‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مترجمة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية

 7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية



ياسين أقطاي
قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

اليوم 7 أكتوبر، ذكرى «طوفان الأقصى» بوصفه خروجًا من شأنه أن يغلق عصرًا ويفتح عصرًا آخر. قبل ثلاثة أعوام، في صباح 7 أكتوبر، عندما استيقظ العالم، لم يكن أمامه مجرد عملية تجاوزت جدران إسرائيل التي كان يُعتقد أنها عصية على الاختراق. كان هناك صرخة شعب يهتف في وجه القوة التي تحاول محوه من التاريخ: «أنا هنا!». 

شعب حوصر لسنوات، وانتُزعت أراضيه منه قطعة تلو أخرى، وهُدمت بيوته فوق رؤوسه، وقُتل أطفاله أمام أعين العالم، كانت تلك الصرخة التي أطلقها شعب باتجاه من يحاصرونه قد اخترقت أيضًا الصمت الذي أطبق على العالم بأسره. 

لقد كان حدثًا، مثل ابتسامة إسماعيل الذي جرى تجاهله واستبعاده وإذلاله، يسخر من منظومات القيم كافة التي أطبق بها العالم على نفسه، ومن أنظمة الأمن التي يتفاخر بها، ويكشف أن باطنها فارغ تمامًا.

لنتذكر. قبل «طوفان الأقصى»، كانت القضية الفلسطينية مسألة ينبغي الحديث عنها، لكن يمكن تأجيلها. كانت إدانة الاحتلال الإسرائيلي تصدر، ثم تستمر الحياة من حيث توقفت. 

وبينما كان الناس يموتون في غزة، كان العالم يجد طرقًا للتعوّد على هذه الوفيات. حياة تضيق أكثر كل يوم، وحصار يتسع أكثر، واحتلال يتقدم أكثر؛ كان يُفسَّر كل ذلك بأنه «حقائق المنطقة المعقدة». لقد بدأت البشرية تعتبر الصمت أمام الظلم الذي علت صرخاته نوعًا من التعقل، كما بدأت تعتبر صمت الفلسطينيين نوعًا من السلام.

كان 7 أكتوبر صاعقة سقطت في خضم هذا الاعتياد. كان رفضًا من شعب لأن يعيش منتظرًا الموت. 

كان هناك من يعرفون ما سيكلفه إقدام ذلك الصباح. لكن حسابهم لم يكن الحساب الذي نجريه وفق راحة حياتنا اليومية. 

لقد كانوا، داخل شعب يقتله الحصار قليلًا كل يوم، مستعدين للمخاطرة ليس بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل بالحياة الحرة أيضًا. ولم يدفعوا ثمن نضالهم كي يجعلوا الآخرين يدفعونه، بل دفعوه بوضع حياتهم هم على المحك.

ثم تقدمت إسرائيل بكل قوتها على غزة. وهدمت مدينة حجرًا حجرًا، وشارعًا شارعًا. وقصفت المنازل والمستشفيات والمدارس ودور العبادة؛ وأجبرت الناس على النزوح والجوع والبحث عن أقاربهم تحت الأنقاض. 

وأفادت وزارة الصحة في غزة، في بيان صادر في 4 أكتوبر، بأن أكثر من 74 ألف فلسطيني قتلوا، وأصيب أكثر من 175 ألفًا منذ بداية الهجمات. 

وحتى خلال فترة وقف إطلاق النار، استمرت الوفيات. لا يمكن إدراج أي من هذه الأرقام في حساب نصر. فكل واحد منها اسم إنسان، وضوء منزل، وحياة عائلة لم تكتمل.

كلما ازداد الدمار الذي تعرضت له غزة، تقلص النصر الذي روته إسرائيل للعالم. لأنها لم تجد أمامها شعبًا راكعًا على ركبتيه. 

فبعد كل قائد قتلته، خرج شاب جديد؛ وبعد كل صوت أسكتته، ارتفعت آلاف الأصوات. وما عجزت عن إخضاعه كان إرادة لا تقاس بعدد الأسلحة. 

كان لدى الجيش الإسرائيلي طائرات وقنابل واستخبارات؛ أما غزة، فكان لديها أمهات ينهضن من جديد بعد أن يوارين أبناءهن الثرى، وآباء يقرؤون القرآن عند الأنقاض، وأطفال يقولون «لن نرحل من هنا» حتى وهم جرحى. ولم تكن هاتان القوتان الشيء نفسه على ميزان العالم.

وتسجل البيانات الرسمية الإسرائيلية نفسها التكلفة العسكرية للحرب أيضًا: إذ يعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 970 من جنوده وإصابة 6 آلاف و424 جنديًا. لكن خسارة إسرائيل الحقيقية تتجاوز هذه الأرقام بكثير. فقد انهارت أسطورة الأمن التي جرى تلميعها لسنوات. وتحطمت في غضون ساعات صورة الدولة التي ترى كل شيء وتسيطر على كل شيء. ولم تتمكن السنوات الثلاث التالية من إعادة بناء هذه الأسطورة. فكلما عظّمت إسرائيل قوتها، لم تعزز أمنها، بل زادت الغضب؛ وكلما عمقت احتلالها، لم تعزز هيمنتها، بل زادت المقاومة.

وكانت أكبر الخسائر هي الحصانة التي مُنحت لها. فقد غطت إسرائيل احتلالها لعقود بلغة الأمن؛ وتركت كل كلمة تتعلق بفلسطين تحت ظل تهديد بالاتهام، لإسكات المعترضين. وقد بددت صور غزة ذلك الظل. وخرج شباب العالم إلى الساحات؛ ورفعت الجامعات والنقابات والفنانون والأكاديميون والناس العاديون أصواتهم في وجه صمت حكوماتهم. وأصبح العلم الفلسطيني ليس علم فلسطين وحدها، بل علم كل من يعترض على الاستعمار والعنصرية والهيمنة.

أظهرت غزة للبشرية جمعاء من جديد ما هي الحرية. فالحرية ليست مجرد إذن يمنحه الأقوياء. بل هي، على العكس من ذلك، إصرار شعب محاصر، حين يحين الوقت، على أن تكون له كلمة في تقرير مصير حياته، رغم كل الاستحالات. وأحيانًا تكون القدرة على الجلوس فوق أنقاض منزلك وقول «أنا هنا». وأحيانًا أخرى تكون التمسك بأرضك والاستمرار في الضحك، بينما لا يعرض عليك أقوياء العالم سوى الصمت والرحيل.

إن أثقل جوانب هذه الملحمة هو أن ثمنها دُفع بأرواح البشر. وتجاهل ذلك، أو قياس ذلك الثمن من بعيد وطرح سؤال «هل كان الأمر يستحق؟»، كلاهما يعني عدم فهم غزة. فلا يمكن قياس إرادة شعب غزة وفق راحة الشعوب الأخرى. لقد أرادوا، في مكان يأتي فيه الموت إلى أبوابهم كل يوم أصلًا، أن يحددوا بأنفسهم ليس فقط متى سيموتون، بل كيف سيعيشون أيضًا.

بعد ثلاثة أعوام، ما لدينا ليس نصرًا مكتملًا، بل نضال لم ينته بعد. فما زالت إسرائيل تقتل وتهدم وتحاصر. وما زال الشعب الفلسطيني يحزن، ويداوي جراحه، ويحاول العودة إلى أرضه. لكن العالم لم يعد قادرًا على مواصلة طريقه من دون أن يرى وجود هذا الشعب ومطالبته بالحرية.

إن الثغرة التي فتحها «طوفان الأقصى» لم تُغلق؛ بل اتسعت. لقد أظهر شعب، بتضحيته بنفسه، أفقًا جديدًا للبشرية جمعاء. ومهما كان الظلم عظيمًا، فإنه لا يستطيع أن يحاصر رغبة الإنسان في الحرية بالكامل.

وبشكل أكثر تجسيدًا، فقد حدث ما قلناه في بداية مقالنا. لقد انتهى عصر. وبدأت موازين القوى العالمية تُعاد صياغتها تحت تأثير هذه الحروب. وبفعل موجات «طوفان الأقصى»، سقط نظام القمع الذي حكم سوريا لمدة 14 عامًا. وأقيم نظام يستند إلى شعبه. 

واضطرت إيران وحزب الله، للمرة الأولى منذ 40 عامًا، إلى خوض حرب حقيقية مع عدو غير المسلمين، أي مع إسرائيل، وبسبب هذه الحرب شهد وعي أمة المسلمين في العالم تحسنًا. واليوم انهارت الهيمنة الأخلاقية التي تستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا على المسلمين وبقية أنحاء العالم إلى أقصى حد. وانكشفت العنصرية والرغبة في الاستغلال الكامنتان تحت الهيمنة التي أقامتها على العالم بأسره باسم حقوق الإنسان. 

واتضح بجلاء أن النظام العالمي الصهيوني، الذي يحمّل العالم بأسره عبئًا من الديون يتعذر سداده ويزداد مع كل ما يدعي أنه إبادة جماعية عاشها، لا يمكن أن يكون مقياسًا ولا مصدرًا لأي قيمة أخلاقية. وفي المقابل، أظهرت غزة، من خلال مظلوميتها، ومن دون أن تنتج عبئًا من الديون على العالم، أن عالمًا آخر، وحياة أخرى، ونمطًا آخر من الوجود، أمور ممكنة.

ولعل أحد مظاهر العصر الجديد الذي فتحته أمواج «طوفان الأقصى» كان تقارب الدول المسلمة من بعضها بعضًا. ولا شك أن تحالف مكة الذي تشكل اليوم يحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أثر هذا الطوفان.

لكن آه.. ليت تحالف مكة كان قد تشكل قبل هذه المرحلة بكثير، وباسمه هذا، في مواجهة العدوان الإسرائيلي الإبادي وتهديده المحتوم، وغطرسته، وتجاوزه كل الحدود.

 

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

البرهان يكتب.. كيف نحقق السلام في السودان؟

البرهان يكتب.. كيف نحقق السلام في السودان؟

ترجمات
بينما يدخل السودان عامه الرابع من الحرب، يطرح الفريق عبد الفتاح البرهان رؤيته لإنهائها، واضعًا السيادة السودانية في قلب التسوية، ورافضًا مساواة الجيش بقوات الدعم السريع.                                           
المصدر: فورين بوليسي

بقلم عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان.

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم. فقد قُتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، بينما خلّفت المجاعة والعنف الجنسي المتفشي ملايين الأشخاص في حاجة ماسة إلى الغذاء والدواء والدعم النفسي.

يدرك الشعب السوداني ضرورة إنهاء هذه الحرب، وبإذن الله ستنتهي. ولكن بعد أكثر من اثنتي عشرة محاولة فاشلة لوقف إطلاق النار بوساطة دولية، فقد حان الوقت لوضع حد نهائي لهذه الحرب حتى لا تعود البنادق حين يغض العالم الطرف. هذا ما يطلبه مني المدنيون السودانيون، بصفتي رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي في السودان، ومن غيري ممن أوكلت إليهم مسؤولية الحكم: أن تنتهي الحرب إلى الأبد، وأن يتوقف التدخل الأجنبي الذي مزّق أمتنا واستفاد من معاناتنا.

إن الحرب في السودان ليست صراعًا بين "فصيلين" أو "حربًا أهلية"؛ فلا يمكن وضع الدولة السودانية ومؤسساتها على قدم المساواة مع قوات الدعم السريع لا من الناحية الأخلاقية أو القانونية. إن ما يجري هو اعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة من قبل جماعة شبه عسكرية تعيش على النهب والقتل والتطهير العرقي. يجب عدم إضفاء الشرعية على قوات الدعم السريع أو معاملتها كشريك متكافئ. ففي نهاية المطاف، قادة هذه القوات - محمد حمدان دقلو وكبار مساعديه - هم أنفسهم القادة الذين أمروا ميليشيا الجنجويد باغتصاب وارتكاب مجازر بحق مجتمعات غير عربية في دارفور مطلع الألفية الثانية.

في العام الماضي، انتهى حصار على الفاشر الذي دام ثلاثين شهراً بمذبحة جماعية. دُمّرت أحياء بأكملها، وقُتلت عائلات في منازلها، وتعفّنت الجثث في الشوارع دون أن يدفنها أحد.

قبل الهجوم، أحصت الأمم المتحدة أكثر من 260 ألف مدني محاصرين في المدينة، نصفهم من الأطفال. منذ سقوط الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، سجّلت الأمم المتحدة نزوح نحو 127 ألف شخص من المدينة والقرى المحيطة بها. ورغم عدم تمكّن المحققين المستقلين من دخول المدينة، فقد عثر محللو الأقمار الصناعية التابعون لجامعة ييل على أدلة تُشير إلى وجود مقابر جماعية، ما يُوحي باستهداف المدنيين عمداً، بينما خلصت بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن هذه الفظائع تحمل "سمات الإبادة الجماعية ".

لا تستطيع ميليشيا خوض حرب بهذا الحجم بمفردها. فقد عزز مئات المقاتلين الأجانب قوات الدعم السريع منذ عام ٢٠٢٤، جُندوا عبر شبكات تمولها كيانات عابرة للحدود تعمل في عدة دول. وقد حظي هذا الأمر باعتراف واسع النطاق: ففي يونيو/حزيران، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بتلك الشبكات. وفي الشهر الماضي، شنت طائرات مسيرة غارات على الخرطوم ومدن أخرى في أكبر هجوم منسق منذ أشهر، ما يُظهر القدرات العسكرية المتطورة التي أتاحها التدخل الأجنبي.

إن الحكومة التي أترأسها هي حكومة انتقالية. إن مرجعيتنا هي القانون الدولي ومعاييره، وسنُحاسب وفقًا لهذا. ولكن على عكس قوات الدعم السريع الذي ليس لها أية مرجعية أو شرعية من النظم أو القوانيين الدولية.

لذا فإن حكومتنا هي السلطة الشرعية لدولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة، وهي مسؤولة أمام شعبها. وقد أكد مجلس الأمن الدولي مجددًا سيادة السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، ورفض سلطة قوات الدعم السريع في الأراضي التي تسيطر عليها. ويدرك شعبنا هذا الأمر أيضًا: فحيثما تتقدم قوات الدعم السريع، يفرّ الناس؛ وحيثما تعود الدولة إلى السلطة، يعود الناس إلى ديارهم. وقد عاد ما يقرب من أربعة ملايين سوداني إلى الخرطوم والجزيرة وسنار بعد انسحاب قوات الدعم السريع من تلك المدن.

لقد طَرحتُ خطةً أمام مجلس الأمن لإرساء وقف دائم لإطلاق النار والانتقال إلى حكم مدني شامل. وبإشراف ومساعدة الأمم المتحدة، سيتم إخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، مما يمهد الطريق لتسوية النزاع حتى تتمكن الدولة من الحكم بسلام.

بعد وقف إطلاق النار، يجب أن يرتكز الأمن على جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، بدلاً من قوات مسلحة متوازية ذات ولاءات وممولين متنافسين. لا بد من التوصل إلى تسوية سياسية عبر حوار سوداني، وأن يُصاغ الدستور القادم بأيدي سودانية، لا أن يُصاغ في الخارج. على أن يتم إجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد ذلك تحت إشراف دولي، يتبعها انتقال سلس للسلطة، وبذلك تعود زمام الأمور إلى الشعب.

لذا، يجب أن يكون السلام نابعًا من الداخل - من السودانيين، وللسودانيين، وفي السودان. نحن نرحب بالشراكة وبوجود مراقبين موثوقين كي يضيفوا مزيدا من الضبط والمصداقية.

لكن السلام المفروض من الخارج لا يدوم. انهارت اتفاقيات وقف إطلاق النار على مدار هذه الحرب لأنها كُتبت عن السودان دون علم السودانيين، ولأن داعميها كانوا يعلمون أنهم لن يتحملوا تبعات فشل تلك المفاوضات. تحولت "الهدنة" إلى فرصة لقوات الدعم السريع وداعميها لإعادة تنظيم صفوفهم، وعندما ينصرف اهتمام العالم عن السودان تعود المجازر مرة أخرى. لقد تجلى هذا الأمر بوضوح في مجزرة الفاشر المروعة. لقد عاش السودان هذه الدورة ولن يقبل بها مرة أخرى.

بينما تُقدّم حكومتنا الشرعية خطةً، يتعهّد قائد إحدى الميليشيات بالقتال لأربعين عامًا إن لزم الأمر. أمام المجتمع الدولي خيارٌ واضح: إما دعم تسويةٍ قائمةٍ على السيادة والقانون، أو الانجرار وراء مغالطة التكافؤ الزائف بإضفاء الشرعية على قادة قوات الدعم السريع والسماح باستمرار الحرب السودانية إلى ما لا نهاية.

مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، أدعو المجتمع الدولي إلى الالتزام بأربع أولويات.

أولاً، دعم الخطة التي قدمتها إلى مجلس الأمن.

ثانياً،
قطع التمويل وخطوط الإمداد التي تمكّن قوات الدعم السريع من مواصلة قتل المدنيين السودانيين.

ثالثاً، تقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة في مراقبتها لوقف إطلاق النار المستقبلي.

رابعاً، منح الساحة السياسية السودانية مساحة لتحديد الخطوات التالية.

طلبي بسيط:
ثقوا ببلادنا في كتابة سلامها الخاص، واستخدموا نفوذكم للمساعدة في استدامته. فالسودان يطلب منه قبول تسويات هي أقل بكثير مما يستحقه، بشروط ملائمة لعواصم بعيدة، وفترات توقف وُصفت زوراً بالسلام.

إن السودانيين الذين عانوا من ويلات هذه الحرب لهم الحق في تحديد السلام الذي ينهيها.

لتكن هذه الكلمات نبراساً لأي تسوية: 
سلامٌ يُصنع من الداخل، لا يُفرض قسراً. 
سلامٌ يُبنى على القانون والمؤسسات القوية. 
سلامٌ يليق بمن ضحوا بكل شيء من أجله. 
هذا هو السلام الذي يستطيع السودان بناءه - بمساعدة العالم.

الدعم البريطاني لإسرائيل يتراجع بشدة

الدعم البريطاني لإسرائيل يتراجع بشدة
لا يوجد عضو واحد في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث يعتقد أن إسرائيل، تحت أي قيادة، ستسمح بولادة دولة فلسطينية




لقد انهار سد في السياسة البريطانية .

لطالما شكّل هذا السد عائقاً أمام الرأي العام بشأن فلسطين ، ومنح إسرائيل حصانة من العقاب على أبشع اعتداءاتها على الفلسطينيين، بوصف هذه الاعتداءات بأنها حق في الدفاع عن النفس.

لقد قامت ببناء وصيانة الحصار الدولي على غزة ومقاطعة حكومة الوحدة الوطنية بعد فوز حماس في الانتخابات الحرة الوحيدة التي سُمح لفلسطين بإجرائها في عام 2006.

في أوج قوتها ، أنتجت رئيس وزراء هو كير ستارمر الذي سلح إسرائيل خلال إبادتها الجماعية في غزة ودعم حجب المياه والكهرباء.

خضع هذا السد لرقابة مشددة. أنهى المسيرة السياسية لمن تجرأ على معارضته ولم يكن يملك المال للدفاع عن نفسه في المحكمة. أوقف مذيعي الأخبار عن العمل. وصنف كل من تجرأ على الاختلاف معه كمعادٍ للسامية - في أحسن الأحوال - وإرهابي في أسوأ الأحوال.




ولكن في غضون أسابيع قليلة، وهو ما يمثل جزءًا من الثانية في التسلسل الزمني لهذا الصراع، ظهرت تشققات كبيرة وبدأت مياه الفيضان تتدفق بقوة.

يُعتبر إد ميليباند ، وزير الخارجية، وزاك بولانسكي ، زعيم حزب الخضر، من أبرز الشخصيات التي تسعى إلى تقويض هذا التوجه، وكلاهما يهوديان، إلا أن أوجه الشبه بينهما تنتهي عند هذا الحد. فلكلٍّ منهما أهداف مختلفة تماماً.

يؤمن أحدهما بحل الدولتين، بينما يقول الآخر إن السبيل الوحيد لإنهاء هذا الصراع هو أن يعيش العرب واليهود معاً كمواطنين متساوين في الحقوق في دولة واحدة.

لكنهم، بطرق مختلفة، يكسرون الوضع الراهن الذي استمر منذ إنشاء إسرائيل.

كسر الوضع الراهن

لأول مرة، قال وزير خارجية بريطاني لأولئك الذين يناضلون من أجل تحقيق العدالة للفلسطينيين إنهم على حق.

للمرة الأولى، التزمت بريطانيا بإعلان للأمم المتحدة ينص على أن الاحتلال غير قانوني . وللمرة الأولى أيضاً، ربطت العقوبات بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

"لطالما قالت الحكومة البريطانية بحق إن المستوطنات غير قانونية. لكننا التزمنا الصمت حيال مسألة شرعية الاحتلال ككل، والذي خلصت محكمة العدل الدولية في عام 2024 إلى أنه غير قانوني"، هذا ما قاله ميليباند خلال خطاب ألقاه الشهر الماضي.

"أعلن اليوم أن الرأي الرسمي للحكومة البريطانية هو أن الاحتلال غير قانوني."

بدا بيان ميليباند بمثابة أوضح تأييد بريطاني حتى الآن لاستنتاجات الرأي الاستشاري الصادر عام 2024 عن محكمة العدل الدولية، والذي أكد عدم شرعية احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية، وقال إنه يجب على المستوطنين الإسرائيليين مغادرة الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويجب على الحكومات التوقف عن المساعدة في دعم الوجود الإسرائيلي غير الشرعي.


وشهد نهاية الأسبوع تطوراً هاماً آخر عندما أصبح حزب الخضر أول حزب سياسي بريطاني رئيسي يصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية .

سيكون لكلا الخطوتين تأثير عميق على النقاش حول إسرائيل في بريطانيا.

كما كتب كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني، في موقع ميدل إيست آي : "على مدى السنوات الثلاث الماضية... حضرت اجتماعات مع شخصيات سياسية بارزة من كلا الحزبين، إلى جانب جماعات حقوق الإنسان ووكالات الإغاثة - وقد غادرنا ونحن نشعر بأننا تعرضنا للتضليل".

"تجنب الوزراء والمسؤولون الإجابة على الأسئلة المباشرة، أو زعموا أن الأمر معقد للغاية. بعض الأشخاص في الغرفة، مثلي، عملوا على قضية فلسطين لعدة عقود، لكن يبدو أنهم كانوا غير قادرين على فهم الأبعاد الداخلية لما كان يجري."

والآن فُتحت الأبواب على مصراعيها مرة أخرى.

قبل عامين، في مؤتمر حزب العمال، كان وزراء الصف الأول يصطفون في طوابير طويلة ليظهروا في فعالية أصدقاء حزب العمال لإسرائيل. أما الأسبوع الماضي، في ليفربول، فلم يحضر أي وزير من وزراء الصف الأول فعالية أصدقاء حزب العمال لإسرائيل.

إن التشابه في الولايات المتحدة ، وإن كان بعيداً عن التطابق التام، هو فقدان النفوذ الذي كانت تتمتع به منظمة إيباك على مدى جيل كامل من سياسيي الحزب الديمقراطي.

"الأمر مختلف تماماً. فمنذ مقابلة LBC (التي أيد فيها ستارمر حق إسرائيل في حجب المياه والكهرباء عن غزة)، كان وصول الجماعات الفلسطينية والإسلامية إلى داونينج ستريت محدوداً للغاية، وفي كثير من الحالات، معدوماً تماماً. أما الآن فالوضع مختلف تماماً"، هكذا قال أحد المقربين من حزب العمال.

لكن لا ينبغي لنا أن نخدع أنفسنا. فلو استمر ستارمر رئيسًا للوزراء لستة أشهر أخرى، لكان الحزب قد انهار تمامًا، كما حدث مع الاشتراكيين الفرنسيين. في الواقع، سافر وفد من مستشاري حزب العمال إلى فرنسا للاستفادة من تجربتهم .

كان تغيير السياسة تجاه غزة مسألة تتعلق بالحفاظ على الذات.



رحّبت منظمة "ياشاد" ، وهي منظمة يهودية تقدمية، بقرار ميليباند بفرض العقوبات، لأنها زعمت أن سياساته "لا تستهدف إسرائيل؛ بل تستهدف الاحتلال. وهي تميز بوضوح بين شرعية دولة إسرائيل ومشروع الاستيطان غير القانوني بموجب القانون الدولي"، وذلك وفقاً للبيان الصادر عن المنظمة رداً على إعلان ميليباند.

وجاء في البيان: "إن التمييز بين المستوطنات وإسرائيل نفسها ليس حكماً على مكان سقوط الحدود في نهاية المطاف، بل هو اعتراف بأنه لا ينبغي السماح للحقائق الأحادية على أرض الواقع بتحديد هذه المسألة مسبقاً".

إسرائيل شرعية وإسرائيل غير شرعية


إن التمييز بين "إسرائيل الحقيقية" والمستوطنات ليس شيئاً له أي علاقة بالواقع على الأرض، ولم يكن كذلك لعقود.

أدعو كل من يخالف هذا الرأي إلى التجول في القدس وتتبع مسار الخط الأخضر الذي تم إنشاؤه عام 1967. لقد اختفى تماماً .




سيكون من الأسهل العثور على أدلة أثرية على أساسات الهيكل الثالث في الأنفاق العديدة المحفورة تحت المسجد الأقصى، وهي أدلة غير موجودة بالطبع.

لكن التمييز بين إسرائيل الشرعية وإسرائيل غير الشرعية هو المفتاح لإدانة يشاد اللاحقة لبيان حزب الخضر بشأن الصهيونية.

وصفت الحركة بأنها ليست أقل من هجوم على الهوية اليهودية.

إنّ الصهيونية مصطلحٌ مثيرٌ للجدل والنقاش الحادّ. لكن بالنسبة لمعظم اليهود البريطانيين، يُشكّل الإيمان بالشعب اليهودي وحقّه في تقرير مصيره جوهر هويتهم اليهودية، وهذا ما يفهمونه على أنه المبدأ الأساسي للصهيونية. ولذلك، عندما يحضر اليهود إلى الكنيس، يصلّون متّجهين نحو القدس، ولهذا السبب ظلّ مفهوم "صهيون" في صميم الحياة اليهودية المجتمعية لألفي عام.

إن القول بأن اليهود مقبولون فقط إذا تخلوا عن فهمهم للهوية اليهودية الجماعية، ليس، كما حاول البعض تبريره، هجوماً على أيديولوجية سياسية. بل هو هجوم على الهوية اليهودية.

كان لدى بولانسكي نفسه مشاكل مع الاقتراح ، الذي لم يصوت لصالحه ، والذي تم رفض تعديلاته، وقد أصدر منذ ذلك الحين بيانًا يرحب فيه بجميع اليهود في الحزب.

لكن بغض النظر عن التفسير، لم يكن الهدف من هذا الاقتراح اتهام اليهود البريطانيين بالعنصرية، أو منعهم من الصلاة في كنيس يواجه القدس، كما لم يكن الهدف منه الخلط بين أشكال الصهيونية المتعددة التي ظهرت عبر آلاف السنين.

كان الهدف هو وصف واستهداف ثمرة أحلامهم وصلواتهم، دولة إسرائيل اليوم. وليس دولة وهمية، مثل "إسرائيل لجميع مواطنيها".

لقد انتهى ذلك إلى الأبد.

إن دولة إسرائيل، بموجب القانون الأساسي، هي تعبير عن حق تقرير المصير لمواطنيها اليهود فقط.

إذا كان أي شخص في بريطانيا يعتقد أن حملة إسرائيل الحالية لجعل الحياة غير سارة قدر الإمكان للفلسطينيين من أجل إجبارهم على المغادرة تقتصر على الفلسطينيين في غزة فقط، فهو يعيش في عالم من الأوهام.




ينطبق هذا على جميع الفلسطينيين بغض النظر عن جنسيتهم أو إقامتهم، سواء كانوا في إسرائيل أو غزة أو القدس الشرقية أو الضفة الغربية المحتلة. كما ينطبق على المسلمين الشيعة في جنوب لبنان والمسلمين السنة في جنوب سوريا .

يحظى الجميع بنفس المعاملة من "إسرائيل بروبر".

هذه مجرد واحدة من المشاكل العديدة التي تواجه محاولة التمييز بين شكل من أشكال الصهيونية وآخر.

ألوان الصهيونية المتعددة

لو عدنا بالزمن عشرين عاماً إلى الوراء، لوجدنا أن الليبراليين أنفسهم كانوا يعارضون إنشاء ثلاث تجمعات استيطانية رئيسية. واليوم، حاولت منظمة "LFI" عبثاً إقناع ميليباند بإعفاء هذه التجمعات من العقوبات.

يريد الصهاينة الليبراليون أن تصدقوا أنه لو تم طرد بنيامين نتنياهو البغيض وأصدقائه الصهاينة الدينيين اليمينيين المتطرفين، لعاد كل شيء إلى 6 أكتوبر، أي قبل يوم من هجوم حماس قبل ثلاث سنوات.
 في الواقع، الفرق الحقيقي الوحيد بين ألوان الصهيونية المتعددة هو سرعة    إنجاز المهمة، وليس الوجهة النهائية. 

إنهم يغفلون إخباركم بتصريحات غابي أيزنكوت ، ويائير لابيد ، ونفتالي بينيت ، وجميع قادة المعارضة الذين دعموا باستمرار حملة جيشهم في غزة وأماكن أخرى على مدى السنوات الثلاث الماضية.

ينكر الجميع الإبادة الجماعية. وينكر الجميع التطهير العرقي، وبعضهم، مثل آيزنكوت، على الرغم من معارضتهم لمشروع الاستيطان E1 ، إلا أنهم يؤيدون زيادة التوسع الاستيطاني.

لا أحد منهم يريد الوصول إلى السلطة باستخدام دعم الأحزاب العربية، على الرغم من أنهم قد يواجهون صعوبة في القيام بذلك.

بينيت مؤيد متحمس لشن حرب مع تركيا ، على الأرجح بسبب قبرص. ويقول إنه بعد التعامل مع إيران ، ستكون تركيا عماليق إسرائيل القادمة.

في الواقع والتاريخ، الفرق الحقيقي الوحيد بين ألوان الصهيونية المتعددة هو السرعة التي ينجزون بها المهمة، وليس الوجهة النهائية، وهي إقامة دولة إسرائيل الحديثة على ما يتصورونه أرض إسرائيل التوراتية.

ولهذا السبب، فإن "إسرائيل الحقيقية" غير قادرة على الانسحاب الفعلي من الاحتلال. إنها قادرة فقط على القيام بإيماءات رمزية.

في المرة الوحيدة التي سحبت فيها إسرائيل المستوطنين من غزة عام 2005، في عهد رئيس الوزراء أرييل شارون، حرصت على زيادة العدد الإجمالي للمستوطنين في ذلك العام، من خلال السماح بدخول عدد أكبر من المستوطنين إلى الضفة الغربية مقارنة بمن تم سحبهم من غزة.

لكنها تستثمر مكاسبها الإقليمية كما تستثمر التنازلات التي يقدمها جيل تلو الآخر من القادة الفلسطينيين.

وهنا تكمن مشكلة ميليباند، أو على وجه التحديد، مشكلة فرض عقوبات على إسرائيل لإنقاذ حل الدولتين، أو لإنقاذ إسرائيل من نفسها.

بغض النظر عن حقيقة عدم وجود مفاوضات أو احتمالية لإجرائها لسنوات قادمة، وبغض النظر أيضاً عن حقيقة أن القادة الفلسطينيين القادرين على توحيد جميع الفصائل إما في السجن أو تم اغتيالهم.

اسأل نفسك سؤالاً عملياً واحداً:
أي زعيم إسرائيلي، سواء كان مولوداً أو لم يولد بعد، قادر على إجبار أكثر من مليون مستوطن يهودي على مغادرة منازلهم وأعمالهم ومزارعهم ومناطقهم الصناعية في الضفة الغربية والقدس الشرقية؟

كان من الممكن أن يتحقق حل الدولتين في وقت ما. لكن هذا القطار انطلق قبل ربع قرن تقريباً عندما رفضت إسرائيل مبادرة السلام العربية.

لا يوجد عضو واحد في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث يعتقد أن إسرائيل، تحت أي قيادة، ستسمح بولادة دولة فلسطينية.

إن القرارات التي صدرت في الكنيست والتي تحظر قيام دولة فلسطينية، والتي حظيت بأغلبية ساحقة، تروي القصة نفسها.

لذا فإن حل الدولتين الذي طرحه ميليباند هو سراب بقدر ما هي محاولات الصهيونية التقدمية للدفاع عن وجود "إسرائيل الحقيقية".

لا يوجد أي منهما ولا من المرجح أن يوجد.

تقلص مساحة فلسطين


بدلاً من ذلك، فإن ما يحدث يوماً بعد يوم، شجرة زيتون تُقتلع تلو الأخرى، هو التآكل المستمر وتقلص مساحة فلسطين بأي شكل من الأشكال.

تشمل هذه الحملة جميع أجهزة الدولة الإسرائيلية. فالجيش جيشٌ شعبيٌّ يحظى بدعم كامل من مواطنيه اليهود، من جميع الانتماءات السياسية.

التقاعس العالمي بمثابة موافقة. إسرائيل تدرك تماماً الرأي العام العالمي، ومع اقتراب إحدى فرص التوسع السريع من الانغلاق، فإنها تستغل الفرصة المتاحة. وقد بلغ معدل التوسع في عام 2025 أعلى مستوى له منذ 20 عاماً.

لن ينتهي هذا الصراع إلا عندما يعيش العرب واليهود معًا كمواطنين متساوين             في نفس المكان                 


هناك إسرائيليون شجعان يضعون أجسادهم بين الفلسطينيين وعصي وبنادق المستوطنين. وهناك إسرائيليون أكثر شجاعة يوثقون جميع انتهاكات حقوق الإنسان. لكن عددهم قليل جداً.

يجادل مؤيدو حل الدولتين بأن الدولة الواحدة وصفة لصراع دائم. لكن حالة الحرب قائمة حالياً، والشيء الوحيد المتغير هو شدتها.

لن ينتهي هذا الصراع إلا عندما يعيش العرب واليهود معًا كمواطنين متساوين في نفس المكان. وهناك العديد من الحلول الإبداعية لتحديد مسمى هذا المكان، سواء أكان دولة واحدة أم دولتين أم اتحادًا كونفدراليًا.

مهما كان الاسم الذي تطلقه عليها، يتعين على مواطنيها أن يتقاسموا أشياء أساسية مثل المساواة أمام العدالة، والحصص المتساوية في السكن والأرض والمياه والأمن والمجال الجوي، بغض النظر عن العرق أو الدين.

قد يكون اقتراح حزب الخضر مزعجاً للغاية للجيل الأكبر سناً من اليهود الممارسين لشعائرهم في بريطانيا. وقد يُشكك في هويتهم كيهود أو كليبراليين، وقد يُزعزع نظرتهم إلى إسرائيل. لكن هذه الصدمة قد تُثبت في نهاية المطاف أنها مفيدة.

بينما يصلي اليهود الممارسون لشعائرهم الدينية بسلام وأمان في معابدهم اليهودية في بريطانيا، يمكنهم على الأقل أن يشعروا بالراحة من حقيقة أنهم لن يتعرضوا لإطلاق النار أو البصق أو الضرب أو الغاز المسيل للدموع من قبل الشرطة شبه العسكرية، ولن تتعرض أماكن عبادتهم للاقتحام بشكل منتظم من قبل حشود فاشية دينية.

هذه هي التجربة الأسبوعية للمسلمين الذين يحاولون الصلاة في المسجد الأقصى، أو حتى للمصلين المسيحيين أثناء صلاتهم في كنيسة القيامة.

وهذا أيضاً نتاج "إسرائيل الحقيقية"، وهي دولة يهودية متطرفة تعتبر جميع غير اليهود تهديدات محتملة أو حقيقية.

إذا استمر هذا الوضع، فلن تبقى فلسطين لنناضل من أجلها.

وهذا تحديداً ما تسعى إليه إسرائيل وداعموها.


 المصدرموقع ميدل إيست آي

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

الاختبار الكبير لحزب العدالة والتنمية التركي

الاختبار الكبير لحزب العدالة والتنمية التركي
كاتب وصحفي تركي.

حزب العدالة والتنمية حركة سياسية استطاعت خلال 25 عاما من وجودها في السلطة، مقاومة جميع الضربات القادمة من الخارج من دون أن تهتز، وقد تجاوز العديد من الأزمات.

فعلى سبيل المثال، حاولت المنظومة القديمة في تركيا عام 2008 إغلاق الحزب عبر القضاء، لكنها لم تنجح.

وفي عام 2013، جرت محاولة لإسقاطه من السلطة من خلال الاحتجاجات في الشوارع المعروفة باسم "أحداث غيزي "، ثم عبر الأزمة المالية التي أطلقت بعدها، لكن المحاولة لم تنجح.

كما استقال عدد من الوزراء نتيجة محاولة تنظيم غولن (فيتو) التي دخلت التاريخ باسم "الانقلاب القضائي في 17-25 ديسمبر/كانون الأول"، إلا أن حزب العدالة والتنمية واصل البقاء في السلطة عام 2013.

تمكن رجب طيب أردوغان من الخروج من جميع هذه الأزمات أكثر قوة بفضل إرادته القوية وذكائه، وأصبح اليوم واحدا من أهم قادة العالم. لكن حزب العدالة والتنمية يواجه هذه المرة أزمة من داخله، وليس ضغطا من الخارج

وفي النهاية جاءت محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو/تموز، وهذه المرة نزل الشعب إلى الشوارع ودافع عن السلطة، ونجت البلاد من كارثة كبيرة كانت على وشك الوقوع عام 2016.

وتمكن رجب طيب أردوغان من الخروج من جميع هذه الأزمات أكثر قوة بفضل إرادته القوية وذكائه، وأصبح اليوم واحدا من أهم قادة العالم. لكن حزب العدالة والتنمية يواجه هذه المرة أزمة من داخله، وليس ضغطا من الخارج.

3 مبادئ مهمة عند تأسيس حزب العدالة والتنمية

يتموضع حزب العدالة والتنمية، أكثر من كونه حزبا سياسيا، باعتباره إحدى الحركات السياسية المهمة داخل مجتمع واسع.

فقد خاض الوسط المتدين والمحافظ، لسنوات طويلة، "صراعا من أجل البقاء " حتى يتمكن من ممارسة أفكاره ومعتقداته في مواجهة الأيديولوجيا الكمالية العلمانية.

ونقل نجم الدين أربكان صراع هذا الوسط الواسع من أجل البقاء إلى السياسة، وأطلق حركة "الرؤية الوطنية ".

وفي البداية، استغرب الوسط المتدين هذه الحركة السياسية، لكنه تبناها لاحقا، وتمكن أربكان من أن يصبح رئيسا للوزراء، ولو لفترة قصيرة. ثم استقال تحت ضغط الوصاية العسكرية، ودخلت البلاد مرحلة عميقة من الوصاية العسكرية عرفت باسم "مرحلة 28 فبراير/شباط" عام 1998.

وظهر رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية في هذه المرحلة تحديدا، فقد تسلم إرث أربكان، وقاوم ضغوط الوصاية، وحقق انتصارا كبيرا في انتخابات ستغير مصير البلاد عام 2002.

ولم يفتح أردوغان حزبه أمام فريق الرؤية الوطنية التابع لأربكان فقط، بل ضم أيضا أبرز المثقفين الإسلاميين في البلاد، والمثقفين الليبراليين، والقوميين، والقطاع الكردي المحافظ، ونشأ عن ذلك توافق واسع وطاقة كبيرة، وهو ما جلب معه نجاحات كبيرة.

وفي مرحلة التأسيس، أعلن أردوغان أنهم سيحاربون ثلاثة أمور: الفساد، والفقر، والمحظورات، وقد لقي ذلك قبولا واسعا داخل المجتمع، وجعل حزب العدالة والتنمية يصل إلى السلطة منفردا في كل انتخابات.

البعد الاقتصادي للأزمة

اكتسب حزب العدالة والتنمية خبرة كبيرة في مواجهة جميع الضغوط والهجمات القادمة من الخارج، وحقق نجاحا كبيرا في التعامل معها، لكنه لا يمتلك الخبرة نفسها في مواجهة المشكلات الموجودة داخله.

وهو يخوض الآن اختبارا بالغ الجدية بسبب أزمة الصناديق الاستثمارية التي يشهدها الاقتصاد. وعندما اتضح أن بعض المتسببين في هذه الأزمة شخصيات سبق أن تولت مناصب وزارية من داخل حزب العدالة والتنمية، انتقل النقاش فجأة إلى داخل الحزب، واشتعل جدل سياسي.

ويعيش حزب العدالة والتنمية الآن أزمة مختلفة بسبب انتهاك كوادر من داخله أحد أهم مبادئ تأسيسه، وهو "مكافحة الفساد ".

وليست هذه الأزمة في الواقع أكبر أزمة اقتصادية خلال سنوات الحزب الـ25 في السلطة، لكن تأثيرها أصبح أكبر لأن أطراف الأزمة أسماء قريبة من حزب العدالة والتنمية.

اكتسب حزب العدالة والتنمية خبرة كبيرة في مواجهة جميع الضغوط والهجمات القادمة من الخارج، وحقق نجاحا كبيرا في التعامل معها، لكنه لا يمتلك الخبرة نفسها في مواجهة المشكلات الموجودة داخله، وهو يخوض الآن اختبارا بالغ الجدية بسبب أزمة الصناديق الاستثمارية التي يشهدها الاقتصاد

ونتيجة قيام 7 شركات لإدارة المحافظ بتنفيذ معاملات غير قانونية ومضاربات في 131 صندوقا، أصبحت استثمارات نحو 450 ألف شخص، بقيمة تقارب 20 مليار دولار، في خطر كبير بصورة مفاجئة.

وتدخل مجلس أسواق رأس المال ووزارة المالية على الفور، وتم توقيف 75 شخصا عبر القضاء، وأوقفت معاملات 131 صندوقا، وبدأت إجراءات تصفيتها؛ وتأثرت البورصة كثيرا بهذه العملية، وفقدت نحو 13% من قيمتها.

وتبلغ قيمة الصناديق الـ131 -التي شهدت معاملات غير قانونية- نحو 10% من إجمالي سوق الصناديق. ويوجد في تركيا نحو ألفي صندوق استثماري، تبلغ قيمتها الإجمالية قرابة 250 مليار دولار، ويبلغ حجم الاقتصاد التركي نحو 1.6 تريليون دولار.

لماذا أحدثت الأزمة تأثيرا كبيرا؟

بالمقارنة مع القوة الاقتصادية لتركيا، فإن تأثير الأزمة التي وقعت من حيث الأرقام ليس في الواقع بالحجم الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار كبير.

فالأنظمة المالية والقطاع المصرفي والبورصة ما زالت تعمل بصورة منتظمة، ومع ذلك، أحدثت أزمة الصناديق هذه نقاشا واسعا جدا وصدمة كبيرة، وهناك عدة أسباب لذلك.

العدد الكبير من المستثمرين المتضررين. فقد أعلنت المؤسسات الرسمية أن 455 ألفا و758 مستثمرا فرديا تضرروا من هذه الأزمة. وعند احتساب أسرهم، فإن نحو 1.5 مليون شخص يتأثرون بهذه الأزمة حاليا.

معظم شركات إدارة المحافظ السبع التي تسببت في الأزمة تعود إلى أقارب أو مقربين من أشخاص قريبين من حزب العدالة والتنمية، أو إلى أشخاص مرتبطين بهم.

واضطرت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة فاطمة بتول كايا سايان إلى الاستقالة من مناصبها بعد اتهامات بأنها كونت ثروة غير مشروعة على صلة بهذه الشركات لإدارة المحافظ.

وازداد الجدل حدة لأن حزب العدالة والتنمية، الذي يكافح الفساد وكشف الرشاوى والمخالفات في البلديات التابعة للمعارضة التي بدأت بشأنها إجراءات قضائية، وجد نفسه أمام وضع مشابه.

تدخل الرئيس أردوغان في القضية

عندما بدأت أزمة الصناديق، كان الرئيس أردوغان في الولايات المتحدة لحضور اجتماع الأمم المتحدة، وفي أثناء عودته، قال للصحفيين على متن الطائرة إن كل من يتحمل مسؤولية في الأزمة سيحاسب أمام القضاء.

وفور هبوطه في إسطنبول، جمع الوزراء ومسؤولين آخرين لتقييم الأزمة، وأصدر أولى تعليماته: "بغض النظر عمن يتورط في الأمر، يجب محاسبته ".

وبعد هذا الاجتماع، أعلنت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية فاطمة بتول كايا سايان استقالتها من جميع مناصبها.

أما أكثر تصريحات أردوغان شمولا، فجاءت بعد اجتماع مجلس الوزراء في 28 سبتمبر/أيلول 2026، وكان تصريحه حادا وحازما للغاية:

"سواء كان ذلك عبر التلاعب بالسوق، أو ألعاب البورصة، أو عبر ممارسة فساد واضح كما يحدث في البلديات؛ فإن كل من يمد يده إلى حق الشعب أو حقوقه أو أمواله أو ممتلكاته سيجدنا في مواجهته، وسيجد الدولة في مواجهته. لا يخلط أحد بيننا وبين الآخرين، ولا يقارننا أحد بمن يتنقلون من ساحة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى للدفاع عن فساد بمليارات الليرات. نحن لا نشبههم، خطنا الأحمر هو شعبنا العزيز ".

عندما بدأت أزمة الصناديق، كان الرئيس أردوغان في الولايات المتحدة لحضور اجتماع الأمم المتحدة، وفي أثناء عودته، قال للصحفيين على متن الطائرة إن كل من يتحمل مسؤولية في الأزمة سيحاسب أمام القضاء. وفور هبوطه في إسطنبول، جمع الوزراء ومسؤولين آخرين لتقييم الأزمة، وأصدر أولى تعليماته: "بغض النظر عمن يتورط في الأمر، يجب محاسبته "

أسلوب المعارضة والسلطة في مكافحة الفساد

منذ اليوم الذي اندلعت فيه الأزمة، تنتقد المعارضة الوضع بكثافة، بل إن "المتحدث باسم الحزب الجديد " زينل إمره هو من كشف للرأي العام المعلومات التي أدت إلى استقالة فاطمة بتول سايان.

ومنذ اللحظة التي اندلعت فيها أزمة الصناديق، انتقد مسؤولو حزب العدالة والتنمية ووسائل الإعلام الداعمة له من ارتكبوا المخالفات، وطالبوا بمحاسبتهم.

ولم يحاول أحد الدفاع عن الوضع أو التستر عليه، وأصدر وزيرا العدل والمالية، والمتحدثون باسم حزب العدالة والتنمية، وأخيرا الرئيس أردوغان، رسائل حازمة للغاية، معلنين أن "المحاسبة ستطال الجميع، بغض النظر عمن تصل إليه القضية أو من يكون ".

وبالفعل، أوقف عدد كبير من الأشخاص الذين سبق أن تولوا مناصب داخل بيروقراطية الدولة وحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى الوزيرة السابقة التي استقالت.

وكان يتضح من رد فعل الرأي العام أن أزمات سياسية خطيرة جدا كانت ستندلع داخل حزب العدالة والتنمية لو لم تتم ملاحقة القضية بهذه الصرامة والحزم. فمستوى رد فعل الشعب وغضبه وخيبة أمله تجاه هذه الأزمة مرتفع للغاية.

وكان حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، قد واجه أزمة مشابهة قبل عامين.

وعندما كشف عن تورط بعض رؤساء البلديات والنواب المنتمين إلى حزب الشعب الجمهوري في قضايا فساد ورشوة ومخالفات، دافع الحزب عن هؤلاء الأشخاص وقال إنهم أبرياء، بدلا من مطالبتهم بالمثول أمام القضاء ومحاسبتهم وإثبات براءتهم، ثم قدمت إلى المحكمة أدلة قوية عديدة على أن هذه الأسماء تلقت رشاوى وارتكبت فسادا، واتسعت المحاكمات.

وبعد ذلك بدأ جدل واسع داخل حزب الشعب الجمهوري، وأشعل مجموعة من أعضائه هذا النقاش متسائلين عن سبب الدفاع عن المتورطين في الفساد.

وفي النهاية انقسم حزب الشعب الجمهوري، وأسس الذين واصلوا الدفاع عن السياسيين المتهمين بالفساد بحجة أن "المحاكمات سياسية " حزبا جديدا هو "الحزب الجديد ".

أما حزب العدالة والتنمية فلم يقع في هذا الخطأ، ودفع مسؤوليه إلى الاستقالة، كما أصدر الرئيس أردوغان تعليمات خاصة بتوسيع التحقيقات ومحاسبة جميع المذنبين.

بات حزب العدالة والتنمية أمام فرصة لتطهير صفوفه والتخلص من الأسماء المتورطة في الفساد والمخالفات والجرائم المشابهة. وتنتظر قاعدة حزب العدالة والتنمية التخلص من هذه الأسماء، وأن يكافح الحزب الفساد والفقر والمحظورات، كما تقتضي فلسفة تأسيسه

كيف سيتم الخروج من الأزمة؟

أهم عناصر الأزمة هو إنقاذ أموال 455 ألف شخص، التي تقترب قيمتها من 20 مليار دولار، ومعظم هؤلاء من صغار المستثمرين.

ولذلك يجري أولا البحث عن صيغة تضمن، على الأقل، إعادة رؤوس أموال هؤلاء المستثمرين الصغار الذين يشكلون عددا كبيرا.

كما يعارض الرأي العام بشدة أن تدفع هذه الأموال من خزينة الدولة، إذ يعترض على دفع أموال من استثمروا في هذه الصناديق عالية المخاطر أملا في تحقيق أرباح كبيرة من أموال الضرائب التي يدفعها المواطنون. ولهذا تبحث الحكومة عن طريقة مختلفة لمعالجة خسائر المستثمرين.

وهناك مسألة أخرى تتعلق بالتساؤل عن مدى قيام المؤسسات المسؤولة عن الرقابة على الأسواق المالية، مثل مجلس أسواق رأس المال، بعمليات الرقابة والتفتيش اللازمة بصورة كافية.

ذلك أن المستثمرين وضعوا أموالهم بثقة لأن الشركات والصناديق المذكورة كانت خاضعة لرقابة الدولة، والآن يجري التحقيق فيما إذا كانت هذه المؤسسات تتحمل مسؤولية أو ارتكبت أخطاء.

ومن ناحية أخرى، بات حزب العدالة والتنمية أمام فرصة لتطهير صفوفه والتخلص من الأسماء المتورطة في الفساد والمخالفات والجرائم المشابهة. وتنتظر قاعدة حزب العدالة والتنمية التخلص من هذه الأسماء، وأن يكافح الحزب الفساد والفقر والمحظورات، كما تقتضي فلسفة تأسيسه.

وفي الوقت الذي كنت أكتب فيه هذا المقال، كان الرئيس أردوغان يعقد اجتماعا مهما ثانيا، جمع فيه مسؤولي جميع المؤسسات المنظمة للسوق.

ويفهم من مسار الأحداث أن هذه الأزمة لن تنتهي خلال وقت قصير، وأنها ستظل مطروحة على الساحة لفترة أطول.



   اقتراح    

list of 2 items



السبت، 26 سبتمبر 2026

تهديد الحوثيين لتركيا غير مقبول

 تهديد الحوثيين لتركيا غير مقبول

الكاتب التركي بارتو إيكن  

- خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

قال محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي المدعومة من إيران، التي سيطرت على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، في الأيام الماضية، في إشارة إلى تحالف مكة، إنه سيتم استهداف تركيا وباكستان في حال وقوفهما إلى جانب السعودية، وأطلق تصريحات مثيرة للجدل قائلًا: «كما نؤدب السعودية اليوم، سنؤدبهما بالطريقة نفسها».

في المقابل، لا توجد أي خطوة من جانب تركيا لبدء عملية عسكرية في اليمن، أو قصف مواقع الحوثيين، أو اتخاذ قرار بإرسال قوات. ورغم ذلك، فإن تهديد أنقرة يمثل تحديًا منفصلًا عن الواقع السياسي والعسكري.

الحوثيون اتفقوا مع الأمريكيين

إن تاريخ الحوثيين، الذين يرددون في كل اجتماع شعار «الموت لأمريكا»، ويتهمون دول المنطقة بسبب علاقاتها مع واشنطن، لا يتطابق مع خطابهم الدعائي.

لنعد إلى 6 مايو/أيار 2025. فقد أعلنت وزارة الخارجية العمانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار نتيجة الاتصالات بين واشنطن وإدارة الحوثيين في صنعاء. وكان الطرفان سيتوقفان عن استهداف بعضهما بعضًا، وشمل ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب.

كما أكد البخيتي أنهم قدموا ضمانات لإدارة ترامب بعدم استهداف السفن الأمريكية عقب العملية الأخيرة. أي أن الحوثيين، بينما ينتقدون الوجود الأمريكي انطلاقًا من خطاب مناهض للإمبريالية، يستطيعون الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن عندما تقتضي مصالحهم ذلك.

وفوق ذلك، لم تدعم تركيا عمليات القصف في اليمن. فعندما بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا قصف أهداف حوثية في 12 يناير/كانون الثاني 2024، وصف الرئيس أردوغان الهجمات بأنها «استخدام للقوة بشكل غير متناسب».

الحساب الخاطئ ستكون كلفته باهظة

إن تصريحات الحوثيين التي تستهدف تركيا هي محاولة للتأثير، عبر التهديد، على موقف أنقرة من التطورات الإقليمية.

وفوق ذلك، فإن الهدف المعلن من جانب تركيا لتأسيس تحالف مكة للدفاع ليس إنشاء آلية حرب هجومية. فقد أوضح وزير الخارجية هاكان فيدان بجلاء أن التحالف قائم على أساس دفاعي، وأنه يستند إلى احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وأنه لم يُنشأ ضد أي دولة.

كما أن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لم تقتصر على أطراف الصراع. فقد تأثرت التجارة الدولية والنقل البحري المدني. وفيما أصبحت سفن تجارية تابعة لدول مختلفة أهدافًا للهجمات، لقي بحارة حتفهم، واحتُجز بعض أفراد الطواقم رهائن لفترات طويلة.

للحوثيين تحالفاتهم أيضًا

لا يخوض الحوثيون الحرب لأنهم يعارضون التحالفات الإقليمية؛ إذ لديهم هم أيضًا شبكة دعم مرتبطة بإيران وحزب الله وجماعات مسلحة في العراق. وتتضمن تقارير الأمم المتحدة معطيات بشأن المساعدة التقنية والتدريب وشحنات الأسلحة.

وفوق ذلك، تفاوض الحوثيون مع السعودية أيضًا عندما اقتضت الحاجة. ففي سبتمبر/أيلول 2023، توجه وفد حوثي إلى الرياض، وأُجريت اتصالات بوساطة عمانية.

وبالتالي، فإن تحويل حركة قادرة على إبرام هدنة مع واشنطن والتفاوض مع الرياض إلى التهديد بشراكات تركيا الإقليمية يمثل بحد ذاته تناقضًا.

كما أن دعم فلسطين لا يمنح أي جهة رصيدًا بلا حدود. فالانتهاكات الجسيمة، مثل تجنيد الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والاعتقالات التعسفية، واستخدام الألغام، وأحكام الإعدام الصادرة بحق الصحفيين، معروفة. ولا توجد علاقة حتمية بين الدفاع عن حقوق الفلسطينيين واعتبار كل أفعال الحوثيين مشروعة.

أنقرة لا ترضخ للتهديد

إن عدم رغبة تركيا في الانخراط في الحرب اليمنية، ودعمها للحل الدبلوماسي، وتجنبها فتح جبهة جديدة، هي خيارات سياسية خاصة بها. أما تحديد هذه الخيارات من خلال تهديد جماعة مسلحة، فهو أمر غير مقبول.

ليس لدى أنقرة سبب لخوض حرب مع الحوثيين. كما لا توجد لديها مشكلة مع الشعب اليمني. ومصلحة تركيا تكمن في إخماد الحريق الممتد من البحر الأحمر إلى الخليج.

ولا ينبغي للحوثيين أن يفسروا هذا الموقف التركي على أنه ضعف، لأن السعي إلى السلام لا يعني التراجع، وطلب الحل الدبلوماسي لا يعني الخضوع.

قد ترغب تركيا في عدم تصاعد التوتر الإقليمي، وقد تدافع عن إنهاء الحرب في اليمن عبر الدبلوماسية، لكن التهديدات الصادرة من صنعاء لا يمكنها أن تقرر أين تقف تركيا.