‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الدين العلوي مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الدين العلوي مقالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 أكتوبر 2025

الخوف من التغيير.. والغدر بغزة

الخوف من التغيير.. والغدر بغزة

نور الدين العلوي


نكتب عن مآلات صفقة ترامب مع النظام الرسمي العربي للغدر بغزة، ونصِفُ الصفقة بصفقة الغدر ونبحث عن أسباب الاتفاق الغادر بالمقاومة.

نعم هناك اتفاق على الغدر لا نجادل فيه، وسببه ما علمنا القرآن الكريم عن الذين جاءهم الأنبياء بالتوحيد فقالوا "هذا ما وجدنا عليه آباءنا". نسمي هذا في علم النفس الاجتماعي بالخوف من التغيير، ونجد عليه أدلة كثيرة في التاريخ العربي الحديث؛ فكلما لاحت بارقة تغيير التفت عليها الأنظمة والكثير من النخب المصطنعة لتقاوم التغيير وتلغي نتائج ما تحرك وتقطع الطريق على ما يمكن أن يكون؛ فما هو كائن يبدو لهم مفيدا ومريحا ويعد بالخلود. حرب الطوفان وعدت بتغيير عميق واتفاق الغدر بها يدخل تحت باب "دع كل شيء في مكانه، فنعم كل شيء في مكانه". لقد كتبنا عن التلازم الوجودي بين النظام الرسمي العربي وبين الكيان واختصرنا في شعار إذا سقط أحدهما سقط الآخر؛ هنا ظهر الغدر وهنا وعد التغيير.

حرب التحرير الوطني والربيع العربي وعود بالتغيير

حرب الطوفان وعدت بتغيير عميق واتفاق الغدر بها يدخل تحت باب "دع كل شيء في مكانه، فنعم كل شيء في مكانه". لقد كتبنا عن التلازم الوجودي بين النظام الرسمي العربي وبين الكيان واختصرنا في شعار إذا سقط أحدهما سقط الآخر؛ هنا ظهر الغدر وهنا وعد التغيير


حدثنا آباؤنا الذين شاركوا في معارك التحرير الوطني من الاستعمار المباشر أن قوما كثرا جايلوهم كانوا يقولون لهم: هل ستقدرون على فرنسا المدججة بالسلاح؟ فإذا رأوا تصميمهم تحولوا إلى مخبرين يرشدون إلى مخابئ المقاومة. ولكن المحررين انتصروا رغم الوشاة والمخذلين وبنوا دولا وتحمسوا لها، لكن الدول انقلبت عليهم وأعادت سيرة القمع الاستعماري بل استعادت تراث القمع السلطاني السابق حتى على الاستعمار نفسه.

لقد كانت هذه الدول ترى تجارب بناء الديمقراطية في الغرب تجري أمامها وكانت تجارب مفتوحة على تغيير دائم، لكن عوض تبني نماذجها ارتدت إلى كل ممارسات الطواغيت؛ حيث لا تغيير ولا حرية. والغريب أن شعوبا كثيرة رأت ذلك أمرا عاديا، فالحاكم لا يكون إلا طاغية؛ صورة الحاكم الديمقراطي لم تدخل في مخيالها. والأغرب من كل ذلك أن النخب الجديدة التي نشأت مع هذه الدول صارت هي من تقود تيار القبول بالواقع السيئ وتجد له مبررات وتحمي الأنظمة من كل احتجاج.

لم يتوقف الاحتجاج على التسلط والقهر، فكان الربيع العربي تتويجا لحراك متقطع وطويل شد أزره أخيرا وثار ثورة حرية، وكان مطلبه الأول التغيير والخروج إلى أفق أرحب. وقبل أن يفلح في ترسيخ مطالبه وجد نفسه يواجه خوف الأنظمة والنخب من التغيير، وإن لم تقل النخب التي عارضته هذا ما وجدنا عليه آباءنا، ولكنها عملت على الحفاظ على ما وجدت عليه الآباء من خنوع واستكانة ورضا بالمقسوم.

والغريب الذي سيظل غريبا أبدا هو أن القائلين بذلك نخب قرأت كراسات التغيير الكونية ونظّرت للحريات، بل احتكرت الحديث عن الحرية والديمقراطية، فلما جاءتها الحرية على طبق من دماء الجمهور الطيب نكصت على أعقابها وحمت الأنظمة، فإذا هي لسان الانقلابات العسكرية باسم الحفاظ على الدولة، رغم أن شارع الربيع العربي لم يتبن نقض الدول أو تخريبها لصالح بدائل فوضوية أو وضع اللادولة؛ حالة فاضحة من رفض التغيير قادتها نخب الدول الحديثة التي جاءت بها معارك تحرير وتغيير. انتهى الربيع العربي مؤقتا إلى الوضع الذي كانت عليه الشعوب قبله، وإن كنا نأمل أو نظن أن قهرا كثيرا قد خُزِّن في النفوس وأنه يتربص لعودة.

الطوفان كان وعدا بالتغيير أكبر من غزة

لدينا قناعة ثابتة بأن الربيع العربي كان ذاهبا إلى تحرير فلسطين وإن لم يقدم خارطة طريق تحرير مباشر، ولكن "لن نترك غزة وحدها" كانت جملة في سياق تحرير تتربص لمعركة، فلما منعت من الفعل التغييري انفجر الطوفان معتمدا على نفسه فأعاد الوعد بالتغيير لأوسع من غزة (ربما كان يضمر أن لن يترك القاهرة وحدها).


هنا تبين للنظام الرسمي العربي ونخبه المبرراتية أن وعد التغيير حقيقي، لذلك فهو مخيف ويهدد سلامة مكاسبها التي ظنتها خالدة، فبدأ الخذلان والتثبيط، وقيل للفلسطيني المقاوم بدمه ما قيل لآبائنا ذات معركة: هل تقدرون على الكيان المدجج بالسلاح؟ وقد قدروا عليه بدمهم فاتضح مشروع التغيير أكثر. كان التلازم بين وجود الكيان ووجود النظام الرسمي العربي مهددا؛ ماذا لو سقط الكيان؟ ستتغير المنطقة برمتها، سيكون على مكونات النظام أن تبحث لها عن مواقع تحفظ مصالحها دون خدمة الكيان، وهذه ليست متاحة أمام شارع ثائر. فالتغيير لا يكون إلا جذريا ماحقا، وستكون هناك بلا شك مرحلة من الاضطراب "والخوف ونقص في الأموال والأنفس والثمرات" التي ليس للشعوب منها شيء، إنما هي مكاسب النظام ونخبه.

كل يوم في غزة ببنادقها القليلة كان تهديدا للنظام القائم، كل جندي صهيوني يسقط كان يسقط من جسد النظام العربي قبل أن يحسب نقصا في جيش الكيان. ذاك الجندي كان يحمي النظام الرسمي العربي، لذلك وجب إيقاف النزيف في جيش الكيان أولا.

الاحتقار الكبير الذي يظهره الكيان ورئيس حكومته للنظام الرسمي العربي هو الدليل الأوضح على أن هذا الكيان لا يقبل بصفقة مهما كانت مفيدة له؛ إن غطرسته تدفعه إلى المزيد من إذلال حُماته وخاصة حماته العرب


كان النظام العالمي يرى ويقيس مسار المعركة، فهو حامي الكيان وحامي حُماته من حوله، فكلهم كيان واحد معاد للتغيير. حلف عالمي كان يشتغل ضد مقاتل حاف وجائع ولكنه مؤمن بالتغيير، وعندما تبين أن الكيان تهشم وأنه إلى زوال وأن حلفا شعبيا عالميا يقوم ضده بوعي جديد (وعي بالتغيير)؛ سارع النظام إلى موجة الاعتراف الورقي بدولة فلسطين وسارع رأسه (الترامبي) إلى عقد الصفقة. حركتان متلازمتان مهمتهما إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكيان ومن وجود حُماته من حوله، على أمل إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الطوفان. هنا نرسخ فكرة سيقدم عليها الزمن الأدلة؛ وعد التغيير لن يتوقف.

"دم الشهداء ما يمشيش هباء"

زودتنا الثورة الليبية على حثالة من حثالات النظام الرسمي العربي بهذا الشعار المبني على إيمان عظيم بحسن الجزاء الإلهي، لذلك نرسخ يقينا بأن الطوفان لن ينتهي بصفقة ترامب، ومعركة التحرير والتغيير لم تضع أوزارها، والفلسطيني في مقدمة المعركة لم يرم السلاح. وما يبدو للبعض الشفوقين على المقاومة كمأزق سيكون هو نفسه المخرج نحو المزيد من ترسيخ نتائج الطوفان، أي تهشيم الكيان وما يتبع تهشيمه من سقوط النظام الرسمي العربي الذي يحاول المساهمة في إنقاذه، وهو يظن أنه ينقذ نفسه.

إن الاحتقار الكبير الذي يظهره الكيان ورئيس حكومته للنظام الرسمي العربي هو الدليل الأوضح على أن هذا الكيان لا يقبل بصفقة مهما كانت مفيدة له؛ إن غطرسته تدفعه إلى المزيد من إذلال حُماته وخاصة حماته العرب الذين نرى الذلة على وجوههم في التلفزات.

لقد رفضوا التغيير الذي يجعلهم يحتمون بشعوبهم من كل عدوان (لم نسمع نظاما عربيا واحدا يقول ماذا لو أحتمي بشعبي من العدو؟). 

والعدو يعرف ذلك أوَ ليس قد صنع النظام العربي بيديه! معرفته بهم أشخاصا ومؤسسات تدفعه إلى المزيد من الابتزاز والإذلال، وهنا مقتلهم ومقتله مهما أجلوا المعركة. إن العدو يكثف الألم والغضب في نفوس شعوب مُنعت من نصرة غزة ففهمت بالقوة أن نصرة غزة تبدأ من داخل كل قُطر مقموع. وإفشال الصفقة يعني المزيد من القمع ولن يغلق الملف ولن تهدأ النفوس ولن يمكن تمويه الدم الصريح الذي سال في غزة، ولن يعود الكيان وحماته إلى ما قبل الطوفان.

هنا يحضر دم الشهداء؛ لقد اتضح الغدر بغزة واتضح أكثر الخوف من التغيير في باقي المنطقة، لكن الطوفان خرج من غزة إلى العالم وعلى النظام الرسمي العربي أن يبحث له عن شرعية أخرى. إن ما وجدوا عليه آباءهم قد ولى إلى غير رجعة. ما زال هناك دم على الطريق ولكنه دم التغيير وتبدل الأحوال. من كان يظن أن نظام البعث في سوريا سيزول؟

الأحد، 28 سبتمبر 2025

حل الدولتين ولد ميتا

 حل الدولتين ولد ميتا

نور الدين العلوي


الطوفان حرر العالم من السردية الصهيونية.. ستبدو الجملة حالمة جدا للمحبطين ولكنها واقعية جدا لمن سيحسن قراءة المآلات السياسية لما جرى وما يجري في غزة منذ سنتين. إن الثمن المدفوع مرتفع جدا ويبدو حل الدولتين أقل من الثمن المدفوع، بل هو جزء من المعركة السياسية على هذ الدم المسفوح بلا حساب. يأتي حل الدولتين في تقديرنا بناء على حساب استعماري غربي لا شك أن مخابر السياسة قد وضعته على طاولة القيادات، ومؤداه أن منطقة الشرق الأوسط بدون الكيان قد صارت احتمالا حقيقيا قابلا للتصور والوجود، وعليه وجب الاستباق بإنقاد ما يمكن إنقاذه من الكيان لمواصلة السيناريو القائم؛ شرق أوسط تحت الهيمنة الاستعمارية بواسطة كيان استعماري إحلالي يتحكم بضغطة زر في مصير المنطقة.

السؤال الغربي الكامن خلف حل الدولتين يبحث في كيفية إنقاذ الكيان بقليل من التنازلات وتقديم أنصاف حلول غايتها تمييع نتائج الطوفان وامتصاص نتائجها الحاسمة، فدولة فلسطينة على أراض مقطعة ودون سلاح وتعيش بالمساعدات قد تبقي الوضع على ما هو عليه، بل تسمح بالمزيد من النفاق الحقوقي.

الفرنسي يوزع الأنصبة بعقل استعماري

السؤال الغربي الكامن خلف حل الدولتين يبحث في كيفية إنقاذ الكيان بقليل من التنازلات وتقديم أنصاف حلول غايتها تمييع نتائج الطوفان وامتصاص نتائجها الحاسمة، فدولة فلسطينة على أراض مقطعة ودون سلاح وتعيش بالمساعدات قد تبقي الوضع على ما هو عليه، بل تسمح بالمزيد من النفاق الحقوقي


استمعت مليا لخطاب الرئيس الفرنسي، بل أعدت الاستماع إليه بلغته، لم أجد أي خلاف بين خطاب ماكرون في 2025 وهو يدخل بحديث سلام الشرق الأوسط وبين خطاب جنرال فرنسي يحتل الجزائر العام 1832 بخطاب التنوير، نفس الغرور ونفس العقل الاستعماري الذي يمنح نفسه حق توزيع الحقوق على الآخرين دون أن يسأل نفسه مرة من خول له حق توزيع حقوق الآخرين. لم يبد لهذا العقل الاستعماري أن دولة منزوعة السلاح بجانب دولة نووية مدججة بأحدث أسلحة الغرب هي دولة غير قابلة للحياة، وأقصى ما يمكن أن تقوم به هي حماية الكيان من الفلسطيني تحت يافطة التنسيق الأمني المقدس. دولة فلسطينية ديمقراطية بشروط مسبقة، منها عدم إشراك الإسلاميين في حكمها بعد تثبيت وصم الإرهاب عليهم. من يكون الفرنسي أو الإنجليزي ليرتب للفلسطيني من يحكمه؟

لم ير الفرنسي الاستعماري أن اتفاقيات أوسلو التي كانت قامت على حل الدولتين قد انتهت إلى جهاز شرطة فلسطيني ينسق مع العدو لمنع شعبه من التحرر. طبعا لا يتذكر الفرنسي أن فتح باب الديمقراطية لمرة واحدة في فلسطين قد أدّى إلى فوز حماس الإسلامية، وأن فرنسا والغرب معها قد انقلبوا على نتائج تلك الانتخابات ومنعوا تطور الحالة الفلسطينية إلى حالة ديمقراطية. يدير الفرنسي الأمر بنوايا استعمارية نعرفها في المغرب العربي، فالديمقراطية المشروطة بتغييب الإسلاميين كما اشترطت فرنسا على بن علي وعسكر الجزائر ومصر؛ قد انتهت إلى أنظمة قمعية فاشية في الجزائر وفي تونس وفي مصر. لذلك نرى أن خطاب ماكرون في الأمم المتحدة لن يتحول إلى مسار سياسي قابل للعيش على الأرض، إنه مرهم على جسد مسرطن يعرف الفرنسي وهو يرتبه أنه غير جدي وغير منتج، لكنه في هذه المرحلة يؤدي وظائف مهمة ليس منها إعادة الحق الفلسطيني بل تمييع دمه وتفريغه من كل نتيجة.

استباق الشوارع الهائجة

نقدر أن حل الدولتين الذي يثير موجة من الحماس الرسمي وتراقبه الشوارع بريبة كبيرة قد جاء نتيجة لمفاعيل حرب الطوفان في المنطقة وفي العالم. لقد تم تحرير عقل العالم من السردية الصهيونية، وبدأ التمرد على السردية في الجامعات الأمريكية أول الطوفان ثم تم طمره بقمع منهجي، ولكن شوارع الغرب أعادت تنظيم نفسها وخرجت خروجا نهائيا لا نراه يعود إلى استقراره إلا بعد اتضاح حل عادل في المنطقة لا يكون فيها الكيان فاعلا رئيسيا. إلى ذلك، فإن مخابر السياسة الغربية لا تتجاهل التوتر العالي الذي يتحسسونه في الشوارع العربية من خلال الصمت المقهور، ففتح فجوة صغيرة في جدار القمع أخرجت قافلة الصمود المغاربية التي سرعان ما تحولت إلى أسطول دولي غطى المتوسط بالراية الفلسطينية، وهو يبحر إلى ضفاف غزة ليتعرض إلى قمع أكبر فيثير غضبا أكبر ننتظره. إن إضرابا عاما في إيطاليا يناصر الحل الجذري في الأرض المحتلة ليس مؤشرا يمكن تجاهله؛ الغرب يعرف شوارعه ويقدر قوتها على استقراراه في السردية المريحة، ولذلك وجب أن تقدم له حلولا وترضيات لعله يعود إلى رشده (السردية إياها).

والشوارع العربية وإن بدت صامتة أو لامبالية بما يجري حولها، فإن الغرب يعرف أكثر من الأنظمة الحاكمة أنها شوارع متوترة وانفجارها قادم وستمس سلامة الوضع القائم على وجود الأنظمة الوظيفية. لقد أنقذ الغرب الأنظمة من الربيع العربي (بانقلاب السيسي أولا)، ولكن بديل الربيع لم يستجب لأي من مطالب الشعوب في الديمقراطية وفي الحياة الكريمة، وقمع الربيع العربي لم يؤد إلى موت الشوارع بل إلى تخزين غضبها، وهي تتربص بانفجار يغير كل شيء.

الأنظمة الوظيفية غالية على الغرب ولذلك يحميها، فإذا انهارت فإن المنطقة ستدخل مرحلة من التغيير العميق الذي لا يمكن توقع نتائجه. لكن العلم بنبض الشوارع لا يُنتج عند أمثال ماكرون تواضعا أو تفهما لمطالب الشوارع، بل العمل على استباقها ومنعها من التحرر. ومن هنا يؤتى بحل الدولتين لأنه حل لا يرضي أيا من الشوارع، فجوهره قائم على بقاء الكيان والأنظمة الوظيفيية الحامية له من شعوبها. هذا أمر لا يفهمه عقل استعماري مثل عقل ماكرون (وهو نسخة باهتة من العقل الإنجليزي الذي سبقه إلى نفس الشروط).

العالم يتغير من حول الكيان

حل الدولتين مشروع مرتب ضمن السردية الاستعمارية الصهيونية يستبق نتائج الطوفان في غزة، وفي الشوارع العربية المكتومة الأنفاس، وفي الشوارع الغربية الهائجة على حكوماتها وعلى كل سرديتها التي حكمت بها منذ الحرب الثانية واستهلكت جيلين لم يفهما ما يجري حتى جاء الطوفان فأيقظ عقولها ونبهها إلى الحق الفلسطيني، وقد يمتد الوعي إلى مراجعة التاريخ الاستعماري برمته


يضع أي مخطط استراتيجي غربي على طاولته في هذه اللحظة أوراقا مؤثرة. هناك أربعة أنظمة صاعدة في المنطقة تصنع قوتها الاقتصادية والعسكرية ولا تبدو قابلة للإخضاع (تركيا وإيران وباكستان والجزائر)، أربع دول تصنع قوتها الخاصة وإن لم تبد في وارد تحالف عسكري في مدى منظور رغم أن أماني الشعوب تتحول إلى مطالب ترفع إلى هذه الأنظمة. وعلى خطاها يبدو العسكر المصري يرتب لسلامته خارج دور الحارس التقليدي للكيان، ونستشعر أن عدوى الاستقلال قد مست النظام السعودي؛ فبحثه عن حماية عسكرية خارج الغطاء الأمريكي مؤشر يثير القلق في الغرب. لقد رجت ضربة الدوحة العقل العربي الخليجي الهادئ المطمئن رجة عنيفة لن تكون بلا أثر استراتيجي.

كل هذه القوى الصاعدة تفتح نوافذ تواصل اقتصادي وسياسي وعسكري مع العملاق الصيني الذي يتقدم بسلاسة في المنطقة دون أن يتكلف جنديا واحدا أو رصاصة واحدة. وعندما يضع الاستراتيجي الغربي هذه المعطيات في حسبانه سيجد أن نفوذه في المنطقة يتقلص (مثل قطعة بلاستيك مستها النار). وهذا يجري في نفس اللحظة التي يتهشم فيها الكيان فيضعف دوره في المنطقة. من هنا تبدو المسارعة بحل الدولتين مغامرة أخيرة يقودها عقل أوروبي غير متهور (غير ترامبي)، بل عقل إنجليزي بأعصاب باردة لترميم ما يمكن ترميمه مما تهشم بحرب الطوفان ومفاعيلها شرقا وغربا.

لكن ملاحظتنا لجسد ماكرون المهتز على منصة الأمم المتحدة أشعرتنا بأن وقت الترميم قد فات وأن الباقي هو المزيد من الثمن الدموي في غزة ثمن يوجعنا، لكنه يدخل تحت شعار الثورة الليبية "دم الشهداء ما يمشيش هباء". يكفينا أن يردد ماكرون لازمته "لقد حان الوقت"، نعم لقد حان الوقت للخروج من السردية الصهيونية والغربية الاحتلالية، لقد حان وقت الفسلطيني الحر ووقت العربي الحر ووقت المواطن الغربي المتحرر من الصهيونية.

إذن لنوضحها مرة أخرى؛ حل الدولتين مشروع مرتب ضمن السردية الاستعمارية الصهيونية يستبق نتائج الطوفان في غزة، وفي الشوارع العربية المكتومة الأنفاس، وفي الشوارع الغربية الهائجة على حكوماتها وعلى كل سرديتها التي حكمت بها منذ الحرب الثانية واستهلكت جيلين لم يفهما ما يجري حتى جاء الطوفان فأيقظ عقولها ونبهها إلى الحق الفلسطيني، وقد يمتد الوعي إلى مراجعة التاريخ الاستعماري برمته لتكون ديكولونيالية كونية انطلق شرارها بدم غزاوي غزير. لقد قضى الطوفان على حل الدولتين. نثق في المقاومة. نقطة.

الأحد، 21 سبتمبر 2025

إسرائيل في عزلة.. هواء غزة النقي يحرّك العالم ويُعري الكيان

إسرائيل في عزلة.. هواء غزة النقي يحرّك العالم ويُعري الكيان

استاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية.

نداءاتُ الملثم إلى أحرار العالم وصلتْ إلى مستقرها ووجدت الآذان الصاغية. الشارع الإسباني يرفع المثلث الأحمر رمز الضربات الموفقة للمقاومة بما يمكن تأويله انخراطًا تامًا في المقاومة.
حيرة المواطن العربي الذي وُجِّه إليه النداء فَخَنَصَ: هل يفرح بحماس الشارع الإسباني وانخراطه في معركة الحق أم يحزن لصمت العربي صاحب القضية؟ لنتجلد ونوسع زاوية النظر إلى أبعد من عواطف اللحظة. فالأمر جلل، وهو ليس أقل من تحول جذري في الرأي العالمي ينذر بما هو أبعد من التعاطف مع معركة جارية وفيها ضحايا أبرياء. لنقل – ولنبالغ قليلًا حتى يتبين الحق – إنها عملية تصحيح للتاريخ ضخت هواءً نقيًا في رئة العالم.

حقائق غير منكرة تثبتها الأرقام. تشير استطلاعات الرأي في عدة دول غربية إلى انخفاض كبير في تأييد إسرائيل بين الناس (نخبًا وجمهورًا). على سبيل المثال، أظهر استطلاع YouGov في عدة دول أوروبية أن نسبة من يرى إسرائيل بصورة إيجابية أصبحت ما بين 13–21٪ فقط، بينما بين 63–70٪ من الجمهور لديهم نظرة سلبية.
لقد قطعت خطوات سياسية ملموسة بعض الدول الأوروبية مثل دعوات لفرض عقوبات أو مراجعة الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل، أو معاملة دبلوماسية أكثر تحفظًا، وسيكون يوم اجتماع الجمعية العامة يومًا مختلفًا حيث سيختبر الموقف الفرنسي والإنجليزي خصوصًا بعد إعلانهما الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. ولقد سبقت بعض الدول قبلهما لتعترف رسميًا بفلسطين كجزء من التغير في السياسة التي تستجيب للضغط الشعبي والأخلاقي الذي فجرته مشاهد تدمير غزة ومذابح أطفالها.

الأمر في الغرب يجري طبقًا لقواعد الديمقراطية (الغائبة عن الشارع العربي). فالحكومات في الديمقراطيات لا تستطيع تجاهل أصوات الناخبين، خاصة إذا كانت مواقف البلاد تجاه الصراع تُكلّف اقتصاديًا أو أخلاقيًا. يتحمس الرأي العام لقضية، وغالبًا ما يكون متأنٍّ ورصين ولديه أسباب وأدلة مقنعة تحركه (وفي حالة غزة أخذ عشرين شهرًا ليغير مواقفه ونراه يزيد في تعميق جذريته).
وحين يتغير الرأي العام، يزداد الضغط على الحكومات المنتخبة لاتخاذ مواقف أكثر تحفظًا. وهنا بدأت تظهر مشاريع قوانين للضغط على الكيان بإيقاف الدعم العسكري غير المشروط، أو فرض عقوبات، أو مراجعة اتفاقيات اقتصادية. وقد نشهد تشريعات عامة جديدة تُقيّد مبيعات الأسلحة للدول التي تُتَّهم بانتهاكات حقوق الإنسان، وقد تُفرض عقوبات على أشخاص أو وزارات بصيغ غير اسمية؛ فإذا طُبقت سنجد مجال تطبيقها الأول وربما الوحيد هو الحكومة الإسرائيلية ووزراؤها، وقد بدأ العداد يحسب في دول كثيرة.

نتوقع، بناءً على المشاهدات الجارية، أن هناك مرحلة مفصلية من التحولات مع حلول المواسم الانتخابية حيث تراعي الحملات السياسية (انتخابات محلية/برلمانية) توجهات الرأي العام الضاغط في قضية غزة، وسيكون موقف المرشح من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من عوامل الحسم (نتابع عن قرب موقف اليسار الفرنسي). ولدينا سبق في حالة المرشح لمنصب عمدة نيويورك الذي فتح طريقًا واسعة رغم ضغط اللوبي الصهيوني لإقصائه؛ لقد تميّز بسبقه فنال أصوات جمهور يحميه ويدفعه قُدُمًا، بما في ذلك كتلة وازنة من أصوات اليهود الأمريكيين.

تغيير الثقافة العامة والإعلام

لكن التحول الأعمق ما نعاينه من تغيير في الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. لقد دخل الحق الفلسطيني ضمن حقوق الإنسان بعد أن كان نِسيا منسيًا. وانزاحت تهمة الإرهاب وقتل الأطفال عن المقاتل الفلسطيني لتصبح التهمة الأولى للكيان وحكومته. (أين نحن من فجر 8 أكتوبر والصور المفبركة عن أطفال بلا رؤوس؟)

في الغرب يلعب نجوم السينما والفن دورًا محوريًا في قيادة الجمهور؛ ففي حفل لندن لجمع التبرعات حضرت شخصيات لم يتوقع أكثر الحالمين أن تشارك في تغليب الحق الفلسطيني. وقد أحدث الحفل ضجة عارمة خرجت منه احتفالات أخرى ومشروعات تحركات عالمية مثل ما أعلنه الرياضي الفرنسي المتمرد إريك كانتونا من بدء حملة دولية لعزل إسرائيل عن دورات كرة القدم العالمية، والفيفا تعيش الآن تحت ضغط هائل وحديث؛ عدم تسييس الرياضة لم يعد ينطلي، فالموقف من عزل روسيا بعد غزو أوكرانيا راسخ في الذاكرة.

لقد قلب فيلم قصير (صوت هند رجب) جمهور السينما العالمي انقلابًا جذريًا. وهوليوود ليست جمعية خيرية. يمكن أن نضع تصورات واقعية لنتيجة خسارة الكيان لدعم هوليوود التي بنت له سردية عاشت قرنًا كاملاً. هذا الوعي الجديد الذي ينتشر بسرعة النار في الهشيم هو ما أجبر كارفور على الانسحاب من أسواق وازنة مثل إيطاليا. وهذه الشركات تحسب خسائرها بدقة عالية. ورغم أننا لسنا من المغرمين بحساب عدد المسلمين الجدد، إلا أن نقاشات طويلة تابعناها بدأت تتحدث عن مصدر الإرهاب الحقيقي في العالم؛ وهو ليس الإسلام.

مؤشر الأعمار الشابة في الشوارع

في أسطول الصمود العالمي وفي مظاهرات الشوارع الأوروبية استرعت أعمار المشاركين ملاحظاتنا المطولة. هناك جيل من الكهول لكن الغالبية الظاهرة شباب نرجّح أنهم في عمر الجامعة أو بدايات الحياة المهنية (العقد الثالث وبداية الرابع). هؤلاء بدوا كأنهم خرجوا فجأة من لا مكان لينخرطوا في قضية حارقة؛ لعلها أول اهتمامهم بالسياسة المحلية والعالمية من حولهم. هذه الأجيال التي هي جمهور الحفلات الموسيقية استجابت بشكل غير متوقع لشعار «يسقط جيش الدفاع» لذلك لا نراهم يقبلون الصورة الرومانسية الرائجة عن جيش دولة مظلومة من جيرانها الإرهابيين وجيشها الأرفع أخلاقًا بين الجيوش؛ ما هو إلا جيش دفاع.
لقد فتح هؤلاء الشباب أعينهم على جيش يتلذذ بقتل الأطفال والنساء. فكيف سيعيد هذا الجيش بناء صورته في ذهن هذه الأجيال التي ستقود بلدانها في المستقبل القريب؟ (طلبة جامعة إدنبرة الشهيرة يغادرون حفل التخرج لأن جامعتهم تتعاون مع جيش الدفاع ودولته). من سيرد هؤلاء الخريجين عن وعيهم الجديد بحقيقة ما يجري؟ في يوم قريب سيكونون مدرسين بنفس الجامعة وكوادر قيادية في المجتمع الإنجليزي والعالمي.


الجمعة، 19 سبتمبر 2025

على الشارع العربي أن يقوم لواجبه.. فالقمم سقطت في الحضيض

على الشارع العربي أن يقوم لواجبه.. فالقمم سقطت في الحضيض

نور الدين العلوي


 في مشهد قد يبدو من نسج الخيال الساخر، انقلبت الخريطة الأخلاقية للمشهد الدولي رأسا على عقب. فبينما تتهاوى أطنان القنابل على رؤوس الأطفال في غزة، يقدم العالم مشهدَين متباينين إلى حدّ المأساة الكوميدية؛ مشاهد شوارع أوروبا وأمريكا تزأر غضبا وتطالب بوقف المجـزرة، ومشاهد قصور عربية تهمس بـ"الحكمة" و"الواقعية" و"عدم استفزاز المشاعر"! لقد أصبح "الغربي" هو من يصرخ في الشارع دفاعا عن قيم الإنسانية، بينما "العربي الرسمي" هو من يجلس في كرسيه الوثير محذرا من "التطرف" و"زعزعة الاستقرار". هذه هي الصورة دون رتوش ودون مجاملة أو حذلقات إعلامية، فهل يفم الشارع العربي واجبه أخيرا تجاه نفسه وتجاه غزة؟


في الغرب الشوارع أقوى من القصور

لم تكن المظاهرات التي عمّت لندن وباريس وبرلين ونيويورك ووصلت إلى ديزني والمكسيك؛ مجرد مسيرات عابرة، لقد كانت زلازل شعبية أعادت تعريف الديمقراطية من أسفل الهرم. طلاب، ونشطاء، ونقابات عمال، وكهنة، ويهود مناهضون للصهيونية، خرجوا جميعا ليصرخوا بوجه حكوماتهم: "كفى!". لقد فضحوا تناقض الشعارات البراقة حول حقوق الإنسان، ووضعوا أنوف حكوماتهم في وحل مآسيها التاريخية. القوة هنا لم تكن في البيانات الدبلوماسية، بل في ملايين الأقدام التي داست أرصفة العواصم، وفي أصوات المذيعين الذين تجرأوا على كسر التابوهات، وفي قرارات بعض الدول وقف التمويل لمنظمة تموّل المجزرة. إنها إرادة شعبية فرضت نفسها، ولو جزئيا، على آلة السياسة الرسمية.

كانت قلوب عربية كثيرة تتعلق بالأمل في قمة الدوحة، كانت العقول تقول انصرفوا إلى فعل شيء مفيد عوض متابعة المهزلة، لكن القلوب كانت مستعدة للخديعة وانفضت القمة عن فضيحة أخرى

لقد كان خطاب الرياضي الفرنسي إريك كانتونا في حفل التبرع بلندن ليلة 18 أيلول/ سبتمبر قويا وواضحا، وعمليا البدء بتجميع رياضي العالم في عملية عزل رياضيي الكيان عن المسابقات الدولية وخاصة في اللعبة الشعبية الأشهر "كرة القدم". وقد كانت الصورة واضحة لديه، ازدواج المعايير بين أوكرانيا والكيان. فروسيا عُزلت منذ اليوم الرابع من غزوها لأوكرانيا، بينما لا تزال الفرق الصهيونية مرحبا بها، كأن رسالة الجمهور الإيطالي وهو يدير ظهره للنشيد الرسمي للكيان غير كافية. سيكون لكلمة كانتونا أثر بالغ، وسنراقب فضيحة الهيئات الرياضية الدولية فغزة تفضح الجميع.

في العالم العربي.. القصر يخون الشارع!

في الجانب الآخر من البحر المتوسط، يُعرض مشهد مختلف، بل ومهين. يصمت الكثير من "الرسميين" العرب، أو يتبادلون الاتهامات بالـ"استعداء" إذا ما تجرأ أحد وانتقد. تتحول الدبلوماسية إلى فن التهرب من المسؤولية، وتُختزل القضية المركزية للأمة في "دعوات سلام" جوفاء، بينما تظل العلاقات التطبيعية قائمة ودافئة، وكأن شيئا لم يحدث. الشجاعة الوحيدة التي يبدونها هي في توجيه النقد لفصائل المقاومة، وكأن مقاومة الاحتلال هي الجرم الأكبر، وليس الاحتلال نفسه! لقد تم استبدال منطق "الأمة الواحدة" بمنطق "الدولة القُطرية" الهش، الذي يقدّس "استقرار" العروش على حساب كرامة الشعوب ودِماء الأطفال. إنها "رخاوة" متعمدة، تغلفها خطابات مملوءة بالكليشيهات الدبلوماسية الفارغة، كأوراق التين التي تحاول عبثا ستر عورةٍ أصبحت مرئية للعالم أجمع.

كانت قلوب عربية كثيرة تتعلق بالأمل في قمة الدوحة، كانت العقول تقول انصرفوا إلى فعل شيء مفيد عوض متابعة المهزلة، لكن القلوب كانت مستعدة للخديعة وانفضت القمة عن فضيحة أخرى. لقد جاؤوا إلى الدوحة لمجاملة أميرها فله عليهم أياد وأفضال، لم يحضروا ليغيّروا مصيرهم ومصير شعوبهم. كم من عاصمة ستقصف ليفهم النظام الرسمي العربي أنهم بنك أهداف للكيان؟

المفارقة المؤلمة

وصلت المفارقة الساخرة ذروتها وتعجزنا اللغة على إعطائها شكلا مكتوبا. المتظاهر في لندن أو في برلين أو أمستردام، الذي قد لا يعرف عن الإسلام سوى صورة نمطية، ولم يعرف بلاد العرب إلا في النُزل السياحية أو أفلام هوليود الموجهة للعوام؛ يتحول إلى مدافع عن إنسانية المسلمين في غزة وأكثر من حاكم عربي يجتمع مع قاتلهم على وليمة عشاء.

من كان يتخيل ريتشادر جير، معبود نساء هوليود ونساء العالم، أن يقف في حفل تبرع ليجمع القلوب والعقول حول غزة، والنائبة في الكونغرس التي تواجه تهمة "معاداة السامية" لأنها نطقت باسم "غزة" تُظهر شجاعة أخلاقية تفوق بشاعة صمت مئات السفراء والوزراء العرب. لقد كشف هذا الموقف تناقضا وجوديا، فبينما تتحرك شعوب "الغرب" بدافع أخلاقي نابع من ضميرها المدني، تتحرك الأنظمة العربية بدافع "الخوف" و"المصلحة الضيقة"، فتفقد بذلك شرعيتها الأخلاقية أمام شعوبها أولا، وأمام التاريخ ثانيا.

هل سيأتي نصر من الغرب؟

في النهاية، التاريخ لا يرحم، لن يُذكر أن شعبا أوروبيا خرج ليندد بمجـزرة، فحسب، بل سيُذكر أن النظام الرسمي العربي، بمقولاته الهشة عن السلام والاستقرار وصمته المخزي عن المجزرة، كان شاهدا، بل وشريكا صامتا في على أكبر مأساة إنسانية في القرن الحادي والعشرين. لقد فضح الموقف الشعبي الغربي زيف الأنظمة العربية، وبيّن أن القوة الحقيقية لم تعد في قصور الحكام، بل في إرادة المحكومين. والسؤال الذي يظل معلقا: إلى متى ستبقى شعوبنا العربية تدفع ثمن "رخاوة" حكامها، بينما يثبت "الغرب" أن ضمير الإنسان، في أي مكان، يمكن أن يكون أقوى من كل حسابات السياسة الباردة؟

رغم ما نتابعه كل يوم وفي كل مدينة غربية من تظاهر بلغ حد تعطيل دورة رياضية عالمية يشارك فيها الكيان في مدريد، ورغم أسطول التضامن الدولي الذي غطى البحر المتوسط بالراية الفلسطينية، فإننا نحتفظ ببعض عقولنا لنقول إن ما نراه رافد مهم لنصرة غزة في محنتها وربما يتطور إلى نصرة الحق الفلسطيني التاريخي في أرضه، لكنه لن يحل محل الشارع العربي.

حقيقة أخرى ماثلة أمامنا لن يقدر عليها الشارع الغربي، هذه الحقيقة يعيشها المواطن العربي، حتى وهو يوهم نفسه بأمل يأتي من قمة الدوحة. لقد اتضحت الصورة بحرب الطوفان. إن السبب الأول في بقاء الكيان وفي غطرسته على شعوب المنطقة هو الحماية التي يلقاها من النظام الرسمي العربي

حقيقة أخرى ماثلة أمامنا لن يقدر عليها الشارع الغربي، هذه الحقيقة يعيشها المواطن العربي، حتى وهو يوهم نفسه بأمل يأتي من قمة الدوحة. لقد اتضحت الصورة بحرب الطوفان. إن السبب الأول في بقاء الكيان وفي غطرسته على شعوب المنطقة هو الحماية التي يلقاها من النظام الرسمي العربي. هذا الدعم أقوى حتى من الدعم الأمريكي بالسلاح وبالموقف السياسي، لأنه الدعم الذي يحول بين الشارع العربي وبين حريته.

هناك حقيقة تتعرى كل يوم؛ تلازمٌ وجودي تام بين الكيان وبين النظام الرسمي العربي، إنهما يتساندان لمعرفتهما اليقينية أنه إذا سقط واحد منها سقط الثاني بالتبعية. شرط وجود كل واحد منهما هو بقاء الثاني مستقرا أو على الأقل بقلاقل تحت السيطرة (تنفيسات محسوبة، وحتى هذه لم يعد النظام العربي يسمح بها كما كان الأمر منذ سنوات قليلة).

قد يبرد الشارع الغربي إذا بردت الأخبار عن غزة فله مشاغله الخاصة وصحوة الضمير قد تغير وجهتها، لكن قضايا الشارع العربي مختلفة ومن هنا يتحدد دوره وأهميته. إنه شارع محاصر ومخنوق ومحتاج إلى طوفان بشري يحرر به نفسه قبل أن يحرر غزة أو فلسطين رغم أن قلبه معلق بفلسطين أكثر من موطنه، حيث يعاني الحصار والقهر.

إن الشارع الغربي المتحرك من أستراليا إلى المكسيك شارع حر اكتسب حريته بدمائه ومعاناته، لقد دفع الأثمان ليتحرك حيث يوجهه ضميره وهو في كامل وعيه لكي لا يحل محل شارع آخر يرفض القيام من أجل حريته. هذا هو الدرس الأعظم من تلك الشوارع المثيرة للانبهار.

ونختم بأسى، مثلما لن تمل الأنظمة من عقد القمم الجوفاء لتمويه مواقفها وتمييع الغضب الشعبي؛ لن نمل من تكرار اللازمة على الشوارع العربية: لا تحرير إلا بالديمقراطية، فمن سعى فيها محليا سيصل غزة وما بعد غزة.

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

"المجاهد الأكبر" الذي ظن أن باريس أقرب إليه من مكة

 "المجاهد الأكبر" الذي ظن أن باريس أقرب إليه من مكة


نور الدين العلوي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية.

هناك ستجد مشهدا معماريا مركبا: قبة ذهبية ومنارتين ورخاما أبيض وأسيجة حديدية، خليطا من مدارس مغاربية وأندلسية ومشرقية من جهة، وإيطالية وفرنسية من جهة أخرى، لكنه في المحصلة لا يغادر روح الفن التونسي.

سياح يلتقطون الصور، عامل ينظف الدرابزين النحاسي بعناية صائغ، هنا في هذا الضريح لا يعود مؤسس الجمهورية التونسية خطيبا أو إستراتيجيا أو "المجاهد الأكبر" الذي كان أحبَّ ألقابه إليه، بل يصبح سؤالا مفتوحا عن معنى الدولة والحداثة والتقاليد.

في الداخل، تَعرِض خزائن بلورية بعضا من ملابسه التي حفظها التونسيون: جبة وبلغة، وبدلة فرنسية وطربوش. على اللوحات المرمرية المثبتة أسفل المنارتين أبياتٌ محفورة تكشف عشق بورقيبة للمدائح التي صيغت فيه. ومن بين المنقوشات قصيدة بعنوان "تحية المجاهد الأكبر في عيد ميلاد الجيش الوطني" لجلال الدين النقاش، نُظمت في يونيو/حزيران 1956، مطلعها:

حيِّ يا شعبُ سيد القُوّادِ   وافتخر بالحبيب رمز الجهاد

وُلد عام 1903 صبيًّا من المنستير، تعلم الكلام كما كان القدماء يتعلمون القتال. وحين توفي عام 2000 كان قد بنى دولة لكن فرّغها من الداخل، سلّح النساء بثورة قانونية ونزع سلاح السياسة بدولة الحزب الواحد، فاوض المحتل على الاستقلال قبل أن يحارب المعارضة حتى صارت همسا. إنه في آنٍ واحد مؤسس تونس الحديثة ودرسُها الأول الذي لم ينتهِ بعد عن المحرر المستبد!

الحبيب بورقيبة صبيًا في الرابعة عشرة (ويكيبيديا)
الحبيب بورقيبة صبيًا في الرابعة عشرة (ويكيبيديا)

أسّس بورقيبة لنفسه صورة مركّبة: فيها من شارل ديغول محرّر فرنسا (المحرّر)، ومن جوزيبي غاريبالدي موحِّد إيطاليا (الموحد)، ومن أوتو فون بسمارك رجل القانون والإدارة وباني ألمانيا الحديثة (الباني)، وليس فيها أثرٌ من حنبعل المحارب نقيضِ المسالم، وإنْ استعار أحيانا من التاريخ شخصية يوغرطة المقاتل المفاوض، الذي عاش في الجزائر الحالية وقاد واحدة من أعظم الحروب ضد الدولة الرومانية قبل أن يُهزم. كان بورقيبة يقول: "أنا يوغرطة الذي انتصر"، لكن هل انتصر بورقيبة حقا؟ لقد شيّد دولة عربية بنصّ الدستور، تتكلّم الفرنسيةَ حول مائدة الطعام، وتتنفّسها في الإدارة والمدرسة.

في هذه الصورة المركبة التي صاغها عن نفسه، يغيب أيُّ مُكوّنٍ رمزيٍّ من التاريخ الإسلامي والعربي: لا عقبة بن نافع الفاتح، ولا طارق بن زياد الغازي، ولا القاضي سحنون العادل، وحتى نبينا محمد ﷺ فقد تعامل معه باعتباره "راعيًا في الصحراء يُعيد رواية حكايات بيئته"، وهو قول استشراقي فرنسي جاهل راج زمنَ دراسته في باريس.

من الصورة ونقيضها، نفهم أنه لم يكن مَعنِيًّا بتقديم ذاته للشرق العربي، بل كان يبحث عن تزكية من الغرب؛ فتصرف كأن الشرق العربي غيرُ موجودٍ أو غيرُ مهمٍّ في ترتيب علاقاته الشخصية والدولية، مردِّدا لازمةً صارت دليلا عليه: "باريس أقرب إلينا من مكة".

أمّا الداخل، فقد صاغ له سردية واحدة للعمل الوطني زمن الاستعمار ومعركة التحرير: تبدأ بأن بدايات الكفاح كانت نخبوية حضرية محافظة معزولة عن الشعب؛ فالقادةُ الأوائل غير مؤهّلين، ويجب الحلول محلّهم. ثم أضاف أن العاصمة غير ملائمة لقيادة الحركة، فنقل الثقل السياسي إلى الساحل، مسقط رأسه، ففتح ملعبا خاصا بلا شريك. هكذا كرّس تقسيم المجال السياسي للدولة بدلا من توحيده: منطقةٌ تقود بدل أخرى، وبقيت الدواخل تابعا أبديا لمركز سلطة متحرّك.

في السردية الرسمية، وهي مقررٌ مدرسي منذ الابتدائية، فشل كلّ عمل سياسي لم يخرج من رأس الزعيم، وكلُّ شخصيةٍ تُذكر تظلُّ ثانويةً يُشاد بجهدها اليسير ويُطلق اسمها على شارع لاحقا. أمّا الأسماء التي لم يتعايش معها، فمُحيت من الكتب لأن ذكرها يطعن في صدقية السردية.

وحين بلغ الحكم، رسّخ السردية بوسائل الدولة (التعليم والإعلام)، وأضاف فصل "الباني العظيم": الرجل الذي يمتلك ذكاءً استباقيا يعرف ما سيكون قبل أن يكون، فيُسارع إلى تنظيم النسل وضبط سوق الشغل، جامعا بين تحرير سياسي وتحرير اجتماعي.

تفوّقَ بورقيبة ثقافيا على كثير من ساسة المشرق، وساعده جهلُ بعض النخب العسكرية في الدول العربية على الظهور بمظهر الرئيس المدني المثقف في مقابل العسكري المتجبّر (شبه الأُمي).

وكان وجود نموذج معمر القذافي في ليبيا جارا مُفيدا لتكبير صورته وتحقير "العسكري العربي الغبي"، وقد أتقنت ماكينةُ الدعاية استثمار الصورة السالبة لجاره لتمجيد "العقلانية البورقيبية"، ولم يُخيّب القذافي ظنّ بورقيبة، فزوّد ماكينته الدعائية بمادة دسمة.

امتلك بورقيبة العبارة: خطيبٌ مفوّه بلسان يتأرجح بين الفصحى ولهجة حضرية، يُشعر سامعه بالقرب ووضوح الفكرة، ويقدّم حياته الخاصة بلا "بهرج إمبراطوري"، فترسّخت صورة "حبيب الشعب"، ومنع ظهور أيّ شخصيةٍ تُزاحمه.

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (يسار) والرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (غيتي)

وأسعفته قدرته، فخصومه عجزوا عن التحول إلى زعماء يضاهونه. لقد كانت خلطته خاصة: رجل وسيم، وعينان زرقاوان، يمتلك ذلاقة لسان، وذكاءً وقّادًا في المناورة، يعيش في تواضع من غير ابتذال، ويفتح للناس نوافذ مودةٍ عبر خروجات شعبية محسوبة؛ صورة لم يبلغها مسؤولٌ عربي من طبقته وجيله، حتى فَتحت له أبوابَ البيت الأبيض وزيارةَ جون كينيدي بجولة مكشوفة أمام الجماهير، قلّ أن حظي بها غيره. لكن ماذا كان خلف الصورة؟

ممر إلى عقل الرجل

قضى الحبيب بورقيبة إلى خالقه منذ 25 عاما، وغابت رئاسته عن المسرح منذ 38 عاما، لكن الكلام عنه لم ينقضِ، ولن ينقضي سريعا.

فما زال يثير من الأقوال ما يتأرجح بين تقديس مطلق وشيطنة مطلقة، وبين الحدّين تضيع قراءات كثيرة لا تدري أين تُسكِن الرجل: أهو رجل دولة مؤسسٌ ذو مشروع واضح، أم سياسيٌّ مستبد ضيّق النفس؟

نعود إليه اليوم لنعيد بناء صورته بعد ربع قرن من رحيله من الحياة، ونصفِ قرن على خروجه الفعليّ من السلطة؛ إلى ذلك النسيان الذي رتّبه بعضُ مَن ربّاهم على السياسة، فجعل منهم قادة من بعده، فإذا بهم ينكرون فضله، ويُبعدونه إلى قريته الأولى كأن لم يكن يوما ملء السمع والبصر.

يوقظ بورقيبة دائما نقاش الدولة والسياسة في اللحظات المفصلية من تاريخ تونس وتاريخ العرب الحديث، مما يستدعي حاجة مُلحّة إلى قراءة أوسع لفكره ودوره ومساراته. وهذه محاولة متواضعة في هذا الباب.

وللقارئ المتخصص نقول: لقد تراكمت ببليوغرافيا واسعة حول الرجل، خاصةً بعدما أتاح الربيع العربي كسر حواجز المنع التي فرضها خلفاؤه، وهم جهتان: جهة مُقدِّسة حظرت الكتابة صيانةً لشخص ومشروع وُضِعا فوق النقد، وجِهةٌ مُهينة امتنعت حتى عن ذكر اسمه.

والجهتان من أبنائه السياسيين الذين بلغ بهم الخوف والإنكار حدَّ التخلّف عن جنازته رهبةً من خليفته بن علي، في مشهد فاضح لطبيعة الرجال الذين ربّاهم على منهجه السياسي والفكري، الذين حوّلوا ضريحه بعد انقضاء أسباب الخوف إلى مزارٍ يُخفي خذلانهم له في زمن احتاج فيه إلى قليل من رعاية طبية وبعض المواساة، بعد خروجه من السلطة.

قدّم بورقيبة نفسَه لتونس وللعرب وللعالم رجلا مثقفا لامعا وعمليا براغماتيا، ميّالا إلى السلام بين الشعوب، يُقدّم التفاوض على الصراع، ويزدري الحكم العسكري ويحتقر العسكريتاريا، العربيةَ منها خصوصا.

ملكة بريطانيا الراحلة إليزابيث، وزوجها دوق إدنبرة الأمير فيليب مع الحبيب بورقيبة (يمين) في زيارة لتونس عام 1980 (غيتي)

سعى كذلك إلى بناء فَرادته، ساترا شعورا داخليا بالتفوق على مَن حوله، وبنى بسرعةٍ آلةَ دعاية فعّالة حوّلت نرجسيته إلى زعامة أممية تنافس زعماء العالم. غير أنّ تلك الآلة لم تدرك أنّ أصداءها لم تتجاوز حدود القُطر التونسي، فالعرب من حوله ردّوا احتقاره لهم بمثله، وبقيت زعامته محليّةً لا صدى لها بعيدا عن تونس.

في سعيه إلى صناعة فرادته، اندفع بورقيبة إلى مشروع تحديث اجتماعي يستند قبل كل شيء إلى الخيال القانوني. فالمحامي الرئيس تولّى قيادة الدولة من خلف المكتب، وعبر النصوص والمراسيم، وبجيشٍ من رجال القانون، خُيِّل إليه أن التعليمات ما إن تُسنّ وتُعمَّم عبر الأجهزة، ستنفُذ تلقائيا إلى عقول الناس وقلوبهم.

هكذا أرسى "دولة التعليمات" التي واصلت حياتها بعده. وكان بوسعه -وهو الذي يَأْلف الفرنسية ويَأْنس بها- أن يلتقط مبكرا خلاصاتِ ميشال كروزييه، خاصة كتابه الصادر عام 1954، وعنوانه شديد الدلالة "المجتمعات لا تُغيّر بالمراسيم" (On ne change pas la société par décret).

الحبيب بورقيبة في سنته الأولى طالبًا في فرنسا (ويكيبيديا)
الحبيب بورقيبة في سنته الأولى حينما كان طالبًا في فرنسا (ويكيبيديا)

والانتباه إلى هذا "العقل الهندسي القانوني" يفسّر ملامح سياساته الاقتصادية والاجتماعية، كما يفسّر مشروعه الثقافي والتربوي، وطبيعة الدولة التي بناها، والعقل السياسي الجمعي الذي قاد به الأجهزة وغرسه في الإدارة ونخبها الإدارية والسياسية، بل حتى في عقول بعض معارضيه الذين صاروا نسخا منه إلا قليلا نادرا.

وتلك بصمة عميقة لم ينقطع أثرُها بعده، وهي إنجازُه الأكبر الذي لا ينافسه فيه أحد، أمّا ادّعاءاتُ التميّز والاستثنائية والتميز الفكري، فقد عشنا حتى رأينا خواءها.

إن جوهر هندسة المجتمع بالقانون تفكير شمولي غير ديمقراطي، ومن طبيعة هذا التفكير أنه لا يصبر على التعدّد ولا يتسامح مع الاختلاف، وهذان هما فطرة كل مجتمع حيّ. لذلك قدّم الرجل وموظفوه -ولا أقول "رجال دولته"- الاشتغالَ بالقانون على علم الاجتماع، وفرضوا رؤيتهم في كل مجالات تدخّل الدولة: الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين.

وانتهى المشروع إلى جهاز ردعٍ فعّال ساق الناس إلى فكرة الزعيم من غير اعتراض علني، لكنْ بعقولٍ تُضمر الألم والخيبة؛ فلم يبكِ لسقوطه أحد. أمّا نوستالجيا الزعيم التي عادت بعد الثورة، فتشهد على عجز الجهاز البيروقراطي عن الخروج من عباءة مديره أكثر مما تشهد على فرادة مشروعه.

المهندس السياسي الذي لا يحب الأفكار

لم يختلف الحاكم المدني المثقف الوسيم في أساليب الحكم غير الديمقراطية عن العسكري الانقلابي في الشرق، ولم تُفضِ ثقافته الخاصة إلى تشييد دولة ديمقراطية طالما رفضها العسكر حيثما حكموا. كان مدنيا في المظهر، لكنه حكمَ بعقل عسكري يعوض الدبابة بالنص القانوني، وتحولت ثقافته اللغوية إلى ستار يُموِّه أسلوبَ حكمٍ متجبّر.

قبل استيلائه على الدولة الوليدة، عرفت تونس خلال الاحتلال، خاصة في النصف الأول من القرن 20، حالةَ تعدّدٍ فكري وسياسي: تيارٌ إسلامي عمّقته "الزيتونة" وطلبتُها، يدور حول أفكار النهضة والإصلاح كما عبّر عنها مبكّرا الحزبُ الوطني الدستوري بقيادة عبد العزيز الثعالبي، وما بقي من أثر لزيارة محمد عبده ومجادلاته، وتيارٌ يساري نشر مبادئه الحزب الشيوعي التونسي (1920) الذي نشأ فرعا للحزب الشيوعي الفرنسي، عارض الاستقلال ثم بدّل مواقفه وشارك بقدرٍ في معركة التحرير بعد اغتيال فرحات حشاد (1953).

كما كانت تتخمّر أفكار يسارية اجتماعية في النقابات خارج حزب بورقيبة. وبدأ تيارٌ عروبي غير قومي يتأثر بالنكبة ثم بخطاب جمال عبد الناصر ويروّج لمعركة تحرير عربية شاملة، ووجد في صالح بن يوسف زعيما منافسا، بينما ظلّ المكوّن الرئيسي حزبَ بورقيبة متحالفا مع نقابة أنكرت آنذاك دمَ مؤسّسها.

لكن الزعيم، ووفق فكرته التوحيدية بالقانون والأجهزة الوليدة، محا هذه المكوّنات، وأسس "الجبهة القومية" التي كانت في عمقها حزبَ الرئيس، ومنظماتٍ مهنية وشبابية مواليةً له، فمنعَ التعدد من التطور إلى حالة ديمقراطية، إذ "لا تحتمل معركة البناء تعددا سياسيا"، بل يكفي الدخول تحت مظلته حتى "تنضج" شروط الديمقراطية، وهي شروطٌ لم تنضج حتى قضى الرجلُ نحبه.

سارت آلة الدعاية سريعا بفكرة تبسيطية سهلة على الناس: التونسيون شعبٌ قليل العدد، شديد التجانس مذهبيا وفكريا وروحيا، وكلُّ خلافٍ يُضعفهم. ثم إننا "نحن العرب لسنا في مستوى الديمقراطية"، فالأجدر أن نقف صفًّا واحدا خلف زعيمٍ مُلهَم "يحب الوطن والشعب"، وكلُّ معارضةٍ لمشروعه إضعافٌ للبلاد وتأخير لنهضتها.

وفاة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي
الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي (الجزيرة)

ساعد دخول الإذاعة كل بيت في ترسيخ هذه السردية وسط أُمّيةٍ شعبية خارجة من استعمار غاشم، وجوعى حفاة يعتمدون على المعونات، بينما بدا خطاب الديمقراطية غريبا على الآذان. أما مَن كان قادرا على المعارضة، فلم يبلور أفكارا تصمد أمام ماكينة الزعيم، ولم تبرز شخصية كاريزمية تعادله، فدُفن ذلك التعدد تحت الغبار الكثيف الذي أثارته حركة التوحيد والضم البورقيبي. غير أن الأفكار لم تمت؛ ظلت تعتمل تحت الرماد حتى خرجت معارضة جديدة بعد عقد من الاستقلال.

وهنا برز استخدام تهم "الخيانة والغدر"، وهي التهم الأقرب إلى أجهزة دُرِّبت على المنع لا على الفهم والقبول. بدأت "المجازر السياسية"، واستكملت مجزرة اليوسفيين (حملة قمع عنيفة قام بها نظام بورقيبة ضد أنصار خصمه السياسي صالح بن يوسف)، وبقيت آثار أفكارهم حية بعدهم.

وبالتالي لا يختلف مشروع الزعيم هنا عن مشاريع القادة العرب الذين أجبروا شعوبهم بالدبابة على الخضوع، وألغوا كل احتمال تعددٍ يفضي إلى الديمقراطية: كما حصل في مصر الناصرية التي ذابت فيها حالة التعدد الديمقراطي في الاتحاد الاشتراكي و"مشروع الزعيم الأوحد"، وفي سوريا البعث التي قمعت تعددَها، وفي عراق ما بعد الملكية، وليبيا القذافي لاحقا.

تكشف المقارنة -وقد توفرت شروطها الموضوعية- غيابَ ميزة نوعية لنظام بورقيبة وشخصه عن الأنظمة العسكرية التي طعنَ في شرعيتها. كان "دكتاتورا بملابس مدنية"، يحتقر الجيوش ويوظفها في القمع. ظل الجيش التونسي خارج المشهد السياسي، لكنه كان "تحت الطلب" لحماية النظام من الاحتجاج الشعبي.

المهندس الاقتصادي

لم تكن لدى "المهندس السياسي" خطة اقتصادية تنتشل البلد من الفقر والتبعية، لذلك يقبل بعض أنصاره اليوم القول إنه "لم يكن رجل اقتصاد"، لكنهم لا يدفعون النقد إلى مداه، فالرجل لم يُنجز ما يُميزه عن نظرائه في بلدان شبيهة.

وبينما انشغل بورقيبة بصناعة صورته، ترك لوزيره أحمد بن صالح (وهو من منطقته) قيادةَ تجربةٍ أقربَ إلى نموذج "السوفيات" خاصة في الزراعة، معتمدا على النقابة زاعما بناء دولة اجتماعية لفك التبعية، على غرار مصر الناصرية وجزائر بومدين وسوريا البعث.

كانت نظريات "فك التبعية" عبر التصنيع الثقيل مهيمنة على الاقتصاد السياسي بعد الحرب العالمية الثانية، وقد لا يبدو أن الزعيم اطلع عليها كما اطلع وزيره الاستثنائي، فلم يتبيّن عواقبَها حتى ظهرت عيوبها في الأرياف المفقرة.

لم تخلُ المرحلة من مكاسب اقتصادية واجتماعية، حيث تأسست شركات عمومية خدمية مباشرة كالكهرباء والماء. ومن الإنصاف نسبة كثير من هذه المكاسب إلى مهندسها الحقيقي أحمد بن صالح. وفي سياق هذه المكاسب العمومية لبن صالح، دخل الزعيم في  اضطراب صحي، وإن لم يشغله ذلك عن استكمال بناء صورته الاستثنائية.

كانت "أسس الصناعة الثقيلة" في حقيقتها ترتكز على الفوسفات الموجه للتصدير، وتحتاج إلى أسواق واسعة لتتطور، لكن الرجل الذي قدَّم زعامته على "الأمة العربية" لم ينفتح على أسواق جواره، بل استهان بأسواق الجزائر ومصر، فخنق التجربة دون أن ينتبه إلى إمكان وَصلِ تجربته بسوق عربية مكملة. (وكان نموذج الاتحاد الأوروبي يُبنى اقتصاديا قريبا منه فلم يقلده أو يستقي منه).

لم يتخيل بورقيبة سياسة زراعية تناسب مجتمعا ريفيا يخرج من بداوة رعوية وتشتت مفقر، فترك لوزيره قيادة تجربة "التعاضد" التي هدفت إلى توحيد الملكيات الزراعية الفردية داخل شركات تعاونية زراعية بغرض تثبيت السكان وفرض التمدن بالقوة وبالذهنية ذاتها.

بلغ الأمر قطعان الماشية العزيزة على بدو رحّل منذ قرون لم يفهموا فلسفة الزعيم إذ لم يقرؤوا لينين، ففشلت التجربة فشلا ذريعا، واعترضت عليها أساسا حاضنة الزعيم الجهوية (الساحل والزيتون)، في حين تخلى بدو الدواخل عن قطعانهم خشية ضمها، فكاد القطيع يندثر واحتاج إلى إعادة تكوين من الصفر.

Tunisian President Habib Ben Ali Bourguiba (L) confers 28 February 1961 at Rambouillet castle near Paris with French President General Charles de Gaulle. In mid-July 1961 fighting between Tunisian and French troops began around the Bizerta base occupied by French troops and in the disputed area of the Sahara. The fighting ended on 22 July with the French in firm control o the base and town of Bizerta, more than 800 Tunisian having been killed. Bourguiba ruled Tunisia from 1957 until being destituted in November 1987, after leading the country to independence from France in 1956. (Photo by AFP)
الحبيب بورقيبة (يسار) مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول بالقرب من باريس في فبراير/شباط 1961 (الفرنسية)

أنتجت تلك السياسات تفقيرا للأرياف التونسية ودفعا لموجات متتالية من النزوح إلى المدن، فتوسعت أحزمةُ الفقر، وبدأ الخلل الديموغرافي يتسع ويثقلُ أمره على سياسيين عاجزين اقتصاديا عن استيعاب العمالة الوافدة. فكانت الأجهزة تُنظّم إخلاءاتٍ قسرية لإعادة النازحين إلى أريافهم في حلول أمنية لا تعالج المشكلة.

وحين تفاقمت أزماتُ النموذج التنموي، ضُحّي بالوزير بن صالح وخطته واتجه الزعيم يمينا نحو إصلاحات ليبرالية قادها الهادي نويرة، رجلُ القانون، عقدا كاملا.

وصار ذلك التغيير والتدوير "سيرةً" مكررة لديه: كلما "انزنق" وطفحت المشكلات، مسح يديه في جبة وزيره، وأنقذ "عبقريته" بإلقاء الكلفة والتبعة عليه، فيما تُحوِّل الدعايةُ الصاخبة فشلَ السياسات إلى "نصرٍ" للزعيم المنقذ الذي تدخل في الوقت المناسب، ثم توجه جرعات من الشماتة بحق الوزير الضائع بين المحاكم والسجون والمنافي.

لم تكن الخطة الليبرالية أيضا من خطط بورقيبة ولا أفكاره، فقد دخلت مصرُ في الوقت ذاته عصرَ انفتاح السادات، التي تجاوزت "الاشتراكيةَ العربية". وكان الزمن آنذاك يشهد تحوّلا عالميا، فقد انتهت تجارب "العالم الثالث" الاشتراكية إلى انتهاج ليبرالية تقودها مؤسساتُ الإقراض الدولية. تحدث السادات بالانفتاح، وتحدثت تونس بالتفتح جذر لغوي واحد لسياسة واحدة بأجهزة دعاية تتقلد بعضها بلا إبداع.

في هذه المرحلة ركّزت تونس على تطوير صناعة السياحة وعلى إقامة صناعات خفيفة في النسيج خاصة، وفّرت تشغيلا مكثّفا في مرحلة أولى، وحسّنت دخولَ طبقة وسطى ناشئة، مع ترضياتٍ اجتماعية للنخب مثل توفير السكن المدعوم، وتسهيل الحصول على مقاسم بناء مهيأة، تحولت لاحقا إلى أحياء النخبة الحداثية.

يمكن القول إن الهندسة الاجتماعية البورقيبية اهتمت بترضية الطبقة الصناعية الجديدة، ووُجِّهت التغييرات الاجتماعية وثمراتها الناتجة لصالحها لأنها نمّت موارد الدولة من الضرائب، ليبقى مَن لا يدفع الضريبة خارجَ كلّ ترضية، حيث ظلّ القطاعُ الفلاحيُّ غيرَ المهيكل خارجَ التغطية الاجتماعية حتى أوائل الثمانينيات.

أيضا تميّزت تلك المرحلةُ بانحيازٍ جهويٍّ صارخٍ في توزيع الخريطة الصناعية لمصلحة "منطقة الزعيم"، مما أدى إلى تصاعد مشاعر الغبن الاجتماعي، ساعد ذلك  فريق من اليسار الطلابي على البحث عن إجابة ثورية في أدبيات الزعيم الصيني "ماو"، وقد انتشرت أفكارهم في الساحة الطلابية التونسية لكنها لم تبلغ الفلاحين في الأرياف.

وسرعان ما انتهت محاولةُ "فكّ التبعية" ومرحلة التنمية المستقلة، فقد تعثرت التجربة، وعاد البلدُ تابعا لأسواق أوروبا مع بعض مكاسب في صناعة النسيج والسياحة الرخيصة،  إضافة إلى ثمرات اجتماعية جيدة، لكنها كرّست حالة التخلي عن الأرياف، فوسّعت الشرخَ بين مدن النزوح والعمالة الرخيصة وبين ريفٍ ينتظر الغيث ولا يلوح له إلا السراب. كانت الدعايةُ سعيدةً بأرقام "التمدّن" كأن سُكنى المدن غايةٌ بذاتها.

هذه الهندسة الاقتصادية بمرحلتَيها جعلت "الريفية" وصما ثقافيا، ولم يفلح أحدٌ بعد في تعديل الصورة لصالح الفلاحين الهامشيين لاقتصاد خدمي مديني. ومع ذلك تجري الآن "ثورة زراعية" صامتة فوضوية مثابِرة، خلقت ثرواتٍ في الزيتون والتمور والأشجار المثمرة، ورغم الإدارة التي تحاصرها عبر التحكم في المياه، فإنها لم تفلح في تحجيمها، وهو أمرٌ تجاوز مخيال الزعيم المعزول ومخيالَ جهازه الباقي الذي عجز عن ابتكار نموذجٍ خلّاق.

يُهمّنا التأكيد بعد كل هذا السرد أن نقول إن "المنوال التونسي" طابق تجاربَ مصر والمغرب والأردن؛ وهي بلدانٌ بلا ريعٍ نفطيّ، ولم يكن غريبا أن تتلازم ردات الفعل الشعبية  داخلها، حيث انفجرت الاحتجاجات الاجتماعية منذ السبعينيات في تلك البلدان الفقيرة ومنها تونس، بما ينزع عن سياسة "المهندس الاقتصادي" كلَّ استثنائية.

لم تخدم الأرقام الاقتصادية والاجتماعية الزعيم، بل أدانته: بطالةٌ مرتفعة، نزوحٌ لا يتوقف، تفقيرُ أرياف، دخولُ طبقةٍ وسطى مجمّدة. ختمتْ تلك المؤشراتُ نهايتَه التنموية بقبول برنامج "الإصلاح الهيكلي" (1986) على يد وزيره الأول رشيد صفر (ابن الساحل أيضا).

وفي نهاية المطاف قَبِلَ الزعيمُ المريضُ المتمسكُ بالسلطة إملاءاتِ البنك الدولي، وهو البرنامج ذاته الذي فُرض على مصر والمغرب والأردن في أزمنة متقاربة.

ولأنه غيرُ مقبولٍ شعبيا، احتاج إلى "دكتاتور غاشم" لتنفيذه؛ فانتهى الأمر بإقصاء الزعيم (بانقلاب طبي مهين) وتحميلِه الفشل، ثم إعادة إنتاجه كما أعاد مبارك إنتاجَ السادات. خرج بورقيبة من الباب الصغير للتنمية، فيما لحس أنصارُه المنحازون للقائد الجديد دعاياتِ "الاستثنائية" وتعامَوا عن خاتمته الوبيلة.

المهندس الاجتماعي: العُلوُّ بالنصّ القانوني

قاد بورقيبة منهج التغيير الفوقيّ بالنصّ القانوني الذي مارسه لإعادة هندسة الأسرة التونسية. فقد انطلق من مقدمة تبسيطية: الأسرة الممتدة هي بؤرة التخلف التاريخي والعائق الأول أمام "التحديث"، لذا يجب تفكيكُها بسرعة.

والحقيقة المتجاهلة أن هذا التمدد الأسري يعبر في عمقه عن حاجة وضرورة اقتصادية ريفية رعوية، لم يقدرها الزعيم الذي قام بتعديل القانون (خاصة منع تعدد الزوجات)، وقد رافق منعَ تعدد الزواج هندسةُ للسيطرة على النمو السكاني، ظلل كل ذلك وعود براقة تربط حركة تنظيم النسل بالتعليم الجيّد، والتشغيل الكامل.

الحبيب بورقيبة في نهاية العشرينات بعد عودته إلى تونس من فرنسا (ويكيبيديا)
الحبيب بورقيبة في نهاية العشرينات بعد عودته إلى تونس من فرنسا (ويكيبيديا)

ولتمرير هذه الفكرة، احتاج إلى أيديولوجيين مهنيين شوّهوا صورة المجتمع التقليدي بوصفه مستنقعا لاضطهاد المرأة والطفولة لا يُنتج إلا التخلف والمرض والجهل. وقدمت بعض الروايات المدرسية صورًا شديدة البشاعة، ومغرقة في المبالغة، عن ممارسات مثل تعدد الزوجات للتنفير من صورة المجتمع الذي يقبل بهذه الممارسات.

ومع تغيّر القاعدة الاجتماعية للتنمية، انهار الاقتصاد الريفي لصالح اقتصاد صناعي وخدماتي متمركز في المدن. فتخلّت الأجيالُ الجديدة مُكرهةً عن الآباء وروابط الأسرة الممتدة. والحق أنه لولا الانهيار التدريجي للاقتصاد الزراعي مقابل نمو القطاع الصناعي، ما وقعت التغيرات الاجتماعية التي وصلت إليها تونس.

وفشل التنمية وحده كان يكفي لتحجيم التعدد دون الحاجة إلى مانع قانوني. فقد غاب عن "المهندس الاجتماعي" أن التغيير يجب أن يحدث ذاتيا استجابة، لا أن يُدفع المجتمع نحوه قسرا بنص تشريعي، فالناس يرفضون العسف القانوني، وإنْ خضعوا له مُكرهين.

وقد كانت تونس تمضي في تضييق التعدد بسبب تراجع القدرة المادية، وليس بسبب القيد المانع، لأن العجز الاقتصادي وعدم توفر المسكن الواسع أو المساكن المتعددة يعسّر بشكل ما من أمر التعدد.

لذلك انتشرت في الأوساط الميسورة ترتيبات تعددية متخفية، تارة بصيغ عرفية ملتوية، وتارة خارج كل إطار قانوني، بينما تلوذ الإحصاءات الرسمية بالصمت، وقد غدا إخفاء الظاهرة جزءا من أيديولوجيا الدولة. والحقيقة أن المجتمعات لا تتغير بقانونٍ يُهندس الحياة، وتلك حقيقةٌ تهدم صورة الزعيم عند أنصاره. وقد جرى الأمرُ نفسه في التعليم.

لكن رغم ذلك ظلّت الدعايةُ تقدّم قوانين المنع باعتبارها فتحا تحديثيا. وهنا تتبدى مفاتيح مشروع الزعيم: نخب بورقيبية تبنَّت "التحديث" على علّاته، ومنعت نقدا ينسب التحولات إلى عوامل اجتماعية مادية، فحالت دون أي بحث جاد في أثر وجدوى "التغيير بالقسر القانوني".

وقد ذكرت في روايتي "تفاصيل صغيرة" (2010) ملاحظة طويلة النفس: إن المسكن الضيق الذي شيَّدته الشركة العقارية العمومية ومكَّنت منه الطبقة الوسطى، بيت لا يتسع غالبا لأكثر من زوجة وطفلين، كان أشد أثرا في الحد من التعدد من بنود مجلة الأحوال الشخصية ذاتها.

أما "فرحة الحياة" كما رسمها خطاب الهندسة الاجتماعية عند الزعيم في شكل أسرة نووية بديلة عن الممتدة: زوجان وطفلان، بيت وسيارة، تعليم جيد وصحة موفورة، فقد تحقق منها الكثير بقسر القانون، ولكن على قاعدة من عدم الرضا عبّر عنها البعض بعبارة "الإخصاء الرسمي"، والذين حققوا هذا الحلم في صورته المدرسية كانوا في معظمهم موظفي الدولة بمختلف قطاعاتها؛ فعلوا ذلك على هيئة استسلام لقدر غاشم، واحتفظوا بأمانيهم السرية التي لا تخرج إلا في جلسات سرية آمنة وبعد التأكد من "سلامة الجو"، قبل أن يختتموا الهمس بلعنة موجزة: "لقد أخصانا الزعيم".

المدرسة.. والهندسة بالمدرسة واللغة

يعتز التونسيون بتاريخهم في التعليم، ويفتخرون في ساحات السجال العربي التي تؤججها أحيانا مباريات كرة القدم بأنهم أصحاب جامعة الزيتونة، ويزعمون أنهم أسسوا القرويين في المغرب والأزهر في مصر، وهو زعم له شواهد، لكنه سابق بقرون على زمن الزعيم.

وفي تراث البلاد شبكة واسعة من المتعلمين ومراكز التعليم المرتبطة بالاستقرار الحضري وواحات الجنوب، وقد تعاظم الحماس للمعرفة وللتعليم عامة تحت تأثير الاحتلال الفرنسي حين أدرك الناس أن من أسباب الهزيمة فقدان أدوات القوة وفي مقدمتها التعليم.

لا تتوافر أرقام دقيقة عن أعداد المتعلمين قبل الاحتلال وأثناءه، غير أن للبلد جهازا شرعيا قضائيا متعلما، وتقاليد راسخة في الفرائض وتحديد الملكيات وتنظيم الأسواق والحِرف، وظهر أمناءُ الصنائع منذ زمن بعيد، وكانوا أهل معرفة، وكانت الزيتونة عنوان هوية وفخر.

منذ لحظته الأولى في الحكم، اتجه "المهندس الوضعي" إلى الاستحواذ على المدرسة ووضعها في خدمة مشروعه. يمكن القول إنه بنى دولته على مدرسة موحّدة بمقرر واحد، فسارع -على خلاف المتوقع- إلى توحيد مسالك التعليم المتعددة في تعليم مركزي القرار، ومنع التعليم الزيتوني.

كان من أهم نتائج مدرسة بورقيبة أن التونسيين في معظمهم صاروا يتواصلون مع العالم بغير لغتهم، حتى ضمن معارضتهم للسلطة (الفرنسية)

كما وضع مقررات حديثة على قواعد وضعية، وخفّض نصيب المقرر الديني حتى حصره في المرحلة الابتدائية. وللإجهاز على مؤسسة الزيتونة، وضعت الدولة يدها على الأحباس (الأوقاف) الزيتونية وأحباس الحرم، فقطعت التمويل الخاص والأهلي للتعليم، ثم همّشت خرّيجي ما قبل الاستقلال عبر إدارة تتكلم الفرنسية حيث لا يجد الزيتوني موطئ قدم إلا في الهامش.

وفي عقد واحد دخلت نخبة الزيتونة مرحلة النسيان وحلّت محلها نخبة حديثة، إدارية بالأساس، تتخاطب بالفرنسية كتابة ونطقا (باسم تونسة الإدارة). وكانت تلك "ضربة معلم" سريعة ومؤثرة في صناعة نخبة الدولة الجديدة، حتى صار التراسل بالعربية وصمة عجز وتخلّف.

ولم تكن النخبة الزيتونية القديمة بريئة من العيوب التي سهّلت إنفاذ البرنامج، فالتعليم الزيتوني ظل محصورا في نخب حضرية حوّلت الزيتونة إلى أصل اجتماعي محمي، ومنعت "الآفاقيين" أو الوافدين من خارج المدن من التقدم إلى المراتب العليا (نموذج الخضر حسين الآفاقي الذي هرب إلى الأزهر فوجد مشيخة كاملة).

كما أن معركة تحديث التعليم الزيتوني التي بدأت مع أول تماسٍّ مع الاستعمار لم تُثمر تطويرا فعّالا بسبب محافظة تلك النخبة التي كانت تميل إلى الجمود وتُعادي الإصلاح بمختلف لغاته، فكان تحييدها ميسورا.

احتاجت الدولة الحديثة إلى لغة حيّة للتخاطب مع العالم، بينما حصر الزيتونيون أنفسهم في العربية، فوجدت الإدارة الجديدة حجة إضافية لتجاوز العربية ومستعمليها. وساعد المحتل السابق على ذلك بوضع البرامج وتحديد المقررات، وفرض الفرنسية عمليا لغة أولى تُخصَّص لها ساعاتٌ أكثر من العربية. وأهم نتائج "مدرسة الزعيم" أن الكثير من التونسيين تواصلوا مع العالم بغير لغتهم.

وافق هذا هوًى في عقل الزعيم المهندس، فترسّخ في الأذهان أن الفرنسية مفتاح العالم، وأن العربية عائق للنجاح. وأصبحت نخبة ما بعد الاستقلال تفكر بالفرنسية، وإن كتب بعضُها بالعربية في مراحل لاحقة، وصار حديث التونسيين بالفرنسية في المقاهي والأسواق أمرا مألوفا، حتى إذا تكلّم قريبٌ منهم بالعربية نُظر إليه كحالة تحتاج إلى علاج. وتحولت الفرنسية إلى نهج كامل برمج به الزعيم المدرسة والمجتمع، ولم ينجُ منه إلا قلة تبدو اليوم غريبة في بلدها.

صحيح أن فئة واسعة من النخب أعادت توطين العربية في الجامعة وأخرجت مدرسين أكفاء، وأن الدولة أنفقت مالا كثيرا على تعليم العربية من الابتدائي إلى العالي، غير أن العربية لم تعد فعليا إلى موقع لغة الدولة، رغم الإقرار المتأخر في مطلع الثمانينيات بأنها لغة القضاء الوحيدة ولغة الإدارة الرسمية. وفي اللحظة التي دخلت الحواسيب الناطقة بالفرنسية إلى الإدارة، أنقذت الحوسبة اللغة الفرنسية ومنحتها عمرا جديدا في الإدارة، وكرست موقع العربية في الهامش.

وبسبب هذه الهندسة الثقافية اللغوية المغرمة بخطاب التحديث على النمط الفرنسي، يعيش بعض التونسيين ازدواجا لغويا يقطع تواصلهم مع العربي والفرنسي في آنٍ واحد. إنهم يفهمون بعضهم بعضا، لكنهم ينقطعون عمن لا يُحسن تفكيك جملة منطوقة بلغتين وأكثر، وتوشك لهجتهم المحكية أن تشبه اللغة المهجّنة التي لا يفهمها إلا أهلها.

وما لا يقوله التونسيون لأنفسهم إن قطاعا منهم منبهر بنمط الحياة الفرنسي، ويجدون الثقافة الفرنسية من اللغة إلى الإتيكيت مغرية بالتقمص والاتباع. بدأ هذا الانبهار قبل الاحتلال المباشر وترسخ خلاله، ثم عمّقته جسور الثقافة والعمل بعد الاستقلال عبر الهجرة والاستيطان المهني في فرنسا، فترسخ نمط الحياة والتفكير الفرنسي في أوساط واسعة من النخبة والمجتمع.

تقيس النخبة تخلفها بمسطرة التقدم الفرنسي، لكنها لم تأخذ عن الفرنسيين ديمقراطيتهم، بل احتفظت بأسوأ ما خلّفه الفكر الاستعماري الغربي: الشعار البغيض "العرب غير مؤهلين للديمقراطية".

هل أراد الزعيم فرنسة الشعب؟ لقد كان بورقيبة يخطب بالعربية التونسية بين الفصيح والمحكي، وكان ذلك أحد مصادر قوته، لكنه نظر إلى العربية بوصفها إطارا ثقافيا يستند إلى القرآن الذي عدّه في تصوره "مصدر تخلف العرب"، ورأى أن فصل الناس عن القرآن يبدأ بفصلهم عن العربية، وهي خطة استشراقية فرنسية مطبقة.

والنتيجة أن لغة الأمة لم تُبن؛ تراجعت العربية وتقدمت الفرنسية، ثم جاء تمرد صامت على اللغتين معا بانجذاب شعبي إلى الإنجليزية بجهد ذاتي، وهو ما يزعج فرنسا فتسعى إلى إعادة هندسة التعليم. واتضح بعد ثورة 2011 أن وزارة التربية ومقرراتها "إقطاع فرنسي" لن تفرط فيه باريس بسهولة.

صنعت مدرسة الزعيم الناطقة بالفرنسية إدارة تخاطب المواطن الأُمي بالفرنسية، فيعجز عن فهم مراسلاته إلا بمترجم. وكان عماد هذه الإدارة رجال قانون تخرّجوا في كليات تُدرّس بالفرنسية، فلم تنجح محاولات تعريب الحقوق إلا نسبيا، ولولا إلزام المحاكم بالعربية لبقيت الأحكام تصدر بالفرنسية كما في العهد الاستعماري. أراد توحيد الشعب بمدرسة واحدة، فاتخذ لها لسانا فرنسيا، فأنتج شعبا لا ينطق بلسان واحد ولا يُحسن تعريف نفسه.

لطالما ردد بورقيبة: "باريس أقرب إليّ من مكة"، لتتحول الجملة إلى نهج تفكيري لدى النخب المتخرجة في مدرسته، وتحول احتقاره للعرب ولغتهم وتراثهم الديني إلى روح فاشية سادت في أوساط نخبوية وبعض الشرائح الشعبية التي غاية أمانيها أن تلتقط لها صورة تحت برج إيفل.

ومع شيء من الإنصاف، لم تكن بلدان المشرق تقدم نموذجا لامعا لاستعمال العربية في العلوم والإدارة، فبقيت شعوب عربية كثيرة خاضعة للغة الدولة العظمى التي استعمرتها. هنا يخف وصم "الفرنسة": لقد أعاد الزعيم إنتاج استعمار ثقافي بمدرسته بلا أدنى فرق مع الأنظمة العسكرية المشرقية، في حين تُصوِّر الدعايةُ الأمر قدرا لا فكاك منه.

كشفت برامج تعليم الكبار في التسعينيات عن نسب أُمية مرتفعة داخل شرائح مولودة في الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات، خصوصا بين النساء داخل أحزمة الفقر حول العاصمة والمدن الكبرى، وهذا يعني أن "إجبارية التعليم" كانت غالبا شعارا إذاعيا ضمن معزوفات تمجيد الزعيم، وأن الفئات نفسها غادرت المدرسة أو لم تدخلها أصلا بحثا عن رزق سريع في المدن نتيجة نموذج اقتصادي لا يكترث بالأرياف.

ترجم بورقيبة ثقافته إلى مشروع تحديث سريع متعسف بالقانون على مسارات المجتمع، وكان ذلك مدخل الخطأ الأكبر. لم يختلف "التغيير بالقانون" في نتيجته عن "التغيير بالدبابة": كان يرى الشعب "غبارا" يحتاج إلى تشكيل وفق صورة مثالية لشعب متخيل، فكانت الاستجابة المترددة -رغم الإعجاب بصورته المعلقة في كل مكان- تزيد إحباطه.

لقد قام تفكيره على "حتميات" وضعية: الخروج من الفكر اللاهوتي إلى الوضعي حتمية تاريخية وثقافية، لكنه بدل انتظار نضج شروطها، استعجلها بالقانون والإدارة القوية. بُنيت القوة على ولاء جهوي فقير إلى الكفاءات، فبرز "الاستزلام" أو المحسوبية وتوزيع المواقع على قاعدة الولاء الجهوي والشخصي، واتسعت الفجوة مع الجمهور الذي صار يُساق بالقوة إلى استقبال "خروجاته الشعبية".

لعلّه أدرك ذات لحظة أنه أسير العُصْبَة والجهة، لكنه عجز عن استعادة صورة "حبيب الشعب"، وتحولت أخبار انهياره العصبي وتدهور قدراته الذهنية إلى أحاديث المعارضة، وهو الوحيد من كل ذكور تونس الذي طلّق زوجته خارج المحكمة.

Tunisian statesman and first President of Tunisia, Habib Bourguiba
ترجم بورقيبة ثقافته إلى مشروع تحديث سريع متعسف بالقانون، وكان ذلك خطأه الكبير (الصحافة التونسية)

ظن الزعيم أنه صفّى خصومه ووضع الشعب في جيبه، فإذا بالشباب اليساري الجديد -وبعضه درس في فرنسا مثله- يطعن في مشروعه ودولته وزعامته الكاريزمية. فُتحت السجون للشباب الجديد، وقبل أن يُغلَق ملف اليسار، امتلأت الساحة بـ"الإسلاميين الجدد"، لا بقايا الزيتونيين المروَّضين، بل إسلاميون بروح شرقية ينافسونه على شرعية الحديث باسم الدين، وهو ملف ظن أنه امتلكه إلى الأبد ببضع خطب على منبري عقبة والزيتونة.

انكسرت صورة الزعيم أمام مرآته، ودارت في رأسه فكرة مريرة: "هذا شعب ناكر للجميل لا يقرّ لي بالبطولة المطلقة". استيقظ "شيطان الديمقراطية" من داخل حزبه نفسه في مؤتمر الحزب بالمنستير عام 1973، ولم يُطفئه تتويجه "رئيسا مدى الحياة" بتعديل دستوري سريع على طريقة الانقلابات الشرقية عام 1974. كان ذلك الإكليل الإمبراطوري إيذانا بسقوط آخر أوهام "التميز" عن حكام يزدريهم، ويمارس فعلهم بلا وجل.

القانون ضد الثقافة، والدرس الذي لم ينتهِ

منذ ملاحظات ابن خلدون الثاقبة، ينقسم المجتمع التونسي إلى حضر وبدو، واستمر ذلك إلى دولة بورقيبة. ومع توتر العلاقة بين المدينة والبادية، توالت انتفاضات الريف.

جاء الرجل منحازا منذ البداية إلى نمط الحياة الحضرية، مستخِفًّا بغنى الثقافة البدوية وتنوعها، فكرّس عبر مؤسسات الدولة ثقافة الحضر ومحا المكوّن الثقافي البدوي العربي من الثقافة الرسمية.

أقدم الزعيم كذلك على هدم الأسوار المحيطة بالمدن وترَك أبوابها التاريخية رموزا، لكن التعايش لم يحدث، بل ذُوِّبت البداوة في نمط حضري عزيز على قلبه، بلا اعتزاز بالانتساب إلى القبيلة والنسب وتقاليد الفروسية. تلاشت البداوة تدريجيا وتحولت إلى حنين مُوجع في قصائد يكتبها شعراء يسكنون المدينة وقلوبهم معلقة بالخيام.

كان "التوحيد الثقافي" العنيف خادما جزئيا لقطاع السياحة الذي أراد له الزعيم صورة شعب "يعيش عصره"، شعب حديث لزعيم حديث. لكن الثقافة التونسية فقدت رافدا أساسيا، فهي تسير على رجل واحدة وتنتج غربة نفسية واسعة.

وقد يقول قائل: أليس في سيرة الزعيم ودولته ما يسرّ القارئين؟ ألا يبدو المقال منحازا إلى كشف العيوب؟ لو كان الرجل ترك لمَن عاصره فرصة نقد سياساته وسيرته، لوجد كاتب متأخر فجوات إيجابية يُعيد بها بناء صورة أنصف.

وللإنصاف، فقد بُنيت تونس الحديثة بجهود كثيرين لا بجهد شخص عبقري استثنائي. كان بورقيبة مؤثرا وموجِّها، لكنّ كثيرا مما فرضه انتهى إلى ما لا تحمد عقباه، ونرجسيته التي أخرست كل نقد حوله كانت سببا رئيسيا في تدمير منجزه. بعد 40 عاما من خروجه من المشهد، نرى شعبا تشكّل خارج خرائطه المسبقة.

رسّخ الرجل أسلوب "التغيير بالنص"، فصنع إدارة محافظة تخشى التغيير وتحتال عليه بالمزيد من النصوص: بيروقراطية ثقيلة فاقدة للمخيال السياسي. لم يجرؤ سياسي بعده على نقد هذا المنهج أو التخلي عنه لصالح التغيير الطبيعي، وهنا يكمن أثره غير القابل للنقض حتى اللحظة.

تغيّر التونسي وطوّر أسلوب حياته، وفكّر خارج صندوق الزعيم، تبنّى أطروحات متعددة وطالب بحريات وتنمية متوازنة توحّد المجال وتقبل التنوع الثقافي المحلي، وتنفتح على الثقافات، بما فيها العربية والإسلامية التي حُجّمت في مشروعه. إن صعود أفكار اليسار المطالب بالعدالة الاجتماعية إعلانُ فشلٍ لخططه الاقتصادية، ورواج أفكار العروبة والانتماء العربي إشارة واضحة إلى هوية البلد، وظهور الإسلاميين سياسيا دفاع عن الهوية المسلمة في وجه الفرنسة والتغريب.

وبقدر ما كانت دولة الزعيم تحارب شعبها بالنصوص والأجهزة الصلبة، كان الشارع يتطور بأساليب مضادة، ويقترح بدائل من خارج مشروعها. دلت الانتفاضات الاجتماعية المتتابعة على مسارين متوازيين لم يلتقيا على مشروع وطني جامع: شعب يتحرر، وإدارة جامدة تمتلك قوة الضبط والقمع، "مَن لم يخضع للقانون طوعا تُخضعه العصا كرها"، وهو شعار عساكر الشرق بلا رتوش.

12th anniversary since Tunisia's Jasmine Revolution
عادت المطالب التي أقصتها دولة بورقيبة توضع على طاولة الحكم في زمن زين العابدين بن علي: الحرية، العدالة الاجتماعية، إصلاح التعليم والديمقراطية (الأناضول)

في عام 2011، انتفض الهامش المفقر انتفاضته الأكبر بعد واقعة رمزية: شرطية الدولة بالكسوة الميري تصفع مواطنا في الهامش، فينتفض الهامش وتهتز الدولة وتُخرج أسوأ ما فيها من قدرة على القنص.

أفلت الهامش وهز الأركان، عندها أعادت الدولة قراءة تاريخها، ونظرت في تراث الزعيم، فإذا بالمطالب التي أقصاها توضع على طاولة الحكم: الحرية، العدالة الاجتماعية، إصلاح التعليم، فك الارتباط عن "الفرنسة"، وكل ذلك تحت سقف الكلمة المحرَّمة في قاموسه: "الديمقراطية".

دامت جولة المراجعات عشرية كاملة، وتحقق منها الكثير، لكن دولة الزعيم الإدارية بوسائلها الصلبة التفّت على المنجز الديمقراطي ومحت ما تحقق، وأعادت فرض نظامها بالهندسة القانونية ذاتها، كأن روح الزعيم بُعثت. غير أن النسخة العائدة باهتة فقيرة، تفتقد ذكاءه و"فهلويته" وصوته ولون عينيه المحبب للمتأملين، وهي مزايا كان الزعيم غطَّى بها فقر مشروعه.

لعل كاتبا بعدنا يقول: إن استنساخ الأصل قضى عليه. فالشعوب ليست النعجة دولي.