الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

جنوب السودان دولة نفطية تستورد الأزمات

جنوب السودان دولة نفطية تستورد الأزمات

ليست الأزمة في جنوب السودان أن أسعار الوقود ترتفع، بل إن الارتفاع أصبح هو القاعدة، بينما الاستقرار هو الاستثناء.

والأسوأ من ذلك أن هذا يحدث في دولة يعيش اقتصادها على النفط. لا يعود الوقود مجرد سلعة، بل يتحول إلى معيار يقاس به نجاح الدولة أو فشلها.

فعندما تعجز دولة نفطية عن توفير الوقود لمواطنيها بسعر معقول، فإن الأزمة ليست في النفط، وإنما في الدولة التي تدير النفط.

تكشف أزمة الوقود حقيقة يصعب إنكارها جنوب السودان لا يعاني من شح الموارد، بل من شح الإدارة الرشيدة.

فالدولة التي تمتلك النفط، والأرض الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، لا ينبغي أن تكون دولة تستورد الأزمات. غير أن ما حدث منذ الاستقلال هو أن الثروة تحولت إلى ريع سياسي، لا إلى مشروع اقتصادي، وأصبحت الإيرادات وسيلة لإدارة السلطة أكثر من كونها أداة لبناء الدولة.

إن الدولة الحديثة لا تقاس بحجم ما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد. والنفط، في التجارب الناجحة، كان نقطة انطلاق نحو التصنيع والتعليم والبنية التحتية.

أما في التجارب الفاشلة، فقد تحول إلى وقود للفساد، وتضخم الجهاز الحكومي، وتآكل المؤسسات، وغياب المساءلة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي النموذجين ينتمي جنوب السودان؟ 

إن الاقتصاد الذي يقوم على بيع النفط الخام واستيراد كل شيء آخر ليس اقتصادا منتجا، بل اقتصادا استهلاكيا هشا.

فالدولة تصدر المادة الخام، ثم تعود لتستورد مشتقاتها النفطية بأسعار أعلى، وتستورد الغذاء والدواء ومواد البناء، وحتى كثيرا من السلع البسيطة. وهذه ليست دورة اقتصادية، بل حلقة من التبعية تستنزف الموارد عاما بعد عام.

وتبرز معضلة الاحتكار.

ففي جوبا، كما في مدن أخرى، يحضر مستثمرون أجانب بقوة في قطاع الوقود، ومن بينهم عدد من المستثمرين الصوماليين الذين يديرون محطات وشركات تعمل في هذا المجال.

وهذه الظاهرة لا ينبغي أن تقرأ من زاوية الجنسية، لأن الاقتصاد لا يبنى على التمييز، بل على المنافسة وسيادة القانون.

لكن من المشروع أن يُطرح سؤال جوهري لماذا أصبح المستثمر الأجنبي أكثر قدرة على دخول القطاعات الاستراتيجية من المستثمر الوطني؟

ولماذا لم تنجح الدولة في بناء بيئة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات؟

إن نجاح المستثمر ليس مشكلة، أما فشل الدولة في تنظيم السوق فهو المشكلة الحقيقية.

فالاحتكار لا ينشأ من فراغ، بل ينمو عندما تغيب المؤسسات الرقابية، وتضعف قوانين المنافسة، وتختلط السلطة بالمصالح الاقتصادية.

وعندها يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، ويدفع المواطن ثمن سوق لا تحكمها المنافسة بقدر ما تحكمها موازين النفوذ.

ولا يمكن فصل ذلك عن الانهيار المستمر في قيمة الجنيه الجنوب سوداني. فالعملة الوطنية ليست مجرد وسيلة للتبادل، بل مرآة لصحة الاقتصاد.

وكل اقتصاد يعتمد على الواردات أكثر من الإنتاج، وعلى الريع أكثر من الاستثمار، سيكون عرضة لتدهور عملته وارتفاع معدلات التضخم. لذلك فإن أزمة الوقود ليست سوى أحد أعراض مرض اقتصادي أعمق.

ثم يبرز السؤال الذي يتهرب منه الخطاب الرسمي منذ سنوات

أين ذهبت عائدات النفط؟ ولماذا لم تبن مصافٍ حديثة؟

ولماذا لم يُستثمر في الطاقة، أو الزراعة، أو الصناعة، أو البنية التحتية بما يخفف من هشاشة الاقتصاد؟ 

إن غياب الإجابات المقنعة لا يزيد إلا من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وما في الأزمة أنها لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة عدالة.

فكل زيادة في أسعار الوقود تعني ارتفاعا في تكاليف النقل والغذاء والدواء والتعليم، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر.

وتبقى الفئات الأكثر ثراءً وقدرة على الوصول إلى الموارد أقل تأثرا.

وهكذا تتحول الثروة الوطنية، التي كان يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، إلى عامل يعمق التفاوت الاجتماعي.

لقد أثبت التاريخ أن الموارد الطبيعية لا تبني الدول، بل قد تدمرها إذا غابت المؤسسات.

فالدولة التي تعجز عن حماية المنافسة، ومكافحة الاحتكار، وإدارة المال العام بشفافية، تتحول تدريجيا إلى دولة ريعية، يصبح فيها الاقتصاد تابعا للسياسة، والسياسة تابعة للمصالح الضيقة.

إن جنوب السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى تغيير في فلسفة إدارة الدولة.

يحتاج إلى مؤسسات مستقلة لا تخضع للنفوذ، وإلى قوانين تطبق على الجميع، وإلى اقتصاد يقوم على الإنتاج لا على الريع، وعلى المنافسة لا على الاحتكار، وعلى الكفاءة لا على الامتيازات.

إن الأزمة ليست أزمة وقود، بل أزمة نموذج حكم.

وما لم يُعاد تعريف وظيفة الدولة باعتبارها حارسًا للمصلحة العامة، لا وسيطًا بين مراكز النفوذ، فإن النفط سيظل يخرج من باطن الأرض، بينما يزداد الفقر فوقها. وستبقى الدولة غنية بالموارد، وفقيرة في التنمية، قوية في جباية الإيرادات، وضعيفة في حماية المواطن.

إن الأمم لا تسقط عندما تنضب ثرواتها، وإنما عندما تعجز عن إدارة تلك الثروات بعقل الدولة.

وهذه هي المعضلة الكبرى التي يواجهها جنوب السودان اليوم: ليس نقص النفط، بل غياب الدولة التي تعرف كيف تجعل من النفط مشروعًا لبناء الوطن، لا وقودًا لاستدامة الأزمات.

الخطر الكامن وراء مهاجمة السنة وإثارة الشبهة حول الحديث النبوي

الخطر الكامن وراء مهاجمة السنة وإثارة الشبهة حول الحديث النبوي

أنور الجندي




لا مشاحة أن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن باعتباره عقيدة وباعتباره تشريعا وباعتباره أخلاقا، وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى في قوله الشريف: «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا وأن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرم الله».


وقد كان جبريل - عليه السلام - ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة كما ينزل عليه القرآن ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن.


 قال الإمام الشافعي: «وسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهان: أحدهما: نص كتاب فاتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أنزل الله، والآخر جملة، بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا، وكيف أراد أن يأتي به العباد وكلاهما اتبع فيه كتاب الله».


ولقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبين للناس القرآن عقيدة وشريعة وأخلاقا على وجوه شتى وعلى أنحاء مختلفة وعلى أساليب متعددة، يبين لهم ذلك بسلوكه وبقوله وبإقراراته، يقول: «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا - مما نهاكم الله عنه. إلا وقد نهيتكم عنه» (١).


وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بثلاث طرق: تعليماته الشفوية التي هي أقواله، وسلوكه الشخصي الذي هو أعماله، وسكوته الذي يعني موافقته الحكيمة على أفعال غيره من الناس


 يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: «إن الأحاديث النبوية مرتبطة في الإسلام بالقرآن كما ترتبط قوانين الدولة بدستورها، فالقرآن يأمرنا بالرجوع مباشرة للحديث النبوي لأخذ التعليمات المفصلة منه فيما يتعلق بأكبر فرضين أساسيين: الصلاة والزكاة (الصلاة واجبنا تجاه الله والزكاة تجاه مجتمعنا) والقرآن يقر السنة ويمنحها حق إيضاح فرائض القرآن العامة والتعريف بها، ولولا السنة لظلت النصوص القرآنية غير مفهرسة ولبقيت مجملة».


ويقول الدكتور عبد الحليم محمود: «كان بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتمل على بيان ما أجمل في كتاب الله، أجمل القرآن الصلاة والزكاة والحج وفصلها رسول الله. بين ما فرض من الصلوات ومواقيتها وسننها وعدد ركعاتها، والزكاة ومواقيتها وكيف عمل الحج والعمرة، كان يبين كيفية الصلاة بقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وفي الحج: " خذوا عنى مناسككم "، وفرض الله سبحانه الزكاة ولم يبين مقاديرها ولم يذكر بالتفصيل الزروع والثمار والأموال التي تجب فيها، وقد بينت السنة أن القاتل لا يرث وأن الوصية لا تكون في أكثر الثلث وأن الدين يقدم على الوصية»


ومما يروى أن عمران بن حصين قال لرجل يريد أن يقتصر على القرآن دون السنة: «إنك أمرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة؟» ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا.


وقد أشار القرآن إلى مكانة السنة وإلى مهمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفصيل ما أجمل القرآن وذلك في آيات بينت:


{وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} (١) [النجم: ٣، ٤].


{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (٢) [الحشر: ٧].


{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} (٣) [المائدة: ٩٢]، [التغابن: ١٢].


{من يطع الرسول فقد أطاع الله} (٤) [النساء: ٨٠].


{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} (١) [الأحزاب: ٢١].


{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}


(٢) [الأعراف: ١٥٧].


ويقول الدكتور عبد الجليل شلبي: «إن الأية الكريمة: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (٣) [النحل: ٤٤]. تدل على أن وظيفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوضح للناس الأحكام التي نزلت إليهم في القرآن الكريم، وكان لا بد أن يفعل رسول الله وإلا لم يكن مبلغا من عند الله وقد كان هذا البيان بالقول والعمل معا. فالسنة إذن مرجع الشريعة الكامل وبيانها الموضح كما أن السنة جزء مكمل للقرآن وهي من عند الله تبارك وتعالى كما أن القرآن من عنده».


وقد أشار الأئمة الأعلام إلى أنه لا يرى قول الإمام من أئمة المذاهب في القرنين الثاني والثالث إلا وقد سبقه إليه صحابي أو تابعي، وإن مكانة السنة النبوية والحديث من الشريعة الإسلامية لا تخفى، وأثرها في الفقه الإسلامي منذ عصر النبي والصحابة حتى عصور الاجتهاد ... واستقرار المذاهب، وإن من يطلع على القرآن والسنة يجد أن السنة الأثر الأكبر في اتساع دائرة التشريع الإسلامي وعظمتها وخلوده، هذا التشريع العظيم الذي بهر أنظار علماء القانون في جميع أنحاء العالم هو ما حمل ويحمل أعداء الإسلام في الماضي والحاضر على مهاجمة السنة والتشكيك في صحتها ورواتها من أعلام الصحابة.


(*) - كتاب السنة النبوية في مواجهة شبهات الاستشراق_ أنور الجندي


(١) [رواه الشافعي في " الرسالة ": (ص ٨٧) وأثبت الشيخ أحمد شاكر صحته، في الصفحات: (٩٣ - ١٠٣)].


مُشَاحَّةٌ- الجمع: (مُشَاحَّاتٌ ). [شحح]، (مصدر: شَاحَّ):

1- "لَا مُشَاحَّةَ فِي مَا قَدَّمَهُ مِنْ آرَاءٍ": لَا مُنَاقَشَةَ وَلَا مُمَاحَكَةَ فِيهِ، إِنَّهَا وَاضِحَةٌ بَيِّنَةٌ.

2- "لَا مُشَاحَّةَ أَنَّ الحُكْمَ كَانَ نَزِيهًا": لَا خِلَافَ وَلَا جِدَالَ


اقرأ أيضاً


الأشقياء لا يحكمون العالم

الأشقياء لا يحكمون العالم


قاطع الطرق لا يحكم العالم لكن ما رأيناه أنه سيطر على العالم حقاً
إن احتلال "إسرائيل"، قاطع طريق العالم، للقدس هو صورة لاحتلال تل أبيب للعالم بأسره وسيطرته عليه، ذلك أن القدس هي مرآة العالم، فما يحدث بتلك المدينة المقدسة يعكس ما يحدث بالعالم.

إن النظام المسيطر على العالم هو نسخة وانعكاس للنظام السائد في القدس، ولهذا السبب فمن أراد تأسيس نظام عالمي فإن مهمته تبدأ من القدس، والعكس صحيح، ومن أراد إنقاذ القدس فعليه أولاً البدء بالعالم، هناك من يعتبر أن العالم عبارة عن القوى الخمس الكبرى، ويظن أن هذه الفرضية مقبولة قبولًا مسبقًا، ولهذا فهو يقبل بهذا ويرضى به، واليوم نرى هؤلاء لا يتفوهون، بل هم عاجزون عن أن يتفوهوا بشيء أمام ما يحدث في القدس، ذلك أنّ القدس هي مرآة حالهم هم أيضًا.. إنّ حرية من هم واقعون تحت الاحتلال ومفتاحها في القدس، فطوال التاريخ كانت القدس مرآة لما يحدث حول العالم، كما كان العالم مرآة لما يحدث في القدس.

إنّ وقوع القدس تحت وطأة حكم قطاع الطرق يحدث برضا ورغبة وتدخل من الولايات المتحدة نفسها، إنّ العالم بأسره يعارض هذا الاحتلال ويشعر بالانزعاج بسبب سيطرة قطاع الطرق هؤلاء، حتى وإن كان عاجزاً عن الاعتراض علنًا لحصوله على رشوة من النظام العالم أو لقربه أو لشعوره بالخوف، لكن أحدًا غير قادر على رفع صوته أو الاعتراض، فهذا العالم هو عالم المخاوف والرشى والصعاب، وما يحدث في القدس هو مرآة مطابقة تمامًا لهذا العالم.

لكن بالرغم من ذلك، فهناك أيضًا من يقاومون في القدس، ثمة من لا يستسلمون حتى وإن كان العالم أجمع قد بيع أو استسلم جميع الخلق بسبب مخاوفهم أو اشتركوا في هذا الظلم بهذه الطريقة أو تلك، بالضبط كما أنه لم ينته من يتصدون لنظام قطاع الطرق المنتشر في ربوع العالم، لا يمكن للظلم أن يبقى أبد الدهر، فمهما ارتقت أقوى جيوش ظلم قطاع الطرق، فإن القوة المنقذة ترتقي هي الأخرى، ولا ريب أن مع كل عسر يسرًا وضد كل ظلم مقاومة.

هناك من يصمدون صمود الشجعان في القدس، هناك من يقاومون دون أن يفقدوا ذرة من قدرتهم على المقاومة بعدما بترت أقدامهم في الهجوم الوحشي الذي تعرضوا له خلال المقاومة السابقة، فهم يقاومون هذه المرة جالسين على ركبهم، فغزة ورام الله والقدس تنتفض بشبابها وعجزتها ورجالها ونسائها لتعلن للعالم أجمع في شموخ فريد أن سيطرة قطاع الطرق على العالم لن تستمر أبد الدهر، يقولون: 
"لن يكون قطاع الطرق حكاماً للعالم أبداً!".

إن هذا الصوت يتحول إلى كابوس بالنسبة لـ"إسرائيل" التي تعتبر جناحاً لقطاع الطرق هؤلاء في فلسطين، فهي تخشى حتى ظله، فهذا الشعور يتحول إلى خوف مفزع وجنوني لا تستطيع السيطرة عليه داخل قلبها بالرغم من كل أسلحتها القوية، فأسلحة الدول الإسلامية المزعومة المجاورة لها، والمشتراة بمئات المليارات من الدولارات، لا تخيفها، لكنها تخشى ذلك الحجر الذي يرميه الشاب القعيد المبتور القدمين وهو جالس على كرسيه المتحرك، لأنها تعلم جيداً أن من يقهره سيتحول في نهاية المطاف إلى حجارة، كما تعلم علم اليقين أنها تحل محل جالوت وتشبهه وتؤدي دوره.

يقف الطفل الفلسطيني في مواجهة جالوت في هيبة داود ليعلن نهاية جالوت في هيبة ملك الموت، فمن سيقهر "إسرائيل" ليست الدول الإسلامية المزعومة بحياتها المترفة وأسلحتها المجمعة من خلال مشتريات أعطت قبلة الحياة للولايات المتحدة، بل تلك الحجارة التي يحملها الأطفال الفلسطينيون في غزة ورام الله.

لا شك أن إضاعة الوقت هي من نصيب كل من ينتظر رد فعل ومقاومة بارزة من دول أوروبا في مواجهة هذا الظلم، فتلك الدول –في الواقع– هي المسؤول الأول عن احتلال "إسرائيل" وتمردها وظلمها، فمن غير المنطقي أن ينتظر أحد من تلك الدول أن تقول شيئاً إزاء الدماء التي تراق على تراب فلسطين، ربما لأنها تريد التخلص من المشكلة اليهودية التي تؤرقها أو لأنها وقعت رهينة للشبكة الصهيونية العالمية، أو ربما لأنها فقط، وبمنتهى البساطة، تشعر بالخوف.

وعلى أقصى تقدير يكون رد فعلها مثلما فعلت بريطانيا، فرئيسة وزرائها تريزا ماي أدلت بتصريح "صوري" مندد بالإرهاب والمجازر التي ترتكبها "إسرائيل" هذه الأيام في سبيل جعل القدس عاصمة لها؛ إذ قالت: "بريطانيا لا توافق على جعل القدس عاصمة لـ"إسرائيل" وتتابع التطورات بقلق"، فمحاولة الدولة التي أسست "إسرائيل" أن تتحايل على ما يحدث اليوم لهو مثال صارخ على نفاق لم نر له مثيلاً، فلو كانت لندن مخلصة في هذا الأمر، فهناك الكثير من الأشياء التي كانت لتفعلها، بيد أنها هي أكبر شريك في كل الجرائم والمجازر التي ترتكبها "إسرائيل" اليوم.

غزة تتبرع بدمائها للأمة
غزة لا تدمي بل تتبرع بدمائها للأمة التي لا دم لها، إن الشباب والنساء والأطفال من سكان غزة ليسوا أبداً هم أكثر المساكين المتضررين من إرهاب الدولة "الإسرائيلية"، بل المساكين هي الدول الإسلامية المزعومة التي لا تجرؤ على النظر أمامها، فتلتفت يمنة ويسرة حتى لا تتحمل أي مسؤولية عما يحدث.

إن الدماء تسيل على تراب غزة، لكن تلك الدول الإسلامية هي التي تنزف جروحها، تلك الدول التي تدعو في كل صلاة من الصباح إلى المساء بخبث وزيف "اللهم انصر إخواننا في فلسطين!" وهي تدعم في كل سياساتها وتجارتها ومواقفها "إسرائيل" التي تقتل إخوانهم في فلسطين، وكما قال الشاعر: 
"جثث على قيد الحياة، فمن ذا الذي سيحيها؟".

وكانت سيدة من غزة قد قارنت بأفضل طريقة بين هؤلاء وأوضاع سكان القطاع، وبكلامها أختم: 
"من يعتقد أن غزة تنزف عليه أن ينظر إلى نفسه.. فالأمة تعرضت لفقدان دم كبير، وغزة تتبرع بدمائها إلى الأمة".

أ.د. ياسين أقطاي
 19 مايو 2018











التصالح مع القدر.. هزيمة أم ذكاء؟

التصالح مع القدر.. هزيمة أم ذكاء؟
د. جاسم الجزاع




دائماً ما يجد الإنسان نفسه أمام باب قد أُغلق أمامه بإحكام، كعلاقة مع شخص انتهت، أو مشروع تجاري خسره، أو وظيفة مرموقة فقدها، أو حلم تأخر حتى تغيّرت ملامحه وقل الشغف، فيقف أمام سؤال قد صعبت أمام إجابته السبل: هل أواصل مقاومة ما حدث، أم أتصالح معه؟ وهل يكون التصالح شجاعة ووعيًا، أم اسمًا مهذبًا للهزيمة؟


لقد اعتدنا في أطروحاتنا الشعبية أن نمدح من يقاتل حتى النهاية، وأن ننظر بشيء من الدونية إلى من يقول: "قد قبلت ما جرى لي"، كأن القبول ضعف، وكأن القوة تعني أن نظل في حرب دائمة مع الحياة ومعتركاتها، ولكن ليست كل مقاومة بطولة، فقد تكون أحيانًا عجزًا عن الاعتراف بأن هذا الفصل قد انتهى، وأن الإصرار على فتح باب أغلقه القدر قد يستهلك العمر الذي كان يمكن أن نبني فيه أبوابًا أخرى.

لذلك فالتصالح مع القدر لا يعني أن لا نعترف بإيلام الجروح، أو أن الظلم كالعدالة في طعمه، أو أن الخسارة لم تكن قاسية على القلب والعقل، ولا يعني أن نتوقف عن المطالبة بحقوقنا أو إصلاح أخطائنا، بل يعني أن نرى الواقع كما هو، من غير إنكار ولا تجميل لصورته، ثم أن نمنع ما حدث لنا بالأمس من الاستيلاء على ما بقي لنا في قابل الأيام.

فالمهزوم هو من يرفع شعار "لا شيء يمكن فعله"، أما المتصالح فيقول: "قد لا أستطيع تغيير ما وقع، نعم صحيح لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سأفعل بعده"، ولذلك نجد المستسلم يسلم مستقبله للماضي، بينما الذكي الفطن يأخذ من الماضي معناه، ثم يرفض أن يمنحه بقية عمره.

والإنسان لا يختار ما ينزل به القدر من حوادث، لكنه يختار بإرادته ما قد يصنعه بعد ذلك، فإما أن تكون الخسارة حفرة يقيم فيها مدداً من العمر، وقد تصبح نافذة أمل جديدة يرى منها نفسه والعالم بصورة جديدة، ولهذا قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير» المصدر : صحيح مسلم، فما يؤلمنا اليوم قد يوقظنا غدًا، وما نظنه إبعادًا لنا عن الطريق قد يكون إنقاذًا من طريق لم يكن لنا، وصدقت العرب حين قالوا: «رُبَّ ضارة نافعة»، فبعض ما نسميه في ثقافتنا الشعبية "سوء حظ" ليس في حقيقته إلا إعادة ترتيب لحياتنا، ولا نفهم حكمتها ونحن داخل الحدث، وإنما تتضح لنا بعد أن نعبر الحدث و تأثيره.

فالحكمة ليست أن تحب كل ما جرى لك من أحداث مؤلمة، فالحب والكره أتركه لك فلا نتشدد في القبول المشاعري، ولكن الأهم أن تعرف كيف تعيش بعد تلك الحوادث من غير أن يتحول الجرح إلى هوية دائمة، وأن لا تجعل خسارتك تعريفًا لك، ولا تسمح لمكانة وظيفية فقدتها، أو شخص طعنك من الخلف في وقت الحاجة، أو فرصة ثمينة ضاعت بين يديك، أن تقنعك بأن قيمتك قد تزعزعت.

وهكذا يكون "التصالح مع القدر" سلاحاً لنا في تقبل النتائج بشكل إيجابي وذكي، دون أن نتعثر تعثراً ديموماً وسبيلاً لتحرير طاقتنا، وبدايةً لاختيار جديد في حياتنا، فإنه بذلك يصبح واحدًا من أرقى أشكال الذكاء الاستراتيجي، فليس القوي من ينتصر في كل معركة، بل من يعرف أي معركة يخوض، وأي باب يطرقه، وأي خسارة يودعها ثم يمضي.

مرحلة بداية النهاية لاقتصاد السوق!

 مرحلة بداية النهاية لاقتصاد السوق! 



د. محمد المقاطع 


هل عادت موجة الاشتراكية المتطرفة إلى العالم، حتى في ظل الدول الرأسمالية ذات الأنظمة الديموقراطية الليبرالية؟ 

سؤال مُلحّ في ظل ما تشهده القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية الأساسية في كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا ومعهم جزئياً ألمانيا من محاولات تدخُّل الدولة في النشاط الاقتصادي والتجاري وعودة حالة تملُّك الدولة العديد من الأنشطة التجارية الخاصة، وتقليص ملكية أو دور القطاع الخاص وفرض قيود مستحدثة على أنشطته التجارية. 

هل هي محاولات لسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب اليسارية من جهة أو لمحاولة تثبيتها من جهة أخرى؟ 

أم هي محاولة لتقليل نفوذ أصحاب المال والاستقطابات السياسية المتزايدة لهم؟ 

وهل يمكن أخذ حالة إيلون ماسك نموذجاً خاضعاً للأخذ والرد وهو النمط الجديد الذي نشهده للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية الأساسية؟ 

فهل تتم معالجة هذه الملفات الجوهرية للدول بردّات الفعل، وتبعاً لأجندات سياسية أو انتخابية مؤقتة على حساب استقرار وتطور قطاعات اقتصادية مهمة وأخرى اجتماعية لا تقل أهمية؛ مثل الصحة والتعليم والتأمينات الاجتماعية والتي أدت دوراً اقتصادياً حيوياً ودوراً اجتماعياً متعاظماً؟ 

هل نحن أمام موجات من السياسات المبنية على ردات الفعل (المنطلقة من اعتبارات شخصية أو رغبة في تحجيم المنافسة)، رغم أنها تُحدِث تصدعاً بنيوياً بمؤسسات الدولة واستقرار منظومتها الاقتصادية والاجتماعية والخدمية؟ 

وسيكون لمثل هذه التوجهات تداعياتها ومخاطرها الآنية وبعيدة المدى على حالة استقرار الحياة بالنسبة إلى الفرد والأسرة والمجتمع وقد تتحوّل لاحقاً إلى حالة تصدُّع اجتماعي وغضب شعبي ومزاج استهلاكي مغاير كان من الممكن احتواؤه وتطمين الجموع الواسعة من الشعب التي قد يتزايد لديها الشعور بعدم الرضا. 

والسؤال المنطقي هو: أين نحن في الكويت ودول الخليج من حالة التأثر والانجذاب لمثل هذه المتغيرات في دول ليبرالية عُرفت بتبنيها ودفاعها عن الحريات الاقتصادية والاجتماعية وعن اقتصاد السوق الذي يتيح النمو الطبيعي مع حرية اقتصادية منضبطة. 

فهل يمكن، أو ربما بدأت الكويت ودول الخليج تتأثر فعلاً بهذه الموجة وربما تتبنّى خيار الاشتراكية الاقتصادية، والتي تسعى لتقليص وتراجع القطاع الخاص ودوره التنموي والمستقل في دعم الدولة وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية والتأمينية؟ 

هل يمكن أن تصبح هذه التحولات واضحة في القطاع المصرفي والتجاري والصحي والتعليمي والتأمينات الاجتماعية؟ 

تساؤلات تستحق الطرح والمناقشة ووضعها أمام متخذ القرار لتدارك الأمر، قبل أن تدخل الكويت أو دول الخليج في أزمات اقتصادية واجتماعية وخدمية نابعة عن جملة من السياسات الجديدة المندفعة نحو الاشتراكية والتضييق على نشاط القطاع الخاص وحيويته المتكاملة والمتممة لمسارات الدول، وذاك التكامل بين القطاعين العام والخاص الذي تبنّاه الدستور واستطردت مذكرته في شرحه، وهل ما تحقق خلال العقود الأربعة الماضية لدول الخليج، ما يستلزم تأنّيها وتوقفها في مواجهة التحولات القادمة الجديدة، وعدم تقليد الدول الرائدة في سياساتها الانفعالية المدفوعة بمكاسب سياسية أو انتخابية، في مرحلة بات تأثير الأحزاب اليسارية والاشتراكية في تعاظم بأوروبا وأميركا، ومن المتوقع له اكتساح انتخابي قادم؟  ربما نرى في سياسات رئيس وزراء بريطانيا اليساري العمالي بورينهام نموذجاً يستحق التوقف أمام توجهاته.



السودان بين الحسم العسكري والتسوية الأمريكية.. إلى أين تتجه الحرب؟

 السودان بين الحسم العسكري والتسوية الأمريكية.. إلى أين تتجه الحرب؟

 . إعداد مجلة البيان

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يقف السودان أمام لحظة مفصلية. الجيش يستعيد زمام المبادرة، والدعم السريع يواجه ضغوطاً متزايدة، بينما تتحرك واشنطن لفرض هدنة قبل أن يتحول التفوق الميداني للجيش إلى حسم سياسي يعيد توحيد السودان.


يدخل السودان في النصف الثاني من عام 2026 مرحلة تختلف نوعياً عن المراحل السابقة للحرب. فاستعادة الجيش السوداني للخرطوم في مارس 2025 كانت نقطة التحول الكبرى التي أخرجت قوات الدعم السريع من مركز الدولة، لكن التطورات الأخيرة في كردفان تشير إلى أن الحرب انتقلت من مرحلة الدفاع عن بقاء الجيش والدولة إلى مرحلة محاولة تفكيك العمق الجغرافي والعسكري للدعم السريع.

وبذلك تتشكل أمام السودان معادلة جديدة: الجيش يتقدم ميدانياً، والدعم السريع يفقد جزءاً من تماسكه، لكن الولايات المتحدة تتحرك لمنع تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي كامل؛ بينما تعمل مصر وتركيا والسعودية على تثبيت الدولة والجيش بدرجات مختلفة، في حين تتعرض الإمارات لضغط دولي متزايد بسبب دورها المزعوم في إسناد الدعم السريع.

وعليه، فإن السؤال الحاسم لم يعد: هل يستطيع الجيش هزيمة الدعم السريع؟

بل أصبح: هل يستطيع الجيش تحويل تفوقه العسكري إلى تسوية سياسية تعيد بناء الدولة، قبل أن تتمكن الضغوط الأمريكية والدولية من فرض تسوية تتجاوز نتائج الميدان؟

اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 وكانت المعادلة في بدايتها مختلفة جذرياً عن الوضع الحالي.

ففي الأشهر الأولى من الحرب تمكن الدعم السريع من الانتشار داخل الخرطوم وأجزاء واسعة من دارفور وكردفان، بينما اضطر الجيش إلى القتال من قواعده ومواقعه المحصنة، مستفيداً بصورة أساسية من التفوق الجوي والمدفعية.

لكن الجيش بدأ منذ أواخر 2024 وأوائل 2025 باستعادة المبادرة، واستعاد ود مدني في يناير 2025، ثم تمكن في مارس 2025 من استعادة الخرطوم ومواقع استراتيجية فيها. وبذلك فقد الدعم السريع أهم ورقة كان يمتلكها: القدرة على الادعاء بأنه قوة عسكرية تسيطر على العاصمة ويمكنها أن تكون بديلاً للدولة المركزية. ومنذ ذلك الوقت تحولت المعركة تدريجياً إلى معركة على الغرب السوداني، ولا سيما دارفور وكردفان. وهنا تحديداً تأتي أهمية التطورات الحالية.

أولا: لماذا أصبحت كردفان مركز الحرب؟

كردفان ليست مجرد جبهة عسكرية أخرى. إنها المنطقة التي تفصل عملياً بين مركز الدولة السودانية وبين الكتلة الجغرافية التي يمثلها دارفور. فالسيطرة على شمال كردفان تمنح صاحبها القدرة على التحكم في أحد أهم الممرات بين الخرطوم والأبيض، ومن ثم باتجاه غرب البلاد. ولهذا اكتسبت معارك بارا وجبرة الشيخ وأم سيالا أهمية استثنائية. فقد أعلن الجيش  أواخر يوليو عن استعادة هذه المواقع ومواقع أخرى في شمال كردفان، كما عزز سيطرته على طريق الصادرات، وهو الطريق الذي يربط الخرطوم وأم درمان بالأبيض.

لكن أهمية كردفان لا تتوقف عند الجغرافيا. فإذا تمكن الجيش من قطع طرق الإمداد بين دارفور والمناطق الوسطى، فإنه يستطيع الانتقال من استراتيجية الدفاع عن المدن إلى استراتيجية خنق القدرة العملياتية للدعم السريع. وهذا فرق جوهري.

فالدعم السريع يعتمد على الحركة السريعة، والانتشار الواسع، والإمداد الخارجي، والقدرة على نقل المقاتلين والسلاح بين جبهات متعددة. وإذا تقلصت طرق الحركة، تحولت قوته من قوة هجومية مرنة إلى قوة محلية محاصرة داخل مناطق نفوذها. ولهذا فإن كردفان قد تكون المعركة التي تحدد ما إذا كانت الحرب ستبقى حرباً مفتوحة بين قوتين متقاربتين، أم ستتحول إلى حرب استنزاف لمصلحة الجيش.

ثانيا: الانشقاقات داخل الدعم السريع..

العامل الذي قد يكون أهم من خسارة المدن

من أهم التطورات التي لا تحظى دائماً بالقدر الكافي من الاهتمام تزايد حالات الانشقاق والاستسلام من عناصر الدعم السريع. وقد أشارت تقارير في أغسطس 2026 إلى موجة جديدة من الانشقاقات، بالتزامن مع مكاسب الجيش في شمال كردفان. كما ظهرت في 19 أغسطس مجموعات من المنشقين عن الدعم السريع وهي تنضم إلى الجيش في غرب أم درمان. وهنا يجب التمييز بين خسارة الأرض وخسارة التماسك.

خسارة مدينة يمكن تعويضها عسكرياً. أما انهيار الثقة داخل القوة المسلحة فهو أخطر بكثير. فالدعم السريع لم يكن جيشاً تقليدياً يقوم على هيكل مؤسسي مماثل للقوات المسلحة، وإنما نشأ تاريخياً كقوة شبه عسكرية تعتمد بصورة كبيرة على الولاءات الشخصية والقبلية وشبكات التمويل والتجنيد. ولهذا فإن تراجع الثقة في القيادة، أو الاعتقاد بأن الجيش يتجه إلى تحقيق انتصار طويل الأمد، يمكن أن يفتح الباب أمام موجة من الانشقاقات. وإذا حدث ذلك على نطاق واسع، فقد تصبح مهمة الجيش أسهل من الناحية العسكرية والسياسية في آن واحد.

ثالثا: البرهان يحاول نقل الحرب من الميدان إلى السياسة

التطور الأهم في سلوك البرهان خلال أغسطس 2026 هو أنه بدأ يتحرك على مسارين متوازيين: المسار العسكري: استمرار الحرب حتى استعادة المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع. المسار السياسي: محاولة إطلاق حوار داخلي من موقع القوة.

وقد دعا البرهان إلى حوار داخلي، وظهرت تقارير عن استعداد لمنح المشاركين فيه حصانة مؤقتة، في خطوة تعكس محاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي من داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. وهذه النقطة بالغة الأهمية. فالبرهان لا يريد أن تكون المفاوضات الخارجية هي التي تحدد شكل السودان بعد الحرب. يريد أن تكون نتائج الميدان هي نقطة الانطلاق للعملية السياسية. بمعنى آخر: الجيش يريد أن يدخل السياسة من بوابة الانتصار العسكري، بينما تريد واشنطن أن يدخل الطرفان السياسة قبل أن يحسم أحدهما الحرب. وهذا هو جوهر التباين القادم.

الجيش يريد على الأرجح تحقيق ثلاثة أهداف مرحلية مترابطة:

الأول: تثبيت الوسط والشمال والشرق.

الثاني: قطع خطوط الإمداد القادمة إلى الدعم السريع.

الثالث: دفع الدعم السريع إلى الانكفاء على دارفور.

إذا تحقق ذلك، فإن الوضع التفاوضي سيتغير جذرياً. لأن الدعم السريع سيكون أمام خيارين: إما القتال من أجل الخروج من دارفور. أو الدخول في مفاوضات من موقع قوة أقل بكثير. وهنا يصبح الوقت نفسه سلاحاً.

كل شهر يمر مع تحسن وضع الجيش وتراجع خطوط الدعم السريع قد يقلل من قيمة الورقة العسكرية لحميدتي. ولهذا فإن واشنطن تريد وقف الحرب قبل أن يصل الجيش إلى هذه النقطة.

رابعا: الموقف المصري.

مصر هي الدولة الإقليمية الأكثر ارتباطاً بمسألة بقاء الدولة السودانية موحدة.

القاهرة تنظر إلى السودان من خلال أربعة ملفات:

1.         أمن الحدود الجنوبية.

2.         مياه النيل وسد النهضة.

3.        أمن البحر الأحمر.

4.      منع تحول السودان إلى دولة فاشلة أو مقسمة.

ولهذا فإن القاهرة ترى في الجيش مؤسسة الدولة الأساسية التي يمكن أن تمنع تحول السودان إلى مجموعة كيانات مسلحة. وقد وصفت تقارير أمريكية حديثة مصر بأنها داعم واضح للجيش السوداني. فالسودان المنهار يمثل عبئاً أمنياً واقتصادياً وإنسانياً على مصر. ولهذا فإن المصلحة المصرية يمكن اختصارها في المعادلة التالية: انتصار الدولة على المليشيا، ثم تسوية سياسية؛ لا تسوية تُبقي المليشيا دولة داخل الدولة.

خامسا: الموقف التركي

تركيا أصبحت خلال 2026 جزءاً مهماً من البيئة الإقليمية الداعمة للجيش السوداني. وتشير تحليلات استراتيجية حديثة إلى تصاعد الدعم العسكري للجيش من جانب تركيا ومصر والسعودية، خصوصاً بعد تصاعد الدور الإماراتي في دعم الدعم السريع. وقد زار البرهان أنقرة في 2 يونيو 2026 والتقى بأردوغان وبحضور رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن.

وتكتسب تركيا أهمية خاصة بسبب خبرتها في الطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية. وفي حرب أصبحت فيها المسيّرات أحد أهم أدوات القتال، فإن العلاقة التركيةالسودانية تحمل قيمة عسكرية تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية. لكن تركيا تنظر إلى السودان أيضاً من زاوية أوسع:

البحر الأحمر، الموانئ، إفريقيا، التجارة، وإعادة الإعمار. ولهذا يمكن أن يتحول الدعم التركي للجيش من علاقة مرتبطة بالحرب إلى شراكة طويلة الأمد في مرحلة ما بعد الحرب.

سادسا: السعودية.. من الوساطة إلى بناء علاقة مؤسسية مع الدولة السودانية

تطور الدور السعودي بصورة لافتة في أغسطس 2026. ففي 17 أغسطس 2026 وقع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ووزير الخارجية السوداني وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعوديالسوداني. ووفق وكالة الأنباء السعودية، يهدف المجلس إلى رفع مستوى التعاون والتنسيق بين البلدين وإنشاء منصة مؤسسية لتطوير العلاقات الثنائية.

هذه الخطوة أهم من مجرد إنشاء لجنة مشتركة. فالسعودية كانت خلال الحرب جزءاً من جهود الوساطة، وارتبط اسمها بـمنبر جدة الذي استضافته مع الولايات المتحدة. لكن إنشاء مجلس تنسيق في هذا التوقيت يعني أن العلاقة تنتقل من الوساطة في الأزمة إلى بناء علاقة استراتيجية مع الدولة السودانية. وهنا يظهر البعد الجيوسياسي بوضوح. فالسودان يملك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، والسعودية تقع في الجهة المقابلة منه. وأمن البحر الأحمر بالنسبة إلى الرياض ليس قضية بحرية فقط، بل قضية تتعلق بالتجارة والطاقة والأمن القومي. هذه واحدة فقط من ضمن ملفات عديدة دفعت السعودية لشراكة أكبر مع الجيش منها تطورات العلاقة مع الإمارات التي باتت تتصادم مع المصالح السعودية بشكل واضح، ومن ثم فإن استقرار السودان ووجود سلطة مركزية قوية في الخرطوم يمثلان مصلحة سعودية مباشرة.

سابعا: الإمارات.. من الاتهام السوداني إلى الضغط الدولي

هذه هي أكثر حلقات الملف حساسية. فقد تراكمت خلال 2026 تقارير وتحقيقات دولية تضع شبكات مرتبطة بالإمارات في قلب منظومة الإمداد التي تصل إلى الدعم السريع.

وفي 29 يوليو 2026 نشرت رويترز تحقيقاً استند إلى مسودة تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة.

وقال التقرير إن طائرات Boeing 727 مرتبطة بشبكة تجارية نقلت مقاتلين ومرتزقة وأسلحة وطائرات مسيرة إلى مناطق الدعم السريع. والأكثر أهمية أن التحقيق الأممي تحدث عن تقديرات موثوقة بوجود 1500 إلى 2000 مقاتل كولومبي جرى تجنيدهم بواسطة شركة Global Security Services Group (GSSG) التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، وشارك هؤلاء في القتال إلى جانب الدعم السريع وفي معارك الفاشر. وفي الوقت نفسه قالت الشركة إنها لا علاقة لها بالمرتزقة في السودان، كما نفت الإمارات هذه الصلة. لكن الأدلة الدولية أصبحت أكبر من إمكانية نفيها.

في 9 يوليو 2026 صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية كبيرة على قرار يدعو إلى تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية، وفرض عقوبات على المسؤولين عن الهجمات ضد المدنيين وعلى جهات خارجية متهمة بتسهيلها.

وصوت 476 نائباً لمصلحة القرار، مقابل 28 ضده و96 امتناعاً. كما دعا القرار إلى فرض عقوبات على شركة Global Security Services Group التي تتخذ من الإمارات مقراً لها.

لكن التطور الأهم لم يكن البرلمان الأوروبي وحده. ففي 13 يوليو 2026 شدد الاتحاد الأوروبي نظام عقوباته على السودان، مستهدفاً تجارة الذهب وتعدينه، باعتبار الذهب أحد مصادر تمويل الحرب. وفي 16 يوليو 2026 فرضت بريطانيا عقوبات على 11 فرداً وكياناً مرتبطين بشبكات التمويل والتسليح والذهب. ومن بين المستهدفين أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، الذي وصفته بريطانيا بأنه ممول ووسيط مشتريات مرتبط بالدعم السريع، إلى جانب شركات سودانية مقرها الإمارات، لكن للآن ورغم كل أدلة الإدانة لم تتعرض الإمارات إلى عقوبات مباشرة.

ثامنا: واشنطن الاحتواء المزدوج .. ربما لا يحظى طرفي الحرب كلاهما برضا واشنطن الكامل لكنها لا تتعامل معهما بالضرورة بالطريقة نفسها فواشنطن أعلنت في أغسطس 2026 أنها تريد توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.

وفي جلسة مجلس الأمن، قال مسعد بولس إن الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي لكلا الطرفين أصبح أحد أسباب استمرار الحرب، وطالب بتوسيع الحظر ليشمل الطائرات المسيرة والتكنولوجيا المرتبطة بها.

وهذا يعني أن واشنطن تريد ضرب البيئة الخارجية للحرب. لكن في الوقت نفسه، فإن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية يجعل الضغط الأمريكي غير متوازن سياسياً.

فواشنطن تقول للدعم السريع لن يكون هناك انتصار عسكري على الدولة. وتقول للجيش: لن يكون هناك انتصار عسكري يعيد الإسلاميين إلى الدولة. وبذلك تسعى الولايات المتحدة إلى إبعاد الإسلاميين المرتبطين بالنظام السابق عن مركز القرار، وعدم السماح كذلك للدعم السريع بابتلاع الدولة.  

وهذا ما دفع واشنطن إلى تصنيف الحركة الإسلامية السودانية كحركة إرهابية ففي 9 مارس 2026 فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية/الإخوان المسلمين في السودان كـ"حركة إرهابية". وفي 16 مارس 2026 دخل تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية حيز التنفيذ. وتشمل التسميات الأمريكية أسماء أخرى للحركة، ومنها "الحركة الإسلامية السودانية" و"لواء البراء بن مالك".

وهذا ليس قراراً هامشياً. فالولايات المتحدة ترى أن هناك طرفا ثالثا من الصراع غير البرهان وحميدتي يتمثل في القوى الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق والتي أعادت تنظيم نفسها داخل البيئة المؤيدة للجيش. وقد ركزت واشنطن تحديداً على لواء البراء بن مالك.

وهنا يواجه البرهان معضلة حقيقية. فالإسلاميون والقوى المسلحة ذات الخلفية الإسلامية شاركوا في القتال إلى جانب الجيش، وكان لهم دور في بعض المعارك المهمة، لكن التخلص منهم سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه قد يكون مكلفاً للجيش. أما إبقاؤهم فسيعطي واشنطن ذريعة للقول إن الانتصار العسكري للجيش قد يقود إلى إعادة إنتاج نظام ما قبل 2019. وهذه إحدى أهم أوراق الضغط الأمريكية على البرهان.

في الوقت نفسه يقود مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس المسار الأمريكي المتعلق بالسودان.  وفي 19 فبراير 2026 طرح بولس ما وصف بأنه استراتيجية ذات خمسة محاور لإنهاء الحرب، تبدأ بهدنة إنسانية فورية، ثم الانتقال إلى وقف إطلاق النار، وصولاً إلى مسار سياسي يقود إلى حكومة مدنية. وفي يوليو 2026 كشفت وثائق اطلعت عليها رويترز تفاصيل أكثر عن الموقف الأمريكي.

لكن الجيش السوداني اشترط انسحاب الدعم السريع بصورة كاملة من المدن والمناطق التي يسيطر عليها قبل قبول التسوية. وهنا تظهر المشكلة الأساسية. فالجيش يرى أن: أي هدنة لا تغير ميزان القوة على الأرض ستمنح الدعم السريع فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. أما واشنطن فتخشى أن: استمرار الحرب سيحول انتصارات الجيش إلى واقع سياسي جديد يجعل التسوية بعد أشهر أصعب بكثير. ولهذا فإن الولايات المتحدة تحاول وقف الحرب قبل اكتمال انتصار الجيش.

السيناريوهات المحتلمة

السيناريو الأول: انتصار عسكري تدريجي للجيش

يقوم هذا السيناريو على استمرار تقدم الجيش في كردفان، وتزايد الانشقاقات داخل الدعم السريع، وقطع خطوط الإمداد باتجاه دارفور إذا استمر هذا المسار، فقد يتحول الدعم السريع من قوة تنازع الجيش على الدولة إلى قوة إقليمية محلية داخل دارفور. الاحتمال: مرتفع نسبياً.

لكن هذا لا يعني سقوط دارفور سريعاً؛ فطبيعة المنطقة، واتساعها، وشبكاتها المحلية، وخطوط الإمداد العابرة للحدود تجعل الحسم هناك أكثر تعقيداً.

السيناريو الثاني: تجميد الحرب وتقسيم فعلي للنفوذ

قد يصل الجيش إلى وضع يسيطر فيه على الخرطوم والشرق والشمال والوسط، بينما يحتفظ الدعم السريع بكتلة نفوذ في دارفور وبعض مناطق كردفان. وهنا تتحول الحرب من حرب على العاصمة إلى صراع على الاعتراف بالكيانات السياسية ومؤسسات الدولة. وهذا السيناريو هو الأخطر؛ لأنه قد ينتج سوداناً موحداً على الخريطة ومنقسماً في الواقع.

السيناريو الثالث: تسوية أمريكية قبل اكتمال الحسم

قد تستخدم واشنطن العقوبات، وحظر السلاح، والضغط على الأطراف الخارجية، والوساطة السعودية والمصرية، لدفع الطرفين إلى قبول هدنة. لكن نجاح هذا السيناريو يتوقف على نقطة واحدة: هل يمكن ضمان خروج الدعم السريع من المدن ومناطق المدنيين، ثم دمجه أو تفكيكه ضمن جيش وطني واحد؟ إذا لم تكن الإجابة واضحة، فستكون الهدنة مجرد استراحة عسكرية.