‏إظهار الرسائل ذات التسميات توم نداهيرو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات توم نداهيرو. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 يوليو 2024

صراع المعادن.. أزمة شرق الكونغو وحقيقة الدور الأميركي

 

صراع المعادن.. أزمة شرق الكونغو وحقيقة الدور الأميركي

كاتب ومحلل سياسي رواندي

بيانُ القلق الأخير الصادر عن الحكومة الأميركية بشأن بعض سلاسل توريد المعادن من رواندا وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومساهمة ذلك في الصراع المستمر في تلك المنطقة، ينمّ عن قصر نظر فيما يتعلق بالتعقيدات المحيطة بالصراعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، إذ يقتصر هذا التحليل على التركيز على الأبعاد الاقتصادية لسلاسل توريد المعادن دون معالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع بشكل كافٍ.

والواقع أنه لا بدّ من فهم الأسباب الجذرية لهذه الصراعات قبل أن نعزوها إلى محاولة السيطرة على الموارد المعدنية.

ولا شكّ أن افتقار جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى هياكل ومؤسّسات الدولة الواضحة، جعل البلاد والمنطقة عرضة لعدم الاستقرار والعنف، وقد أدّى الحكم الضعيف والسلطة المركزية الهشة إلى فراغ في السلطة، استغلته مختلف الجماعات المسلحة.

كما أدى الفساد السياسي وعدم القدرة على إرساء سيادة القانون بشكل فعال إلى تأجيج الصراع. وقد دفع الفقر المدقع والتخلف ونقص الفرص الاقتصادية في هذه المنطقة العديد من الأفراد للانضمام إلى الجماعات المسلحة كوسيلة للبقاء على قيد الحياة.

ومن التبسيط أن نعزو الصراع برمته إلى السيطرة على الموارد المعدنية، ولا يعني ذلك التقليل من شأن المعادن، مثل: التنتالوم والقصدير والتنغستن والذهب (3TD)، فهي قيمة بالفعل، كما يمكن أن يوفر استخراجها والاتجار بها موارد مالية لمختلف الفاعلين في الصراع. ومع ذلك، فإنّ التركيز فقط على المعادن، وتجاهل السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع الذي تحدث فيه هذه الصراعات، أمرٌ خطير للغاية.

النهج المادي للحكومة الأميركية

ومن خلال التركيز على الأبعاد الاقتصادية لسلاسل توريد المعادن، فإننا نختار نهجًا ماديًا يتجاهل القضايا الأعمق والأكثر تعقيدًا المطروحة. وهذا يعني أن البيان الأميركي فشل في معالجة العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تشكل أساس الصراع بشكل شامل، مما يجعله سطحيًا وغير فعال.

ويفتقر التحليل الجزئي لمدى مساهمة تجارة المعادن في الصراع إلى معلومات مفصلة عن عمال المناجم والتجار والمسؤولين الفاسدين المشاركين في هذه التجارة، بل لا توجد أيّ معلومات عن المستفيدين، والأثر الكَمي لهذه التجارة على الصراع.

وتتجاهل الولايات المتحدة السياقات الإقليمية، وخاصة الموقع الجغرافي لرواندا وأوغندا باعتبارهما طريقين فعليين للواردات والصادرات الدولية إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتلك حقيقة تاريخية معروفة منذ قرون. أما جعل الاتجار في المعادن العنوان الرئيسي، فإن ذلك يعكس عدم فهم التاريخ والسياق الإقليميين.

ومن الضروري دائمًا الكشف عما إذا كانت التجارة غير المشروعة تُمارس حصريًا في مناطق النزاع، إذ إن الواقع هو أنّ التجارة غير المشروعة، بما في ذلك تجارة المعادن، تمثل مشكلة منتشرة في جميع أنحاء جمهورية الكونغو الديمقراطية، وليس فقط في مناطق الصراع، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى نهج أوسع ينظر إلى القضايا المتأصلة في النظام، وليس الاقتصار على الأعراض.

ولعل أحد أهم الأمور التي يبرز فيها قصور بيان حكومة الولايات المتحدة، هو عدم الاهتمام بانتهاكات حقوق الإنسان التي تشكل جزءًا كبيرًا من الصراعات الدائرة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد تعرّضت التوتسي، والهيما، والبانيامولينغ، كمجموعات ذات خصائص تميزها، للتمييز وجرائم الكراهية.

كما يعاني مئات الآلاف من اللاجئين التوتسي الكونغوليين في مخيمات في كينيا ورواندا وأوغندا، ولا شك أن تجاهل هذه القضايا الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان يعتبر مثالًا صارخًا على تبلّد الشعور، ويقوض أي جهود لتحقيق السلام الدائم في المِنطقة.

ضياع الصورة الكبرى

ومن أجل فهم الوضع بشكل حقيقي، من الضروري التعمق في الأبعاد التاريخية والاجتماعية والسياسية التي تغذّي العنف، وعدم الاستقرار في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. فقد تركت الحدود التعسفيّة التي رسمتها القوى الاستعمارية البلجيكية إرثًا من الانقسام والصراع.

ويبدو أنّ البيان الأميركي يختزل الصراعات في الجزء الشرقي من ذلك البلد إلى مجرد صراع على المعادن، وتحديدًا القصدير والتنتالوم والتنغستن والذهب (3TG).

والواقع أن الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية متجذر بعمق في شبكة معقدة من المظالم التاريخية والتوترات العرقية، والتفاعلات السياسية. وقد ظلت مقاطعتا شمال وجنوب كيفو نقطة ساخنة للعنف لعقود من الزمن، حيث تناضل بعض الجماعات المسلحة من أجل حق شعوبها في الوجود، والحصول على حقوقها كاملة كمواطنين في الأرض والموارد.

وقد أدى تدفق اللاجئين الروانديين من الهوتو في عام 1994، بقيادة مرتكبي الإبادة الجماعية، إلى استعمار المنطقة تحت سيطرة القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، مما زاد من تعقيد المشهد "العرقي" ومن اتساع نطاق الصراعات.

إن تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية مع الاستغلال الاستعماري، وما تلا ذلك خلال عقود ما بعد الاستعمار من الحكم الكليبتوقراطي (حكم اللصوص)، ترك البلاد بمؤسسات ضعيفة فانتشر فيها الفساد. لقد خلق إرث الاستعمار، إلى جانب الممارسات المتعجرفة لقادة ما بعد الاستقلال، بيئة يتم فيها الحفاظ على السلطة في كثير من الأحيان من خلال العنف وشبكات المحسوبية، وإن إدراك هذه العوامل التاريخية أمرٌ بالغ الأهمية لفهم أبعاد الصراع الحالي.

ومن المهم أيضًا ملاحظة أن معادن (3TG) موجودة ليس فقط في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولكن أيضًا في رواندا، كما هو معلوم لدى الاتحاد الأوروبي. وكذلك الأمر بالنسبة لأوغندا وخاصة الذهب. ويضيف هذا التوزيع الجغرافي الأوسع للمعادن عوامل أخرى من التعقيد إلى سلسلة التوريد، والصراعات الإقليمية.

ولا تقتصر قضية تهريب المعادن والاتجار غير المشروع بها على مناطق النزاع، وتعي حكومة الرئيس الأميركي بايدن ذلك جيدًا، لأنها توفر غطاءً للمستفيدين من التجارة غير المشروعة في معادن جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ويمكن القول إنّ دعوة البيان الأميركي لمزيد من الشفافية في سلسلة توريد المعادن، هي دعوة تنم عن  نية حسنة ولكنها، في الوقت ذاته، تتجاهل التحديات العملية التي ينطوي عليها الأمر. وغالبًا ما تكون سلاسل التوريد الخاصة بمعادن (3TG) معقدة، حيث تتضمن وسطاء متعددين وطرق تهريب غير قانونية.

ويزيد الفساد والافتقار إلى الرقابة الفعّالة من تعقيد الجهود الرامية إلى تتبع وتنظيم تجارة المعادن. ومن الممكن أن يكون المسؤولون المحليون وقوات الأمن، وحتى الجهات الفاعلة الدولية، متواطئين في التجارة غير المشروعة، مما يجعل من الصعب محاسبة أفراد أو مجموعات محدّدة.

ويتطلب التصدي لهذه التحديات بذل جهود متضافرة لتعزيز القدرات المؤسسية، وتحسين الشفافية، وضمان المساءلة على المستويات كافةً.

الأربعاء، 8 مايو 2024

جمهورية الكونغو الديمقراطية.. ثروة طبيعية هائلة وفقر متجذر

 

جمهورية الكونغو الديمقراطية.. ثروة طبيعية هائلة وفقر متجذر


تشكّل جمهورية الكونغو الديمقراطية (DRC) نموذجًا للدول التي تتداخل فيها عوامل تجعل منها مثالًا صارخًا لأمة تعاني من مفارقات بالغة الحدّة. تقع جمهورية الكونغو الديمقراطية في قلب أفريقيا، تقترن فيها الثروة الهائلة – من حيث توفر الموارد الطبيعية – بالفقر المدقع والمتجذّر.

يُعزى الوضع المتناقض لجمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى طيف واسع من العوامل، أهمها ضعف مؤسّسات الدولة، وغياب الحكم الرشيد، واستشراء الفساد. يقدم هذا المقال قراءة في تعقيدات الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ويستكشف التفاعل بين العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في حالة التناقض الحالية في البلاد.

السياق التاريخي: إرث من الاستغلال

يمكن إرجاع جذور أزمة جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى ماضيها الاستعماري. في ظل الحكم البلجيكي، تم استغلال الموارد الطبيعية الهائلة للبلاد لصالح المستعمر، وكانت الفوائدُ ضئيلةً للشعب الكونغولي. لا يزال إرث هذا الاستغلال يطارد الأمة، حيث حاولت الحكومات المتعاقبة استعادة السيطرة على موارد البلاد، والاستفادة منها لصالح مواطنيها.

تضارب الثروة والفقر

ظاهريًا، يبدو أن جمهورية الكونغو الديمقراطية دولة تجتمع داخل حدودها تناقضات حادة. تشتهر باحتياطياتها الهائلة من المعادن الثمينة، بما في ذلك الألماس والنحاس والكوبالت والليثيوم والزنك والتنغستن واليورانيوم، والكثير غيرها، وتتركز بشكل أساسي في مقاطعتَي؛ كاساي، وكاتانغا.

هذه الموارد لديها القدرة على تحويل اقتصاد البلاد وانتشال سكانها من الفقر. ومع ذلك، على الرغم من وفرة الموارد الطبيعية، لا تزال جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدةً من أفقر البلدان في العالم، حيث تعيش نسبة كبيرة من سكانها في فقر مدقع.

يثير تجاور الموارد الوفيرة والفقر المتفشّي في جمهورية الكونغو الديمقراطية تساؤلات حول إدارة واستغلال وتوزيع هذه الأصول. غالبًا ما يلقي قادة البلاد باللوم على الدول المجاورة، مثل: رواندا، وأوغندا في نهب ثروتها المعدنية، على الرغم من حقيقة أن العديد من المناطق الغنية بالمعادن تقع بعيدًا عن الحدود مع هذه الدول. تعد هذه الاتهامات كبش فداء ومصدرَ إلهاءٍ مناسبٍ بدلًا من معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل الاقتصادية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك الفساد، وسوء الإدارة، وضعف الحوكمة.

التربة الخصبة والتصنيع الغذائي

مفارقة أخرى مذهلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتمثل في القطاع الزراعي. تضم البلاد أكبر مسطحات من التربة الخصبة في أفريقيا، مع هطول أمطار كافية، وتتميز بإمكانات زراعية يمكن أن توفر مصادر غذاء مستدام للسكان، وأن تدعم قطاع التصنيع الزراعي.

على الرغم من هذه الوفرة، تواصل جمهورية الكونغو الديمقراطية استيراد كمية كبيرة من الغذاء؛ لتلبية احتياجاتها المحلية. وقد أسهمت أوجه القصور في القطاع الزراعي، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، ونقص الاستثمار، في هذا الوضع المتناقض، حيث تتوافر الموارد وتغيب الإمكانات.

يؤكد الاعتماد على الواردات الغذائية، على التحدياتِ التي تواجه القطاع الزراعي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك انخفاض الإنتاجية، ومحدودية الوصول إلى تقنيات الزراعة الحديثة، وعدم كفاية الدعم لصغار المزارعين. إن معالجة هذه القضايا أمر بالغ الأهمية؛ لتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وإطلاق الإمكانات الكاملة مع توفر تربة البلاد الخصبة.

الإمكانات الكهرومائية وأزمة الطاقة

واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، هو قطاع الطاقة. البلد موطن لأكبر سدّ للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، سدّ إنجا، الذي لديه القدرة على تزويد المنطقة بأكملها بالطاقة. على الرغم من هذه الإمكانات الكهرومائية الهائلة، لا تزال إمدادات الطاقة في جمهورية الكونغو الديمقراطية غير كافية. يؤكد التفاوت بين موارد الطاقة الوفيرة، وضعف إمدادات الطاقة على التحديات التي تواجه البنية التحتية للطاقة في البلاد.

يُعزى التخلف في قطاع الطاقة في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى مجموعة من العوامل، بما في ذلك عدم كفاية الاستثمار، وسوء الصيانة، وقضايا الحوكمة. يعد تعزيز قطاع الطاقة، وتوسيع الوصول إلى الكهرباء، وتعزيز حلول الطاقة المستدامة خطوات حاسمة نحو معالجة أزمة الطاقة، وإطلاق إمكانات البلاد للنمو الاقتصادي.

الحوكمة والفساد وضعف أجهزة الدولة

يشير مراقبون إلى ضعف آلية الدولة، وسوء الإدارة، والفساد المستشري كأسباب أساسية لتحديات جمهورية الكونغو الديمقراطية. الفساد هو سرطان ابتليت به جمهورية الكونغو الديمقراطية لعقود، والعائق أمام ضخّ عائدات الموارد لتحسين حياة مواطنيها.

كانت الثروة المعدنية للبلاد مصدر نقمة أكثر من كونها نعمة. لسنوات عديدة، لم تدخل  الخدمات البريدية والخدمات المصرفية لغالبية مناطق الدولة. النقل البري بدوره بالغ السوء؛ نظرًا لعدم صلاحية شبكة الطرق، وغياب الاستثمار في تطويرها. فعلى سبيل المثال، يمر خط الربط البري بين مدينتي غوما (كيفو الشمالية) وبوكافو (كيفو الجنوبية) عبْر رواندا، لأن استخدام الطرق الداخلية سيطيل الرحلة بمعدل أيام بدلًا من أن تستغرق بضع ساعات فقط.

أدى الافتقار إلى الشفافية والمساءلة والمؤسسات الفعالة إلى إعاقة قدرة البلاد على تسخير مواردها الطبيعية لصالح مواطنيها. ينتشر الفساد على جميع مستويات الحكومة والمجتمع، ما يؤدي إلى سوء إدارة الموارد واختلاس الأموال العامة، وإثراء قلة مختارة على حساب الأغلبية.

حلول ممكنة

تتطلب معالجة التناقضات الحادة في جمهورية الكونغو الديمقراطية نهجًا متعدد الأوجه يعطي الأولوية للحكم الرشيد والشفافية والمساءلة والتنمية المستدامة. ويعد الاستثمار في القطاعات الحيوية – مثل: الزراعة والطاقة والبنية التحتية، وتعزيز الإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية، ومكافحة الفساد – خطوةً أساسيةً نحو الاستفادة من إمكانات البلد وتحسين مستوى رفاه مواطنيه.

إن إلقاء اللوم على الدول المجاورة بالتسبب في المشاكل الاقتصادية لجمهورية الكونغو الديمقراطية بات بمثابة سردية مناسبة لصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية التي ابتليت بها البلاد، بما في ذلك إخفاقات الحوكمة والفساد ونقاط الضعف النظامية.

إن معالجة هذه الأسباب الجذرية أمر ضروري لتعزيز التنمية المستدامة، وتحسين تقديم الخدمات في قطاعات، مثل: التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وإطلاق العنان لإمكانات البلاد الكاملة.

الاثنين، 15 أبريل 2024

ثلاثون عامًا مرت.. كيف تداعى إنكار الإبادة في رواندا ؟

 

ثلاثون عامًا مرت.. كيف تداعى إنكار الإبادة في رواندا ؟


 في محاكمات الهوتو بعد مذابح رواندا ذكر عدد من المتهمين أنهم لم يكونوا ينظرون للتوتسي   
                على كونهم أصدقاءهم القدامى، بل لم يكونوا يرونهم بشرًا من الأساس                

يكتسب يوم 12 أبريل/نيسان من كل عام أهمية تاريخية قصوى في رواندا. في مثل هذا اليوم من عام 1994، بعد الاستيلاء على جبل نياروراما المعروف أيضًا باسم ريبيرو من قبل الجيش الوطني الرواندي (RPA)، غادرت حكومة الإبادة الجماعية بقيادة ثيودور سينديكوبوابو ورئيس الوزراء عاصمة البلاد وتوجهوا إلى بلدة جيتاراما.

منذ ذلك الحين، وبعد مرور 30 عامًا، لم تعد القيادات التي حرضت وارتكبت الإبادة الجماعية إلى رواندا، ولن تعود أبدًا. يفي الجيش الوطني الرواندي بالتزامه بمنع تكرار الإبادة الجماعية. بعد ثلاثة عقود، بات بإمكاننا أن نحزن على ضحايانا، وأن نتذكرهم، وفي الوقت عينه يمكننا أن نحيي ذكراهم؛ لأن مرتكبي الإبادة الجماعية هُزموا بشكل حاسم.

خيانة إرث قانوني

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، خصص القانوني البولندي رافائيل ليمكين وقتًا طويلًا، لدفع البشرية للتفكير بعمليات القتل الجماعي. عمل على إعطاء اسم محدد لجريمة ارتكبت في أوروبا. قام ليمكين بجهد واستطاع في النهاية دفع العالم إلى اعتماد اتفاقية عام 1948؛ لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. بعد مرور 75 عامًا، هل يستمع العالم إلى صوت ليمكين؟

كما هو الحال دائمًا، الإجابة ليست حاسمة. من الواضح أن من قتل اليهود في أوروبا، يعتبرون وصمة عار على الإنسانية برمتها، لكن لا يزال هناك من لم يدرك معاني الإبادة الجماعية، وكيف ترتكب.

هنا في رواندا، نرى أن أحد مقاييس الالتزام بعمل ليمكين القانوني في تعريف الإبادة، هي مدة الاستجابة للإبادة عند وقوعها، وما هي المواقف تجاه الإبادة الجماعية ضد التوتسي؟.

بدأت الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا قبل عام 1994 بكثير، منذ عام 1959 بالتحديد، واستمرت حتى عام 1994. حينها، أعلنت مجموعة سمت نفسها قوة الهوتو "Hutu-Power" ما سمته " الحل النهائي"، لما كانت تعتبره "مشكلة التوتسي" في إشارة إلى الروانديين المنتمين لإثنية التوتسي.

وهذا يحيلنا لتساؤل محتمل، كيف يمكن ابتداع مصطلح يتحدث عن "حل نهائي" يقصد به مجموعة ديمغرافية من سكان بلد صغير جغرافيًا في قلب أفريقيا. والإجابة في هذه الحالة، أن "الحل النهائي" ارتكز على محددات اتسمت فيها جميع المجازر وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت على مرّ العصور بحق شعوب حول العالم، والتي تبدأ بنية ارتكاب الإبادة نفسها.

الجريمة المروعة التي شهدتها رواندا، ارتكبها الروانديون ضد الروانديين، وقاتلها وهزمها الروانديون أنفسهم. نحن كروانديين يجب أن نفخر بأنفسنا بأننا هزمنا " فكر الإبادة".  ويجب الاعتراف أيضًا بأن الأيديولوجيا، الخطيئة الأصلية، قد تم زرعها ورعايتها في أذهان بعض الروانديين، من قبل المستعمرين الأوروبيين.

لولا الاستعمار البلجيكي، ولولا المبشرون الكاثوليك في أفريقيا المعروفون باسم «الآباء البيض»، لما كانت هناك إبادة جماعية ضد التوتسي في رواندا، ولما أنتجت ما تسمى "وصايا الهوتو العشر"، التي صورت التوتسي على أنهم " شياطين وثعابين"، ثم لاحقًا باتوا وفق تلك الأيديولوجيا "صراصير".

ازدواجية المعايير

قد أكون أطلت الشرح إذن، كيف يمكن للعالم الرد على الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا؟

لأن رواندا بلد صغير ليس له تأثير يذكر على العالم، قد يكون من السهل تجاهله. كانت المحرقة ضد اليهود جريمة ارتكبت في الغرب، وهو الجزء الأكثر نفوذًا في عالمنا.

وبينما يتعين على منكري الهولوكوست أن يهمسوا في زوايا مظلمة، فإن منكري الإبادة الجماعية ضد التوتسي الروانديين، يفعلون ذلك في وضح النهار، ويحاولون إعادة كتابة التاريخ أمام أعيننا. يتحدثون في الجامعات، وغالبًا ما ينالون الثناء حتى من قبل منظمات حقوق الإنسان المفترضة، مثل: قرأت مقالًا في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 6 أبريل/نيسان 2023 كان مليئًا بنغمات الإبادة الجماعية الأيديولوجية. وهكذا هو الحال مع BBC وVOA وThe Mail وGuardian… إلخ. هذا، دون ذكر اليوتيوب والمدونات وإكس وما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في 6 أبريل/نيسان 2023، عقد الاتحاد الأفريقي ومجلس السلام والأمن (AU-PSC) جلسة مفتوحة حول منع أيديولوجية الكراهية والإبادة الجماعية وجرائم الكراهية في أفريقيا. فيما يتعلق بالإنكار في ملاحظاتها الافتتاحية لهذا الحدث المهم، قالت السيدة ويريمو نديريتو، مستشارة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالإبادة الجماعية:

" إن إنكار أو تشويه حقائق المحرقة، والإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا وفي سربرنيتسا، والبوسنة والهرسك هو شكل متطرف من أشكال خطاب الكراهية الذي يمكن أن يشكل في حد ذاته استعدادًا لارتكاب إبادة جماعية أخرى. دعونا لا ننسى أن من ينكر هذه الفظائع غالبًا ما يرمي إلى صرف النظر عن مسؤوليته عن هذه الجرائم، بمن في ذلك أولئك الذين حرضوا عليها وخططوا لها وأمروا بارتكابها وارتكبوها بحق ".                               

سيكون موقف بعض الأكاديميين والصحفيين، أنه "ربما كانت هناك إبادة جماعية"، لكنها كانت " أكثر تعقيدًا". هذا بالطبع هو منطق " قوة الهوتو"، الذي يتسرب من خلال صحفيين سذج. من السهل القول؛ إن " الأمور أكثر تعقيدًا"، هل لأنها رواندا فقط. ألهذا لا يهتم أحد بما جرى فيها؟

خلاصة

التعتيم، هو ما قصده مخططو ومرتكبو الإبادة الجماعية، قبل أن يقتلوا ضحيتهم الأولى. لن يعترف أي من المتحمسين لمنظمة "قوة الهوتو" بوقوع إبادة جماعية ضد التوتسي. وكل هذه الأعمال، من إنكار للإبادة تتم تحت غطاء " المعارضة"، ونشطاء حقوق الإنسان، والعاملين في المجال الإنساني.. إلخ.