الاثنين، 2 نوفمبر 2026

المُؤنِسَاتُ الغاليات!

    نقطة نظام 

المُؤنِسَاتُ الغاليات!


أدهم شرقاوي

عندما تولدُ البنتُ، لا يُرزَقُ الأبُ طفلةً فحسب، بل يُرزَقُ قلبًا ثانيًا يمشي خارجَ صدرِه، يخافُ عليه أكثرَ ممَّا يخافُ على نفسِه، ويبتسمُ له كأنَّ الدُّنيا اعتذرتْ له عن كلِّ ما آلمَه.

هي الوحيدةُ التي يرى فيها ضعفَه فضيلةً لا نقصًا؛ أمامها يسقطُ ثِقَلُ الرُّجولةِ المُتعبةِ، ويجلسُ كما هو: إنسانًا يحتاجُ أن يُحَبّ.

قد يقفُ في وجهِ العالمِ كلِّه دون أن يرتجفَ، لكن دمعةً في عينِ ابنتِه تهزُّه من الداخلِ هزًّا لا تفعله الحروبُ؛ لأنَّها لا تُخاطبُ قوَّتَه، بل تُخاطبُ أبوَّتَه، وأبوَّةُ الرجلِ أرقُّ ما فيه.

وللبنتِ منزلةٌ تعلو على المُزاحمةِ، لا لأنَّ الأبَ يُفضِّلها ظلمًا، بل لأنَّ العلاقةَ بينهما لا تُقاسُ بميزانِ العدلِ الحسابيِّ، بل بميزانِ القلبِ. هي مأمنُ أسرارِه الصغيرةِ، ومستودعُ وجعِه الذي لا يليقُ به أن يقولَه بصوتٍ عالٍ.

قد يُشاركُ زوجتَه الحياةَ، لكنَّه يُشاركُ ابنتَه الجزءَ الطفوليَّ الذي بقي حيًّا فيه؛ الجزءَ الذي لا يريدُ أن يموتَ.

إنَّها الحبيبةُ الأولى في حياةِ الرجلِ بمعناها النقيِّ: حبٌّ لا خوفَ فيه، ولا منافسةَ، ولا شروطَ. ولهذا قد يخصُّها بما لا يخصُّ به أحدًا، لا سرًّا ضدَّ الآخرين، بل قُربًا منها؛ لأنَّ قلبَه يجدُ عندها سكينةً غريزيَّةً.

البنتُ لا تُزاحمُ أحدًا في بيتِ أبيها، لكنَّها تسكنُ مكانًا لا يصلُ إليه أحدٌ. تبقى ولو صارت امرأةً طفلته التي يخافُ عليها من الهواءِ، ويبقى ولو شاخ الجدارَ الذي تعرفُ أنَّه لا ينكسرُ!

روى البخاريُّ في صحيحِه من حديثِ أُمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت:

إنَّا كُنَّا أزواجَ النبيِّ ﷺ عندَه جميعًا، لم تُغادِرْ مِنَّا واحدةٌ، فأقبلتْ فاطمةُ تمشي، لا واللهِ ما تخفى مشيتُها من مشيةِ رسولِ الله ﷺ!

فلمَّا رآها رحَّبَ، قال: مرحبًا بابنتي!

ثم أجلسَها عن يمينِه أو عن شمالِه، ثم سارَّها فبكتْ بكاءً شديدًا!

فلمَّا رأى حزنَها سارَّها الثانيةَ، فإذا هي تضحكُ.

فقلتُ لها: أنا مِن بينِ نسائِه: خصَّكِ رسولُ الله ﷺ بالسِّرِّ مِن بينِنا، ثم أنتِ تبكين!

فلمَّا قام رسولُ الله ﷺ سألتُها عمَّا سارَّكِ؟ قالت: ما كنتُ لأفشيَ على رسولِ الله ﷺ سرَّه.

فلمَّا تُوفِّيَ قلتُ لها: عزمتُ عليكِ بما لي عليكِ مِن الحقِّ لَمَّا أخبرتِني.

قالت: أمَّا الآنَ فنعم.

فأخبرتْني، قالت: أمَّا حين سارَّني في الأمرِ الأوَّلِ فإنَّه أخبرني: أنَّ جبريلَ كان يعارضُه بالقرآنِ كلَّ سنةٍ مرَّةً، وإنَّه قد عارضني به العامَ مرَّتينِ، ولا أرى الأجلَ إلَّا قد اقتربَ، فاتَّقي اللهَ واصبري، فإنِّي نعمَ السَّلَفُ أنا لكِ. قالت: فبكيتُ بكائي الذي رأيتِ.

فلمَّا رأى جزعي سارَّني الثانيةَ، قال: يا فاطمةُ، ألا ترضينَ أن تكوني سيِّدةَ نساءِ المؤمنين، أو سيِّدةَ نساءِ هذه الأُمَّة؟

الدَّرسُ الأوَّلُ:

مكانةُ البنتِ عند أبيها!

في هذا المشهدِ تتجلّى صورةُ الأبِ الكاملِ: نبيٌّ ﷺ تُحيطُ به أزواجُه، وتدورُ حوله شؤونُ أُمَّةٍ، ومع ذلك إذا دخلتْ فاطمةُ قام لها قلبُه قبل أن يقوم مجلسُه. رحَّب بها، وأجلسَها قريبًا منه، وسارَّها دون الجميع.

هذه ليست مجرَّد عاطفةٍ عابرةٍ، بل إعلانٌ تربويٌّ أنَّ البنتَ ليست هامشًا في حياةِ أبيها، بل مركزُ دفئِه، وموضعُ ثقتِه، وامتدادُ روحِه. إنَّ تكريمَ البنتِ ليس خُلُقًا اجتماعيًّا فقط، بل سُنَّةٌ نبويةٌ تُربّي الآباءَ أنَّ الحنانَ قوَّةٌ، وأنَّ القربَ من الأبِ أمانٌ تبني به المرأةُ حياتَها كلَّها.

الدَّرسُ الثاني:

حفظُ السِّرِّ أمانةُ القلوبِ الكبيرةِ.

حين سألتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها فاطمةَ رضي الله عنها عن السِّرِّ، كان بوسعِها أن تتكلَّمَ، لكنَّها قالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسولِ الله ﷺ.

هذا هو ميزانُ النفوسِ العظيمةِ: أن تعرفَ متى تصمتُ.

وفي زمنٍ تُباعُ فيه الأسرارُ بثمنِ الانتباهِ، يُعيدُ الحديثُ تعريفَ النُّبلِ: أن تموتَ الكلماتُ في صدرِك ولا تخونَ.

الدَّرسُ الثالث:

تربيةُ القلوبِ على مواجهةِ الفقدِ.

أخبرها النَّبيُّ ﷺ باقترابِ أجلِه، ولم يُخفِ الحقيقةَ عن ابنتِه، لكنَّه لم يتركْها عاريةً أمام الألمِ؛ قال لها: فاتَّقي اللهَ واصبري.

هكذا يُربَّى المؤمنُ: لا على الهروبِ من المصائبِ، بل على استقبالِها بزادِ الإيمانِ. البكاءُ لم يكن ضعفًا، والضَّحكُ بعده لم يكن تناقضًا؛ كان انتقالًا من بشريَّةِ الحزنِ إلى يقينِ الرضا. فالإسلامُ لا يطلبُ قلوبًا حجريَّةً، بل قلوبًا تبكي ثم تثبتُ.

الدَّرسُ الرابع:

البشارةُ دواءُ الأحزانِ.

لم يتركْها النبيُّ ﷺ عند الخبرِ الأوَّلِ، بل عاد فمسحَ جرحَها ببشارةٍ عظيمةٍ: سيادةُ نساءِ المؤمنين.

كأنَّ الرسالةَ تقولُ: لا تُترَك القلوبُ عند الألمِ بلا نورٍ.

هذا الحديثُ لا يُرينا قائدًا تاريخيًّا فقط، بل أبًا يحتضنُ ابنتَه، يُواسيها، ويخافُ على قلبِها. فالنبوَّةُ هنا ليست خطبةً على منبرٍ، بل همسٌ في أذنِ ابنةٍ.

وهنا سرُّ التأثيرِ: أنَّ العظمةَ الحقيقيَّةَ لا تُلغي الإنسانيَّةَ، بل تُكمِلُها.

كلُّ بيتٍ يحتاجُ هذا النموذجَ: رجلٌ قويٌّ في الخارجِ، رحيمٌ في الداخلِ؛ لأنَّ الحضاراتِ لا تُبنى بالقراراتِ وحدها، بل بالقلوبِ التي تعودُ إلى بيوتِها آمنةً.

الدَّرسُ السادس: قيمةُ الصبرِ حين يصبحُ اختيارًا واعيًا.

الصبرُ في الحديثِ ليس استسلامًا، بل موقفٌ.

فاطمةُ بكتْ، ثم ضحكتْ، ثم حملتِ الخبرَ في صدرِها حتى وفاةِ أبيها ﷺ.

هذا صبرُ الكبارِ: أن تشعرَ بالألمِ كاملًا، ثم تختارَ أن تمشي رغمَه.

فالمؤمنُ لا يُمنَعُ عنه الحزنُ، لكن يُمنَعُ أن يتحوَّلَ الحزنُ إلى انهيارٍ. والصبرُ ليس غيابَ الدموعِ، بل حضورُ المعنى خلفَ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق