الدرة
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الخميس، 3 أبريل 2025
نزيفُ غزة ووحوش الأرض!
فقه القدوم على الله… كيف نُعدّ أنفسنا للقاء الله؟
فقه القدوم على الله… كيف نُعدّ أنفسنا للقاء الله؟
لا شك أن السؤال عن مصير الإنسان بعد الموت، وعن كيفية الاستعداد لتلك المرحلة، هو من أهم الأسئلة الحتمية والمصيرية التي تلاحق بني البشر منذ بداية وجودهم على هذه الأرض.
ويزداد هذا السؤال والإجابة عليه أهمية في هذا العصر الذي نعيش فيه، وهو العصر الذي كثر فيه الاضطراب الفكري، وازداد فيه الانحراف العقائدي، وانتشرت فيه الفلسفات العدمية والعبثية والوجودية، وغيرها من الفلسفات الضالة التي تحرف الإنسان عن وظيفته الأساسية في هذه الحياة.
وفي الحقيقة، فإنه لا إجابة شافية عن هذا السؤال سوى ما تضمنه الوحي الإلهي، ونزل به على قلب الأنبياء والمرسلين، وآخر ذلك الرسالة الخاتمة، والوحي المحفوظ الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأن المؤمن بهذه الرسالة قد وجد الحق الساطع، والحقيقة المطلقة التي لا ريب فيها، فإنه يعلم أن سيلاقي خالقه بعد الموت، وأنه سيحاسب على معتقداته وأفعاله وأقواله كلها أمام الله سبحانه، وهو ما سيؤول به إلى جنة عرضها السموات والأرض، أو نار جهنم التي أعدها الله للكفار والمشركين والعصاة المتكبرين.
فإن من أعظم ما يمكن أن يفعله المسلم، وأن يحرص عليه في حياته الدنيا، الإعداد للقاء الله تعالى بقلب سليم، وعمل صالح يُكسبه رضا الله سبحانه ويُدخله الجنة وينجيه من النار، وذلك هو الفوز العظيم؛ وذلك لمعرفته ويقينه بأن هذا هو الهدف الأسمى والغاية العظمى التي ينشدها المؤمنون في اليوم الآخر، فهو يعيش أيامه كلها يذكر الموت، ويُعدّ له ولما بعده مستحضراً قوله تعالى: ﴿ كلّ نفسٍ ذائقة الموت ۗ وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة ۖ فمن زُحزح عن النّار وأُدخل الجنّة فقد فاز ۗ وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور﴾ [آل عمران: 185].
وإن معرفة طرق وسبل وشروط تحقيق ذلك الفوز العظيم تشكل ما يطلق عليه البعض اصطلاحاً “فقه القدوم على الله”، وما أحرى المسلمين جميعاً بأن يستزيدوا من تعلم هذا الفقه والعمل به.
وهذه الغاية عظيمة تستوجب تقوى الله تعالى بالعمل بما يرضي الله تعالى، واجتناب المنهيات والمحرمات، والاحتكام إلى شريعته بالقول والعمل، وأداء الفرائض، والاستزادة من النوافل، والتحلي بفضائل وأخلاق الإسلام، كالإخلاص والصدق والصبر والعدل والرحمة والكرم وغيرها. والحقيقة أن تلك المهام ممكنة وليست مستحيلة على الذين هدى الله من المؤمنين والخاشعين، قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصّبر والصّلاة ۚ وإنّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشعين** الّذين يظنّون أنّهم مّلاقو ربّهم وأنّهم إليه راجعون﴾ [ البقرة: 45-46].
والله تعالى لا يكلف العباد شيئاً فوق طاقتهم، ولا يكلفهم إلا بما وصلهم من العلم والوحي وما يسعهم فعله، قال سبحانه: ﴿لا يكلّف اللّه نفسًا إلّا وسعها ۚ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [ البقرة: 286]، وقال سبحانه: ﴿لينفق ذو سعةٍ مّن سعته ۖ ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه ۚ لا يكلّف اللّه نفسًا إلّا ما آتاها ۚ سيجعل اللّه بعد عسرٍ يسرًا﴾ [الطلاق: 7].
فالإيمان وفق العقيدة الصحيحة، والعمل بما توجبه وتقتضيه، هو أساس العدة لذلك الموعد العظيم وشرط القبول فيه، قال تعالى: ﴿بلىٰ من أسلم وجهه للّه وهو محسنٌ فله أجره عند ربّه ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ [ البقرة: 112]، وقال سبحانه: ﴿وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون ۖ وستردّون إلىٰ عالم الغيب والشّهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون﴾ [التوبة: 105].
ولا ريب أن تقوى الله تعالى هي خير زاد يتزود به المؤمن، وهي مفتاح الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، قال تعالى: ﴿وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى واتّقونِ يا أولي الألباب﴾ [البقرة: 197].
والتقوى كما عرفها سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي “الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”.
وهي شرط سلامة القلب، فالمسلم يجب أن يتعهد قلبه بما يطهره من نوازع الكفر والشرك والنفاق والرياء والشهوات وحب الدنيا، قال سبحانه: ﴿ولا تخۡزني يوۡم يبۡعثون* يوۡم لا ينفع مال ولا بنون* إلّا منۡ أتى ٱللّه بقلۡب سليم﴾ [الشعراء: 87-89].
وإن تقوى الله تعالى من موجبات ولاية الله تعالى للعبد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿اللّه وليّ الّذين آمنوا يخرجهم مّن الظّلمات إلى النّور﴾ [النور: 257]، أي: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، وحاصل ذلك أنّه يخرجهم من ظلمات الشرور المتنوّعة إلى ما يدفعها من أنوار الخير العاجل والآجل، وإنّما حازوا هذا العطاء الجزيل بإيمانهم الصحيح، وتحقيقهم هذا الإيمان بالتقوى، فإنّ التقوى من تمام الإيمان. (السعدي، 1998، 63).
ولكي يتم ذلك الأمر لا بد من أن تستولي محبة الله ورسوله على قلب المؤمن، فتحوز المكانة الأولى دون غيرها، قال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من اللّه ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللّه بأمره﴾ [التوبة: 24]. وتستلزم هذه المحبة حب شرع الله تعالى، وحب ما يرضيه، وبغض ما يبغضه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنّ فيكم رسول اللّه ۚ لو يطيعكم في كثيرٍ مّن الأمر لعنتّم ولٰكنّ اللّه حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان ۚ أولٰئك هم الرّاشدون﴾ [سورة الحجرات: 7].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا للّه، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النّار” (البخاري: 16).
هذه بعض الأسس والشروط والواجبات التي يجب على المؤمنين بيوم الحساب أن يعدوا أنفسهم لها، فيكونوا بذلك ممن يتلهفون للقاء الله تعالى بنفوس راضية وقلوب سليمة مطمئنة، وهم يحملون كتبهم الناصعة وصحائفهم البيضاء. وبذلك يكونون في ركب من يحبهم الله ويحبونه، ويدخلون الجنة مع الأنبياء والشهداء والصالحين.
المصادر والمراجع:
1. الصلابي، علي محمد، (2011)، الإيمان باليوم الآخر.. فقه القدوم على الله، ط2، دار المعرفة، بيروت، 2011.
2. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، (1998)، التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، دار أضواء السلف، ط1، 1998م.
العدوان الإسرائيلي والصمت السوري!
تركيا هي المجال الحيوي الإستراتيجي لسوريا
تركيا هي المجال الحيوي الإستراتيجي لسوريا
لهذه الأسباب لن تُهزم "حماس"
لهذه الأسباب لن تُهزم "حماس"
حلمي الأسمر
بعيداً من الاعتقاد الراسخ لدى جميع من له علاقة (ولو طفيفة) بالصراع العربي والإسلامي - الصهيوني أن من المستحيل أن تُهزم حركة حماس فكرةً، فإن هذا المستحيل ينسحب على إمكان هزيمتها تنظيماً وحركةَ مقاومة، وهذه فرضية تبدو للوهلة الأولى من أشكال التعسّف غير المنطقي. في الوسع أن نسوق هنا جملة من "الحقائق" التي لا يريد أن يصدقّها لا العدو الصهيوني ولا من يدعمه ويشدّ على يديه، ويمدّه بأسباب الحياة لصناعة موت همجي متوحّش.
لم تعد حركة حماس مجرّد تنظيم فلسطيني، بل امتدّت "عقيدتها" القتالية لتصبح هواءً تتنفسه الملايين
مظلومية" المقاومة، و"حماس" في مقدّمتها، غدت واقعاً معاشاً في العقل الجمعي الغربي
تركيا وسورية بين تهديد العلمانية وخطورة مفهوم الأقلية السياسية
تركيا وسورية بين تهديد العلمانية وخطورة مفهوم الأقلية السياسية
إضاءات سياسية أمنية عسكرية
اعتقلت السلطات الفرنسية اليوم رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسية والنائبة في البرلمان الأوروبي عن فرنسا مارين لوبان، بتهمة اختلاس أموال عامة وحكمت عليها المحكمة بالسجن أربع سنوات.
استدعت المحكمة الإسرائيلية اليوم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو -وقبل يومين زوجته- وذلك في سياق اتهامات له بالفساد تهدد مستقبله السياسي وقد تودعه بالسجن بعد توقف العملية العسكرية، والتي يحاول نتنياهو أن يطيل عمرها لينجو من المقصلة.
فما بال بعض من يتغنون بالديمقراطية الأوروبية والإسرائيلية من الأحزاب العلمانية التركية لا يطيقون فكرة استدعاء المحكمة لرئيس بلدية في تركيا، والذي اتهمه بعض أعضاء حزبه بالفساد، وذلك بعد أن قدموا للمدعي العام شكاية واثباتات بفساد مالي جاوز ال560 مليون ليرة تركية؟
- إن العلمانية التي يشتد عودها في تركيا من جديد -مع كل رياح صحوة إسلامية- تشكل خطراً حقيقياً على حاضر ومستقبل سورية، وهي تخفي في أقفاصها وحشا جائعا لم تطلق سراحه بعد.
المخاطر المشتركة بين سورية وتركيا:
إن تمكين ونجاح التجربة الإسلامية في سورية هو منجاة مستقبلية لتركيا، وتعزيز لأهداف الإصلاح فيها.
أما الإخفاق والتقسيم المحتمل -لا قدر الله- على أرض الشام، فهو كارثة حقيقية على حاضر ومستقبل تركيا.
وإذا كان الغرب يدندن سياسيا حول مسألة الأقليات في سورية، فإن مسألة الأقليات يمكن أن تنحر تركيا داخليا -لا سمح الله-.
إن انفكاك التجربة الإسلامية الواعدة في سورية عن تركيا الحالية خطأ استراتيجي كبير، الأمر الذي يشير إلى ضرورة التنسيق في الكبير والصغير بينهما -خصوصا في الفترة الحالية-.
وخلاصة القول:
إن حراك العلمانية المتوحشة في تركيا بمثابة ثعبان يمكن أن يقضم سورية، كما أن تمكين الأقليات من المحاصصة السياسية في سوريا يشكل تهديدا مستقبليا على تركيا.
فهل وصلت الفكرة والرسالة؟
الأربعاء، 2 أبريل 2025
بيني وبينك.. رُحماك يا ربّ
بيني وبينك.. رُحماك يا ربّ
كيفَ يُمكن أنْ يكون العيدُ في غزّة؟ يُصلّون على الرّكام، ويسجدون على الحُطام، وينظرون إلى الهَدْم، ويقفون على الرَّدْم، ويرفعون أكفًّا قد رفعتْ أمسِ شهيدًا، ويمسحون على وجوهٍ قد أغاضَ الوجع بهاءَها، وصدورٍ قد ملأتِ الدّماءُ ثيابَها، وقد مرّ على الحرب الّتي سحقتْ كلّ شيءٍ عامٌ ونصف عام، لم يلتقطوا فيها أنفاسَهم، ولا شَبِعوا من خُبزٍ، وأينَ الخُبز؟ ولا ارتَوَوا من ماء، وأين الماء؟ ولا مسحوا دُموع الفَقد، وأينَ الدُّموع؟
في صبيحة العيد يُكفّن الآباء أطفالَهم بدلَ أنْ يُلبِسوهم الثّياب الجديدة، أكانَ بَياضُ الكفنِ قدرًا محتومًا على أهلِ غزّة؟! إنّهم يسيرون بأطفالهم إلى المقابر بدلًا من أنْ يسيروا بهم إلى المُصلَّيات، ويزورون بهم الدّيار المُقفرة بدلًا من البيوت العامرة، ويُودِعونهم في الحُفر والطّوامِي بدل أنْ يرفعوهم على الرّؤوس ويُلاعبونهم ويُلاطِفونهم.
غيرَ أنّ الله يَرى، وهو أرأفُ بهم منّا، وأرحمُ بضعيفهم من أرحمنا، ولا بُدّ أنْ يجبر كَسرَهم، وهذا ظَنُّهم بالله وظَنُّنا، وأنْ يُقيل عثرتهم، وأنْ يرفَع البلاء عنهم، وأنْ يمسحَ على جِراحهم فتعود بلسمًا، وتُزهر من طيبٍ، وتُثمر من رِضًا.
إنّ حالَ أهل غزّة دَرْسٌ، وعِظةٌ وعِبرة، وآيةٌ كُبرَى، يقفُ خطيبهم صبيحة العيد في العراء تُحيطُ به البنايات المُهدّمة من كلّ جهة، ويفترشُ المُصلّون التّراب، ولا يجدون حتّى سِجّادة صغيرة تحول بين جِباههم والرَّغام حينَ يسجدون، وتسمعُ خطيبهم يهتف: رغم الجِراح سنفرح، رغم الشّهداء سنستمرّ، رغم الخُطوب وصُروف الزّمان سنُكبّر، ورَغم أنفِ أعدائِنا سنعيش، إنّنا نُحبّ الحياة لله، الحياة الّتي يكونُ كلّ شيءٍ فيها له، الجِدّ واللّهو، الشُّغل والفراغ، الصِحّة والسَّقَم.
تقتلُ إسرائيل أكثر من مئة شهيدٍ في غزّة كلّ يومٍ منذُ أكثر من عشرة أيّام، بعدَ أنْ كانتْ قد توصّلتْ مع المقاومة إلى اتّفاق تهدئة قبل شهرين ونصف الشّهر، إنّ أهل غزّة يرون أنّ الهروب لا يكون إلاّ إلى الأمام، وأنّه إذا لم يكن من الموت بُدّ كما قال المتنبّي، فلا موتَ إلاّ موتَ الشُّجعان، موتَ الإقبال لا الإدبار.
إنّ شَجاعةَ أهل غَزّة نموذجٌ عزيز، وإنّه يقفُ في الصّفوف الأولى من شجاعة الشّعوب عبر التّاريخ، ولكنّهم إلى ذلك بشر، لهم حاجاتهم وآمالُهم وآلامُهم وتطلُّعاتهم، ولهم غَدُهم الّذي ينتظرونه كما تنتظره الشُّعوب الحُرّة، ولهم شمسُهم الّتي ينتظرون أنْ تُشرِق بعدَ أنْ طال اللّيل وطَمّ وَعَمّ.
فيا ربّ غَزّةَ ارحم أهلَ غَزّةَ، وانظر إليهم بعين عنايتك، فإنّهم والله مكلومون كَلْمًا يسيلُ نزيفُه إلى البحر فيكادُ أنْ يملأه، وإنّهم لا نصير أعزّ منك، ولا ملجأ آمَن من ملجَئِك، ولا ملاذَ أحنّ من ملاذك. فاستجبْ يا مَلِكَ كلّ شيءٍ.