، بل قالت بوضوح تام إنها تقترب من أحبتها، ومن وطنها، ولغتها، بكل ما تحمل عبارات الأسى لاستكمال رحلة الذاكرة.

تعود آسيا من الماضي بعبارات لا تحمل الوجع والحزن فحسب، بل تريد أن تمنحنا فسحة من الأمل حينما يتعلق الأمر بأن نكتب، وأن نتكلم، وأن نعبر عن خصوصياتنا، تلك التعبيرات التي تهدد اللون الواحد المفروض على جغرافيا متنوعة، سرعان ما استطاعت لغتا المستعمِر والمستعمَر أن تلبسا وشاح الشرعية.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة، فآسيا جبار وقفت تتأمل لحظات ما قبل الرحيل، حيث نكون نحن جميعا، دون استثناء، لسنا على موعد مع النسيان، بل مع ميلاد جديد لوطن متنوع.

الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا

 الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا



وائل قنديل

يلخّص الحاخام الأكبر للكيان الصهيوني، ديفيد يوسف، قصّة الاحتلال كلّها في جملة واحدة، إذ يعلن صراحةً أنّ الفلسطينيين ليسوا شعباً، بل هم "الرعاع".

 ويقول بكلمات واضحة لا تقبل التأويل خلال جولة في القدس المحتلّة: 

"يزعمون أنّهم الشعب الفلسطيني، لكنّهم ليسوا شعباً. لم يكونوا يوماً شعباً، وليس لهم أيّ حقوق". ثمّ يفصّل: "غزّة هي أرض إسرائيل، غزّة لنا، ونابلس لنا، وجنين لنا، وكلّها لنا".
ليست هذه عقيدة الحاخامات أو صقور الصهيونية الدينية فقط، بل هي المحرّك الأوّل والوحيد للسياسة الإسرائيلية في فلسطين وفي الشرق الأوسط كلّه، إذ الجميع رعاع في عيني نتنياهو، وفي عيون معارضيه، وفي عيون اليسار واليمين والوسط، وإن تباينت أساليب التعبير عنها، من الوقاحة الصاخبة عند بن غفير وسموتريتش، إلى العنصرية الهادئة لدى الآخرين من الصهاينة الذين كانوا في السلطة ويخطّطون للرجوع إليها، فذلك ما قامت عليه إسرائيل، وهو أيضاً ما تعيش من أجله، وعليه، بوصفه دستورها الذي ينظّم كلّ شيء فيها.


الترجمة العملية لتصريحات الحاخام الأكبر تجدها في خطّة وزير المالية الصهيوني، الذي لا تغادر طاقية الحاخامات رأسه، سموتريتش، الذي أعلن في مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، أمس الثلاثاء، صياغةَ خطّة يعمل فيها بهدف جلب مليون مهاجر يهودي من أميركا الشمالية وأوروبا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، خلال عقد، وهي الخطّة التي عرضها على نتنياهو، مشيراً إلى سنّ تشريعات تسمح لمجتمعات يهودية كاملة في الخارج، في إطار ما أسماه "ثورة الاستيطان"، التي يقودها، للسيطرة على ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية.


على أنّ التجلّي الأوضح لهذه العقيدة، التي هي برنامج عمل لكلّ الحكومات الإسرائيلية، هو ما تراه من مشاهد يومية لطرد وإبعاد وقتل الإنسان الفلسطيني والسطو على أرضه وبيته وإنشاء بؤر استيطانية مكانها، في الضفّة الغربية، وما تعايشه يومياً منذ ثلاث سنوات في قطاع غزّة من إبادة جماعية وتطهير عرقي، وهي إجراءات وسياسات إسرائيلية ليست نتيجةً لـ"طوفان الأقصى"، بل هي السبب والمحرّك الأوّل لانتفاضة الفلسطينيين تمسّكاً بالأرض في مواجهة أوسع موجة من الإرهاب الاستيطاني، انطلقت مباشرةً مع وعد دونالد ترامب في نهاية فترة رئاسته الأولى بأنّ القدس المحتلّة هي العاصمة الأبدية للاحتلال، في طيّات ما عُرفت بـ"خطّة ترامب للسلام" أو "صفقة القرن"، التي أثارت موجاتٍ من الغضب الفلسطيني وقتها وفجّرت انتفاضة القدس.
لو أعدت قراءة ما طُرح وقتها تحت عنوان "خطّة ترامب للسلام" في ضوء وقائع العدوان الصهيوني الأوسع على غزّة منذ 7 أكتوبر (2023)، ستجدها تكاد تكون متطابقةً مع ما سُمّي "خطّة الجنرالات" التي نفّذها الاحتلال في شمال غزّة وجنوبها، وذلك في محاولة لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، يوسّع من حدود الاحتلال ويقلّص الوجود البشري الفلسطيني، في "شبه دولة" فلسطينية، وهي كما وردت في خيال دونالد ترامب، لا حدود مشتركة لها مع محيطها العربي، فلا شيء يربطها جغرافياً بمصر، إذ تتضمّن رؤيته أو ضلالاته إلغاء معبر رفح من الوجود، كما لا يبقى أيّ رابط جغرافي بين فلسطين والأردن، ولذلك كان طبيعياً أن يتلقّاها بنيامين نتنياهو في ذلك الوقت بفرحة طفل مدلّل منحوه لعبةً نادرةً، فاندفع يعلن أنّ "ترامب أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض، وأنّ خطّته التي تتضمّن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هي حدث تاريخي يشبه اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بدولة إسرائيل في 1948.
بالعودة إلى تصريحات الحاخام الأكبر وخطّة سموتريتش لجلب مليون يهودي في مقابل تهجير مليون فلسطيني، يمكن، من دون أيّ مبالغة، القول إنّ العامل الأكبر في انتقال مخطّطات الاحتلال إلى مرحلة العلانية والتحدّي هو الاحتضان الكامل من دونالد ترامب لأحلام الهيمنة الصهيونية، ثمّ يأتي بعد ذلك هذا الإيمان المطلق من النظام الرسمي العربي، بأنّ ترامب هو رجل السلام وصانعه ومانحه، على نحو ما ذهب إليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أحدث تصريحاته قبل يومَين، وهو يعلن حالة فقر مدقع في أدوات الحكومات العربية حيال فلسطين، إلى الحدّ الذي تقول فيه بوضوح إنّها لا تملك سوى مناشدة الراعي دونالد ترامب، رجل السلام، لكي يتدخّل للضغط على إسرائيل.
يكذب العرب الرسميون حين يعلنون أنّه لا حيلة لديهم سوى استعطاف ترامب. إذ يمكنك أن تحصي عشرين إجراءً رادعاً يمتلكه النظام العربي لردع الكيان الصهيوني، أبسطها وأسهلها أن تتوقّف الدولة العربية الأكبر عن رهن مستقبلها في الطاقة بيد الكيان الصهيوني حتّى منتصف القرن الحالي، مقابل خمسة وثلاثين مليار دولار تدفعها من لحم المصريين الحي لاستيراد الغاز الطبيعي المسروق من فلسطين المحتلّة.
يمتلك العرب أن يكونوا عرباً بالتعريف الجامع المانع للعروبة، وأن تكون مع الشقيق ضدّ عدوك وعدوه، وأن تفعّل خيار الكرامة حين تُهان ويُعتدى عليك، وتردّ الإهانة الصاع صاعين، أو على الأقلّ، تلوّح بحقّ الرد في الوقت المناسب، وألّا تكون منبطحاً طوال الوقت أمام حاخامات الاحتلال الذين يروننا رعاعاً لا أرض لنا، ثمّ يُستقبلون بحفاوة دافئة في عواصم العرب، كما استقبلت الإمارات الحاخام الأكبر لإسرائيل (يتسحاق يوسف) في ديسمبر/ كانون الأوّل 2020 في أول زيارة رسمية لبلد عربي، لافتتاح مؤسّسات يهودية ومعبد ومدرسة دينية، وكما حدث قبلها بعام واحد في 2019، حين فتحت المنامة ذراعيها لاستقبال الحاخام الأكبر للقدس وحاخام إسرائيل السابق شلومو موشي عمار في العاصمة البحرينية، بناء على دعوة رسمية من ملك البحرين، وكما صارت زيارات وفد من الحاخامات إلى مصر طقساً يكاد يكون سنوياً للجنرال عبد الفتّاح السيسي.
يمتلك العرب الكثير من الأسلحة وأوراق الضغط، لكنّها تبقى عديمة الفائدة إلّا حين يعرف الحاكم العربي كيف يكون ممثّلاً حقيقياً لشعبه العربي، كما يمثّل نتنياهو الشخصية الإسرائيلية على الوجه الحقيقي؟


وائل قنديل

24 اغسطس 2026

الجمعة، 21 أغسطس 2026

فرضنا كلمتنا على الأوصياء.. تركيا تغيرت وعلى الجميع أن يفهم

فرضنا كلمتنا على الأوصياء.. تركيا تغيرت وعلى الجميع أن يفهم

ياسين أقطاي
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

قد لا يكون من دواعي البهجة كثيرا أن نذكّر بهذه الحقيقة ونحن في غمرة الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين، لكن لنبدأ بها حديثنا ثم نعود فنجمع أطرافه: للحركات السياسية -شأنها شأن البشر- أعمار وآجال. فمنها من ينطفئ قبل أن يولد، ومنها من يصل إلى السلطة ثم يغادرها دون أن يترك أثرا، ومنها ما لا يكتفي بالحكم، بل يغير اتجاه المرحلة التي يعيش فيها.

أما حزب العدالة والتنمية، فإنه، بعد 25 عاما باتت اليوم وراءه، يستحق أن يُنظر إليه لا بوصفه مجرد حزب سياسي، بل بوصفه تجربة تاريخية فريدة، طبعت بطابعها ربع القرن الأخير من تاريخ تركيا، بل تستحق أن تُقرأ ضمن منظور تاريخي أطول بكثير.

إن مثل هذه المناسبات السنوية ليست فرصة للاحتفاء بالماضي فحسب، بل هي أيضا مناسبات مهمة للمحاسبة والمراجعة. ذلك أن القيمة الحقيقية للنجاحات لا تتجلى إلا بقدر ما نستطيع أن نفهم التحول الذهني والفكري الذي جعلها ممكنة.

ولعل من أعظم نجاحات حزب العدالة والتنمية ليست تحديدا تلك المشاريع المنجزة التي سنشهد، خلال فعاليات الاحتفال هذه، عروضا كثيرة عنها. صحيح أن مستشفيات المدن، والطرق السريعة، والمطارات، والسيارة المحلية، واكتشافات الغاز الطبيعي، والقفزات التي تحققت في الصناعات الدفاعية، والطائرات المسيرة المسلحة، واستثمارات الطاقة، والأرقام القياسية في الصادرات، كلها إنجازات مهمة، بل بالغة القيمة؛ لأنها تمثل تحقق عالم كان حتى مجرد الحلم به أمرا متعذرا. غير أن هذه الإنجازات جميعا ليست سوى أجزاء من تحول أكبر.

لقد خرجت تركيا من موقع الموضوع في المعادلات التي يرسمها الآخرون، وأصبحت ذاتا فاعلة ترسم معادلاتها بنفسها. وهذا، بطبيعة الحال، ليس مكسبا تحقق بسهولة

أما التغيير الحقيقي، فهو المسافة المهمة التي قطعتها تركيا في سبيل الخروج من نظام الوصاية الذي اعتادته على مدى سنوات طويلة، والتحول إلى دولة، بل إلى أمة، قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.

إعلان

كان هناك يوما ما بلد اسمه تركيا، كانت المراكز الخارجية تقرر إلى حد كبير أي سلاح يشتري، ومع أي دولة يقيم علاقاته، وكيف يتصرف في كل أزمة. أما اليوم فهناك تركيا تتحرك بعقلها الإستراتيجي الخاص في جغرافيا واسعة تمتد من ليبيا إلى الصومال، ومن قره باغ إلى سوريا، ومن البلقان إلى أفريقيا.

وهذا تحول لا يمكن لأي إنسان عاقل، يتمتع بقدر من الإنصاف والوجدان، أن يقلل من شأنه.

إن توطين الصناعات الدفاعية ليس مجرد تطور تقني، بل هو أحد أكثر المؤشرات الملموسة على الاستقلال السياسي. كما أن الاستثمارات في مجال الطاقة ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي شرط من شروط القدرة على إدارة السياسة الخارجية باستقلالية أكبر.

أما الانفتاحات الدبلوماسية فلا تعني مجرد افتتاح سفارات جديدة، وإنما تمثل عودة تركيا إلى التواصل مع فضائها الحضاري، واحتضان هذا الفضاء من جديد، وإعادة تأسيس العلاقات معه.

وفي السنوات الأخيرة، ينبغي أن يُقرأ كل من مشروع طريق التنمية، والانفتاح على أفريقيا، والتوازنات الجديدة التي أُنشئت في القوقاز، وأخيرا اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، بوصفه استمرارا للخط الإستراتيجي نفسه.

وتدل هذه التطورات على أن تركيا قد بلغت من القدرة ما يمكنها ليس فقط من صياغة أمنها الخاص، بل كذلك الإسهام في تشكيل البنية الإقليمية للأمن.

والواقع أنه يمكن تلخيص الـ25 سنة الماضية كلها في جملة واحدة: لقد خرجت تركيا من موقع الموضوع في المعادلات التي يرسمها الآخرون، وأصبحت ذاتا فاعلة ترسم معادلاتها بنفسها. وهذا، بطبيعة الحال، ليس مكسبا تحقق بسهولة.

إن النضال الذي تم خوضه ليلة 15 يوليو/تموز، والحزم الذي أُبدي في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية الطاقة التي أُديرت في شرق المتوسط، والدعم الذي قُدم لأذربيجان في قره باغ، والحزام الأمني الذي أُنشئ في سوريا، والقدرة التي وصلت إليها تركيا اليوم لتكون في قلب محاور التعاون الإقليمي، ليست سوى محطات مختلفة في المسيرة التاريخية ذاتها.

ولهذا ينبغي قراءة ربع القرن الأول من عمر حزب العدالة والتنمية، في جوهره، بوصفه إعادة بناء قدرة الدولة المستقلة. إعادة بناء كانت ثمرة قيادة قوية، وكادر متمرس تحرك بانسجام مع هذه القيادة.

ولا شك أن أكبر ميزة أتاحت لحزب العدالة والتنمية تحقيق هذا الأداء الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بكلمة "ثورة"، كانت القيادة القوية التي تجسدت في شخص رجب طيب أردوغان.

الشيء الذي كان حزب العدالة والتنمية يستهدفه عندما انطلق في مسيرته لم يكن مجرد بناء مؤسسات قوية، بل كان أيضا بناء مجتمع قوي وعادل وأخلاقي وهذا هو العبء الأهم

غير أنه، بعد 25 عاما، وإذا كانت الثورة في الشطر الثاني من اسم "حزب العدالة والتنمية"، أي في مجال "التنمية"، حقيقة لا جدال فيها، فإن السؤال الأكثر إلحاحا أمامنا اليوم هو: إلى أي مدى تحققت الثورة في الشطر الأول من الاسم، أي في مجال "العدالة"؛ سواء من حيث العدالة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية؟

وسيكون هذا هو العبء الأهم الذي ستتحمله رسالة حزب العدالة والتنمية في السنوات الـ25 المقبلة.

إعلان

والأسئلة التي يضعها هذا العبء أمامنا تعيدنا، في الحقيقة، إلى السؤال الأول الذي انطلقت منه علاقة التيارات الدينية بالسياسة في تركيا: هل كان ينبغي أن نسعى أولا إلى الوصول إلى مجتمع صالح وعادل ثم نعمل على تنميته، أم كان ينبغي أن نصل أولا إلى مجتمع متقدم ومزدهر ثم نعمل على إصلاحه وجعله أفضل؟

لقد انجرف أناس "صالحون" مع تيار السياسة، فوصلوا بطريقة ما إلى مجتمع متقدم ومزدهر؛ لكن الخيرات والفضائل التي أُجلت تحت ضغط أولويات عملية التنمية أوصلتنا إلى مكان مختلف تماما. وبالطبع، ليس مكانا بعيدا إلى حد يستحيل معه الرجوع عن نقاط الانحراف، ولا هو مرحلة يتعذر فيها أي إصلاح أو تحسين؛ لكن من الواضح أيضا أن المهمة باتت أكثر صعوبة.

ومن المؤكد أن قوة الدولة وتنمية المجتمع لا تؤديان بالضرورة إلى تحقق العدالة. يمكن شق الطرق، وإنشاء المصانع وتحديث الجيوش، ويمكن للاقتصاد أن ينمو. لكن كل ذلك، بمفرده، لا يكفي لإقامة مجتمع قوي وعادل.

فالشيء الذي كان حزب العدالة والتنمية يستهدفه عندما انطلق في مسيرته لم يكن مجرد بناء مؤسسات قوية، بل كان أيضا بناء مجتمع قوي وعادل وأخلاقي. ولعل أهم سؤال في المرحلة المقبلة يواجهنا تحديدا عند هذه النقطة:

لقد كان أعظم إنجاز في السنوات الـ25 الأولى هو أن تصبح تركيا من جديد دولة قادرة على الوقوف على قدميها والاعتماد على نفسها. أما نجاح ربع القرن الثاني فلن يُقاس فقط ببناء دولة أكثر قوة، بل بمدى القدرة على بناء مجتمع أكثر قوة، وأسرة أكثر تماسكا، وشباب أكثر ثقة بأنفسهم، وطرح دعوى حضارية تحررت بالكامل من بقايا الذهنية الاستعمارية.

ذلك أن إنهاض الدولة كان أمرا صعبا، لكن إنهاض الإنسان أصعب منه.

ولعل القضية الحقيقية للسنوات الـ25 المقبلة تكمن تحديدا هنا.



إسرائيل تريد جرّ تركيا إلى «صراع مبكر»

إسرائيل تريد جرّ تركيا إلى «صراع مبكر»

إبراهيم قره غول 
– يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية، يوم الثلاثاء 18 أغسطس، مطار أبو الظهور العسكري غير المستخدم بشكل نشط، بعد أن توغلت ثلاثمائة كيلومتر داخل الحدود السورية، وعلى مسافة خمسة وستين كيلومترًا من الحدود التركية.

كانت هناك حالة من الهدوء لفترة طويلة في الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا. أما عمليات الاحتلال والهجمات البرية على الأراضي السورية فكانت تستمر بين حين وآخر. وقد اعتُبر الهجوم الأخير مؤشرًا على التخطيط لشيء آخر، وعلى اتباع أجندة أخرى.

«لقد وجهنا رسالة إلى تركيا.»

«سنواصل حتى يأتي الرد.»

الهجوم الذي تسبب في ردود فعل حادة من سوريا وتركيا، تعرّض أيضًا لـ«انتقاد» واضح من الولايات المتحدة. وزُعم أن الهجوم وقع مباشرة بعد قيام وفد تركي بتفقد القاعدة. ومن الواضح أنه كان رسالة مباشرة إلى تركيا، وأنه كان يهدف إلى قياس رد فعلها.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي صراحة أن سوريا سمحت لتركيا بالتمركز على أراضيها، وأنهم لن يسمحوا بذلك. وكان هذا التصريح وحده مؤشرًا على أن الهجوم استهدف تركيا مباشرة.

أما الصحافة الإسرائيلية، فقد كتبت أنهم ينتظرون رؤية رد تركيا على الهجوم. ووفقًا لهم، «إذا لم يكن هناك رد، فسيُنظر إلى ذلك على أنه ضعف يدعو إسرائيل إلى التقدم نحو ساحات أخرى وطائرات وطائرات مسيرة أخرى».

السفير الأمريكي: كان بإمكان تركيا أن تتدخل لو أرادت، لكنها لم تفعل…

كان هناك شعور واضح بأنه استفزاز، ودعوة إلى الحرب، وفخ نُصب لتركيا. وكان يجري استفزاز تركيا من جانب إسرائيل من أجل «أجندة مخطط لها».

وفي هذه النقطة تحديدًا، قال السفير الأمريكي لدى تركيا وسوريا توم باراك: «رصدت تركيا الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالًا. كان بإمكانها التدخل لو أرادت. لكنها لم تفعل».

ورغم أن هذا التصريح يؤكد، ظاهريًا، على «حكمة تركيا وضبط نفسها»، فإنه قد يشير أيضًا إلى خطة موضوعة في إسرائيل تفترض بشكل مؤكد أن تركيا ستشن هجومًا مضادًا.

لقد خططوا حتى لرد فعل تركيا!

وكان لباراك عبارات أخرى أيضًا، إذ قال: «لم يتم إبلاغ تركيا مسبقًا». لماذا كان ينبغي إبلاغ تركيا مسبقًا بالهجوم الإسرائيلي؟ هناك أمر غريب هنا. كما قال: «كنا على بُعد خطوة واحدة من صراع عسكري تركي-إسرائيلي». وقال: «كان بإمكان تركيا إيقاف الطائرات الإسرائيلية لو أرادت».

يجب تقييم كل واحدة من هذه العبارات على حدة. ورغم أن السفير الأمريكي يبدو وكأنه يشدد على «نضج» تركيا، فإن جميع العبارات، وكأنها تشير إلى توقع أو افتراض أن تركيا سترد. وكأنها تشير إلى أن الولايات المتحدة كانت تعلم بالهجوم الإسرائيلي ولم تمنعه.

ستقع هجمات جديدة… والحرب التركية-الإسرائيلية مستمرة على جميع الجبهات!

فهل ستشن إسرائيل هجمات جديدة بعد هذا الهجوم؟ هل ستستهدف بشكل مباشر الوجود العسكري التركي في سوريا؟ لقد قصفت حتى الآن قواعد «غير ضارة» وفارغة. فهل يمكن أن تكون هناك من الآن فصاعدًا محاولات تؤدي إلى «خسائر عسكرية»؟

أجيب عن كل ذلك بـ«نعم» دون تردد. وأقول بوضوح: تركيا بالفعل في حالة حرب مع إسرائيل. هذه الحرب مستمرة منذ فترة طويلة في غزة ولبنان وجميع أنحاء سوريا وليبيا والصومال والسودان. بل إن هذه الحرب مستمرة بالفعل في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه والجزر.

كل تحرك لليونان هو خطة إسرائيل وتحركها.

ورغم أنها تبدو حربًا «غير مباشرة» و«مستترة»، فإنها مستمرة على بُعد خطوة واحدة من الحرب والمواجهة المفتوحة. ولنتذكر أن إحدى جبهات الحرب تُخاض أيضًا من خلال الصراعات بين باكستان والهند.

كل تحرك للهند هو تحرك لإسرائيل. وكل تحرك لليونان وقبرص الرومية هو تحرك لإسرائيل.

إن ميثاق الدفاع الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان سيتوسع بانضمام دول أخرى. 

ومهما وجدت إسرائيل من شركاء إقليميين، فلن يكون بإمكانها إقامة سد أمام هذا التدفق القوي للنهر. 

فجميع حساباتها تقوم حتى اليوم على قاعدة إخضاع دول الشرق الأوسط بقوة الولايات المتحدة. لكن هذه القاعدة التاريخية انتهت.

خطة «الحرب المبكرة»: 

إسرائيل تنصب فخًا للولايات المتحدة وأوروبا.

إن إسرائيل تستفز تركيا للدخول في «حرب مبكرة». وتحاول جرها إلى صراع تحدد هي زمانه وشروطه. وهي تحاول، من خلال بدء هذا الصراع قبل أن تكتمل عزلتها الدولية تمامًا وقبل أن تكتمل استعدادات تركيا الإقليمية، إجبار الولايات المتحدة وأوروبا على القيام بأمور معينة.

لكن تركيا دولة خططت، حتى اليوم، لجميع صراعاتها وفق أولوياتها الخاصة. وليست دولة تنجر بسهولة إلى المغامرات أو تخوضها من أجل مصالح الآخرين. وهي تتحرك عندما تنضج الظروف والتوقيت وفق أولوياتها الخاصة. ولذلك لن تتحرك بفعل مثل هذه الاستفزازات التي تقوم بها «المنظمات الإرهابية».

الحرب التركية-الإسرائيلية ستندلع حتمًا!

ستُغلق تلك «الحامية».

نعم، ستندلع الحرب التركية-الإسرائيلية حتمًا. وستُوجَّه إلى إسرائيل ضربة ستؤدي إلى نهاية خريطة إسرائيل وتاريخها السياسي، وتنظف الجغرافيا، ولن تستمر طويلًا.

ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام في المنطقة ما دامت إسرائيل موجودة في خريطتها. 

كما أنه من الواضح أن الشعب الإسرائيلي «لا يملك أهلية أن يكون دولة».

إذن، فإن هذه «الحامية» التي أُنشئت من أجل القرن العشرين ستُغلق حتمًا.

لكن، كما جرى تصفية تنظيم غولن. وكما جرت تصفية حزب العمال الكردستاني. وكما تُغلق المجالات العملياتية لإسرائيل. والآن تجري تصفية «العناصر الأجنبية» في الداخل. وكما يجري سحق الهياكل المرتبطة بإسرائيل داخل تركيا وفي المنطقة وتنظيف الميدان.

إن لدى تركيا خارطة طريق، وهذا واضح. وإسرائيل تحاول، قبل اكتمال خطوات خارطة الطريق هذه، إجبار تركيا على القيام بأمور معينة، وهذا واضح أيضًا.

بالأمس كانوا يرسمون الخرائط في جنوبنا، واليوم استقرت تركيا على حدود إسرائيل…

إنهم يثقون بالأسلحة النووية التي بحوزتهم. ويهددون بإحراق دمشق. ويهددون بضرب تركيا بالسلاح النووي. لكنهم لا يملكون معلومات موثوقة حول من قد يمتلك أيضًا أسلحة نووية. ولا يفكرون في أنه إذا حاولوا القيام بذلك، فلن تبقى دولة وشعب يُسمى إسرائيل.

بالأمس القريب كانوا قد تمركزوا على الحدود التركية-السورية عبر حزب العمال الكردستاني. وكانوا قد رسخوا وجودهم على الحدود الجنوبية لتركيا. وكانوا يرسمون الخرائط. وبالأمس القريب كانوا يحاولون تغيير النظام في أنقرة وإسقاط أردوغان.

ماذا حدث خلال بضع سنوات؟ فقدوا جميع الأسلحة التي كانت بحوزتهم. ولم يعودوا قادرين على الوصول إلى الحدود التركية. لكن تركيا استقرت على حدود إسرائيل. ومن الجولان إلى غزة، ومن شرق البحر المتوسط إلى لبنان، أصبحت القوة الساحقة لتركيا في المنطقة بأسرها غير قابلة للإيقاف.

لن تكون إسرائيل موجودة في خطة مستقبل المنطقة…

سيُستأصل هذا المرض المعدي.

قبل خمس سنوات فقط، كانوا يحاولون، بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الأنظمة العربية، «إيقاف تركيا». أما الآن، فيحاولون من خلال مثل هذه الهجمات جرّ تركيا إلى صراع غير مخطط له وإيقافها بمفردها.

إنهم يتحركون وفق قاعدة «على أي حال، لن يسمح العالم الغربي بإبادة الدولة اليهودية، وسيضرب تركيا». إنهم يخططون لحرب أمريكية-تركية، وحرب أوروبية-تركية. لكن أوروبا لم تعد تريد تلك الدولة. وإذا تصاعدت النقاشات قليلًا، فلن تريدها الولايات المتحدة أيضًا.

لن تكون إسرائيل موجودة في خطط تركيا وشركائها في المنطقة للمستقبل. ولن يكون لإسرائيل وجود جغرافي.

وإلا فإن الجميع يعلم أن الجغرافيا الكبرى ستواجه الحروب مئة عام أخرى. إذن يجب تنظيف هذا السرطان، وهذا المرض المعدي، من المنطقة بأكملها. وكما تُنظف المنظمات الإرهابية، يجب تنظيف إسرائيل أيضًا، وهذا سيحدث.

أطروحات الحرب الإقليمية والحرب الشيعية-السنية لم تنجح.

هذا هو «الانكسار» الكبير.

لننظر إلى الأمر من وجهة نظرهم: 

لم تنجح أطروحات الحرب الإقليمية. ولم تنجح أطروحات الحرب الشيعية-السنية. كانت فكرتهم هي دفع الدول العربية السنية إلى محاربة إيران. وهكذا كانت ستندلع حرب إقليمية لا نهاية لها. وحتى الدول الأقرب إلى الولايات المتحدة والأشد صداقة لإسرائيل لم تنجر إلى هذه اللعبة ولم تقع في الفخ.

لم يجدوا دولة تحارب من أجلهم. وحاولوا تحريك تركيا وأذربيجان. وضغطوا على الدول العربية «الحليفة بالكامل» للتحرك.

 لكن تركيا والعالم التركي كانا يعدّان لمستقبل يتجاوز بكثير حتى العقل العالمي الحالي للولايات المتحدة، ولم يكن من الممكن أن يقعا في هذا الفخ.

لقد انتهى الآن عهد «لتتحارب تركيا مع إيران. وليحارب العرب إيران. وليحارب السنة إيران الشيعية. ولنبقَ نحن مستمتعين بوقتنا».

هذا هو الانكسار الحقيقي. فمنذ احتلال العراق وأفغانستان، اختُرقت للمرة الأولى الاستراتيجية العسكرية أو اللعبة المعجزة التي كانت مستمرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

سيدمر تل أبيب، ويحرر القدس، ولن يُبقي حجرًا على حجر!

وستُفتح صفحة أخرى في التاريخ!

وسيفتح «الميدان الحقيقي» الذي سينهي جميع الحروب في الشرق الأوسط، ويقلب جميع طاولات رسم الخرائط، ويمحو هذه «الدولة القبلية» من الخريطة.

ستحتل تركيا إسرائيل. أقولها صراحة: ستحتلها. ستدمر تل أبيب، وتحرر القدس. وستدفع الملايين إلى إسرائيل، ولن تُبقي حجرًا على حجر. وسيُسلب من إسرائيل حقها في أن تكون دولة.

ولدينا نحن، ثأر يجب أخذه بسبب تفكيك الدولة العثمانية.

عندما نغلق قوس القرن العشرين، كان التاريخ قد دار بالفعل، لكن ارتدادات ذلك لم تظهر بعد بصورة أكثر وضوحًا. وستظهر.

إسرائيل دولة لأسبوع، وتل أبيب مدينة ليوم واحد

انظروا إلى التاريخ، كم من الأمثلة فيه. لا يمكن لأي قوة أن ترسم خريطة في هذه الجغرافيا دون علم تركيا. هكذا كان الأمر طوال ألف عام. لقد توقفنا مئة عام فقط، وانتهت تلك الفترة. لقد عدنا... فليحسب الجميع حساباته وفقًا لذلك!

إسرائيل دولة لأسبوع واحد. وتل أبيب مدينة ليوم واحد. هذا صحيح فعلًا.

وتعرف إسرائيل ذلك أفضل من أي أحد. ولهذا تقول: «ما دامت لديّ ورقة ائتمان متبقية في أوروبا، وما دمت أملك إمكانية إدارة القوة العسكرية الأمريكية، فلأجعل عدوي الأخير، تركيا، هدفًا لهم أيضًا».

«الانتقام القاسي» سيتجه إلى إسرائيل.

لكنهم يخطئون في تقدير أمر واحد. فلا يوجد ما يستطيعون فعله لتركيا. ولن يفعلوا ذلك أيضًا. لأن العالم ليس مكوّنًا من إسرائيل والولايات المتحدة فقط.

لقد عُقدت جميع العقد حول إسرائيل. والعالم بأسره بحاجة إلى حل هذه العقدة. ويمكن لهذه «الدولة القبلية» أن تثق بسلاحها النووي وببضع طائرات من طراز إف-35.

لكن تاريخ البشرية هو تاريخ «الانتقامات القاسية». وقد اتجه ذلك «الانتقام القاسي» إلى إسرائيل.

إبراهيم قره غول 
نشر بتاريخ 20 أغسطس 2026
المصدر