‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف الدموكي صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف الدموكي صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 10 يونيو 2026

وااء.. أول نص في حياتي!

وااء.. أول نص في حياتي!

 يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


بطريقة أو بأخرى، يولَد الإنسان كاتبًا بطبعه، له القدرة على التعبير، يضرب خطوطًا في كل اتجاه، ثم مع الوقت يدرك أن تعديل مسارات تلك الخطوط تشكل حروفًا، تلك الحروف تمثل انعكاسًا لملايين التشابكات في داخله.
..
يمسك بالقلم ليرسم، رغبةً في كتابة شيء لم يجد الطريق إلى صوغه، فيختار تحويل النص إلى شكل هندسي، حتى انبعاجه يعني شيئًا بالنسبة له، وما إن يجد الطريق ليقول الشيء قولًا، فإنه من تلك اللحظة يكتسب قدرة الكتابة.
..
في تلك اللحظة، يختار الإنسان طريقه، فيواصل الكتابة، معبرًا عن مكنونه أو جنونه، خياله أو واقعه، دراسته أو أحلامه- أو يختار سَلك طريقة تعبير أخرى، لا تنطلق من الكتابة بل تبحث عن بديل لها، وفي رأيي كل تلك الطرق عبارة عن محاولات لإيجاد بديل أقل تعقيدًا عن "النص"؛ إذ النص هو أعقد طريقة مبسطة.
..
وعليهِ، فإن أروع فترات الفنون قد تجدها تقترن بأبدع عهود الإنتاج الأدبي، لأن البحث عن مهربٍ أو مَخرج "خارج النص"، ينطلق أساسًا من حسن النص، ومحاولة التجويد عليه في صورٍ بديعة موازية.
..
ولذا.. أرى تمكين الكتابة، كفعلٍ يومي بديهي، يحيل صاحبه إلى حياة أكثر اتساعًا من ضيقها، تخيل أن يكون الكون بلا سماء ولا آفاق؟ هكذا يبدو عقلك من دون صفحة فارغة تمد بها بصرك، كامتداد ملموس لأفكار غير ملموسة.
..
على ظهر صورة، أو بصدر ورقة، أو في جنبِ منديل، أو بجدار معبد.. كان الإنسان يبحث عن تلك الصفحة دائمًا، وإن استعصى عليه حملها، فإنه يحمل رأسه إليها، ليرى الآيات في نفسه وفي الآفاق.. وحينها.. يبدأ عقله بالحركة.
..
الكتابة فطرة، والنص فكرة؛ والكاتب من صاغ الندرة من عين الوفرة.

الأحد، 17 مايو 2026

كيف تبدو بيوت الأغنياء من فوق "مونوريل" القاهرة؟

 كيف تبدو بيوت الأغنياء من فوق "مونوريل" القاهرة؟

يوسف الدموكي

فوق أعمدة إسمنتية ضخمة، وقضبان حديدية، كشاهد بين الأرض والسماء، لهؤلاء الذين دفعهم الفضول إلى مشاهدة كيف تبدو البلاد من الأعلى قليلًا، اتخذ مواطنون مصريون رحلة "المونوريل" (قطار كهربائي معلّق) نزهة ثقافية، ومصعدًا بين الطبقات الاجتماعية، حيث يركب الواحد منا مواصلات مُهملة تذكّرنا بأنّ جزءًا منا ما زال يقبع في العصور الوسطى، لكنه يريد أن يجرب وسيلةً "زاهية" تشعره ولو لساعة بالانفصال عن واقعه، وكأنه، يا عفو الله، مواطن في دولة مُتقدّمة!

يلمع زجاج المونوريل، يبتسم المواطنون في الداخل، بمشهد شديد السذاجة حول طينة الشعب المقهور، الذي يسيل دمه على الطريق الإقليمي، في حوادث شبه يومية، ثم يضمّد جراحه ليرى انعكاس وجهه في القطار المُعلّق اللامع، الذي لا يخدم إلا قلّة تقصد "الجمهورية الجديدة"، غير تلك التي عفا عليها الزمن وابتلعتها حضارتها ذات الآلاف المؤلّفة من السنين.

لكن العجيب، أنّ المونوريل نفسه، الذي افتتحته السلطة ضمن معالم "الفشخرة الكدابة" التي تأكل من لحم المواطنين وتشرب من دمائهم مقابل بيع "الأونطة"، لم يكن هو ما بَهَرَ المواطنين، وإن كان قد منحهم جرعة دوبامين بشأن النظر من الأعلى، لكن اللافت حقًّا، الذي تداولوه عبر منصّات التواصل الاجتماعي، كان "البيوت" التي يكشفها المونوريل، ويطلّ عليها من قرب، والتي لا تشبه بيوتهم بالمرّة، ليس حقدًا على الأغنياء ولا أسًى من الفقراء، لا سمح الله، لكن لمرارة مُعيّنة يستشعرها أهل مصر وحدهم.

الفراغ هو أعزّ مفقود وأكثر موجود في مصر

فما لفت هؤلاء، الذين قد يأوي أحدهم آخر اليوم إلى بيت آيل إلى السقوط، أو غرفة لا تصلح للاستخدام الآدمي، هي تلك "المساحات" المفقودة، المسافات الآمنة المُحترمة بين كلّ مسكن والآخر، والأشجار التي تزيّن وتكسو الفضاء بين الأماكن، أكاد أجزم بأن لا البهرجة ولا الفلل ولا القصور جذبتهم بقدر ما جذبهم ذلك الحقّ البسيط الذي لا يعجز عنه فقير ولا يعبأ به غني، وهو "النفَس النضيف".

ومع أنّ مصر فارغة ومُتكدّسة في الوقت ذاته، عن بكرة أبيها، فالفراغ هو أعزّ مفقود وأكثر موجود في مصر، حيث تُمدّد المدن أذرعها في كلّ اتجاه، مختنقةً من الزحام في قلبها، وكذلك يشعرك الفراغ خارجها بأنّك في بلاد أشباح، من سوء التخطيط، وسوء الإدارة، وسوء الحظ عمومًا، من باب التسليم بحقيقة أنّ المصري "مخنوق" بالفطرة.

تُمدّد المدن أذرعها في كلّ اتجاه، مختنقةً من الزحام في قلبها

هكذا بدت مصر من فوق المونوريل، مصر التي اشتاق إليها أهلها، كأنّما يمرّون من فوق سجن شديد الحراسة، هم في السجن، ومن يعيشون داخل المدن المسوّرة في الفردوس المفقود، الشجر، المساحة، والمساحة، والشجر، لا شيء آخر، الحجارة كلّها تهون أمام ما يرون، ولا فرق كبيرًا إن عاشوا في قصر أو في قبر، ما داموا قادرين على التنفّس بما يرضي الله، لكن الأزمة هي استكثار ذلك عليهم، في هندسةٍ كاملةٍ للإمساك بزمارة رقابهم، حتى لا يأملوا أن يعيشوا في أرضهم كبشر عاديين أو مواطنين صالحين، فثمّة طرف ثالث مجهول في مصر -هو ذاته الطرف الأول في أغلب الروايات- يخنقه الشجر، ويشعره اصفرار الجو بانتماء رهيب، إلى القبح، الذي ألفته رئتاه.



الأربعاء، 6 مايو 2026

هل يُسرّع الذكاء الاصطناعي انهيارنا العصبي؟

هل يُسرّع الذكاء الاصطناعي انهيارنا العصبي؟




أرهق الذكاء الاصطناعي أعصابي. وقبل أن يسارع أحدهم إلى إرسال هذا المقال إلى نموذج مدفوع ليردّ عليّ رداً نارياً، أوضّح أنني لست ضده، ولا أحمل له ضغينة - حاشا لله - فهو في النهاية "جيشٌ ملياري"، ولست سوى فردٍ واحد حباه الله قريحة ذاتية، لا تشكيلاً من مليارات البيانات.

المسألة ببساطة أن هذا السيل الكميّ الهائل من المحتوى - منشورات لا تنتهي، وإسهابات لا تنقطع، وفقرات كأنها سلسال أبدي - تحوّل إلى صداع يومي، حتى غدا "النص الطبيعي" سلعة نادرة، والفكرة الأصيلة ضالةً مُضنية. 
فجلّ ما يُنتج اليوم يبدو كأنه صادر عن "اشتراك" واحد، مهما تعددت الأسماء.

تقابلني نصوص منمّقة، كلماتها مكدّسة بالمرادفات، وأسلوبها متكرر رتيب، أو مرتب لكنه ركيك. 
لا شيء فيها يوحي بالجِدّة؛ كأنها فضلات نصوص بشرية أُعيد تدويرها: هذا جزء من تلك، وتلك المقابلة قرأتها للمرة الألف. حتى أطوال النصوص باتت متقاربة على نحوٍ يثير الريبة؛ 
هل يُعقل أن يمتلك الجميع عدد الحروف نفسه للتعبير عن نفسه، مهما اختلفت المواقف والمجالات والمشارب؟

تتنقّل من نص إلى آخر، فلا تكاد تعثر على فارق يُذكر بين كُتّابها. وحين تعود إلى الأسماء، تدرك أن ثمة "هويات كتابية" متعددة لكاتبٍ واحد، أو لأسلوبٍ واحد على الأقل.

ومع ذلك، ومن دون جمودٍ أو تجنٍّ، لا أدعو إلى التخلي عن أداةٍ يسّر الله فيها بعض الخير لعباده، وإن حفلت كذلك بشرّها الظاهر والباطن. 
ما أرجوه هو التوسّط. فهذه التحديثات "المرعبة" - كما يحلو لبعض صنّاع المحتوى المأجورين تسميتها - تمثل الحلم الأكبر للرأسمالية، لكنها في الوقت نفسه تهديدٌ للرأس الإنسانية نفسها.

لقد انقلبت المعادلة: صارت الأفضلية لمن يُنتج أكثر، وأسرع، وبصورةٍ مفرطة، لا لمن يُبدع أفكاراً أعمق، وأصدق، وأرسخ أصالة. 
والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي، المعتمد على مليارات الأفكار البشرية، قد يُسهم - إن استُهلك بلا وعي - في إعدام الفكرة نفسها، حين يجفّ منبعه الأصلي. 
عندها لا نرى سوى ما نراه الآن: 
آلاف المنتجات المتشابهة يومياً، ومصادر يكاد ينعكس بعضها في بعض.


المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، المعتمد على مليارات الأفكار البشرية، قد يُسهم—إن استُهلك بلا وعي—في إعدام الفكرة ذاتها

اليوم، صادفت نصاً لكاتب عادي، ثم قرأت مقالاً شعرت معه أنني عدت خمس سنوات إلى الوراء دفعةً واحدة. 
وفي اليوم نفسه، قرأت كتاباً حديثاً، أحسب أن صاحبه لم يكتب فيه كلمة واحدة خارج وحي فكره الخصب. لم يُخضعه لمراجعة نموذجٍ ذكيّ ليُضفي عليه عبارات باهرة من قبيل: 
"لقد وضعت مانيفستو متكاملاً" أو "ينقصه كذا ليصير دستوراً منهجياً". 
بل تركه لميزان التجربة البشرية الخالصة، خالياً من أي "مواد صناعية".

ما أخشاه حقاً أن يقودنا التطبيع مع هذه السرعة، وهذه النمطية في المبنى والمعنى والتعبير، إلى فرض "حد أدنى" صارم لا يُقبل ما دونه، و"قوالب مثلى" لا يُسمح بالخروج عنها، و"تعبيرات فُضلى" لا يُستساغ سواها. 
حينها سنغرق في عصر "الزبد الحديث": 
كثيرٌ من الرغوة، قليلٌ من الماء؛ جفاف قاس، وعطش معرفي، وعقول تنتفخ بلا جدوى.

فاللهَ اللهَ في عقولكم وقرائحكم. 
ثمة مسافة شاسعة بين الطبيعي الذي تُنتجونه، على ما فيه من نقص، وبين كمال مُشتبه تُفرزونه على ما يبدو فيه من اكتمال. 
أما أنا، فأذوب اليوم هياماً بذلك النقص الطبيعي؛ إذ بات الكمال المصطنع، في نظري، تشوّهاً لا يُطاق.

الأربعاء، 22 أبريل 2026

جزيرة "إسمَنتين"!

 جزيرة "إسمَنتين"!


يوسف الدموكي

أرض معزولة شرق القاهرة، تُحيطها الأسوار من جميع الجهات، ممنوعٌ الوصول إليها إلّا للمنتمين إليها، ومحجوبٌ رؤيتها على المحرومين منها. جنةٌ فانتازية كتلك التي تراها على سطح المكتب كلما فتحت حاسوبك المُغبَّر بركام الجو وتراكم المهام. هي جزيرةٌ مُسيّجة بما هو أكثر عزلاً لها عن الماء، حيث الحجارة المُتعالية، والأبراج المراقِبة، وعلى حدودها الفاصلة سورٌ له باب، يخالونه "آخرة العز" بباطنه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب، إذ لا فرصة لالتقاء العالَمين ولو صدفة، ولا يمكن للحرافيش التعرقل ولو في أحذية البشوات، الشعرة الوحيدة التي يُسمح (بحكم الحتمية) بالتقاطع فيها هي "نقطة السكيوريتي" حيث ذلك الحارس الغارق في عرَقه، وهؤلاء الغرقى بالجرعات الزائدة من عطورهم الغربية، تحت لوحة مدخل "مدينتي"، وعمودها الفقري الجديد "ذا سباين"، الذي أشبه ما يكون بسكين تشق خاصرة البلاد.

بسبعة وعشرين مليار دولار، أو كما يحبّ رئيس الوزراء "تمصيرها" 1400 مليار جنيه، في وطنٍ يتنشّق على الـ1400 جنيه، تفتتح الحكومة برفقة المُدان سابقاً في قضية قتل سوزان تميم والمُعفى عنه رئاسيًّا، هشام طلعت مصطفى، مدينته الجديدة داخل "مدينتَي" الجديدة، إذ تتكاثر الوحدات "المُمليَنة" على مدّ البصر، نتيجة تكاثر غير شرعي بين الحجر والخرسانة، ليُنجبا جزراً إسمنتية جديدة، معزولة عن السكان الأصليين، تُدار فيها شبكات "القبح" لا "القباحة" وثمّة فرق دلاليّ في اللهجة المصرية بينهما، لكن النتيجة مُتقاربة: خطيئة استرخاص الإنسان.

على سلمٍ تحت جناح الطريق، خلال رحلتي اليومية إلى جامعة القاهرة قبل أكثر من عقد، كانت سيدةٌ تسكن بَسطة السُلّم، ربما تعود نهاية اليوم إلى غرفة متواضعة تعيل فيها أبناءها، حيث كان أكبر همومها غياب الغسالة والبوتاجاز والثلاجة (لا أعلم ما الذي لديها بعد ذلك من أجهزة). 

أتذكّرها لا أعلم لماذا، لكنها أوّل ما ورد لخاطري حين تذكرت مخزوننا الاستراتيجي من الإسمنت، الذي يبني مدن أشباح، بينما البشر لا يجدون ما يسكنونه.

 يبنون في كلّ بحرٍ "جزيرة إسمنتينٍ" جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها

تلك السيدة، التي لم يكن لها مسكنٌ في الحياة سوى حافةٍ قاصيةٍ من قلبي ودعواتي، لا أعلم عنها الآن أيّ شيء. وربّما لم تجد ما يسترها إلى آخر عمرها أو في أحسن الأحوال عساها دُفنت في مقابر الصدقة، أو لعلها حيّةً في هامش غير مرئي كمئة مليون إنسان، لكنني متأكّد عن ظهر قلب أنّ ثمّة من سيسكن بسطة السلّم نفسه بعدها، وربما سلّمات أكثر في ذلك الدرَج، ومثلهم آلاف آخرون على جميع هوامش المحروسة؛ لأنهم "فائضون" عن الحاجة، وإن كان وجودهم ضرورةً نفسيةً حتى يشعر المُترَفون بفرق الطبقات، وإلّا لشعروا بأنهم (لا سمح الله) في أوروبا، والأكثرية سواسية.

مدينة أخرى، "ذا سباين" أو "ذا هارت" أو "ذا أي ابن كلب" لا فرق، المهم أنّ في قدرة البلاد دوماً أن تسعَ مدينةً أخرى، تستيقظ وتكاد تتقيّأ كلّ تلك الحجارة، فيكتمون فمها، يناولونها كوباً من الماء، حتى يلين الإسمنت ويصبح "مونةً"، ويترجونها "واحدة أخرى فقط؟"، فتسعل دماً، بينما يصبون فوقها مدينتهم الفاضلة الجديدة، للأعيان وأصحاب الأطيان، ليس من الأغنياء العاديين، الذين رُزقوا عن فضل الله وجهد وتعب، بل عن الذين نشؤوا نخبةً على جماجم العامة، وقمماً وهمية على أنقاض القاع الحقيقي أكثر من اللازم، يبنون في كلّ بحرٍ من العرق "جزيرة إسمنتينٍ" جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها.

والعزاء... أنّ لكل "إسمنتين" نهاية، وليس في القبح جميل سوى آخرته القريبة.

السبت، 14 مارس 2026

مصر.. وإعادة التدوير

 مصر.. وإعادة التدوير

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة,

في العصور المُظلمة من حياة الشعوب، حين يتولى أمورها من تلفظه حلوق أهلها، وتتقيّؤه رمالها وبحارها، يشي كلّ شيء في المكان بأنّ ثمّة غريباً يعبث هنا. فالدخيل يبين من أثر وجوده، لا يفهم المكان، فيحوّله إلى مسخ، ولا ينتمي إليه فيعامله بجهالة. كلّ شيء من تحت يديه يدعو إلى النفور؛ فالعاصمة لا تليق أن تكون عاصمةً لهذا المكان، عساها تكون ملائمة جدّاً، ولكن ربّما في جزيرة أخرى، في قارة نائية، أو في مسلسل فانتازي، أو في رواية رديئة متردية على أسفل الأرصفة وأزفت نواصي الطرق، والعمران لا يشبه السكان، لأنه انعكاس لرؤية طالبٍ متبلّد كان يحلم بدخول هندسة العمارة، وفشل في ذلك، فآلت به الأمور إلى سجن كلّ المهندسين، والانفراد بالقلم، والمسطرة، وبرنامج "الأوتوكاد".

مع الوقت، تترسّخ بصمة القبح أكثر. ومع تلاشي آخر ما تبقى للناس من جمال، يودّعون بكلّ أسى ما كانوا يعرفونه في بلادهم، الشجر والحجر والبشر. وها هي القباحات الجديدة تعود، شوارع بلا شجر، ونيل بلا كورنيش، وميادين بلا فراغات، كتل أسمنتية تعبّئ الفضاء العام، وسجون بيضاء تتوسّط الصحراوات المتباعدة، كأنّك غططت في أقذر كابوس رأيته في حياتك، لسببين: تارةً لأنّ كلّ تفاصيله مزعجة وصاعقة، والسبب الثاني أنّه لم يكن كابوساً، وإنما واقعاً متلبساً بهيئة حلم مزعج. أبقيت عينيك مفتوحتين ثلاث عشرة سنة ولم ينقضِ الكابوس ولم تعد للنوم من جديد. 

في لحظةٍ ما، يكون القبح قد وصل إلى أعمق قيعانه، وحينها تحدث نقطة ارتداد إلى الأعلى قليلًا، فالذي قطع الأشجار سيزرع غيرها في مكان آخر، وحين أغلق الكورنيش فعساه يفتتح حديقة عامة "صورية"، والذي غلّق المساحات ربما كان يفكّر بمساحة أكبر، لكن أحيانًا تتعطّل المعادلة، بفعل فاعل، وتكون الخيارات أضيق من منخاريه، إثر إدمانه القبح لدرجة إعادة تدويره، فلا يكتفي ذلك العياث في الأرض فسادًا بأن يقطع الشجر العتيق، بل سيضع مكانه شجرًا بلاستيكيًّا، ولن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين، ولا يكتفي بأن يهدم الآثار العتيقة، والمقابر التاريخية، بل سيريد أن يقتلع الترام من قضبانه ويبيعه خردة، بصدأ 150 عاماً تكوّن بفعل الزمان والإنسان عليه.

لن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين

ثم إنه لن يكتفي بالاختيار 1 و2 و3 و9، ولن يكتفي بالممرّ وكلّ حماقات محاربة "الأشرار"، بل سيدعو إلى "رأس الأفعى"، وما قبلها وبعدها، حيث لا يجب أن ينسى الناس قبح الزمن الذي يعيشون فيه، نحو مزيد من الإفلاس الأخلاقي والقيمي والدرامي والفني والإنساني والاقتصادي والسياسي، قبحٌ من فوقه قبحٌ، في المشاهد، والأفكار، والنقلات، والحبكة، كأنّ أحدهم قرّر أنه يجيد فعل كلّ شيء، فيلسوف الحكمة، وشاهين السينما، وعكاشة الدراما، كأنّما يكتب كلّ شيء، ويجيد كلّ فن، ويهب نفسه أهلاً لكلّ عيب، حيث "إن خرج العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب".

مصر، التي أبدعها الله آية في الجمال، وجمالًا لكلّ آية، أينما وجّهت عينك لا تأتي إلا بخير، بضحكة، بدفء، بيُسر، بجلال، لم تعد تجد في آفاقها إلا ياسر جلال، ورامز جلال، وبرنامج المقالب الأسوأ في حياتنا جميعاً، المستمر منذ 13 سنة، ولم يستأذن أحداً قبل أن يقول "ذِيع"، ومنذ ذلك الوقت ونحن نصرخ، افتح بنموت، وهو يضحك، ويتقافز في وجوهنا، كرامز، أخيه. 

الخميس، 26 فبراير 2026

حبيبي.. لن نشرب "التمر" هذا العام!

حبيبي.. لن نشرب "التمر" هذا العام!
يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

هنا، سأستأذن في أخذ راحتي قليلاً، لا أظن أمي ستصل إلى المقال الآن، على الأقل، وأنت ما زلت هناك، وعساها تقرؤه وتسيل مدامعها سكينةً، وأنت معها ومعنا، ذات يوم قريب. أتخيلك الآن نائمًا، بعد قيام طويل، أممتَ فيه المساكين -أو المساجين- خلفك، بكيتَ وأبكيتهم، خاشعين خاضعين خائفين راجين، معجبين بصوتك النقيّ، وخشوعك الصفيّ، وترتيلك النديّ؛ يستمتعون بمدودك الطويلة، ونفسك السليم، واستطالة الضاد وسكتات الكاف والتاء، وجمال القلقلة كإيقاع خفيف في طبل الأذن، تتمزّج بها، وتمزّج، تترقى في التلاوة كأنما تقوم على غمامة، والمصلون على إثرك في السماء الثانية. 

تنام يا حبيبي، وأنت الذي كنت تستثقل النوم على الأرائك لأنها دون الأسرّة، ونشكو فيك "اللعبِية" والمزاجية مع التقلب بين المسؤولية والتفريط، ونضحك من شرهك الشرائي ونقول أكلما اشتهيت اشتريت، ونعتب عليك ضيق عقلك أحيانًا، ثم ننسى كل شيء مع أول ضحكة ترسمها على وجوهنا بخفة دمك منقطعة النظير، وهذا ليس لأنك كنت متأخرًا في المراهقة، ولا طفلاً كبيرًا، وإنما كنت في ذلكم كله تعيش مرحلتك، وتحيا عمرك كما شِيء له أن يكون، فكيف لا وأنت حينها دون 20 عامًا، السنّ الذي لم يفهمها الأوغاد الذين وضعوا القيد في رسغيك المتوضئين، ويديك البريئتين، ووضعوا الغمامة على عينيك الثاقبتين يا أُخيَّ!

قلبي يؤلمني، أكاد لا أستطيع فصل صورتك عن عقلي، 7 أشهر كثار وثقال يا صغيري، يوم اقتادوك ليس لشيء، سوى أنك ابن عائلتك، واسمك يشترك مع أسماء إخوتك في اللقب نفسه، عاملوك كورقة، ولم يعرفوا الشجرة التي بداخلك، مثمرةٌ يانعة، حلوة عذبة، شديدة صلبة، وحانية ظليلة، كل شيء من صفات الأنس فيك، وكل فعل حميد كان مرفقًا بمحياك، لا أعرف مع من يعيش هؤلاء حتى يروا في تلك الملامح خصمًا، وفي ثناياك الباسمة عدوًا؟ من أي شيء خُلق السفلة الذين يطيقون سجنك خلف تلك الأطنان المؤلفة من الحجارة والحديد؟ صوتك وحده يذيب أي شيء، إلا قسوة قلوب السجّانة والطغاة.

حبيبي الصغير، تأكلني يدي، تزعجني أناملي التي تكتب هذا النص الآن، أشعر بأني أمام كابوس لطالما كنت أفرّ منه، وهو أن أتحول فجأةً من أخٍ يعدّل سيرتك الذاتية، يجوّد لك عروض العمل ومخاطبة العملاء وواجبات الجامعة، إلى "مرسل" يقصد "مرسلاً إليه" برسالة لن تصل الآن أبدًا، أحاول فيها تنميق الحروف واختيار الكلمات جيدًا، حتى لا تخطئ طريقها لعيون وقحة تعادي صبغة الله في الإنسان، الحب والوفاء والأصل، والحرية والكرامة والمروءة.

أشعر بأني أمام كابوس أتحول فيه فجأةً من أخٍ يجوّد لك عروض العمل وواجبات الجامعة، إلى مرسلٍ يقصد مرسلاً إليه برسالة لن تصل أبدًا، أحاول فيها تنميق الحروف حتى لا تخطئ طريقها لعيون وقحة تعادي صبغة الله في الإنسان

لم أكن أتخيل رمضان يأتي من دونك، لكن ما حجم هذا مقابل أن أتخيل الشمس تطلع علينا من دونك، والليل يأتي من دونك، وأنت دوننا في جب سحيق، ووادٍ بعيد، تُمنع فيه الزيارة، ويكبل خلفه الأحرار، وتجر بأرضه الأصفاد، ويُسجن الذين لم يجاوزوا الرشد، والذين اقتربوا من اللحد، والذين وُلدوا في المهد، ذلكم كله في مكان واحد، يرمَى إليه كل من قال لا، أو من عرف إنسانًا قال "لا" ذات مرة.

لم نجتمع على السفرة هذا العام، ولا 10 أعوام سابقة يا حبيبي، هي نصف عمرك، سوى السنة اليتيمة التي اجتمعنا فيها بعد 7 عجاف، فجمعنا كل ما يذكرنا بسنواتنا الخوالي، وغصنا حتى وجدنا التمر الهندي، مشروب طفولتنا المفضل، لنستحضر أيامًا قلائل من عمرنا الزائل، محاولين استجماع ما تبقى لنا من وسط ما سلب منا لأجل كلمة الله. ثم غادرتَ يا حبيبي، ثم غُدرت. 

اليوم، لم أغُص عن التمر، كان أمامي، أصبح يباع على بعد دقيقة من مكاني، لكنني لم أشتره، ليس لأنك غائب وحسب، ولكن لأنه المشروب الوحيد الذي لن يزيدني الشرب منه إلا عطشًا. إذ اكتشفت أن الريّ -يوم التقينا- لم يكن في التمر، وإنما كان في يدك.


الأحد، 18 يناير 2026

هذا النص ليس مكتوباً بالذكاء الاصطناع

 هذا النص ليس مكتوباً بالذكاء الاصطناع

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

بعد تجارب مستمرّة منذ مدّة، ومحاولات لتطويع الذكاء الاصطناعي بإنتاج مواد صحافية مُتماسكة، منها ما يُلائم صياغة مواقع التواصل أو غيرها، خلصت إلى أنّ تطبيق "الذكاء الاصطناعي" بكونه نموذج كتابة إبداعية جيّد للجيدين، لكنه ليس فائقًا كالإبداع البشري، وليس سيئًا كبعض إنتاجات الإبداع البشري أيضًا. هو ذلك الشيء الجاف، منزوع النفَس البشري، والروح الطبيعية، الذي مهما أدخلت إليه من معطيات، فإنّه يبقيك داخل دائرة نمطية مُتعدّدة النماذج، لكنها بالنهاية محدودة الإبداعية. فما يتفتّق عنه العقل البشري ليس مُمكنًا لنموذج لغوي يتغذّى من "الذاكرة" وليس من "العقل" نفسه، حيث منبع إنتاجه آتٍ من استيعابه لإبداعات الآخرين، وقولبتها في عدد من الأشكال، وليس عقله نفسه، لأنّه في الأصل ليس مطلوبًا منه أن يحلّ محل إنسانية الإنسان، لكن الإنسان هو من يطلب منه ذلك، جاهدًا، أن يخفّف ساعات العمل، أو يقلّل الجهد المبذول.

في المقابل، إنّ جهده البحثي أكبر بكثير مما يمكنني فعله بمفردي في مثل هذا الوقت، وبالتالي كان تطبيقه بالنسبة إليّ في تلك المساحة أكثر إفادةً بكثير، فما يستطيع البحث عنه في خمس دقائق ببحث مُعمّق، قد لا أصل إليه إلا بعد أيّام من التفحّص وقراءة التقارير والدراسات. لكن ما لم توجّهه، وإن تركته لنفسه، فإنه قد يهمل دلالات بين السطور شديدة الأهمية، قد تخدم "إبداعية مادتك"، لمصلحة خطوط عريضة عامة، وقد يفعل العكس، فيُهمل الأصل ويلتفت إلى التفاصيل، حسب النمط الذي يرى أنه الأمثل لمادتك، دون ترك مساحة كافية لبصمتك الإنسانية فيه.

دائرة نمطية مُتعدّدة النماذج، لكنها بالنهاية محدودة الإبداعية

لكنني أرى الأخطر من هذا وذاك، وهو أنّ كثيراً من النوافذ الصحافية باتت "إبداعية" بالقدر ذاته المُستخدَم فيه الذكاء الاصطناعي، وبالتالي تفقد القيمة "الإبداعية" نفسها، لأنّها مولّدةٌ بالطريقة الصناعية ذاتها، فترى النمط نفسه، وإن تباين بحسب السياسات التحريرية للأماكن. وعليهِ، يتضاءل العنصر البشري، الذي يقوّي منصّةً صحافية عن غيرها مثلًا، بفعل بحث المنصّات عن "الإنجاز" على حساب "التفرّد"، وحين تبحث عن "التفرّد" القادم من وعود تشات جي بي تي وجيميناي أيضًا، فإنه يتحوّل إلى "رتابة" مقنّعة، ويا أهلًا بالنصوص المتوحّدة، وفق فيض من "البرومبتس"، لا يبقي من تقدّم الكتاب شيئًا ولا يذر.

ولذا، أحبّ أنّ هذه الحرفة، فيها ما فيها من تطوّر، وأصالة، فيها ما يخدمك لتنجز نصًّا أكثر متانة، أو أدقّ لغةً، لكن من دون أن يحلّ محلّ عقلك في التفكير والترتيب، لأنّ الكتابة بأصلها (في ما أرى والله أعلم) ذروة من ذُرى العقل البشري، كالرسم، والتصميم، وبعض الفنون، التي وإن كان لها قواعد عامة، وأطر تُحدّد أشكالها، فإنّ المضمون ذاته يرجع إلى "فكرة" تتولّد بعطاء الله في عقل صاحبها، ثم تُترجَم إلى مرئيّ أو مسموع أو مقروء، بديع الجمال، متفرّد الابتكار، إن كان النص موفّقًا وصاحبه مُسدّدًا.

وعليهِ، أرجو أن تظلّ لتلك الحرفة، وغيرها، تفرّد لا يمسّه الذكاء الاصطناعي، لأنّ الغباء البشري أحيانًا قد يبدو نعمةً مدهشة بجوار مُعطياته.


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

عمّا تفعل الماشطة بالوجه العكر!

 عمّا تفعل الماشطة بالوجه العكر!

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

قالوا: "وتعمل إيه الماشطة بالوجه العكر؟"، والحقيقة أنها تفعل الكثير، فذلك الوجه العكر الذي يتربع على قمة التدخلات المجرمة في بلاد العرب، ويسلط العدو على الشقيق، ويستأثر بتسعة أعشار الشر في العالم له وحده، ويأبى إلا أن ينازع أقرانه على العُشر الأخير، لا يكتفي بأن يستأجر ماشطةً واحدةً تحاول تلميع صورته، وتهذيب شعره، ليبدو في ثوب الطيب الخيّر، الذي يجمع الشباب حوله، ويتبنى مشاريع صناعة وعي الجيل الجديد، فإنه سيأتيك بصيغة أخرى، في قمم المليار "ماشطة"، ليجذب عبر آلاف "المؤثرين" عيونَ ثُمن الكرة الأرضية، ليروه في ثوب المخلِّص، الذي لم يرتكب إبادة في السودان، ولم يدعم عدوًّا في غزة، ولم يدمر بلدانًا وعبادًا في دول أخرى.

يحرصون، حرصًا ليس عجيبًا، على أن يُرَوا بتلك الصورة التي تناقض فعالهم، ولا جُرم عليهم في هذه، فليست بأكبر من جرائمهم نفسها، لكن الجريمة هنا عند هؤلاء "المستخدَمين" أنفسهم، لاهثين خلف امتيازات، وإقامات ذهبية وصفراء وبيضاء، وليذهب السودان إلى الجحيم، ولتذهب حقوق الناس إلى جهنم، ولا بأس بالتطبيع مع مستوطن يدعس أخًا مصلِّيًا في خلاء فلسطين، أو جنديًّا يقصف رقبة طفل في غزة، فيما يفتح هذا "العكر" ناطحاته لتستوعب الكثير من مجرمي الحرب، وآكلي حقوق الناس، والهاربين من شعوبهم الثائرة، كأن البرج الذي يستضيفهم هو أطول سلة قمامة في العالم، تستوعب من المجرمين ما لا يسع مكانًا أن يستوعب، إلا "سقَر".

سترى مؤثرين في الغرب سيقاطعون أكبر امتيازات متاحة، ويخاطرون بفرص حياتهم، ويغامرون بخسارة تعاقدات تغنيهم سنوات، مقابل ألّا يستعملهم مجرم في تبييض صورته

ومع ذلك، فإنك سترى "مؤثرين" في الغرب، ليس مهمًّا رقم المتابعين ولا عدد المشاهدات في تقييمهم الآن، فمواقفهم أكبر مما ملكوا أو تركوا، سيقاطعون أكبر امتيازات متاحة، ويخاطرون بفرص حياتهم، ويغامرون بخسارة تعاقدات تغنيهم سنوات قادمة، مقابل موقف واحد، مقابل ألّا يستعملهم "مجرم" في تبييض صورته، ولا تلميع دويلته، لن يُدعى إلى مؤتمر يدعمه الاحتلال مثلًا ويجيبه، أو إن أجابه فلن يدع فرصةً لفضحه، وإن فضحه فلا يبالي البتة بما يخسر جراء كلمته، وليس ضعيف العقلية، مريض الهوية، سقيم المنطق، كمؤثرينا الذين يستكثرون على أنفسهم لحظة كرامة، يقولون فيها للقاتل إنك قاتل، أو يدَعون تلك المهزلة في صمت، ويغادرون.

بالعكس، يتكالبون كما الأكَلة على كل مائدة، يحتفون بكل ظبي وكل ضبع، يلتقطون الصور في مدن "الغسل" العالمية، غسل كل شيء، الذهب، والأموال، والدم، والوجوه العكرة، يساهمون بكل ما أوتوا من قوة، وجمهور، في تبييض يد السارق بعدما يسرق، وغسل يد السفاح بعدما يرتكب أطول سلسلة جرائم قتل في التاريخ الحديث، فبينما تقصف مسيّراته، ودعمه اللوجستي، وجسوره الممتدة من دون انقطاع، الأبيضَ ودارفور والفاشر والخرطوم، تتراقص الألعاب النارية في سماء بلاده، وتحتها مليار نجمة من "إنفلونسرز النكسة الحديثة"، الذين سيوعّونك تجاه كل شيء، التاريخ، والتكنولوجيا، والعلوم، لكنهم لن يذكروا لك شيئًا عن الحقيقة، فإنها شيء بسيط عندهم، من قبيل "تبسيط العلوم"، شيء على غرار "تبسيط الحقوق" أيضًا، تسطيح الوقائع، وتمجيد الجناة، وإزاحة الضحايا بالأقدام خلف المنصة.

لذلك، يا عزيزي المشاهد، بالله إن صرتَ من ذوي المليون متابع، أو دُعيت يومًا إلى قمم المليارات، أرجوك لا ترتكب تلك الحماقة المروعة، وتضع سهمًا في صدر أخيك، وتمسح بلسانك قطرة دم من وجه قاتله، فتلك جريمة أفظع بكثير من قتل أحدهم، لأنك -وبقدرة قادر- تبيّض وجه الذي قتل الجميع. ولذا نصيحتي من ضحية إلى مجرم؛ إذا ما أردت يومًا ارتكاب جريمة قتل، معاذ الله، فأن تقتل نفسًا بريئةً، أهون بكثير، من أن تبرِّئ -ببراءة مزجاةٍ- قاتلَ آلاف النفوس.


الجمعة، 12 ديسمبر 2025

لماذا لم نعد نسمع أخباراً عن السودان؟

 لماذا لم نعد نسمع أخباراً عن السودان؟

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة


هل انتهت الحرب، أو توقّفت المجازر، أو نَعِم السودانيون ببعض الراحة أخيراً، إثر هدنة ضمنية غير مُعلنة؟ 

هل ارتدعت القوّات الغاصبة التي تفتك بمفاصل الوطن الجريح؟ هل فُكّ أسر الآلاف من الرهائن في يد "الدعم السريع" ومن خلفه؟ 

هل انتهت "تلك الدولة" عن الدعم اللوجستي والعسكري والسياسي والمالي لمليشيات قطاع الطرق في الخرطوم وكردفان ودارفور؟

الإجابة ستأتيك في خبر قتل مليشيات حميدتي نحو 300 مدنيّ، أكثرهم من النساء والأطفال، في غارة بمسيّرة انتحارية على بلدة كلوقي بولاية جنوب كردفان، وعمليات إعدام وتصفية وقتل في المحافظة نفسها، فضلاً عن توثيق حالات اغتصاب وقتل وعنف جنسي ضدّ الأطفال، وفق المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك. 

والإجابة أيضاً في تقرير شبكة أطباء السودان الذي يوثّق احتجاز مليشيات قوات الدعم السريع أكثر من 19 ألف سوداني في سجونها بجنوب دارفور فقط، ناهيك عن بقية السجون في سائر البلاد. هؤلاء المحتجزون في "دقريس" و"كوبر" ومقرّات احتجاز أخرى غير مُعلن عنها، لا يسعك تخيّل الظروف التي يُحتجزون فيها، مع انتشار وباء الكوليرا، والأمراض المُعدية، والمجاعة والجفاف، فضلاً عن التنكيل بهم، والتعذيب، والاعتداء على النساء منهم، وكلّ ذلك، خدمةً لمصالح ضحلة، لا تجاوز غنائم السبائك من الذهب، أو المعادن الثمينة، كلّ تلك "الكنوز" اللامعة تكبر أمام حياة الإنسان، كمن يذبح طفلاً ليفتح مقبرة فرعونية، أنهار من الدماء هي ثمن رفع اللعنة عن الذهب السوداني، ولا يفهم الغبيّ أنّ تلك اللعنة، وإن رُفعت عن الذهب، فإنها بقيت لصيقة به حتى مصرعه، تجرّ عنقه إلى الأبد.

هدأ كلّ شيء "افتراضياً"، بينما زادت وتيرة التوحّش الحقيقية في الميدان

وبعد تصاعد "المأزق الإعلامي" لمليشيات الدعم السريع، برعاية أبو لولو، الفتى المدلّل لعبد الرحيم دقلو، وبقرصة أذن وتوجيه من "تلك الدولة" خفت كلّ شيء، وانطفأت كاميرات الجنود، وهدأت حسابات منصّة تيك توك، كأنهم قالوا لهم: من فضلكم، تعلّموا من إخوانكم في الغيّ من جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذين ما زالوا يلاحَقون بفعل ما نشروه على المواقع، ولو لم ينشروا لاستمتعوا بجريمة الاغتصاب التالية من دون ضجيج، ولأكلوا لحوم الأطفال وشربوا من دمائهم من دون أن يقول لهم أحد "بِمّ"؛ وعليهِ، هدأ كلّ شيء "افتراضياً"، بينما زادت وتيرة التوحّش الحقيقية في الميدان.

لم نعد نسمع عن السودان، لأنّ الجرائم المُرتكبة كان يوثّقها المجرمون أنفسهم، كان مصّاصو الدماء الساديون يستمتعون بتحوّل مذابحهم إلى "ترند"، ثم حين أُمروا، لم يؤمَروا بوقف المجازر ولا تخفيف حدّتها، بل فقط، بعدم التوثيق، أما الجريمة فمُكتملة، ومتواصلة، وتتمدّد، من ولاية إلى أخرى، وقد سقطت الفاشر، وانسحبت القوات الرسمية من أماكن أخرى دخلت إليها المليشيات من دون مقاومة، وتُرِك السودانيون وحدهم يجابهون المصير المحتوم، في وجه المصالح التي تسويها "تلك الدولة" هنا وهناك، في سبيل الحفاظ على الدجاجة التي تبيض لها ذهباً، ولو قتلت كلّ أهل المزرعة.

لذلك، الواجب ألا نضع نحن أقلامنا حين يضعون هواتفهم، وأن لا نلتفت حين يغمضون عيون ضحاياهم وفرائسهم، وأن لا تنطلي علينا خدعة القاتل كلّ مرّة، ليجعلنا شركاءه في الجريمة، وإن لم يكن لك سهمٌ ضدّه، فحتماً، سهمك مُسدّد نحو الضحية، 

فهل تطيق أن تعيش أو تموت وفي رقبتك ذلك النهر من الدم؟!

الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

"كارثة طبيعية"... كرهنا السلطة ولم نكره الإنجاب

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

بعد إقصاء عن الساحة الفنية امتدّ سنتَين، عاد محمد سلام بتأشيرة اضطرارية ظهر فيها أولاً أمام سيادة الرئيس في حفل "وطن السلام"، ليبثّ بعدها بأيّام أوّل مسلسل من بطولته، "كارثة طبيعية"، وهو العمل الثاني لكاتبه أحمد عاطف فياض، ليستعرض قصّة زوجين شابين في مُقتبل حياتهما، إذ تُقدم الزوجة على خلع "اللولب" خلسةً، ليُفاجأ الزوجان بحملها. 

وهي المفاجأةُ التي لم تكنْ مفاجأةً بما يكفي نسبةً لما سيأتي بعد قليل، حين اكتشفا أنّها حامل في خمسة أطفال، وامتدّت المفاجأة لتشمل طفلين لم يظهرا في السونار، فصارا أبوين لسبعة، ثم مفاجأة ضياع مولود، لتتعرّف الأم بالخطأ على طفل مجهول النسب، فانضمّ ثامناً للسبعة الإخوة. 

ومن هنا يسير المسلسل في سياق سخرية سوداء، لاذعة، بين المعاملات الحكومية العقيمة، وغياب دور السلطة في الرعاية، والضياع بين البيروقراطيات الساذجة، وتوظيف الإعلام "لترفيه" المواطنين، وتحويل المأساة إلى "حلقة لذيذة".

ضابط الرقابة، الذي ربما شاهد العمل على عجَلة، أو من دون فهم عميق، كما هو متوقّع، ربما قرأ الكتاب من عنوانه، وتخيّل أنّ ذلك ممّا يحقّق غرض سيادة الرئيس في إيصال معدّل المواليد في مصر إلى أقلّ من طفل واحد لكلّ أم، وأنّ ذلك سيُكرّه الناس في الولادة، ويعقّدهم من الخلفة، ويصبح "التوائم السبعة" الكابوس الذي يلاحق كلّ راغبة في الحمل، ويصبح "اللولب" طوقَ نجاة، إن تركته الزوجة غرقت وأغرقت البيت معها، مع تشديد رقابة الأزواج على زوجاتهم والسؤال بين حين وآخر عن متابعة وسائل منع الحمل، حتى لا تحدث "كارثة طبيعية".

كذا خُيّل لسيادة الرقيب، لكن الحقيقة، وربما هو شعور يشاركني فيه الكثير، أنّ ما شعرت به لم يكن الخوف من الإنجاب بل النقمة على السلطة، التي تحوّل الإنجاب إلى بُعبُع، فيما تفشل في رعاية المواطنين، وأبنائهم، بالحدّ الأدنى من الرعاية اللازمة، ولو لحالة نادرة نسبياً كتلك، لكن الأكثر إثارةً لإعجاب المواطن هو استعراض العمل لمسائل الغلاء والتضخّم في مساقٍ غير مبتذل، من دون سخرية هدفها تفريغ غضب مجتمعي وحسب، وإنما في تحميل المسؤولية لمن فرّط بها، وفي نقد جريء لقرارات "سيادية" نبعت من دماغ سيادة الرئيس نفسه، مثل "التعويم"، مع الإشارة لفساد وحوش الرأسمالية بالمناخ الاقتصادي المصري مثل شركة الاتصالات "بلو" التي يعمل بها محمد، بطل المسلسل.

عاد محمد سلام، وربما إلى سلام بلا عودة، لو فتح "الريّس" بالخطأ تلفازه، فأدرك أنّ الناس، على عكس المتوقّع، لم تكره الإنجاب، بل ازدادت كرهاً للسلطة

يمضي المسلسل مُستعرضاً في لحظات حرجة ومؤثّرة أثر الفشل الاقتصادي على الجميع، على الأسرة الصغيرة التي لم تحلم إلّا أحلاماً صغيرة أيضاً لكنها باتت مستحيلة، حتى مع بيعها كلّ شيء، بما في ذلك أثاث الشقة، لتحصيل ثمن تأشيرة عمل إلى الخليج، مهرباً وحيداً من "الكارثة الطبيعية" في مصر، وعلى الرجل الكبير من أيام الزمن الجميل، والد شروق زوجة محمد، حين أنفق كلّ ما ادخره، بالإضافة إلى معاشه، على تجهيز ابنته للزواج، بأجهزة ومفروشات بيعت بالفعل اليوم لتحصّل ثمن علبة الحليب وربطة الخبز، ثم حين يريد ذلك الأب المُتحسّر على ماضيه، وعلى حاضره الذي يتحجّج فيه بزيارة ابنته، بينما كلّ ما في الأمر أنّه يريد ألّا ينام جائعاً، ثم حين يريد أن يفطر سيأخذ من ابنته خمسين جنيهاً قد لا تكفي لغرضه حتى.

وصحيح، لم ينتهِ المسلسل بعد، وربما يكون المنعطف الدرامي (البلوت تويست) فانتازياً بما يكفي ليجاوز الرقابة، أو يغازل السلطة، أو يبعث برسالة ترضية نهائية "تُمَرهِم" السلطة (تداهنها)، حتى يمرّ المسلسل، لكنه العمل الدرامي الاحترافي الأوّل تقريباً وسط عشر سنوات جامدة، الذي يجرؤ على كسر جدار الصمت الفني، الذي اعتاد التطبيل للسلطة وامتهان الشعب، لا مجرّد السير بجوار الحيط. عاد محمد سلام، وربما إلى سلام بلا عودة، لو فتح "الريّس" بالخطأ تلفازه، فأدرك أنّ الناس، على عكس المتوقّع، لم تكره الإنجاب، بل ازدادت كرهاً للسلطة.




الجمعة، 21 نوفمبر 2025

غزّة.. لا ضامن إلا الله!

 غزّة.. لا ضامن إلا الله!

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

بعد وقف إطلاق نار "نسبيّ"، يُقتل فيه عشرة مدنيين من أهل غزّة كلّ عدّة أيّام، دون بيان من وسيط، أو ضغط من ضامن، أو شجب من دولة، يعود الاحتلال لحرب "نسبية"، يقصف فيها في ساعتين فقط عدّة مبان، ويوقع 27 شهيدًا، و77 جريحا، ويخلّف مكلومين جددا، ثكالى، أيتامًا، أرامل، ومليوني خائف أن ينام الليل فلا يصبح، أو يمضي بالنهار فلا يعود. أما الضامنون، الذين التقطوا الصورة الجماعية، وعقدوا مؤتمرات الاحتفال بالنصر الدبلوماسي المظفّر، وكادوا يقرّرون يوم الاتفاق عطلةً رسميةً كلّ عام، من نشوة الإنجاز الوهمي، لم يشاهدهم أحد منذ ذلك اليوم. المهم أن الاتفاق وُقّع، بضغط جماعي على الطرف الفلسطيني المكلوم والمُنكّل به، وانتصار للطرف الإسرائيلي المجرم بتحرير جميع أسراه من مدينة أحرقها بالكامل من دون أن يعثر عليهم، ثم ما يأتي بعد ذلك ليس مهمًّا، مهما كان.

ذلك الدم الفلسطيني العظيم، كيف هان إلى هذه الدرجة في عيون الجميع عدا الفلسطيني نفسه؟ كيف تحوّلت سيول الدماء القانية إلى "تجاوزات شكلية" لا تدفع إلى تعطيل الاتفاق أو استدعاء المفاوضين أو الضغط بأيّ أوراق ضغط؟ كيف صار جُرح الإسرائيلي المُستعمِر يستدعي القلق بأن يؤثّر على أيّ مسار، فيما مذبحة الفلسطيني لا تعني شيئًا سوى استمرار الفلسطيني في تقديم كلّ فروض الطاعة للمفاوضين والوسطاء حتى لا يحدث الأسوأ؟ ابتزاز بمليوني رهينة تحتجزها إسرائيل وأميركا والغرب والحلفاء العرب، هذا وإلا سيرى الفلسطيني ما لا يُحمد عقباه.

كيف صار جُرح الإسرائيلي المُستعمِر يستدعي القلق بأن يؤثّر على أيّ مسار، فيما مذبحة الفلسطيني لا تعني لنا شيئًا؟

في الحقيقة لا يتحمّل الفلسطيني وحده دمه الجاري، ولا عدوه الجاثم فوق سطره بساطور ومجنزرة، وإنما هي "فريضة" عربية وإسلامية، لا يتفضّل فيها الجار إن فتح الحصار ولا يتباهى فيها الشقيق إن نجح بوقف الحرب، بل عار كبير إن لم يفعلوا ذلك بكلّ ما أوتوا من مال وسلاح ونفوذ، وتلك بديهيات ومن توضيح الواضحات. القصّة ليست في الوضع الحالي الذي يعرفه الجميع، بل في الثمن الذي سيدفعونه عاجلا أو آجلا لذلك الهوان؛ ولا أحتاج أن أقول كم هو أحمق من يظن أنّ الفيلم انتهى عند هذا المشهد، هؤلاء الذين لا يكملون الخطّ لآخره، لا يعلمون أنهم سيستيقظون على احتراقهم في المحطة الأخيرة.

وعليهِ، فلا ضامن لغزّة إلا الله، ولا يحقّ لآدميّ أن يذكر فضله عليها بوقف حرب أو جلب "سلام"، أو أن يخال نفسه "قوةً" مؤثّرة عالميًا على أيّ مستوى، ما دام غير قادر على أن يفرض احترامه على من ينظرون إليه شزرًا بعين الإهانة والاحتقار، يخدعونه، وهو يعلم أنهم يبيعون له الوهم ولحن القول، لكنه يستعرض عضلاته الخيالية أمام أهل غزّة وحدهم، فيظن بذلك أنه يساوي شيئًا على خريطة العالم، على الرغم من أنه بالفعل يساوي الكثير، لولا المهانة التي اختارها لنفسها، والمذلة التي استمرأها، والخدعة التي يحبّ أن تنطلي عليه بسهولة، فيكيلون له المديح على وقفه الحرب، بينما يُقتل خمسون شهيدًا في "وقف الحرب" بليلة واحدة!




الخميس، 6 نوفمبر 2025

بين متاحف الأجداد وحتوف الأولاد!

بين متاحف الأجداد وحتوف الأولاد!

يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة



متحف مهيب يليق بحضارة عريقة، الحضارة بمعنييها؛ المُتجاوزة الإنسان إلى فنونه وعلومه وعمارته وإبداعه، والمُتجاوزة من الفن والعلم والعمارة والإبداع إلى الإنسان نفسه، وفي ذلكم روايات وحقائق، لا تنفي بمجملها عن المصري عظمة صنعه وبراعة يده، ولا تحجب عن الأفق شمس معرفته وإضاءته للأرض يوم كان فيها وحده أو مع قلّة نادرة حوله من حضاراتٍ أتت بعد مولده، فكان اجتماع تلك الآثار في مكان واحد ضرورياً، من نواحٍ بحثية وجمالية معاً، وتجاوزاً عن إنجاز ذلك من خلال قروض إضافية تتناوب فوق ظهر المواطن، الذي لا يطيق، ولو قشّة أخرى على كاهله، وتمنى لو كان "جده الأثري" عجوةً فيأكله حين تقرقر معدته كلّ ليلة.

الجرم هنا ليس في علّة القروض كما كلّ مرّة، ولا الخطايا الفنية التي اعتاد الشعب عليها في محافل كثيرة، ولا الابتذال في حالة النشوة الوطنية إلى حدّ التمني لو عاد بعض طغاة الفراعنة بالسوط فعبدهم الملايين؛ وإنما في "التوظيف السياسي" لتلك المومياوات، لإحياء مومياوات أخريات. فبينما يغرق المصريون في اليم، ويستغيثون من العطش لتآكل حصّتهم، ويتضوّرون جوعاً من السنين العجاف التي زادت على سبع يوسف بخمس، ويبكون دماً من ظُلمات السجن وغياهب الزنازين المُتواصلة منذ أكثر من عقد، ويفقدون أولادهم يوماً بعد يوم في قوارب الموت أو فرُش المعتقلات أو برصاص المتجبرين، يطلّ المتحف كمحاولة المهتز لإيجاد جذر يتثبّث به، وأصل يدّعي الانتماء إليه، كأن القدَم منذ الأزل يمنحه صكّ البقاء للأبد، ولو أمعن النظر قليلاً لوجد في سيرهم أكثر من غيرهم عبرةً بأنّ كلّ من عليها فان، وأنّ الظالمين لمغرقون، وأنّ العمارة، الجميلة كالهرم أو القبيحة كالكباري، لا تمنح أصحابها حقّ أن يكونوا معمّرين أبداً.

يطلّ المتحف كانسجام طبيعي مع محيطه، ويحلّ ضيوفه كحالة شاذة على التاريخ والجغرافيا

يطلّ المتحف كانسجام طبيعي مع محيطه، ويحلّ ضيوفه كحالة شاذة على التاريخ والجغرافيا، فلا يعقل أن يجتمع ذلك "القبح" مع تلك الحضارة، ولا أن يتماشى التخلّف الذي جدَّ مع التقدّم الذي كان، ولا علاقة لتقدّم السنين بمدى تطوّر البني آدمين، فالإنسان مهما بالغ في تأخّر ولادته يظلّ مرهوناً لعقله لا لظروف عصره، فقد يكون حاكماً مُبصراً عاقلاً عادلاً جميلاً قبل خمسة آلاف سنة، وقد يكون عكس ذلك كلّه بعد آلاف السنين. فسبحان الخالق!

وبينما يحتفي الخلق بالمتحف الجديد، أفكّر بأماكن أخرى، فكّرت مثلاً بإمكانية تحويل زنزانة ضيّقة إلى متحف، كان ذلك في "تخشيبة" معهد أمناء الشرطة (زنزانة الإيراد المؤقّتة) بمجمع سجون طرّة شرق القاهرة، يوم خطّطت اسمي بزاوية حادة من مسبحتي، على جدار السجن، وقد كنت في التاسعة عشرة من عمري، وقلتُ لعله يبقى شاهداً يوماً، حين تغلق تلك السجون، ومن ظاهر أبوابها سكانها القدامى، وقد حُرّروا، وقد حُوّلت إلى متاحف يرى فيها الإنسان حقارة أخيه الإنسان، في عصر ما قبل الآدمية، رغم كونه في القرن الواحد والعشرين! على مقربة من تلك "المتاحف" المُعطّلة، التي ما زال يعذّب فيها ستون ألف إنسان حتى اليوم، يشهد العالم المُتحضّر افتتاح "المتحف المصري الكبير".

الأحد، 26 أكتوبر 2025

التطوّر الطبيعي للنمر الورديّ

 التطوّر الطبيعي للنمر الورديّ

يوسف الدموكي

بعد كلّ خُطَب رفض التهجير، والتمسّك بغلق البوابات، ووضع الأقفال ودقّ الأسوار، والمشاركة في التجويع، بكلّ الذرائع المُمكنة، في قرارات ظاهرها "رفض التهجير"، وحقيقتها "خشية المواجهة"، يطلّ علينا النمر الورديّ، الذي يملك مقوّمات القوّة مع نزوات الضعف، وشراسة الظهير مع ميوعة الطبيعة، يمهّد للتعامل "الإنساني" وتلبية الاحتياجات للمدفوعين اضطرارًا نحو رفح، بلا خطط فعلية لرفض التهجير، ولا قوّة ردع حقيقية تَحول بين حدوثه، وبلا تهديدات فعلية تهزّ أركان تل أبيب، بل إنّها تثبت ما حاولوا نفيه طويلًا، فإنها شراكة كاملة في الإبادة، من التجويع حتى التهجير، فإننا سنجوّعهم حتى لا يهجّروا، ثم سندعهم يهجّرون حتى لا نتركهم جائعين، فلمَ كان ذلك الهوان من البداية؟ ألم يكن الموقف الحقيقي قادرًا على أن يمنع كليهما؟ 

أتخيّل في عالم ورديّ، تبدو فيه النمور حقيقية، والمواقف رجولية، والشهامة غريزة فطرية، والكرامة خلقًا إنسانيًا عاديًا، لا يُترك فيه الغزيون لمصيرهم وحدهم، بل تتضافر الجهود والعقول، والبلدان والولدان، حتى يذودوا عنهم، ويستثمروا كلّ خطّة لصالحهم، ويهدّدون بألف أداةٍ ردع تمنع عنهم عدوّهم، فيعينوهم بالغذاء والماء والدواء والكساء حين يُحاصرهم العدو، ويعينوهم بالسياسة في محافلها الحقيقية بعيدًا عن أشباه القمم في أسافل القيعان، ويعينوهم بالعسكرية في التلويح بالحلول الحربية، ويعينوهم بالدعاء والمال آخر شيء، وليس كأنّهم السبيل الوحيد في أمّة المليارين، وأمّة الأربعمئة مليون!

شراكة عربية كاملة في الإبادة، من التجويع حتى التهجير

لكن ها هي غزّة اليوم، تفرغ من أهلها، يُسحَل الشمال، وتُسوى المدينة بالأرض، ويُخلى الوسط قتلًا وذبحًا وحرقًا، ويُكدّس الجنوب، ثم يدفعون جميعًا بين فكّي كماشة، بين البحر وفرعون، نحو الحدود إلى رفح، حيث لا حلّ آخر، وحيث الوقت تأخّر عن كلّ شيء، وحيث ثبتوا كما لم يثبت إنسان، وكان صبرهم صبر أولي العزم من الرسل، وجاوزوا صمود زكريا يوم نُشر بالمناشير، وأُجروا بجلَدهم رغم أنوفهم، في أيّ خندق كانوا، ليقترب ستار النهاية من الهبوط على المشهد الكامل، مدينة مُحترقة بالكامل، مُتفحّمة، وسط قوم يجلسون في عواصمهم الزجاجية، قبل أن تلحقها عاصفة لا تبقي ولا تذر.

ويظنّ هؤلاء المغيّبون، وهم يشاهدون محرقة غزّة، أنهم سيفلتون من الحريق، لا يدركون أنّ ذلك الدخان المُتصاعد، إنما يتسلّل في خلاياهم، يزرع السرطان على مهل، يدور حول رقابهم، يتخفّى وراء حدقات عيونهم، يحوّل وجوههم إلى أقنعة من مسوخ، يعبّق الجو ويكسر مفاتيح الأقفال على النوافذ، يشاهدون المُحترق صارخًا، لا يجرؤون على رفع دلو ماء واحد يهدئون به النار التي تلتهمه، ويجبنون عن إطفائه بأيّ وسيلة أخرى، ويتصوّرونه تيسًا يُشوى أمامهم كتيسهم الذي يأكلونه كلّ يوم، غير منتبهين بالمرّة إلى ذلك الشعور الغريب في حلوقهم، كأنه يستأصلها شيئًا فشيئا، أنّ ثمّة معجزة ستنجي "إبراهيم" من النار المتقدة، بينما لا شيء سينقذهم من الموت اختناقًا، يومًا بعد يوم.


يوسف الدموكي

17 سبتمبر 2025

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

في بكاء من لا بواكي لهم

في بكاء من لا بواكي لهم

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

على حين غرة من الدنيا، وفي هامش الحياة الواسع، المُستعد لابتلاع ثمانية مليارات إنسان من دون أن يُبالي أحد من الملايين البقية، وفي بقعةٍ مُنطفئة من العالم، غارقة في ظلمات بعضها فوق بعض، لا تكاد تضيء إلا من طلوع شمس مُثقلة بدخان الليل، أو بغارة تشعل العتمة، فتلقي بالشهود في فراغ سحيق، يقولون ليتك ما أضأت أبدًا، إنسانٌ بلا مأوى، وعائلة بلا عائل، وصغار كثر منسيون، ساقطون من الملفات الممحوّة من السجل المدنيّ عن آخرها، وأسرى في طيّ النسيان، لا أهلوهم تبقوا حتى يستعلموا عن أسمائهم، ولا المعنيّون يعلمون بوجودهم في قوائم الأسرى، ولا الاحتلال سيُعلن أنّ هؤلاء عنده، كأنهم بين ذلك الثلاثيّ في مثلث برمودا، ولا أحد سيسأل، لأنه ببساطة لا أحد سيتذكّر!

شابٌّ مقطوع من شجرة، خرج مع قوافل العزّ يوم خرج الأولاد يوم الطوفان، لا يعلمه إلا نفر قليل في سريّته، ففُقد يوم عاد بعضهم وقُتل الآخرون، ثم قُتل البقية العائدون بعدها، فلم يدرِ به أحد، لا وُضع اسمه في لوحات الشهداء، ولا كتب أحدٌ فوق كفنه "مجهول"، ولا كفن يُكرّم بدنه، ولا بدن يستحق الكفن. كلّ شيء وُلد وانتهى في الأرض ذاتها، كفرعٍ مقطوع من شجرة، استحال حطبًا. أما أخونا، فاستحال وافدًا جديدًا على أهل الفردوس، يعرفه الناس هناك، وقد مضى من الأرض لا يعلم به أحد، ولا يعبأ له أحد.

لا وُضع اسمه في لوحات الشهداء، ولا كتب أحدٌ فوق كفنه "مجهول"

شلوٌ تبقى جوار حذاء مهترئ، وساعة يد، وقنينة ماء فارغة، لا شيء آخر في المكان يدل على أحد، ولا حتى صف الأسنان المرسوم على عظام الجمجمة. لا أحد سيتعرّف إليه، لأنه ببساطة لا أحد يعرفه، سوى أمّه التي سافرت في أوّل الحرب، وشقيقته التي علقت في الشمال. لا هواتف ذكية ولا حسابات فيسبوك، ولا شيء سيتعرّفون من خلاله إلى ما تبقى من ذلك المنسيّ، لأنّ الذي التقط الصورة، وكان احتمال واحد في المليون أن يعثر عليها أحد، فُقد في طريق العودة، ويا للقدر العجيب، بالساعة ذاتها قالوا إنّ غارةً مزّقت شابين ألف قطعة، فلم يتعرّف إلى بقاياهما أحد.

وطفلةٌ، على ناصية بين التقاء شارعين "سابقاً"، على أنقاض مربّع مدمّر حديثًا، تحمل نصف صورة مُمزّقة، ونصف قلب، ونصف ذاكرة، حيث تغطي ربطة الشاش فوقها النصف الآخر من الرأس الصغيرة. تحاول أن تبقي عينيها مفتوحتين طوال الوقت، عساها تلمح قادمًا من بعيد، أو أمًّا وعدتها بأن تأتي بالمياه بعد ساعتين، أو يوم، على الأكثر. لكن لا أحد يأتي برطلي مياه في سبعة وثمانين يومًا يا أمي، ولا أحد يأتي من نقطة المساعدات بعد ثلاثة أشهر في الطابور.

وحيدة، مكانها، تحاول أن تلمح في الأفق شيئًا غير شلوٍ تبقى جوار حذاء مهترئ، وساعة يد، وقنينة ماء فارغة.



الخميس، 16 أكتوبر 2025

"حرب أهلية" لا أهل لها!

"حرب أهلية" لا أهل لها!

ابتهاجات، واحتفالات، وفوضى أممية عارمة، ضجيج في القاعة، مباركات بين الساسة، ومهرجانات فوق الطاولات، البعض يكاد يرقص لأصحاب الفخامة والسمو على الترابيزة، فالحدث جلل؛ بريطانيا التي سلّمت فلسطين لعصابات من اللصوص وقطّاع الطرق تعترف بتلك الأرض التي سلّمتها وأهلها لمجازر ذبح أهلها بالسكاكين، وبلدان أخرى، بقصد ومن دون قصد، تظنّ الاعتراف بما هو مُعترف به إنجازًا، كأن تقول إنني أعترف أنّ هذا الجبل جبل، وهذا النهر نهر، بغضّ النظر عن تسميم مياهه، وقتل أسماكه، والفتك بغواصيه، وتدمير البيوت القائمة على ضفافه ونواصيه، لكنني بالنهاية أعترف بالحدود، والجغرافيا، من دون اعتراف بالتاريخ، سأعترف بالأراضي ما بعد احتلالها، ولكن بشرط، أن نُسقط اعتبار أنها محتلة من الحسبان أصلًا.

وماذا عن سكان هذه الـ"فلسطين" التي اعترفتم بها من باب نكايات سياسية، أو امتصاص لأزمات داخلية، أو احتواء لجموع غاضبة ستؤثّر على انتخاباتكم القادمة؟ ماذا عن الفلسطينيين؟ أهل تلك الأرض التي عمرها عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، فيما تعترف بها دول وممالك عمرها قرون قصيرة؟ لا بأس بهم؟ بإبادتهم؟ ذلك شرط الاعتراف، أن نرسم خطًا حول المحرقة، ثم لا نبالي بالمحترقين بين حدوده، أن نقبّل أقدام الطبشور ونغضّ الطرف عن الآدمي المنتهك، أن نضع أصابعنا على الخريطة، بينما أصابع اليد الأخرى على عيوننا، تلك حيلة مناسبة لتخدير هؤلاء الحمقى جميعا، لا بأس أن يعترف نتنياهو نفسه بنفسه بفلسطين، بشرط أن يدع العالم فلسطين وشأنها، وشأنه.

تُهدم المآذن والقباب ثم يصلّون تحت خيالها، يرسلون السلاح بيدٍ ويكتبون الاعتراف بيد أخرى

ثم هذه الدولة المُعترف به، سنلحقها بنعت آخر، اسمح لي، اسمحوا لنا أيّها السكان المبادون عن بكرة أبيكم، ومع احترامنا لأبيكم، أن تكون دولة "فلسطينية".. ها؟ ماذا؟ "منزوعة السلاح"؟ نعم؟ أجل، هكذا سيكون الاعتراف، سأعطيك قطعة من أرضك، وأسلبك معظمها، ثم تلك القطعة الضئيلة ستكون كخرقة بالية، بلا سيادة، أي مارٍّ بها يستطيع أن يحوّلها إلى أيّ شيء يريد، قميصًا أكمامه في تل أبيب، أو بنطالًا تواري به سوءة بريطانيا، أو أدنى من ذلك للمتخاذلين العرب، دولة "منزوعة الكرامة"، منزوعة الإنسان، منزوعة الدولة، وبمعادلة حسابية بسيطة، سنطيّر البسط مع المقام، سنحذف "دولة" مع "سلاح"، لأنه كما تعلم لا أرض بلا شرف عسكري، ولا حدود بلا جنود يحمونها، فحينها لن يتبقى من جملة "دولة فلسطينية منزوعة السلاح" أي حرف، ربما قد تنسى بعض الحركات سهوًا؛ "الكسرة" مثلا!

ولذا، بعيدًا عن اعتبارات السياسة، واعتبروها جعجعةً في قاعة خلفية موازية للأمم الساقطة، حيث يُقتل الإنسان ويمشون في جنازته، حيث يُحرق البيت ويرفعون صوره، حيث يُهتك عرض العلم ثم يلفونه فوق الجسد المسجَّى، حيث تُهدم المآذن والقباب ثم يصلّون تحت خيالها، حيث يرسلون السلاح بيدٍ ويكتبون الاعتراف بيد أخرى، وأي يدٍ تلك التي سيكون له اعتبار بينهما؟ حيث يعترفون بفلسطين الذكرى، فلسطين الشيء، فلسطين اللفظ لا المعنى، فلسطين الخطوط المتقاطعة لا الإنسان المُمزّق، فلسطين التي تشبه كلّ شيء عدا فلسطين، فلهم فلسطينهم، ولنا فلسطين!


الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

لماذا لا تجيد جيوشنا استعمال “الكارلو”؟

 لماذا لا تجيد جيوشنا استعمال “الكارلو”؟

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

سلاح بدائي الصنع، رشاش متواضع في هيئته، بسيط في حجمه، يمكن إنتاجه في ورشة خراطة وحدادة، يسع خمسا وعشرين طلقة، ولا يصيب بدقة أبعد من مئة متر، مستلهم من سلاح كارل جوستاف السويدي الذي ابتكر في أواخر الحرب العالمية الثانية، وطوره المصريون وسموه “بورسعيد” تزامنا مع حرب الاستنزاف، وعرفه الفلسطينيون منذ الانتفاضة الأولى، ولمع سواده أكثر بالانتفاضة الثانية، لكنَّ أبهى إطلالاته كانت في العقد الأخير، أبسط نماذجه لا تكلف أكثر من خمسمئة دولار، وأبهظ نسخه ثمنًا قد لا تكلف أكثر من ثلاثة آلاف دولار، حيث يستطيع الشاب بادخار مصروفه أو الموظف بادخار راتبه، خلال عام على الأكثر، أن “يصنع” واحدًا. 
صحيح أنه لا يضاهي بندقية واحدة من صفقات السلاح المليارية، وربما لا يرقى إلى سعر “كتّافة” بعض الضباط في جيوش عربية، لكن أثره.. 
ما ترى، وما تسمع أيضًا، وما تجد من رائحة.

يحفظه الإسرائيليون عن ظهر قلب، يميزون صوت زخاته من دون معاينة، ويعلمون الخبر قبل أي أحد آخر، دون أن ينظروا في مجموعات تليجرام وعواجل الجزيرة، لأنهم ذاتهم يكونون جزءًا من الخبر، حيث شاب فلسطيني، مراهق على الأغلب، يقرر في يوم أن يثأر، هكذا بمنتهى الصعوبة والسهولة معًا، “يتصرف” في الكارلو، وذلك -على مشقته- هو الجزء الأبسط من الخطة، ثم يرصد هدفه ويتسلل من هوةٍ ما، أغفلتها بإذن الله عيون لا تدع مثقال ذرة تعبر من دون إذن، لينتقل لحظتها بين عالمين لا مدينتين، غير معترف لا بخط أخضر ولا أحمر، كل تلك البلاد أرضه، وكل ذلك الميراث وِرثه، نصيبه وحده الذي يسع البقية، وإرثه الذي سيورث بعد دقائق لمولود جديد، “الكارلو” في يده، و”الله” في قلبه، والهدف في عينيه، طخ.. قال كلمته، ومضى، يرتقي هو، ويسقط الكارلو، منتظرًا صاحبه الجديد!

“الكارلو” أطل على القدس كشمس حمراء بعد قمر دموي، مسقطًا برمياته أربعين مصابًا من سارقي الأرض مصاصي الدماء، وستة قتلى غادروا الحافلة نحو جهنم، بفعل رجل واحد يملكه، وبظهره رفيق كفاح يعتمر مسدسًا، في عملية جرجرت نتنياهو وبن غفير من أذنيهما إلى موقعها، لا ليعاينوا مسرح الجريمة، وإنما ليصدّقوا أن تلك “القطعة الحديدية” فعلت كل ذلك. 
نحو خمسين ضحيةً لسلاحين “حقيرين” في نظره، أحدهما الكارلو؛ 
فكيف لو ملك هؤلاء أكثر؟ 
أيفعلون ما تفعله قذيفة متفجرات وزنها طن؟ 
الإجابة التي تعب في العثور عليها عقل نتنياهو كانت جليةً طوال الوقت في الجسدين الشريفين الممددين بالقرب منه، حيث كانت في قلبيهما 
“وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمَى”، 
وذلك هو سر “الكارلو”، متى كان حامله رجلًا كان الله هو من يشد على إصبعه لحظة الضغط على الزناد!

هذا “الكارلو” مشكلته الوحيدة الشروط التي تصاحب اقتناءه، على هذا النحو من الدقة والصرامة و.. الشرف؛ 
فمثلًا لا يمكن لمستخدمه أن يقمع به مواطنا من بني جلدته، ولا أن يطلق الرصاص على بائع متجول قرر الاعتراض على قرارات الإزالة، ولا أن يغتال رجلًا كل ذنبه الكلمة، ولا أن يصوَّب نحو متظاهرين في ميدان عام يطالبون بلقمة العيش والكرامة، كما لا يمكن الاحتفاظ به حتى يصدأ، أو غمده في البدلة العسكرية حتى يتعفن، وإنما شرطه إطلاقه، ومفتاحه فتحه، فيُتسلَّم ساخنًا كخبز لبلاد، ويسلَّم ساخنًا في أكباد أعدائها، ولا يحتفظ به في جراب، وإنما يموّه في جلباب، ما إن يتجلى حتى يُجلِيَ فرائسه عن وجه الحياة، ويركبون على متنه إلى جهنم!

ذلك “الكارلو”
لا يقبل التكدس، ولا أن ينتظر قرارا لن يأتي، ولا أن يعمل كقداحة لسيجار تجار السلام على حسابه، ولا يحب الاتفاقيات، أية اتفاقيات، مع العدو، ما دام مشهرًا سلاحه في نواصينا، قطعة شريفة، إما تتشرف بحاملها أو تشرفه، أو تتنحى عن يده إن طالتها ذرة من رجس، فلا يسكن إلا الأيدي المتوضئة، ولا يلين سوى بين الأكف الطاهرة، أما هؤلاء الذين يحملون أسلحةً مستوردة، مستوردة المواد الخام بما فيها السيادة والكرامة، فلا يحبهم “الكارلو” كما يبادلونه المشاعر ذاتها، حيث أي شكل للمقاومة يقلقهم، وأي معنى للمروءة يكشفهم، وأي لحظة عفوية بحكم فطرة الرجال لا تأخذ كثيرا من الوقت حتى تثخن في الميدان، تفضح عقود خزيهم الطويلة.

وأخيرًا، بحسب ما توصلت إليه من طول بحث وتدقيق، وتقصٍّ وتحقيق، ومقارنات ومقاربات، بين أسلحة الجيوش النظامية العربية، وأسلحة الشبان المنفردين المساكين، وبمطالعة وزن الصدأ فوق الأسلحة باهظة الثمن، الأغلى بكثير من حامليها، ومعاينة سعة الأثر للرشاشات بخسة الثمن، التي يكمن سرها الذي لا يقدر بثمن في قلوب أصحابها، أن أكبر 3 مشكلات لسلاح “الكارلو” أنه غير مستورد، وأنه لا يصدأ، وأنه لا يقدر بثمن.