الأحد، 6 أبريل 2025

قصة إنسان

قصة إنسان 

طفل بوجه عجوز لم يتجاوز عمره 10 سنوات تغيرت حياته بعد وصوله لأوروبا

محمد عبد المجيد طفل لم يتجاوز عمره 10 سنوات، لجأ مع عائلته إلى تركيا قبل سنوات وتغيرت حالته الاجتماعية اليوم بفضل تفاعل الجمهور.

أوليفر وعدة أشخاص آخرين، ساعدوا محمداً لمدة 8 أشهر من الإجراءات في المجيء هو وعائلته إلى النمسا.

واندمج محمد مع مجتمعه الجديد ولديه أصدقاء جدد ويكمل دراسته هناك.. لكن المفاجأة أن محمداً لم يكن مصاباً بالشيخوخة المبكرة.. بل بمرض آخر!

تابعوا قصته

إعداد: محمد فوزي، خولة بوسلام

مونتاج: يحيى حسين

تصوير: نور سليمان

قراءة في كتاب أمريكا التي رأيت

                         قراءة في كتاب أمريكا التي رأيت


أسم كتاب: أمريكا التي رأيت

تأليف : سيد قطب

النوعية : التاريخ والحضارات

نشر عام 1950

نبذة عن الكتاب

ومع هذا التميز الفكرى الواضح ، إلا أن سيدًا لم يحمل على الحضارة الأمريكية حملة جائحة ، ولم يتهمها بالانحطاط جملة ، كما فعلت طائفة من الإسلاميين زارت الغرب , فأتت تبشرنا بانهياره القريب !! . لم يكن سيد سطحيًا كذلك ،

فتحليلاته تدل على أنه نفذ إلى قلب المجتمع ، وأعمل منهجه التحليلى الراقى ، وبيانه التصويرى العذب ، ليخرج لنا هذه الصورة من أعماق الحياة الأمريكية . وأما الأحكام فقد خرجت معتدلة , إذ لم تحل هيبة أمريكا وسطوتها الدعائية الهائلة , من أن يعطى أحكامًا صارمة فى تذوق الأمريكان الفنى وإحساسهم الشعورى وبدائيتهم فى علاقات الجنسين .. كما لم تحل الكراهية السياسية أو العداء الفكرى , من أن ينصف أمريكا فيصفها بأنها ورشة العالم وأن لها دورها الرئيسى فى مجالات البحوث والتطبيق . 

وبعد …. فقد ذاع كلام كثير حول هذه النصوص ، فمن قائل أن سيدًا كتبها كرؤوس أقلام ثم صرف النظر عنها ، ومن قائل أنه كتبها ولم ينشرها ، وهى منشورة فى حلقات ثلاث فى مجلة ( الرسالة ) التى كانت يصدرها : أحمد حسن الزيات , فى أخريات عام 1951 م , أى بعد حوالى عام من عودة سيد من أمريكا … وأغلب ظننا أنها تحتوى على كل ما أراد تسجيله فى هذا الشأن . 

إذ أنها تبدأ بداية طبيعية بمقدمة ، وتنتهى بخاتمة تحمل خلاصة تلك التحليلات . 

ويسرنا أن نقدم حقيقة أمريكا بعين سيد قطب ، لكل مسلم للوقوف الموضوعى للمجتمع الأمريكى ومقومات تقدمه المادى ، خاصة ونحن نمتلك الذخيرة الروحية والاتصال الوثيق بالله تعالى ، وذلك فى طريق إيقاذ الروح الإسلامية فى عصر الصحوة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



تاريخ: 05 - 11 - 1951
أمريكا التي رأيت:

في ميزان القيم الإنسانية

للأستاذ سيد قطب

أميركا. . الدنيا الجديدة. . ذلك العالم المترامي الأطراف الذي يشغل من أذهان الناس وتصوراتهم، أكثر مما تشغل من الأرض رقعته الفسيحة، وترف عليه أخيلتهم وأحلامهم بالأوهام والأعاجيب، وتهوى إليه الأفئدة من كل فج، شتى الأجناس والألوان، شتى المسالك والغايات، شتى المذاهب والأهواء

أمريكا. . تلك المساحات الشاسعة من الأرض بين الأطلنطي والباسيفيكي. تلك الموارد التي لا تنضب من المواد والخامات، ومن القوى والرجال. تلك المصانع الضخمة التي لم تعرف لها الحضارة نظيراً. ذلك النتاج الهائل الذي يعيا به العدو الإحصاء، تلك المعاهد والمعامل والمتاحف المنثوثة في كل مكان. عبقرية الإدارة والتنظيم التي تثير العجب والإعجاب. ذلك الرخاء السابغ كأحلام الجنة الموعودة. ذلك الجمال الساحر في الطبيعة والوجود والأجسام. تلك اللذائذ الحرة المطلقة من كل قيد أو عرف. تلك الأحلام المجسمة في حيز من الزمان والمكان. .

أمريكا هذه كلها. . ما الذي تساويه في ميزان القيم الإنسانية؟ وما الذي أضافته إلى رصيد البشرية من هذه القيم، أو يبدو أنها ستضيفه إليه في نهاية المطاف؟

أخشى ألا يكون هناك تناسب بين عظمة الحضارة المادية في أمريكا، وعظمة (الإنسان) الذي ينشئ هذه الحضارة؛ وأخشى أن تمضي عجلة الحياة، ويطوى سجل الزمن، وأمريكا لم تضف شيئاً - أو لم تضف إلا اليسير الزهيد - إلى رصيد الإنسانية من تلك القيم، التي تميز بين الإنسان والشيء، ثم بين الإنسان والحيوان

إن كل حضارة من الحضارات التي مرت بها البشرية، لم تكن كل قيمتها فيما ابتدعه الإنسان من آلات، ولا فيماسخره من قوى، ولا فيما أخرجت يداه من نتاج. إنما كان معظم قيمتها فيما اهتدى إليه الإنسان من حقائق عن الكون، ومن صور وقيم للحياة؛ وما تركه هذا الاهتداء في شعوره من ارتقاء وفي ضميره من تهذيب، وفي تصورة لقيم الحياة من عمق، والحياة أنسا نية بوجه خاص، مما يزيد المسافة بعداً في حسابه وحساب الواقع، بينه وبين مدارج الحيوانية الأولى، في الشعور والسلوك، وفي تقويم الحياة وتقويم الأشياء

فأما ابتداع الآلات، أو تسخير القوى، أو صنع الأشياء، فليس له في ذاته وزن في ميزان القيم الإنسانية، إنما هو مجرد رمز لقيمة أساسية أخرى: هي مدى ارتفاع العنصر الإنساني في الإنسان، ومدى الخطوات التي يبعد بها عن عالم الأشياء، وعالم الحيوان. أي مدى ما أضاف إلى رصيده الإنساني من ثراء في فكرته عن الحياة، وفي شعوره بهذه الحياة

هذه القيمة الأساسية هي موضع المفاضلة والوازنة بين حضارة وحضارة، وبين فلسفة وفلسفة؛ كما أنها هي الرصيد الباقي وراء كل حضارة، المؤثر في الحضارات التالية، حين تتحطم الآلات وتفنى الأشياء؛ أو حين تنسخها آلات أجد وأشياء أجود، مما يقع بين لحظة وأخرى، في مشارق الأرض ومغاربها

وإنه ليبدو أن العبقرية الأمريكية كلها قد تجمعت وتبلورت في حقل العمل والإنتاج، بحيث لم تبق فيها بقية تنتج شيئاً في حقل القيم الإنسانية الأخرى. ولقد بلغت في ذلك الحقل ما لم تبلغه أمة، وجاءت فيه بالمعجزات التي أحالت الحياة الواقعية إلى مستوى فوق التصور ووراء التصديق لمن لم يشهدها عيانا. ولكني (الإنسان) لم يحفظ توازنه أمام الآلة، حتى ليكاد هو ذاته يستحيل آله؛ ولم يستطع أن يحمل عبء العمل المنهك ثم يمضي قدماً في طريق الإنسانية، عندئذ أطلق للحيوان الكامن العنان؛ ضعفاً عن أن يحمل عبء العمل وعبء (الإنسان)!

وإن الباحث في حياة الشعب الأمريكي ليقف في أول الأمر حائراً أمام ظاهرة عجيبة، قد لا يراها في شعب من شعوب الأرض جميعاً: 
شعب يبلغ في عالم العلم والعمل، قمة النمو والارتقاء، بينما هو في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى؛ بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك!

ولكن هذه الحيرة تزول بعد النظرة الفاحصة في ماضي هذا الشعب وحاضره، وفي الأسباب التي جمعت فيه بين قمة الحضارة وسفح البدائية:

في العالم القديم آمن الإنسان بقوى الطبيعة المجهولة، وصاغ حولها الخرافات والأساطير؛ وآمن بالدين، وغمرت روحه أضواؤه ورؤاه؛ وآمن بالفن وتجمست أشواقه ألواناً وألحاناً وأوزاناً. . ثم آمن بالعلم أخيراً، بعد ما انقسمت نفسه لأنماط من الإيمان، وألوان من المشاعر، وأشكال من صور الحياة وتهاويل الخيال، بعدما تهذبت روحه بالدين، وتهذب حسه بالفن، وتهذب سلوكه بالاجتماع. بعدما صيغت مثله ومبادئه من واقعية التاريخ، ومن أشواقه الطليقة. وسواء تحققت هذه المبادئ والمثل أم لم تتحقق في الحياة اليومية، فقد لقيت على الأقل هواتف في الضمير، وحقائق في الشعور، مرجوة التحقق في يوم من الأيام، قرب أم بعد، لأن وجودها حتى في عالم المثال وحده، خطوة واسعة من خطوات البشرية في مدارج الإنسانية، وشعاع مضيء من الرجاء في تحقيقها يوماً من الأيام

أما في أمريكا فقد ولد الإنسان على مولد العلم، فآمن به وحده، بل آمن بنوع منه خاص، هو العلم التطبيقي؛ لأنه وهو يواجه الحياة الجديدة في القارة الجديدة؛ وهو يتسلم الطبيعة هنالك بكراً جامحة عتيدة؛ وهو يهم أن ينشئ ذلك الوطن الجديد الذي أنشأه بيده، ولم يكن له من قبل وجود؛ وهو يصارع ويناضل لبناء هذا الوطن الضخم. . . كان العلم التطبيقي هو خير عون له في ذلك الجهد والتنظيم والإنتاج

ولم يفرغ الأمريكي بعد من مرحلة البناء، فما تزال هنالك مساحات شاسعة لا تكاد تحد من الأراضي البكر التي لم تمسها يد؛ ومن الغابات البكر التي لم تطأها قدم، ومن المناجم البكر التي لم تفتح ولم تستغل، وما يزال ماضياً في عملية البناء الأولى، على الرغم من وصوله إلى القمة في التنظيم والإنتاج

ويحسن ألا ننسى الحالة النفسية التي وفد بها الأمريكي إلى هذه الأرض فوجاً بعد فوج، وجيلاً بعد جيل، فهي مزيج من السخط على الحياة في العالم القديم، والرغبة في تحرير من قيوده وتقاليده، ومن هذه القيود والتقاليد الثقيل الفاسد، والضروري السليم، ومن الرغبة الملحة في الثراء بأي جهد وبأية وسيلة؛ والحصول على أكبر قسط من المتاع تعويضاً عما يبذله من الجهد في الثراء

وبحسن ألا ننسى كذلك الحالة الاجتماعية والفكرية لغالبية هذه الأفواج الأولى التي تألفت منها نواة هذا الشعب الجديد. فهذه الأفواج هي مجموعات من المغامرين، ومجموعات من المجرمين؛ فالمغامرين جاءوا طلاب ثراء ومتاع ومغامرات؛ والمجرمون جئ بهم من بلاد الإمبراطورية الإنجليزية لتشغيلهم في البناء والإنتاج

ذلك المزيج من الملابسات، وهذا المزيج من الأفواج، من شأنه أن يستنهض وينمي الصفات البدائية في ذلك الشعب الجديد، وينيم أو يقاوم الصفات الراقية في نفسه أفراداً وجماعات؛ فتنشط الدافع الحيوية الأولية، كأنما يستعيد الإنسان خطواته الأولى؛ بفارق واحد أنه هنا مسلح بالعلم، الذي ولد مولده، وخطأ على خطواته. والعلم في ذاته - وبخاصة العلم التطبيقي - لا عمل له في حقل القيم الإنسانية، وفي عالم النفس والشعور. وبذلك ضاقت آفاقه، وضمرت نفسه، وتحددت مشاعره، وضؤل مكانه على المائدة العالمية الزاخرة بالأنماط والألوان

وقد يدهش الإنسان وهو يقرأ قصص الجماعات الأولى التي هاجرت إلى أمريكا في أيامها الأولى، ويتصور كفاحها الطويل العجيب، مع الطبيعة الجامحة في تلك الأصقاع المترامية، ومن قبل مع أنواء المحيط الرعيبة، وأمواجه الجبارة، في تلك القوارب الصفار الخفاف؛ حتى إذا رست على الصخور محطمة أو ناحية لقيت النازحين، مجاهل الغابات، ومتاهات الجبال، وحقول الجليد، وزعازع الأعاصير، ووحوش الغابات وأفاعيها وهوامها. . . لقد يدهش الإنسان كيف لم يترك هذا كله ظلاله على الروح الأمريكية إيماناً بعظمة الطبيعة وما وراء الطبيعة، ليفتح لها منافذ أوسع من المادة وعالم المادة

ولكن هذه الدهشة تزول حين يتذكر ذلك المزيج من الملابسات، وذلك المزيج من الأفواج. لقد قابلوا الطبيعية بسلاح العلم وقوة العضل، فلم تثر فيهم إلا قوة الذهن الجاف؛ وقوة الحس العارم، ولم تفتح لهم منافذ الروح والقلب والشعور، كما فتحتها في روح البشرية الأولى، التي احتفظت بالكثير منها في عصر العلم، وأضافت به إلى رصيدها من القيم الإنسانية الباقية على الزمان

وحين تغلق البشرية على نفسها منافذ الإيمان بالدين؛ والإيمان بالقيم الروحية جميعاً؛ لا يبقى هنا لك متصرف لنشاطها إلا في العلم التطبيقي والعمل، وإلا في لذة الحس والمتاع. وهذا هو الذي انتهت إليه أمريكا بعد أربعمائة عام

للكلام بقية
سيد قطب


تاريخ: 05 - 11 - 1951

مجلة الرسالة/العدد 959/أمريكا التي رأيت:

في ميزان القيم الإنسانية

للأستاذ سيد قطب

يبدو الأمريكي - على الرغم من العلم المتقدم والعمل المتقن - بدائيا في نظريته إلى الحياة، ومقوماتها الإنسانية الأخرى بشكل يدعو إلى الدهشة. ولعل لهذا التناقض الواضح أثره في ظهور الأمريكان بمظهر الشعب الغريب الأطوار في نظر الأجانب، الذين يراقبون حياة الشعب من بعيد؛ ويعجزهم التوفيق بين هذه الحضارة الصناعية الفائقة، وذلك النظام الدقيق في إدارة الأعمال، وادارة الحياة. . وبين هذه البدائية في الشعور والسلوك، تلك البدائية التي تذكر بعهود الغابات والكهوف!

يبدو الأمريكي بدائيا في الإعجاب بالقوى العضلية، والقوى المادية بوجه عام، بقدر ما يستهين بالمثل والمبادئ والأخلاق، في حياته الفردية، وفي حياته العائلية، وفي حياته الاجتماعية - فيما عدا دائرة العمل بأنواعه، وعلاقات الاقتصاد والمال - ومنظر الجماهير وهي تتبع مباريات كرة القدم، على الطريقة الأمريكية الخشنة التي ليس لها من اسمها (كرة القدم) أي نصيب، إذ أن (القدم) لا تشترك في اللعب، إنما يحاول لاعب أن يخطف الكرة بين يديه، ويجري بها ليقذف بها إلى الهدف، بينما يحاول لاعبو الفريق الآخر أن يعوقوه بكل وسيلة، بما في ذلك: الضرب في البطن، وتهشيم الأذرع والسيقان، بكل عنف وكل شراسة. . 
منظر الجماهير وهي تتبع هذه اللعبة، أو تشاهد حفلات الملاكمة والمصارعة الوهمية الدامية. . منظرها في هياجها الحيواني، المنبعث من إعجابها بالعنف القاسي، وعدم التفاتها إلى قواعد اللعب وأصوله، بقدر ما هي مأخوذة بالدم السائل والأوصال المهشمة، وصراخها هاتفة: كل يشجع فريقه: 
حطم رأسه. دق عنقه. هشم أضلاعه. اعجنه عجنا. . هذا النظر لا يدع مجالاً للشك في بدائية الشعور التي تفتن بالقوة العضلية وتهواها.
وبمثل هذه الروح يتابع الجمهور الأمريكي صراع الجماعات والطوائف، وصراع الأمم والشعوب. ولست ادري كيف راجت في العالم والطوائف، وصراع الأمم والشعوب. 
ولست ادري كيف راجت في العالم - وبخاصة في الشرق - تلك الخرافة العجيبة. خرافة أن الشعب الأمريكي شعب محب للسلام!

إن الأمريكي بفطرته محارب محب للصراع. وفكرة الحرب والصراع قوية في دمه، بارزة في سلوكه؛ وهذا هو الذي يتفق مع تاريخه كذلك. فقد خرجت الأفواج الأولى من أوطانها قاصدة إلى أمريكا بفكرة الاستعمار والمنافسة والصراع. 
قال بعضهم بعضا وهم جماعات وأفواج. 
ثم قاتلوا جميعاً سكان البلاد الأصليين (الهنود الحمر) وما يزالون يحاربون حرب إفناء حتى اللحظة الحاضرة. 
ثم قاتل العنصر الأنجلو سكسوني العنصر اللاتيني هناك، وطرده إلى الجنوب في أمريكا الوسطى والجنوبية، ثم حارب المتآمر كون أمهم الأولى إنجلترا في حرب التحرير بقيادة (جورج وشنطن) حتى نالوا استقلالهم عن التاريخ البريطاني. 
ثم حارب الشمال الجنوب بقيادة (ابراهام لنكولن) تلك الحرب التي اتسمت بسمة (تحرير العبيد) وإن كانت دوافعها الحقيقية هي المنافسة الاقتصادية. 
ذلك أن العبيد المستجلبين من أواسط أفريقية ليعملوا في الأرض رقيقاً، لم يستطيعوا مقاومة الطقس البارد في الشمال، فنزحوا إلى الجنوب. وكان معنى هذا أن يجد المستعمرون في الولايات الجنوبية الأيدي العاملة الرخيصة، على حين لا يجدها الشماليون، فيتم لهم التفوق الاقتصادي؛ لذلك أعلن الشماليين الحرب لتحرير العبيد!

وانقضت فترة العزلة، وانتهت سياستها، عندما دخلت أمريكا الحرب العالمية الأولى، ثم اضطلعت بالحرب العالمية الثانية. ثم ها هي تنهض بالحرب في كوريا، والحرب العالمية الثانية ليست بالبعيدة! 
ولست ادري كيف راجت تلك الخرافة العجيبة عن شعب هذا تاريخه في الحروب؟

إن الحيوية المادية عند الأمريكي مقدسة، والضعف - أيا كانت أسبابه - جريمة. جريمة لا يغتفرها شيء. أو كن ضعيفاً فل يسعفك مبدأ، ولا يكون لك مكان في مجال الحياة الفسيح. 
أما الذي يموت فيرتكب بالطبع جريمة الموت ويفقد كل حق له في الاهتمام أو الاحترام، ليس أنه قد مات؟

كنت في مستشفى (جوج واشنطن) في واشنطن العاصمة وكان الوقت مساء حينما غمرت جوه موجة من الاضطراب غير معهودة، وبدت فيه حركة غير عادية تستلفت النظر. 
وأخذ المرضى القادرون على الحركة يغادرون أسرتهم وحجراتهم إلى المماشي والأبهاء يستطلعون؛ ثم جعلوا يتحلقون متسائلين عن سر تلك الظاهرة في حياة المستشفى الهادئة. 
وعرفنا بعد فترة أن أحد موظفي المستشفى قد أصيب في حادث مصعد، وأنه في حالة خطيرة بل أنه في دور الاحتضار. 
وذهب أحد المرضى الأمريكان ليرى بنفسه، ثم عاد يقص على المتحلقين في الممشى ما رأى. . وحين يخيم شبح الموت على مكان، لا تكون له رهبة، ولا يكون للموت خشوعه كما يكون ذلك في مستشفى. . ولكن هذا الأمريكان أخذ يضحك ويقهقه، وهو يمثل هيئة المصاب المحتضر، وقد دق المصعد عنقه، وهشم رأسه، وتدلى لسانه من فمه على جانب وجهه! وانتظرت أن أسمع أو أرى علائم الامتعاض والاستنكار من المستمعين. ولكن كثرتهم الغالبة جعلت تضحك متفكهة، بهذا التمثيل البغيض!

لذلك لم اعجب وبعض أصدقائي يقص علي ما رأى وما سمع، حول الموت ووقعه في نفوس الأمريكان

قال لي زميل:
إنه كان حاضر مأتم، حيثما عرضت جثة رب البيت محنطة في صندوق زجاجي - على العادة الأمريكية - كيما يرى أصدقاء الفقيد بجثمانه، ليودعوه الوداع الأخير، ويلقوا عليه النظرة النهائية، واحد بعد الآخر في صف طويل. حتى إذا انتهى المطاف وتجمعوا في حجرة الاستقبال؛ ما راعه إلا أن يأخذ القوم في دعابات وفكاهات، حول الفقيد العزيز وحول سواه، تشترك فيها زوجة اهله، وتعقبها الضحكات المجللة، في سكون الموت البارد، وحول الجسد المسجى في الأكفان!

وكان الأستاذ مدير البعثات المصرية بواشنطن مدعو هو والسيدة حرمه إلى إحدى الحفلات - وقبيل الموعد مرضت السيدة حرمه، فأمسك بالتلفون ليعتذر عن الحفلة بسبب هذا الطارئ. ولكن الداعين أجابوه بأنه لا ضرورة للاعتذار، فإنه يملك أن يحضر منفردا، وستكون هذه فرصة طيبة، ذلك أن إحدى المدعوات قد توفي زوجها فجأة قبيل الحفلة، وستكون وحيدة فيها، فمن حسن الحظ أن يكون لها رفيق!

ودخلت مرة بيت سيدة أمريكية كانت تساعدني في اللغة الإنجليزية في الفترة الأولى من وجودي في أمريكا؛ فوجدت عندها إحدى صديقاتها، وكانتا تتحدثان في موضوع لحقت أواخره، وهذه الصديقة تقول: (لقد كنت حسنة الحظ، فقد كنت مؤمنة على حياته. حتى علاجه لم يكلفني إلا القليل لأنني كنت مؤمنة عليه في هيئة الصليب الأزرق) وابتسمت ضاحكة!

ثم استأذنت وخرجت، وبقيت مع ربة البيت. وأنا احسب أن صديقتها كانت تحدثها عن كلبها - وإن كنت قد دهشت لأنها لا تبدي أي تأثر لموته! - ولكن ما راعني إلا أن تقول لي - ولم أسأل! - (كانت تحدثني عن زوجها. لقد مات منذ ثلاثة أيام!)

ولما أبديت لها دهشتي أن تتحدث منذ ثلاثة أيام بمثل هذه البساطة، كان عذرها الذي لا يخالجها الشك في أنه مقنع ووجيه: (إنه كان مريضا! لقد مرض اكثر من ثلاثة اشهر قبل الوفاة!)

عادت بي الذاكرة إلى مشهد عميق الأثر في شعوري، وقد أثار في خاطري في حينه منذ سنوات. . . 
خاطرة لم تكتب بعنوان: (مأتم الطيور) 
ذلك مشهد جماعة من الفراخ كنا نربيها في دارنا، وقد وقفت متحلقة صامتة مبهورة مأخوذة، حول فرخ منها ذبيح، لقد كانت مفاجأة شعورية لكل من في البيت، مفاجأة غير منتظرة من طير غير متقدم في سلم الرقي كالدجاج، بل كانت صدمة لم نجرؤ بعدها منذ ذلك الحين على ذبح فرخ واحد على مرأى من جماعة الطيور!

ومنظر الغربان حين يموت لها مائت، منظر مألوف شاهده الكثيرون. وهو منظر يصعب تفسيره بغير شعور (الحزن) أو (عاطفة) القرابة! 
فهذه الجموع من الغربان، المحلقة الصافة، الناعقة بشتى الأصوات والأنغام، الطائرة هنا وهناك، حتى تحتمل جثمان الميت وتطير. . . هذا كله يشي برجفة الموت في عالم الطيور. .!

وقداسة الموت تكاد تكون شعور فطريا. فليسست البدائية الشعورية هي التي تطمسها في النفس الأمريكية؛ ولكنه جفاف الحياة من التعاطف الوجداني، وقيامها على معادلات حسابية مادية، وعلى علاقات الجسد ودوافعه، واستخفافها عمدا بكل ما يشتهر أنه من مقدسات الناس في العالم القديم، والرغبة الملحة في مخالفة ما تواضع عليه الناس هناك، وإلا فما مزية الدنيا الجديدة على ذلك العالم القديم؟

وما يقال عن الشعور بالموت يقال عن الشعور بالدين

ليس اكثر من الأمريكان تشييداً للكنائس، حتى لقد أحصيت في بلدة واحدة لا يزيد سكانها على عشرة آلاف اكثر من عشرين كنيسة! وليس اكثر منهم ذهابا إلى الكنيسة في ليلات الأحد وأيامه، وفي الأعياد العامة وأعياد القديسين المحليين وهم اكثر من (الأولياء) عند عوام المسلمين!. . . 
وبعد ذلك كله ليس هناك من هو ابعد من الأمريكي عن الشعور بروحية الدين واحترامه وقداسته، وليس ابعد من الدين عن تفكير الأمريكي وشعوره وسلوكه!

وإذا كانت الكنيسة مكانا للعبادة في العالم المسيحي كله، فإنها في أمريكا مكان لكل شيء إلا العبادة. 
وإنه ليصعب عليه أن تفرق بينها وبين أي مكان آخر معد للهو والتسلية أو ما يسمونه بلغتهم ومعظم قصادها إنما يعدونها تقليداً اجتماعياً ضرورياً، ومكانا للقاء والأنس، ولتمضية وقت طيب، وليس هذا شعور الجمهور وحده، ولكنه كذلك شعور سدنة الكنيسة ورعاتها. .

ولمعظم الكنائس ناد يتألف من الجنسين، ويجتهد راعي كل كنيسة أن يلتحق بالكنيسة أكبر عدد ممكن، وبخاصة هناك تنافسا كبيرا بين الكنائس المختلفة المذاهب. 
ولهذا تتسابق جميعا في الإعلان عن نفسها بالنشرات المكتوبة وبالأنوار الملونة على الأبواب والجدران للفت الأنظار، وبتقديم البرامج اللذيذة المشوقة لجلب الجماهير، بنفس الطريقة التي تتبعها المتاجر ودور العرض والتمثيل، وليس هناك من بأس في استخدام أجمل فتيات المدينة وأرشقهن، وأبرعهن في الغناء والرقص والترويج

وهذه مثلاً محتويات إعلان عن حفلة كنيسة كانت ملصقة في قاعة اجتماع الطلبة في إحدى الكليات:

(يوم الأحد أول أكتوبر - في الساعة السادسة مساء - عشاء خفيف. العاب سحرية. الغاز. تسلية. . .)      

وليس في هذا أية غرابة، لأن راعي الكنيسة لا يحس أن عمله يختلف في شيء عن عمل مدير المسرح، أو مدير المتجر. النجاح أولا وقبل كل شيء - والوسيلة ليست بالمهمة - وهذا النجاح يعود عليه بنتائجه الطيبة: المال والجاه. فكلما كثر عدد الملتحقين بكنيسته وعظم دخله، وزاد كذلك احترامه ونفوذه في بلده، لأن الأمريكي بطبيعته يؤخذ بالفخامة في الحجم أو العدد، وهي مقياسه الأول في الشعور والتقدير.

كنت ليلة في إحدى الكنائس ببلدة جبلى بولاية كولورادو - فقد كنت عضواً في عدة نواد كنيسة في كل جهة عشت فيها، إذ كانت هذه ناحية هامة من نواحي المجتمع تستحق الدراسة عن كثب ومن الداخل - وبعد أن انتهت الخدمة الدينية في الكنيسة، واشترك في الترايتل فتية وفتيات من الأعضاء، وأدى الآخرون الصلاة، دلفنا من باب جانبي إلى ساحة الرقص، الملاصقة إلى قاعة الصلاة، يصل بينهما الباب؛ وصعد (الأب) إلى مكتبته، وأخذ كل فتى بيد فتاة، وبينهم وبينهن أولئك الذين واللواتي، كانوا وكن، يقومون بالترتيل ويقمن!

وكانت ساحة القص مضاءة بالأنوار الحمراء والصفراء والزرقاء، وبقليل من المصابيح البيض. وحمى الرقص على أنغام (الجراموفون) وسالت الساحة بالأقدام والسيقان الفاتنة، والتفت الأذرع بالخصور، والتقت الشفاه والصدور. . وكان الجو كله غراماًً حينما هبط (الأب) من مكتبه، وألقى نظرة فاحصة على المكان ومن المكان، وشجع الجالسين والجالس ممن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضوا فيشاركوا، وكأنما لحظ أن المصابيح البيض تفسد ذلك الجو (الرومانتيكي) الحالم، فراح في رشاقة الأمريكان وخفته يطفئها واحداً واحداً، وهو يتحاشى أن يعطل حركة الرقص، أو يصدم زوجاً من الراقصين في الساحة، وبدا المكان بالفعل أكثر (رومانتيكية) وغراماً. ثم تقدم إلى (الجراموفون) ليختار أغنية تناسب ذلك الجو، وتشجع القاعدين والقاعدات على المشاركة فيه

وأختار. . أختار أغنية أمريكية مشهورة اسمها: (ولكنها يا صغيرتي باردة في الخارج) وهي تتضمن حوار بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما، وقد لحتجزها الفتى في داره، وهي تدعوه أن يطلق سراحها لتعود إلى دارها فقد أمسى الوقت، وأمها تنتظر. . وكلما تذرعت إليه بحجة أجابها بتلك اللازمة: (ولكنها يا صغيرتي باردة في الخارج!)

وانتظر الأب حتى رأى خطوات بناته وبنيه، على موسيقى تلك الأغنية المثيرة؛ وبدا راضياً مغتبطاً، وغادر ساحة الرقص إلى داره، تاركاً لهم ولهن إتمام هذه السهرة اللذيذة. . . البريئة!

وأب آخر يتحدث إلى صاحب لي عراقي، قد توثقت بينه وبينه عرى الصداقة، فيسأله عن (ماري) زميلته في الجامعة (لم لا تحضر ألن إلى الكنيسة؟ ويبدو أنه لا يعنيه أن تغيب الفتيات جميعاً وتحضر (ماري)! وحين يسأله الشاب عن سر هذه اللهفة يجيب: (إنها جذابة، وإن معظم الشبان إنما يحضرون وراءها!)

ويحدثني شاب من شياطين الشبان العرب الذين يدرسون في أمريكا، وكنا نطلق عليه اسم (أبو العتاهية) - وما أدري أن كان ذلك يغضب الشاعر القديم أو يرضيه! - فيقول لي عن فتاته - ولكل فتى فتاة في أمريكا - إنها كانت تنتزع نفسها من بين أحضانه أحياناً لأنها ذاهبة للترتيل في الكنيسة؛ وكانت إذا تأخرت لم تنج من إشارات (الأب) وتلميحاته إلى جريرة (أبي العتاهية) في تأخيرها عن حضور الصلاة! هذا إذا حضرت وحدها من دونه، فأما إذا استطاعت أن تجره وراءها، فلا لوم عليها ولا تثريب!

ويقول لك هؤلاء الآباء: إننا لا نستطيع أن نجتذب هذا الشباب إلا بهذه الوسائل!

ولكن أحد منهم لا يسأل نفسه: وما قيمة اجتذابهم إلى الكنيسة وهم يخوضون إليها مثل هذا الطريق، ويقضون ساعاتهم فيه؟ أهو الذهاب إلى الكنيسة هدف في ذاته، أم آثاره التهذيبية في الشعور والسلوك؟ من وجهة نظر (الآباء) التي أوضحتها فيما سلف، مجرد الذهاب هو الهدف. وهو وضع لمن يعيش في أمريكا مفهوم!

ولكني أعود إلى مصر، فأجد من يتحدث أو يكتب، عن الكنيسة في أمريكا - وهو لم ير أمريكا لحظة - وعند دورها في الإصلاح الاجتماعي، ونشاطها في تطهير القلب، وتهذيب الروح. . .

ولله في خلقه شؤون!

والأمريكي بدائي في حياته الجنسية، وفي علاقات الزواج في الأسرة. ولقد مررت في أثناء دراساتي للكتاب المقدس بتلك الآية الواردة في (العهد القديم) حكاية عن خلق الله للبشر أول مرة وهي تقول: (ذكراً أو أنثى خلقهم). . . مررت بهذه الآية كثيراً، فلم يتمثل لي معناها عارياً واضحا جاهراً، كما تمثل في أثناء حياتي بأمريكا

أن كل ما تعبت الحياة البشرية الطويلة في خلقه وصيانته من آداب الجنس، وكل ما صاغته حول هذه العلاقات من عواطف مشاعر، وكل ما جاهدت من غلاظة الحس، وحهامة الغريزة، لتطلقه إشاعات مرفوفة، وهالات مجنحة، وأشواق طليقة، وكل الروابط الوثيقة حول تلك العلاقات في شعور الفرد، وفي حياة الأسرة، وفي محيط الجماعة. . .

إن هذا كله قد تجردت منه الحياة في أمريكا مرة واحدة، وتجلت ريه عاطلة من كل تجمل.

(ذكر أو أنثى) كما خلقهم أول مرة. جسداً لجسد، وأنثى لذكر. على أساس مطالب الجسد ودوافعه، تقوم العلاقات وتتحدد الصلات، ومنها تستمد قواعد السلوك، وآداب المجتمع، وروابط الأسر والأفراد

بفتنة الجسد وحدها، عارية من كل ستار، مجردة من كل حياء، تلقى الفتاة الفتى، ومن قوة الجسد وضلاعته يستمد الفتى إعجاب الفتاة. ويستمد الزوج حقوقه - هذه الحقوق التي تسقط جميعها في عرف الجميع، يوم يعجز الرجل عن الوفاء بها لسبب من الأسباب

والفتاة الأمريكية تعرف جيداً مواضع فتنتها الجسدية، تعرفها في الوجه: 
في العين الهاتفة والشفة الظامئة، وتعرفها في الجسم: في الصدر الناهد والردف الملئ وفي الفخذ الفاء والساق الملساء، - وهي تبدي هذا كله ولا تخفيه - وتعرفها في اللباس: في اللون الزاهي توقظ به الحس البدائي، وفي التفصيل الكاشف عن مفاتن الجسد - وهو بذاته في الأمريكية فتنة حية صاعقة في بعض الأحيان! - ثم تضيف إلى هذا كله الضحكة المثيرة، والنظرة الجاهرة، والحركة الجريئة، ولا تغفل عن ذلك كله ولا تنساه!

والفتى الأمريكي يعرف جيداً أن الصدر العريض، والعضل المفتول، هما الشفاعة التي لا ترد عند كل فتاة، وأن أحلامها لا ترف على أحد كما ترف على (رعاة البقر) وبصريح العبارة تقول لي فتاة ممرضة في مستشفى (لست أطلب في أحلامي إلا ذراعين قويتين يعصرني بهما عصراً. . . وقامت مجلة (لوك) باستفتاء عدد من الفتيات من مختلف الأعمار والثقافات والأوساط حول ما أسمته (عضل الثيران) فأبدت غالبية ساحقة إعجابها المطلق بالفتيان أصحاب عضل الثيران!

وما من شك أن لهذه الظاهرة دلالتها على حيوية هذا الشعب وقوة حسه. ولو هذبت هذه الطاقة وتسامت لاستحالت فناً يجمل جهامة الحياة، وأشواقاً تجعل لها في الحس الإنساني نكهة، وتربط بين الجنسين بروابط أعلى وأجمل من روابط الجسد الظامئ والحس الهائج، والجنس الصارخ في العيون، الهاتف في الجوارح، المتنزى في الحركات واللفتات، ولكن طبيعة الحياة في أمريكا، والملابسات التي سلفت في نشأة هذا الشعب، لا تساعد على شيء من هذا، بل تقاومه وتقصيه

وهكذا أصبحت كلمة حيى أو خجول من كلمات العيب والتحقير؛ وانطلقت العلاقات الجنسية من كل قيد على طريقة الغابة، وأصبح بعضهم يفلسفها فيقول كما قالت لي إحدى فتيات الجامعة مرة: (إن المسألة الجنسية ٍليست مسألة أخلاقية بحال. أنها مجرد مسألة بيولوجية: وحين ننظر إليها من هذه الزاوية نتبين أن استخدام كلمات الفضيلة والرذيلة. والخير والشر، إقحام لها في غير مواضعها، وهو يبدو لنا نحن الأمريكان غريباً، بل مضحكاً. . .) 
وبعضهم يبررها ويعتذر عنها كما قال لي طالب يشتغل للكدتوراه: (إننا هنا مشغولون بالعمل، ولا نريد أن يعوقنا عنه معوق، وليس لدينا وقت ننفقه في العواطف! ثم إن الكبت يتعب أعصابنا، فنحن نريد أن ننتهي من هذه (الشغلة!) لنفرغ إلى العمل بأعصاب مستريحة)

ولم أرد أن أعلق على هذا الحديث في وقته. فقد كان همي أن أعرف كيف يفكرون في هذه المسألة. وإلا فكل شيء في أمريكا لا يدل على أعصاب مستريحة، بالرغم من كل وسائل الحياة المريحة، وكل ضماناتها المطمئنة، وكل يسر وسهولة في إنفاق الطاقات الفائضة

وبعضهم يسمي هذا تحرراً من الرياء ومواجهة للحقائق. ولكن هناك فارقاً أساسياً بين التحرر من المقومات الإنسانية التي تفرق بين الإنسان والحيوان. والإنسانية في تأريخها الطويل لم تكن تجهل أن الميول الجنسية ميول طبيعية وحقيقية، ولكنها - عن وعي أو غير وعي - كانت تجاهد لتتحكم فيها، فرارا من العبودية لها، وبعداً عن مدارجها الأولى. إنها ضرورة نعم؛ ولكن لماذا تخجل الإنسانية من إبداء ضروراتها؟ لأنها تحس بالفطرة أن التحكم في هذه الضرورات هو شهادة الخلاص من الرق، وأولى مدارج الإنسانية في الطريق، وأن العودة إلى حرية الغابة عبودية مقنعة، ونكسة إلى مدارج البدائية الأولى

سيد قطب




القصيدة



كوني القصيدة واستبيحي العمقا
شطَّ الأماني في عيون الغرقى
كوني عناقًا في ليالي البرد يا
أُمًّا تعانقها المدائن شوقا
شمسًا تطلُّ على الأنام بفرحة
غربًا تشعشع بالحنين وشرقا
كوني أغاني الصبح، دندنةَ الحياة
سبيلَنا نحو الخلاص وبرقا
يا شهقة النايات في وتر الردى
قلبي على كتف التأوه مُلقى
يا رعشة الحب المقدس في دمي
يا أصدق الأشواق بل و الأنقى
كوني القيامة يا بلادي واثأري
قصِّي الأيادي ولْتجذِّي العُنقا
فليحفظ التاريخ من صان الحمى
من رام من قيد التصهين عِتقا
قتلوا الأجنة ـ خوفهم ـ من ثأرهم
ظنُّوا بأن جذورنا لن تبقى
سنظلّ عنوان الكرامة والفدا
ستثور من قلب الرماد العنقا

كتابات شادي جاهين

كتابات شادي جاهين

خـريـ.ـ.ـة زيادة







السبت، 5 أبريل 2025

قذائف إسرائيل الأمريكية مسامير في نعش الآدمية

 قذائف إسرائيل الأمريكية مسامير في نعش الآدمية

محمد صالح البدراني

"جريمة ضد شعب أعزل يطالب بحريته لا غير"

ما بعد منتصف يناير 2025

حتى هذا التاريخ كان الترقب في الشعوب قد تجاوز السكون مع الدمار غير المبرر الذي حصل، وبات الأمر انتقاما وجرائم حرب واضحة كاشفة لطبيعة أن هذا الكيان لن يكون جزءا من المنطقة، رغم كل الرقاعة والوضاعة والجهر بالفاحشة الذي ترتكبه النظم العربية وقادتها والعلاقات الظاهرة والخفية، بل التآمر على الفلسطينين من الذين يبدون أنهم يدعمونهم وممن لا يخفي العداء لأسباب أيديولوجية؛ تتجاهل أن هذه فلسطين وهي سبب تقبل شعوبهم لعيوب لم تعد ذات أهمية الآن.

فقد سكتت الشعوب والصمت هو عين الإعصار الذي يتلبد من المحيط إلى الخليج، ويدور في ألم ويتغذّى بأشلاء ودماء الأبرياء والحجارة على الحجارة التي تتركها كل غارة وجرائم الحرب التي تدعمها الولايات المتحدة بوضوح، والتخلي الذي يعاتب عليه أهل غزة بدل أن يُعتذر لهم، والعرب في صمت وكان الأمر لا يعنيهم، أما المسلمون من غير العرب فقد تحولوا إلى ظاهرة صوتية أصابت آذاننا بالعطب من العرب قبل الصمت، والشعوب تعلم النوايا والتظاهر والزعم والغايات، وكل ما لا يظن هؤلاء الحكام أن الشعوب تعرفه؛ تلك الشعوب التي أضحت اليوم في انفصال عن حكامها.

رسائل حماس في تسليم الأسرى

لقد أظهرت حماس وأرسلت رسائل لم يقرأها الصهاينة المقفلة أدمغتهم بالكراهية والأمريكيون القادمون إلى الحكم لجهلهم وتصورهم أن حماس تحمل الكراهية لليهود أو الأمريكان، ولم ينتبهوا إطلاقا للاستعراض الذي قدمته القسام والفصائل في عملية تسليم الأسرى لأنهم تصوروها أنها تعبير عن الغلبة وفكروا بمنظومة عقلية استعمرتها غرائزهم، في حب السيادة والأنانية التي أعمتهم كما أعمت إبليس ليكون شيطانا، وها هي إسرائيل مورطة أمريكا معها لتكون شيطانا رجيما وهي تستعيد الحرب.

- أرادت حماس أن تواسي أهل غزة في مصابهم وتواسي أهل الأسرى جميعا في انتظار أبنائهم أنهم بخير وعوملوا كضيوف وأصدقاء، ولم تهن كرامتهم أو يعذبون أو يؤذون أو يُسمح للحصار الذي فرضته حكومتهم والقصف الأعمى أن ينال منهم قدر الإمكان.

- أن هنالك علاقة بين الأسرى والقسام تدل أن هنالك أفكارا صححت وأن القسام تدافع عن أهلها وليس من منطلق العداء لليهود.

- أكدت القسام أنها عاملت الأسرى بتعاليم الإسلام، فلا يوجد عداء بسبب الدين ولا انتقام رغم أن هؤلاء الشباب من القسام ربما فقدوا إخوة وأهلا وأصدقاء جراء جرائم الحرب التي ارتكبت، وهذا القسامي نفسه يحاول الحفاظ على سلامة أسرى إخوانهم يقصفون ويقتلون أخيه.

- الرسالة للعالم الأحمق الذي لم ير أن العيش ممكن إن رفعت الطبقة التي تحشد وتعلم وتعبّئ الناس بالكراهية والمعلومات الخطأ.

- التزموا بالعهود رغم أن الكيان توجه إلى الضفة الغربية ليقوم بجرائم قام بها في غزة، لكن الالتزام كان صبرا لعل هنالك حلا للجميع. وقد أدت عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر رسالتها بأن تيقظ العالم إلى الواقع وعرف الحقيقة، وأن هنالك أملا بان تستعاد الحياة الكريمة والصحيحة لهؤلاء الناس وهم أصلا هُجروا من أراضيهم التي استولى عليها الصهاينة.

لكن لم ير النظام الأمريكي تلك الرسائل، ولم ير أن حلفاءه كانوا يخرجون الأسرى بشكل يرثى له، بينما يخرج الأسرى من عند القسام وكأنهم في رحلة وبكل احترام وتقدير وهم شاكرون لمن أسروهم معاملتهم الحسنة ولطفهم، بل إن تصريحات ترامب كانت معكوسة مع أن هذا يعتبر عارا على دولة عظمى ورئيسها يخالف حقائق يراها العالم.

معيار الكراهية والمحبة عند المسلم الفاهم لدينه
عار على البشرية والإنسانية وهي تشاهد هذه القوة الأمريكية الصنع تدمّر أناسا عزل ومواطنين بلا ماء ولا كهرباء ولا سقف يؤويهم، وتحول خيامهم إلى وقود لتحرقهم تلك القذائف أمريكية الصنع

إن الكراهية والمحبة عند المسلمين محددة بحب ما يحب الله وكره ما يكره الله، والله لا يكره الإنسان الذي خلقه مهما كان بل يكره عمله السيئ، فالمسلم يكره العمل السيئ من أي كان مسلما أو غير مسلم، فإن اصطلح وتاب وعاد فهو أخ في الخلق لا شيء عليه وبكل حب يعامل كذلك عومل الأسرى وهم عاجزون عن فعل الشر.

إن المحنة ليس لأناس لا خيرة لها تحب الحياة فتكون هدفا للجرائم ضد الإنسانية، ولكن المحنة اليوم لمن تصور أنه يتمكن وآخرين يظنون أن إسرائيل تقتل الزوجة الشريفة التي رفضت أن يغتصبها الغزاة عوضا عنهم.

العيش المشترك ممكن

كتبت سابقا عن الدولة الواحدة، لكن القسام أضافت درسا لم ننتبه له، وهو أن الصهاينة محتلون ومستعمرون أيضا، وإن كانت غزة حرة بتفكيرها فاليهود كشعب يمارس عليه الخوف والإرعاب. والحقيقة لا بد أن يعرفها اليهود وكل من ضللته الصهيونية من الأوروبيين أو الأمريكان ممن لم يعِ حتى الآن، عندها سيكون السعي إلى العيش المشترك وبناء وصناعة لحياة جديدة.

إن ما يجري اليوم في فلسطين في غزة والضفة وإن كان تطبيقا لسِفر "صموئيل الأول 15: 3" (1)، فهو عار على البشرية والإنسانية وهي تشاهد هذه القوة الأمريكية الصنع تدمّر أناسا عزل ومواطنين بلا ماء ولا كهرباء ولا سقف يؤويهم، وتحول خيامهم إلى وقود لتحرقهم تلك القذائف أمريكية الصنع. قد لا يهتم ترامب عندما يرى أطفالا في لفاتهم ورضعا يموتون أو أنهم شباب بعمر ابنه بارون، من حقهم العيش أحرارا في أرضهم يزرعون ويحصدون ويصنعون ويدرسون ويضحكون ويستمتعون على شواطئ بلادهم يصيدون عيشهم وفرحتهم.

لا شك أن قذائف إسرائيل وهي تكسر الهدنة إنما هي مسامير في نعش الآدمية لأنها تمثل الشيطان الذي أخرجنا من الجنة في أنانية وشطط، وهي تنسحب بكل السلبية على كل مناصريها وداعميها في الظاهر والباطن، ولن يفيد التطبيع لا العرب ولا إسرائيل لأن التاريخ سيكتبه أنه تطبيع جريمة ضد شعب أعزل يطالب بحريته لا غير، ولن يتجرأ على إعلانه إلا أحمق.
__________
(1) سفر "صموئيل الأول 15: 3 ": "فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنما جملا وحمارا". وكان نتنياهو قد صرح بأن حماس تمثل العماليق وبالتالي فما يحصل أمر عقدي.. هَكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: "15 كل من وجد يطعن وكل من انحاش يسقط بالسيف 16 وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم" (سفر إشعياء- إصحاح)


صارعت حضارتهم فصرعتني

 صارعت حضارتهم فصرعتني

جعفر عباس

كنت قد أتيت إلى لندن ومعي عدد محدود من الملابس، بغية شراء ما يليق بلندن منها، من لندن نفسها..

لأن مغني الحي لا يطرب، فاز صمويل هنتنغتون بأطنان من المديح في الإعلام العربي، بوصفه من قام بتشخيص صدام الحضارات، وقال بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة، لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية، المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة، وأورد أمثلة من التاريخ والواقع الراهن على ذلك.

أما مغني الحي، الذي هو شخصي، فقد كان طرفا مباشرة وفاعلا في صدام الحضارات، وكان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، عندما ابتعثتني وزارة التربية السودانية إلى لندن، لدراسة استخدام  التلفزيون في مجال التعليم، وكانت لندن وقتها بمثابة فردوس مجهول عند معظم العرب، ولم تكن بالمدينة مناطق عربية محررة، كما هو واقع اليوم في مناطق بيزووتر ولانكستر غيت وشارع إدجوير، ومن ثم لم تكن هناك مطاعم تبيع الشاورما والكفتة والفلافل والحمص، أو مقاه تقدم الشيشة.

صادمت الحضارة الغربية أول الأمر، فور النزول في مطار هيثرو، فقد فوجئت بأن الصالة التي دخلناها فور مغادرة الطائرة صارت شبه خالية من المسافرين، الذين صعدوا إلى طبقة أعلى بسلم متحرك، لم يسبق لي أن رأيت نظيره حتى في فيلم سينمائي، وقطعت داخل المطار مسافة يجوز فيها قصر الصلاة، للعثور على وسيلة آمنة تصعد بي إلى أعلى، ولكن هيهات، وعدت إلى قبالة السلم الأفعواني ذاك، ووجدت سيدة سودانية كانت مترددة مثلي في استخدامه، تتجه نحوه، فقلت لنفسي: ما يصير يا أبو الجعافر تكون جبان، وأنت تزعم أنك حفيد عنترة وتتباهي بأن أباك (عباس) فاز بالاسم بحكم الانتساب الى قبيلة بني عبس، كفلاء عنترة عندما أتاهم خبيرا عسكريا، وسرت خلف تلك السيدة، التي وضعت قدمها على أول درجة في السلم وترنحت ثم تماسكت بعض الشيء، وفعلت الأمر نفسه وإن أعاق إمساكي بحافة السلم، كيس به بعض حبات المانجو، كلفني أحد أصدقائي بتوصيله إلى قريب له يعيش في لندن، وفجأة ترنحت تلك السيدة، وخشيت ان اتعرض للدهس، وحاولت الإمساك بحافة السلم بكلتا يدي، فإذا بحبات المانجو تندفع خارجة من الكيس وتتدحرج، ثم شممت رائحتها، وأدركت عندها انها تعرضت للعصر بين أسنان السلم، الذي أصدر صوتا يحنن قلب نتنياهو ثم صريرا مدويا، ثم همد وتوقف عن الحركة.

لأن مغني الحي لا يطرب، فاز صمويل هنتنغتون بأطنان من المديح في الإعلام العربي، بوصفه من قام بتشخيص صدام الحضارات، وقال بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة، لن تكون بين الدول القومية واختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية، المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة، وأورد أمثلة من التاريخ والواقع الراهن على ذلك.

لم أفرح لذلك لأنني أدركت أن عصارة المانجو تحرشت بالكهرباء التي تغذي السلم فأضربَتْ عن العمل. وصعدت ما تبقى من درجات بالخطوة البطيئة ورأسي مطأطأ، وأنا موقن بأنني سأتعرض للاعتقال ثم الاستجواب ثم الإبعاد. وعندما استجمعت ما تبقى من شجاعتي العنترية المزعومة، رأيت نظرات الاحتقار على وجوه العاملين في المطار، ولم يعنني ذلك كثيرا (طالما ليس في الأمر اعتقال).

اختارت لي إدارة المعهد الذي أتيت للالتحاق به، غرفة في بيت الشباب الكاثوليكي في شمال لندن، وبعد أن وضعت أمتعتي القليلة في الغرفة، قررت الاستحمام، وتوجهت إلى حيث الحمامات في الطابق تحت الأرضي في المبنى، وفوجئت بأن هناك نحو عشرة حمامات كل خمسة منها تقابل الخمسة الأخرى، وبلا أبواب، وبها أشخاص يستحمون، وحول الحمامات بعض آخر في انتظار دورهم، وهم أيضا ربي كما خلقتني. فقمت بانسحاب تكتيكي وعدت الى الغرفة، وبقيت زهاء عشرة أيام بلا استحمام، ثم صرت أمارس الاستحمام في نحو الرابعة فجرا والجميع من حولي نيام.

ثم رأيت أن المسألة ما بدهاش، وانتقلت إلى غرفة أنيقة مع أسرة إنجليزية في منطقة كامدن تاون، وكان الحمام مشتركا بيني وبين أفراد العائلة، ولكن ذلك لم يضايقني، لأن الحمام كان مزودا بـ"باب"، وفي ساعتي الأولى هناك قررت الاستحمام، وكان الماء دافئا، فشرعت أغني، ثم فجأة وجدت نفسي أصرخ مستغيثا، وسمعت ربة البيت تصيح من وراء الباب: آر يو أوكي؟ هل أنت بخير؟ قلت لها: إن عطلا في تمديدات الحمام جعل ماء قادما من القطب الشمالي ينهال على جسمي. وشرحت لي السيدة تلك أن بالحمام عدّاد لابد من تغذيته بالعملات النقدية كي يأتي بالماء الساخن وأن ما أتاني من ماء دافئ في بداية الأمر، كان ما تبقى من "استخدام سابق".

كنت قد أتيت إلى لندن ومعي عدد محدود من الملابس، بغية شراء ما يليق بلندن منها، من لندن نفسها، وفي نحو يومي الثالث في المدينة جاءني زميل سوداني وصل الى المدينة لأول مرة قبلي بيومين، ليقول لي إنه دخل متجرا مر به وهو في طريقه اليّ، وأنه وجد أن الملابس المعروضة فيها "تقريبا ببلاش"، وقررنا على الفور التوجه إلى ذلك المتجر، وهناك فوجئت بأن الملابس المعروضة المغلفة بالبلاستيك تكاد فعلا أن تكون بـ "بلاش"، فاخترت من هنا وهناك نحو تسع قطع، وفعل زميلي الأمر نفسه، وتوجهنا إلى الرجل الواقف خلف الخزينة، وفوجئنا به يقول: ريسيتس!! أي الإيصالات! فقلت له مستنكرا: أنت تعطينا الايصالات بعد أن ندفع أم نعطيك نحن ثمن الملابس والايصالات. فإذا بقذائف من الكلمات البذيئة تنطلق من فم الرجل، وتكررت على لسانه كلمة "لوندري" فقلت لزميلي: انج سعد فقد هلك سعيد، ورمينا بالملابس ارضا وركضنا خارجين من المحل بعد أن أدركنا اننا خربطنا ولخبطنا ملابس تخص لوندري (مغسلة ملابس)، وأن العامل في المحل سيمضي ساعات ليعيد ترتيبها.

ومع هذا لم يورد صمويل هنتنغتون تجربتي الرائدة في مجال صدام الحضارات، ولعله خشي أن أقاسمه التمجيد والاحتفاء.





عالم ما بعد أمريكا!

عالم ما بعد أمريكا!


وعلى الصعيد الداخلي فإنّ الشعب الأمريكي لم يتعلم - كسائر شعوب تلك القوى الأخرى الناهضة - كيف يدير الإنفاق العائليّ؛ فكانت أزمة الديون العقارية الشهيرة
د. عطية عدلان
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

"عالم ما بعد أمريكا" عبارةٌ جذبت انتباه الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" مما دعاه لاصطحاب الكتاب الْمُعَنْوَن بهذه العبارة المثيرة للانتباه والدهشة معاً، وقد التقَطَتْ كاميرات الإعلام صورة له وهو يحمل هذا الكتاب؛ فهل يعني هذا أنّ زعماء أمريكا يقرأون المستقبل بهذه الطريقة؟ هذا ما أعتقد أنّ مؤلف الكتاب قد نفاه عندما نقل عن أندري جروف مؤسس شركة إنتل قوله:"تواجه أمريكا خطر السير على خطى أوربا باتجاه الانهيار، وأسوأ ما في الأمر أن لا أحد يعلم بذلك، إنّهم جميعا يعيشون حالة من الإنكار، يُرَبِّتُ بعضهم على ظهور بعض، بينما تتجه "التايتانيك" نحو جبل الجليد وبأقصى سرعتها"([1])!
انهيار الهيمنة:  
أمّا عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ، صاحب التنبؤات الصادقة، الذي يبني توقعاته على قواعد لها علاقة بالقوانين العامة التي تحكم الأمم والمجتمعات، والذي سبق أن تنبأ بأحداث كبرى ووقعت كما تنبأ، كاندلاع الثورة الإيرانية وانهيار الاتحاد السوفيتي وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد تنبأ بانهيار الهيمنة الأمريكية قبل عام 2025م بعد غزو أمريكا للعراق، ثم عاد ليؤكد توقعه ويقرب زمانه لدى تولي ترمب للرئاسة، ويضع له غاية هي عام 2020م!
   ولم يقف "فريد زكريا" مؤلف الكتاب المذكور - وهو أيضا مؤلف الكتاب الواسع الانتشار في العالم: "مستقبل الحرية الديمقراطية الضيقة الآفاق في الداخل والخارج" - لم يقف عند حدّ التنبؤ المبني على الخبرة والاستقراء، وإنّما أفصح بلغة الأرقام المدعومة بشهادات أهل الخبرة، فينقل عن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "جيمس بيكر" تصريحا أدلى به عام 1991م يشير إلى هذا المستقبل المنتظر، ويختمه بقوله: "إنّ العالم يتجه من الغضب إلى اللامبالاة، من العداء لأمريكا إلى ما بعد أمريكا"([2]). 
   وبلغة الأرقام وقراءة الواقع الماثل يستطرد في البيان: "فالصين والهند تتحولان إلى لاعبين كبيرين في منطقتيهما وما ورائهما، وروسيا انتهت من مرحلة التأقلم التي تلت نهاية الاتحاد السوفيتيّ، وهي تزداد قوة وعدائية أيضا، وبالرغم من أن اليابان ليست من بين القوى الصاعدة إلا أنها الآن أكثر استعدادا للإفصاح عن آرائها ومواقفها تجاه جيرانها، وأوربا تتصرف في المسائل التجارية والاقتصادية بقوة وتصميم هائلين، وصوت البرازيل والمكسيك يسمع بقوة في قضايا أمريكا اللاتينية، أمّا دول جنوب أفريقيا فقد اتخذت لنفسها موقع زعيمة القارة الأفريقية؛ جميع هذه القوى تأخذ لنفسها مساحة أكبر في الساحة الدولية من المساحة التي كانت كل واحدة منها تشغلها في الماضي"([3]).
شعب لم يتعلم:
   وعلى الصعيد الداخلي فإنّ الشعب الأمريكي لم يتعلم - كسائر شعوب تلك القوى الأخرى الناهضة - كيف يدير الإنفاق العائليّ؛ فكانت أزمة الديون العقارية الشهيرة "فمنذ بداية الثمانينيات والأمريكيون يستهلكون أكثر مما ينتجون، ويعوضون الفرق بالاقتراض، وهذا كان يحدث في جميع مستويات المجتمع، حيث ارتفع الدين العائليّ من 680 مليار دولار سنة 1974م إلى 14 تريليون دولار في 2008م وهذا التضاعف وقع في السنوات السبع الأخيرة فقط، وتمتلك العائلة المتوسطة اليوم 13 بطاقة ائتمانية وتستدين بمبلغ 120000 دولار في صورة رهن عقاري"([4]).
   والذين عايشوا المجتمع الأمريكي ورأوه من داخله لم تبهرهم المظاهر؛ لذلك نقلوا صورة عنه لا تشعر بأنّه شعب يعطي لحضارة أمّته عمقا خلقيا وديموغرافيا وإنثربيولوجيا يطيل عمرها، "فالحيوية المادية عند الأمريكيّ مقدسة، والضعف أيّاً كانت أسبابه جريمة لا يغتفرها شيءٌ، ولا تستحق عطفا ولا عونا، وحكاية المبادئ والحقوق خرافة في ضمير الأمريكيّ لا يتذوق لها طعماً، كن قويا ولك كل شيء، أو كن ضعيفا فلا يسعفك مبدأ ولا يكون لك مكان في مجال الحياة الفسيح، أمّا الذي يموت فيرتكب بالطبع جريمة الموت؛ ويفقد كل حق له في الاهتمام والاحترام؛ فقد مات؟!"([5]). 
    أمّا العنصرية التي فجرت الأحداث الأخيرة؛ فلولا شيوعها وتجذرها وتفشي آثارها الوخيمة لما جاءت ردة الفعل لمقتل "جورج فلويد" على هذا النحو الذي تجاوز حدود الولايات المتحدة إلى شعوب أوربا، فالعنصرية في المجتمع الأمريكي هي عنصرية العرق الأنجلوسكسوني، وهو عرق ربما أشد عنصرية تجاه الأجناس والعرقيات والألوان الأخرى من الجنس الآري واللاتيني، وإن كان أقل طيشا ونزقا منهما([6])، لذلك فهي عنصرية تمارس بالأسلوب الإنجليزيّ البطيء العميق، فالسود يعانون مضايقات كثيرة ومستمرة ودائمة، ليس فقط في مؤسسات الشرطة والأمن الداخلي، وإنّما في جميع المؤسسات الحكومية والشعبية، وما يعانيه السود تعانيه الألوان الأخرى المنحدرة من جنسيات وعرقيات كثيرة.
لم يعد وجهه فيه قطرة ماء:
   وعلى مستوى حقوق الإنسان بوجه عام فإنّه لم يعد لأمريكا وجهه فيه قطرة من ماء أو مسحة من حياء؛ لتواجه به سيل الانتقادات الجارف الذي طوى ما سطره العظيم توماس جفرسون وإخوانه من الآباء المؤسسين تحت زمجرته وهديره، "فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن هناك 75 حربًا وتدخلاً عسكريًا ودعمًا لانقلاب عسكري، وكلها لا علاقة لها بالدفاع عن النفس وإنما للتوسع والسيطرة"([7])، فمن فيتنام إلى نيكاراغوا والسلفادور إلى بنما وتشيلي وغيرها من دول أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى، إلى دعم الكيان الصهيوني، إلى أفغانستان والعراق، وفي كل هذه الفتن التي أشعلتها والحروب التي سعرتها لم يكن للإنسانية مكان ولا متسع؛ وكما قال نعوم تشومسكي: "لم يكن عمل القوات التي حركناها في نيكاراغوا، أو عمل وكلائنا الإرهابيين في السلفادور أو غواتيمالا، لم يكن عملهم هو القتل العادي، ولكن كان بصفة أساسية قتل القسوة والتعذيب الساديّ - تعليق النساء من أقدامهن بعد قطع أثدائهن وتقشير بشراتهن وقطع رؤوس الناس وتعليقها على الخوازيق ورطم الأطفال بالحوائط - الفكرة هي سحق الوطنية التي تدعو للاستقلال والتي قد تجلب الديمقراطية الحقيقية"([8]).
    وكان بلوغ المنتهى في قمع الشعوب والأمم متمثلا في إرضاء الهاجس الأمنى المجنون لدى ال CIA بممارسة ما أطلق عليه: "الابتزاز الوقائي" من أجل: "إقامة نظام أمني جديد يقوم على تحييد عامّ للشعوب؛ لكتابة نهاية التاريخ، ليس على طريقة فوكوياما بانتصار الليبرالية، ولكن على قاعدة "الإرهاب الوقائي"([9])، فليس عزيزاً على أمريكا - إذن - أن تجني الكراهية من كل شعوب الأرض، وهذا ما نطق به السيناتور الجمهوري الأمريكي "جون ماكين" في الكونغرس: "كم من شخص بات يكره أمريكا عندما شاهد صور التعذيب التي يقوم بها الجنود في أكثر من مكان"([10]).
   وليس من السهل - ولاسيما بعد صعود اليمين المحافظ وتحكم الرأسمالية النيوليبرالية - أن تستعيد أمريكا سيرتها الأولى يوم أن وضعت دستورها العظيم لدى ميلادها من رحم الثورة الأمريكية العظيمة؛ لأنّ "ذلك يحتاج إلى تغيير ثقافي واجتماعي ومؤسساتي داخل أمريكا، وتغيير النظام الديمقراطي الشكلي إلى نظام ديمقراطي حقيقيّ جديد؛ يتجاوز مظهر دورية الانتخابات التي تأتي بمن يخدم مصالح أصحاب المال والأعمال([11]).
   إنّ حقبة الهيمنة الأمريكية صارت أطول بكثير من العمر الافتراضيّ لها؛ ولولا أنّ السنن الإلهية لا تتبدل لقلنا إنّها قد خالفت قوانين العمران البشري وتجاوزتها، فقد أفلست الإمبراطورية الأمريكية من كل مقومات السيادة والريادة والهيمنة، حتى الديمقراطية؛ فقد صار الجميع يخشى عليها من صعود اليمين ومن استيلاء الرأسمالية على مقاليد الأمور، بل بلغ الأمر بالبعض إلى التشكيك في جدوى الديمقراطية ذاتها، فهذا أحد مفكريهم يقول: "كلمة الديمقراطية إذن لا تحدد بشكل دقيق لا شكلا للمجتمع ولا شكلا للحكم، المجتمع الديمقراطي ليس أبداً سوى رسم (فنتازيّ) موجه إلى دعم هذا المبدأ أو ذاك للحكم الرشيد، والمجتمعات اليوم مثل الأمس ينظمها تلاعب الأوليجاركيات، وليس ثمة حكم ديمقراطي بالمعنى المحدد، وأشكال الحكم تمارس دوماً من الأقلية على الأغلبية ... إنه بحق شكل أوليجاركي ... كما أن الانتخاب ليس في ذاته شكلا ديمقراطياً من خلاله يجعل الشعب صوته مسموعاً"([12]).
سطوة الرأسمالية:
   أحسب أنّ الهاجس الأكبر - وإن لم يكن الأظهر - وراء هذه الانتفاضة المفاجئة هو الخشية من سطوة الرأسمالية التي لا ترحم، والتي صارت تهيمن على القرار السياسي، وعلى حد تعبير بعضهم: "إنَّ عالما فيه رئيس أمريكي يصدر القانون تلو القانون المحابي لمصالح الشركات الكبرى، ولروبرت ميردوخ سلطان أقوى من سلطان توني بلير، وتضع الشركات الكبرى فيه الأجندة السياسية، إنما هو عالم مخيف وغير ديمقراطي، وقد تبدو فيه فكرة أخذ الشركات الكبرى دور الحكومة سائغة من بعض الجوانب"([13]).
   إنّنا رغم ذلك كله لن نكون سعداء بانهيار أمريكا مع صعود الصين وروسيا الأكثر وحشية وهمجية، وربما أقصى ما نتمناه أن تتمخض الأحداث عن نظام جديد متعدد الأقطاب؛ تخف فيه القبضة عن عالمنا الضعيف؛ لكن التطلع اللائق بنا يكون في الإجابة على هذا السؤال: أين دورنا نحن؟
([1]) عالم ما بعد أمريكا - فريد زكريا - ترجمة بسام شيحا - الدار العربية للعلوم ناشرون - ط أولى 2009م صــــــــــــــــ57
([2]) عالم ما بعد أمريكا - فريد زكريا - ترحمة بسام شيحا - الدار العربية للعلوم ناشرون - ط أولى 2009م صــــــــــــــــ54
([3]) عالم ما بعد أمريكا - فريد زكريا - ترحمة بسام شيحا - الدار العربية للعلوم ناشرون - ط أولى 2009م صــــــــــــــــ62
([4]) عالم ما بعد أمريكا - فريد زكريا - ترحمة بسام شيحا - الدار العربية للعلوم ناشرون - ط أولى 2009م صــــــــــــــــ11
([5]) سيد قطب - مجلة الرسالة - عدد 959 ص 1302 ، عن كتاب أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب، صلاح الخالدي، دار المنارة  ص 30
([6]) راجع: سيكولوجية الجماهير - غوستاف لوبون - ترجمة هاشم صالح - دار الساقي - ط أولى 1991م صـــــ 66
([7]) منير شفيق - الحياة: 24/2/2002.
([8]) منير شفيق - الحياة: 24/2/2002.
([9]) روح الإرهاب - جان بودريار - ترجمة بدر الدين عمرو زكي - الهيئة المصرية العامة للكتاب - مكتبة الأسرة - ط 2010م صـــ88
([10]) صحيفة الدستور بتاريخ 14/12/2005
([11]) ماذا يريد العم سام؟ - نعوم تشومسكي - ترجمة عادل المعلم - دار الشروق - القاهرة - مصر - ط أولى 1998م - صــــ53
([12]) كراهية الديمقراطية - جاك رانسيير - ترجمة أحمد حسان - دار التنوير القاهرة بيروت تونس - ط أولى 2012م - صــــــــــ 66-68
([13]) السيطرة الصامتة - الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية - نورينا هيرتس - ترجمة صدقي خطاب - عالم المعرفة عدد 336 - ط 2007م صــــ 19
نشر في 11‏/6‏/2020