الاثنين، 4 سبتمبر 2023

سورية الثانية بين البناء والهدم وتحديات المرحلة

سورية الثانية بين البناء والهدم وتحديات المرحلة

تتسارع الأحداث والإرهاصات التي تشير إلى مخاض حقيقي يسبق الإطاحة بالنظام السوري الأسدي الطائفي ومنظومته الأمنية.

لكنها ليست الإرهاصات الأولى ولا التسارع الأول، فقد سبقه أضعافه من حيث الكم والنوع في زمن تماسك وبطش النظام ورعب منظومته الأمنية القاسية.

لكن ما يميز هذه المرة هو بروز الطوائف الباطنية كالنصيرية والدروز ورفع أصواتهم من خلال قياداتهم وأعيانهم التي بدأت تتكاثر بشكل غير معتاد ولا هو طبيعي !

 من الواضح أن المشروع الغربي من خلال أركانه الاولى وعلى رأسه الإدارة الأمريكية شرع في إعادة ترتيب المنطقة بعدما فككها وعبث فيها على مستوى الشعوب والحركات والجيوش والحكومات لصالح رؤيته في الفوضى الخلاقة.

يريد الغرب أن يصنع نماذج وحكومات جديدة مستفيدا من الفوضى الخلاقة التي وفر لها ظروفا ومعطيات تناسب رؤيته وتفوت الفرص على الشعوب التي استفاد من دمائها ووجهها ومنعها من قطف الثمار الحقيقية بعد أن صفى قياداتها الواعية والمخلصة وزج بقيادات أخرى متعاونة أو متخادمة معه بشكل مباشر وغير مباشر.

لاشك بأن سورية جوهرة في المنطقة يتألق عاليا من يسيطر عليها، الأمر الذي يعني أن الغرب لن يسمح لشعبها بالسيطرة الحقيقية عليها وسيحافظ على شكل دون مضمون لديمقراطيته المخادعة.

غير أن الغرب اللعين يعي جيدا حيوية شعوب المنطقة العربية والإسلامية التي خبرها طيلة قرون وفي محطات هامة وعنيدة، الأمر الذي يجعله مصرا على المحافظة على ركيزتين تشكلان له صمام الأمان الذي يحول دون نهضة الشعوب وانعتاقها، وهما :

الركيزة الأولى:

البنية الطائفية المرتبطة به والمرهونة له بحيث تكون متنفذة في أنظمة الحكم وقابضة على مفاصل الدولة الرئيسية.

الركيزة الثانية:

المنظومة الأمنية الصلبة والتي تتميز بعلاقات دفينة تضمن ولاءها وانسجامها مع المشروع الصهيوني في المنطقة.

سورية الحديثة تتشكل برعاية الغرب للمرة الثانية بعد تشكل الدولة الوطنية الحديثة حين تم تمكين البعث والنصيرية في المرة الأولى في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم.

إن الغرب عموما والإدارة الأمريكية خصوصا شريك حقيقي في تشكيل النظم التي أعقبت ثورات الربيع العربي، بعدما نجح الغرب في حرفها عن مسارها من خلال إطلاق يد إيران وملاليها وميليشياتها للبطش بشعوب المنطقة وثوارها وعلمائها وقياداتها ورموزها، وكذلك من خلال نجاحه في اختراقاته العميقة للأجسام الثورية عسكريا وسياسيا، كما زادها تشويها وتمزيقا عندما زرع فيها أفرانه الحارقة والمتنقلة داعش وأخواتها.

إن التمكن والنفوذ الغربي الصليبي في منطقتنا ودولها المهترئة وجيوشها العميلة لا يزال قائما للحد الذي يصعب فيه تصور أي عملية سياسية في المنطقة خارج الرؤية أو الشراكة أو المحاصصة الغربية عموما والأمريكية على وجه الخصوص.

لكن الإدارة الأمريكية وعموم الغرب ليست إلها ولا سنة كونية لا مبدل لها، بل هي إدارات تصيب وتخيب وتنجح وتفشل وتؤلم وتتألم.

إن هذا التصور يستدعي لملمة وترتيب الأجسام الثورية، كما عموم الجسم الإسلامي السني المضعضع، لتقوى على مواجهة تحديات المرحلة في المدى المتوسط حيث ستنقل الأوضاع العربية سياسيا من المجزأ والمقسم إلى تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم، مستفيدة من الأوضاع الجيوسياسية التي أفرزتها حقبة الربيع العربي بشكل عفوي تلقائي نتيجة حالة الاحتراب، أو مدروس ومخطط له.

والواقع يشير إلى غلبة أهل السنة والجماعة في أرض الشام من حيث التكوين والعدد، الأمر الذي يمنع التسليم لهم، لاسيما وهويتهم الثقافية الإسلامية المشتركة قوية، وقد زادتها الثورة والتضحيات قوة وبلورت مطالبها العميقة والعنيدة.

وإنني أرجح أن الغرب يتجه لبناء سورية الثانية -كما العراق- بحيث يملؤها بنقاط التفجير السياسي والعرقي والطائفي والاقتصادي ليضمن عدم عافيتها حتى في فترة ضعفه وانشغاله بصراعات دولية أكبر وأخطر وأهم.

أعود فأقول إن المنطقة تعيش أوضاعا مهلهلة وهي ستعيش حالات من الخلخلة التي تترك فجوات لا يمكن أن يستفيد منها إلا من حقق شرطيها الرئيسيين وهما :

الشرط الأول:

وجود خطة عملية وان كانت مرحلية مبنية على تصور شامل في أهدافه القريبة والبعيدة والنهائية، لتشكل ضابطا لها من الانحراف والخروج عن السكة.

الشرط الثاني:

بناء جسم وطني متماسك من حيث انسجامه الثقافي واستقلاله السياسي وامتلاكه للإرادة الحرة ونقاء وصفاء قياداته الموجهة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المشكل الطائفي سيبقى مطروحا في مجتمع متنوع الطوائف والمذاهب وان كانت مساحته الكبرى والغالبية هي مسلمين من أهل السنة، ولكن المعركة التي يجب أن تدار -في ظل مكر الغرب- هي حول كيفية استيعاب الطوائف لا استعداءها لاسيما أنها جزء من نسيج المنطقة.

إن الثوار والمصلحين والدعاة والسياسيين أمام اختبارات كثيرة في المرحلة القادمة، ولكن أهم تحدياتها الثلاثة الأولى ستكون:

التحدي الأول:

تشكيل مشروع وطني مستقل سياسيا جامعا يستوعب تجربة الماضي وأخطائه ويبني على التضحيات الأخيرة ودماء شهدائها محققا آمال أحيائها ولو بشكل مرحلي تطيقه الظروف الموضوعية.

التحدي الثاني:

الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية التي تشكل هوية المنطقة وعموم شعوبها منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى تشكيل الدول الوطنية الحديثة، واسترداد واصلاح العطب الذي أصاب الهوية فأحدث فيها لوثات تتناقض مع الإسلام العظيم نتيجة النظريات القومية واليسارية.

التحدي الثالث:

النجاح في استيعاب الطوائف المسيحية والنصيرية والدرزية -رغم أوجاع المرحلة السابقة والحالية وانتكاسات الطوائف خلالها- بحيث ينجح المكون الإسلامي القادم في أعرق بلاد وأقاليم المسلمين -أرض الشآم- بخلق فجوة بينها وبين الغرب الذي لطالما اخترق المنطقة وعبث في أوضاعها من خلال تلك الطوائف عبر قياداتها الرخيصة غير المنتمية واللاوطنية، ولعل هذا التحدي الصعب يبرز القامات الإسلامية المفقودة اليوم نتيجة الاحتراب الطائفي الذي يرعاه الغرب باحتراف كبير، ولعل خير قدوة في هذا السياق هي شخصية الأمير عبدالقادر الجزائري الذي أنقذ إقليم الشام وطوائفه من مهالك الذبح والتهجير التي اندلعت بدمشق عام 1860 بعد أن انقدحت شرارتها في لبنان بين المسيحيين والدروز.

من نافلة القول أن حجم التدمير الذي أحدثته نظم الحكم التي مكنها الغرب من حكم البلاد والعباد في الدول الوطنية الحديثة التي أنشئت برسمه وأمره، يطرح بين يدي المصلحين والدعاة والسياسيين تحديات كثيرة وعظيمة حتى لا يكاد يخلو منها منحى من مناحي الحياة، وهنا تكمن رسالة أتباع النبيين والمرسلين في إصلاح أحوال العباد ورعايتهم في المعاش والمعاد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن خير من يستفاد من مواقفه في الحقبة الأخيرة وفي أوضاع شبيهة إلى درجة التطابق مع إقليم الشام هو الشيخ حارث الضاري رحمه الله، والذي حلت عليه وعلى كل المصلحين مصائب في أرض العراق تفوق كل المصائب التي حدثت في القرنين الأخيرين في مصر وعموم الشام، ومع ذلك فقد كان خطاب الشيخ الضاري متزنا ومتوازنا وأصيلا في حفاظه على الهوية الإسلامية وعلى الإرادة السياسية المستقلة وعلى استيعاب الطوائف والأحزاب المذهبية دونما ممالأة عقائدية تمس ثوابت الدين، مستوعبا حتى الشيعة العراقيين رغم بطش إيران وميليشياتها والتي قاتلها وشرع قتالها معتبرا إياها كما الإدارة الأمريكية عدو لئيم.

إن حجم التضحيات في حقبة الربيع العربي وما قبلها لم تصل إلى قطف الثمرات المرجوة ولكنها أسهمت فعلا بتدمير وتفكيك وإضعاف مشاريع الباطل وأجهزته ومكوناته ونظرياته، الأمر الذي يبنى عليه الكثير عند من يعون تلك الحقائق وينتمون حقا لأصحابها ويعملون بصدق متجردين لعز الأمة وتمكين الدين.

وإن وعد الله حق والله لا يخلف الميعاد.

يقول سبحانه وتعالى

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)}

سورة النور الآية 55.

ما قلته من حق فمن الله وما أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر الله.

استدراك وتوضيح:

من المناسب الإشارة إلى أمرين إشكاليين عند بعض الإسلاميين:

 (1) الوطن والوطنية:

ذكرت في الشرط الثاني بناء جسم وطني متماسك كشرط للتمكن من الاستفادة من الخلخلة القائمة في أرض الشام رغم تواجد الأمريكان، كما ذكرت في التحديات التحدي الأول وهو تشكيل مشروع وطني مستقل سياسيا منسجم ثقافيا ونقي في قياداته في ظل الخليط القائم والاختراقات الكبيرة والارتهانات السياسية المفروضة.. الخ

ومن الواضح أنه قد اشتبه عند البعض في سياق الحديث عن الوطن والوطنية مفاهيمها المعادية والمناقضة للدين، وهذا بعيد ومفارق للمقصود حيث ما قصدته بالوطن هو تعيين الأرض المقصودة والمحددة في واقع الحال اليوم، وكذلك المقصود بالمشروع الوطني الذي يكون مضمونه الشعوب والأعراق التي تشكل جزءا من نسيج الإقليم المقصود، فالحديث عن الوطن والمشروع الوطني في سورية هو توصيف إداري سياسي موضوعي وليس فكري ولا عقائدي.

ومن اللافت أن لوثة المفاهيم الوطنية المناقضة للدين قد استفحلت وتغولت في عقول البعض حتى بات لا يميز بين الايدولوجيا الوطنية التي لا تعتبر قيمة الدين ولا مرجعيته، والتي لا تعترف بالأخوة الإسلامية حتى أصبحت بديلا عن الدين، وبين الوطن والوطنية التي يقصد منها توصيف الواقع الموضوعي من حيث الجغرافيا والأعراق والشعوب التي تشكل نسيجها التاريخي والقائم.

مثال للتوضيح:

عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأقام دولة الإسلام في المدينة وكتب الوثيقة الشهيرة التي نظمت الحقوق والواجبات لمن يعيش في وطن المدينة المنورة فإنه لم يستثن من ذلك اليهود واعتبرهم أمة مع المؤمنين وقعد لهم قواعد ضمن مشروع وطني موضوعه من يعيشون في هذا الوطن -أي المدينة المنورة- ولم يقصد به يهود اليمن ولا مشركي الطائف والحبشة، وهذا ما أقصده بالبعد الإداري والسياسي الموضوعي للمشروع الوطني.

(2) الخلافة الإسلامية:

ليس من اللائق ولا هو صحيح ولا موضوعي أن يزاود البعض على البعض الآخر في مسألة الخلافة ووجوب العمل لها ! فجميع الحركات الإسلامية في عمومها -والمقصود حركات التغيير الإسلامي الإخوانية والسلفية والسرورية والتحريرية والجماعة الإسلامية…الخ- تقارع الباطل منذ قرن وتذوق العذابات وتقتل قياداتها ويهجر رموزها ويدفن شبابها لا لشيء إلا لأن هدفها النهائي هو إقامة دولة الإسلام العظيم التي تقيم أحكام الشريعة وترعى شؤون المسلمين أينما كانوا، فلا خلاف في الهدف النهائي والايمان بوجوب العمل لإقامة الخلافة الإسلامية، ويبقى الاختلاف الاجتهادي في الكيف بناء على اجتهادات شرعية في فهم نصوص القرآن والسنة وبناء على فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأوائل.

ولقد قتل الغرب الرئيس مرسي رحمه الله بعد أن انقلب عليه وبعد أن حاوره في محبسه لأجل أن يقبل بالنموذج الديمقراطي الغربي فكان موقفه الرفض النهائي كسيد قطب -رحمه الله- هو وبعض إخوانه الذين لم يقبلوا ذلك تحت كل أشكال الضغط والتهديد -فيما قبله البعض- حتى لقي الله وهو على ذلك، ومع ذلك فإن مرسي كنموذج وتجربة وانتماء اسلامي لم يقم دولة الإسلام من اللحظة ولا الخطوة الأولى رغم أنه هدفه النهائي والواضح والذي دفع لأجله حياته، كما سبقه في ذلك الإمام البنا رحمه الله، وكثير من القيادات والدعاة سواء الإخوان أو السلفيين أو من يجمعون بين المنهجين دون تعصب لهذا أو ذاك.

(3) استدراك على التحدي الثاني،

حيث أشير لتحدي الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية في المرحلة القريبة القادمة في سورية الثانية، وهنا أشير إلى ضرورة تنقية الهوية الثقافية والتفكير من بعض المفاهيم الملوثة التي تداخلت في الفكر والمناهج والتصورات السائدة بسبب التجارب القومية واليسارية، حيث أضيف عليها لوثة حقيقية باتت خطرة وتهدد سوية الانتماء والولاء والتفكير وهي لوثة المشروع الشيعي الذي يتجاوز مسألة الأقوال المذهبية إلى عقيدة الولاء السياسي كما نراه متجسدا بشكل كارثي آثم وقبيح في المسار الفلسطيني عموما وشقه الإسلامي خصوصا، وذلك بعد غرق قيادة حماس والجهاد في علاقة وحلف فولاذي مع ملالي إيران.

إن الانتباه والتوقف الشديد والموقف السديد الواجب تجاه لوثة المشروع الشيعي في الوعي الجمعي لأهل الشام سيصطدم بأحجام كبيرة من الخلل تفوق التصور الحالي لاسيما بسبب الفتنة في الدين والتي أحدثتها في عقول المسلمين القيادات الفلسطينية المستخذية أمام الإيرانيين وأذنابهم.

وأخيرا وليس آخرا لا يعتبر الفقيه فقيها إلا إذا ميز بين خير الخيرين وشر الشرين، ورحم الله مجدد الدين العالم تقي الدين بن تيمية.

هذا ما عندي من استدراك وتوضيح حول مقالتي وأستغفر الله العظيم.

مضر أبو الهيجاء جنين – فلسطين 27/8/2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق