‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ادهم شرقاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ادهم شرقاوي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

الأحلام: سَفَرُ الرُّوح خارج حُدود التُّراب!

 نقطة نظام
الأحلام: سَفَرُ الرُّوح خارج حُدود التُّراب!

أدهم شرقاوي


الرُّؤى بريدُ السَّماءِ إلى الأرض!نفحةٌ عُلويَّة خارج حدود المادَّة، وعِناقٌ روحيٌّ لجسدٍ فيه أشياء كثيرة أعمق من التُّراب الذي خُلِقَ منه.

رأى إبراهيمُ في منامِه أنَّه يذبح ابنه، فكانتْ رؤيا تزنُ جبالًا من اليقينِ، وتبني في قلبِ الإنسانِ معنى الطاعةِ الخالصَ.

ورأى يوسفُ الكواكبَ تسجدُ، فكانتْ بشارةَ مستقبلٍ يتشكَّلُ في الغيبِ بصمتٍ حتى يحينَ موعدُ ظهورِه.

ثم جاءتْ رؤيا الملكِ، حائرةً كعقدةٍ في صدرِ الزمانِ، فجعلَ اللهُ منها مفتاحَ نجاةٍ لأمّةٍ، وسُلَّمًا يرفعُ يوسفَ من قاعِ السِّجنِ إلى مقامِ التَّدبيرِ.

هكذا تُعلِّمُنا قصصُ الأنبياءِ أنَّ الرُّؤيا حين تصفو، تصبحُ ومضةَ نورٍ بين السَّماءِ والقلبِ، يمرُّ عبرَ النَّومِ ليكتبَ أثرَه في اليقظةِ.

الأحلامُ ليستْ مجرَّدَ صورٍ ينسجُها النَّومُ في عتمتِه، بل نوافذُ رقيقة تُفتحُ أحيانًا على عالمِ الأرواحِ الجميلِ؛ حيث تخفُّ الأجسادُ من ثقلِها، وتتحرَّرُ الرُّوحُ قليلًا من صخبِ الواقعِ، فتعودُ إلينا محمَّلةً بالحنينِ، أو ببشائرَ صغيرةٍ تلمعُ في الداخلِ كنجمةٍ تعرفُ طريقَها إلى القلبِ. 

هناك في ذلك البرزخِ اللطيفِ بين الوعيِ والغيابِ، تمرُّ على النفسِ رسائلُ طمأنينةٍ خفيّةٍ، كأنَّ الغيبَ يربّتُ علينا ويهمسُ: 

ما زالَ في الطريقِ لطفٌ ينتظرُك.كم من رؤيا مسحتْ على روحٍ مُتعبةٍ فأيقظتْها أكثرَ سكونًا، وكم من حلمٍ أعادَ ترتيبَ الفوضى داخلَ إنسانٍ كادَ يتكسَّر. 

في الأحلامِ عزاءٌ سرّيٌّ، ومصافحةٌ خاطفةٌ بين السَّماءِ والقلبِ، تُعيدُ للداخلِ توازنَه حين تعجزُ اليقظةُ عن ذلك. لذلك تبقى بعضُ الأحلامِ فينا طويلًا؛ لا لأنَّها صورٌ جميلةٌ فحسب، بل لأنَّها لامستْ طبقةً عميقةً لا تصلُ إليها اللُّغةُ.

لكنَّ الجمالَ حين يُساءُ فهمُه يتحوَّلُ قيدًا. فكما أنَّ الحلمَ هديّةٌ، فإنَّ الارتهانَ له غفلةٌ. الأحلامُ بساتينُ نزورُها، لا بيوتٌ نسكنُها؛ نافذةٌ على الأملِ، لا بابُ هروبٍ من الحياةِ.

من جعلَ الرُّؤى وطنًا ضاعَ عن الطريقِ، لأنَّ الحياةَ لا تُدارُ بالمناماتِ، بل بالإرادةِ والعملِ. البشارةُ تُفرحُ، لكنَّها لا تقومُ مقامَ السعيِ، والإشارةُ تُلهمُ، لكنَّها لا تُعفي من المسؤوليةِ.

الحكمةُ أن نستقبلَ الأحلامَ كضيوفٍ كرامٍ:
نُكرمُ حضورَها، نأخذُ منها دفأَها، ونبتسمُ لما تحملُ، ثمَّ نتركُها تمضي دون أن نرهنَ لها أعمارَنا. نفرحُ بالومضةِ، لكنَّنا نُثبّتُ أقدامَنا على الأرضِ. نأخذُ منها الأملَ لا الهروبَ، والإشارةَ لا التعلّقَ.

فأجملُ الأحلامِ تلك التي توقظُنا لا التي تُهدهدُ لنا لننام، وتدلّنا على الحياة، ولا تُبعدنا عنها!

روى البخاريُّ في صحيحهِ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قال:

كانَ الرَّجلُ في حياةِ النبيِّ ﷺ إذا رأى رُؤيا قصَّها على رسولِ اللهِ ﷺ!فَتمنَّيتُ أنْ أرى رُؤيا فأقصَّها على رسولِ اللهِ ﷺ، وكنتُ غلامًا شابًّا، وكنتُ أنامُ في المسجدِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فرأيتُ في النَّومِ كأنَّ مَلَكينِ أخَذاني، فذهبا بي إلى النَّارِ، فإذا هي مطويَّةٌ كطيِّ البئرِ، وإذا لها قَرنانِ، وإذا فيها أُناسٌ قد عرفتُهم!فجعلتُ أقولُ: أعوذُ باللهِ من النَّارِ.

فلقينا مَلَكٌ آخرُ فقال لي: لم تُرَعْ.فقصصتُها على حفصةَ، فقصَّتها حفصةُ على رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: نِعْمَ الرَّجلُ عبدُ اللهِ، لو كان يُصلِّي من اللَّيلِ!

فكان بعدُ لا ينامُ من اللَّيلِ إلا قليلًا! 

الرُّؤيا الصَّادقةَ بابُ تذكيرٍ لا بابُ ترويعٍ.لم يُرِدِ اللهُ أن يُخيفَ عبدَ اللهِ بن عمر بل أن يُوقِظَه!

فالرُّؤى الصَّادقةُ رحمةٌ تُنبِّهُ القلبَ قبلَ أن تُفزِعَه، وتُعيدُ ترتيبَ الأولويّاتِ بلطفٍ.كم مِن إنسانٍ يحتاجُ هزَّةً خفيفةً في نومِه ليصحُو في يقظتِه!فالخوفُ الذي يُقرِّبُكَ من اللهِ نعمةٌ لا نقمةٌ. التَّربيةُ النبويّةُ تقومُ على الإشارةِ لا الفضيحةِ. 

النَّبيُّ ﷺ لم يقل: إنَّكَ مُقصِّرٌ، ولم يُوبِّخ، بل مدحَ أوَّلًا: نِعمَ الرَّجلُ عبدُ الله!ثمَّ فتحَ له بابًا أعلى: لو كان يُصلِّي من اللَّيلِ!

هكذا تُربّى النُّفوسُ: تثبيتٌ قبلَ توجيهٍ، واحتواءٌ قبلَ طلبٍ؛ فالقلوبُ تُفتحُ بالمحبّةِ قبلَ الأوامرِ. 

قيامُ اللَّيلِ علامةُ حياةِ القلبِ.ما الذي ينقصُ رجلًا وصفَه النَّبيُّ ﷺ بأنَّه نِعمَ الرَّجل؟ركعاتٌ في جوفِ اللَّيلِ!

كأنَّ الرِّسالةَ تقولُ: الكمالُ ليس في الظَّاهرِ فقط، بل في الخلواتِ.

اللَّيلُ ميزانُ القلوبِ، ومَن أرادَ رفعةً في النَّهارِ فليصنعْها في السَّحرِ. 

الاستجابةُ السَّريعةُ برهانُ الصِّدقِ. 

فعبدُ اللهِ لم يُعجَبْ بالكلامِ ثمَّ ينساه، بل غيَّر حياتَه: فكان بعدُ لا ينامُ من اللَّيلِ إلَّا قليلًا!

هكذا يكونُ الإيمانُ: كلمةٌ واحدةٌ من الحقِّ تُترجَمُ إلى عمرٍ كاملٍ من العملِ.العبرةُ ليست أن نتأثَّر بل أن نتحوَّلَ!

فالحديثُ كلُّه يقول لنا بصوتٍ هادئ: الرُّؤيا قد توقظك مرَّةً، لكن قيام الليلِ هو الذي يُبقيكَ مستيقظًا!

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

بيتُ النَّبيِّ ﷺ ليس فيه إلا الماء! في بيت النبي

 بيتُ النَّبيِّ ليس فيه إلا الماء!

في بيت النبي





البيوتُ العظيمةُ ما كانتْ تلك التي تَفيضُ موائدُها، بل التي تفيضُ قلوبُها، ولا كان الغِنى في مدرسةِ النبوّةِ بكثرةِ ما في الأيدي، بل بسِعةِ ما في الصدورِ. 

هناك، حيثُ يُختبَرُ الإيمانُ في لحظاتِ القِلّةِ لا الوفرةِ، وتُقاسُ الأخلاقُ عندَ الحاجةِ لا الرَّخاءِ، كانتِ الكرامةُ تُصانُ ولو لم يبقَ في البيتِ سوى الماءِ، وكان الضيفُ سيّدَ الموقفِ ولو خلا البيتُ من الطّعامِ. 

ومن هذا المقامِ العالي، نقرأُ مشهدًا يُعلِّمُ الدُّنيا أنَّ أعظمَ صورِ العطاءِ تبدأُ أحيانًا حين لا نملكُ شيئا إلا القلبَ!

أتى رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: إنّي مجهودٌ.

فأرسلَ النَّبيُّ ﷺ إلى بعضِ نسائِه يسألُها إن كان عندَها طعامٌ في البيتِ حتّى يأتيَ بالضيفِ، فقالتْ: والذي بعثَك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ! فأرسلَ إلى زوجاتِه جميعًا، حتّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ: والذي بعثَك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ!

فقالَ النَّبيُّ ﷺ لجُلسائِه: مَن يُضيفُ هذا اللّيلةَ رحمَه الله؟

فقالَ رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسولَ الله!

فانطلقَ به إلى بيتِه، وقالَ لزوجتِه: هذا ضيفُ رسولِ الله ﷺ، فهَيِّئي له الطَّعامَ.

فقالتْ: ما عندي إلا طعامُ أولادِي!

فقالَ لها: نوِّمي أولادَكِ، ثمَّ ضعي الطَّعامَ، فإذا مدَّ يدَه ليأكلَ فقومي إلى السِّراجِ فأطفئيه، ثمَّ تعالي نُوهِمْه أنّا نأكلُ معه حتّى يكفيَه الطَّعامُ فيشبَعَ.

ففعلتْ مثلَما أمرَها، فشبِعَ الضيفُ، وباتا جائعينِ!

فلمّا أصبحَ غدا إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالَ له: عَجِبَ اللهُ من صنيعِكما!

وأنزلَ فيكما قرآنًا:

 ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ   شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).                                      

الدُّنيا دُولابٌ، والزَّمنُ دوّارٌ؛ اليومَ معك مالٌ، وغدًا قد لا تجده، واليومَ لا تجده، وغدًا قد تثرى. لا الفقرُ عيبٌ، ولا الغِنى سُبَّةٌ، المهمُّ أخلاقُ المرءِ في غناه أو فقرِه، المهمُّ ما في قلبِه لا ما في جيبِه. تخيَّلوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجِدْ في بيتِ واحدةٍ من زوجاتِه طعامًا يُقري به ضيفَه! إيّاك أن تعتقدَ أنَّ الفقرَ عقوبةٌ، أو أنَّ الغِنى جائزةٌ؛ كلُّ ما في الأمرِ أنَّ الدُّنيا امتحانٌ، فإيّاك أن ترسُبَ مهما كانتْ أسئلةُ الامتحانِ.

النَّبيلُ هو الذي يُبادِرُ ليسدَّ حاجةَ غيرِه، ولا يُحرِجُه فيُظهِره بمظهرِ المُقصِّرِ. 

ومن النُّبلِ إذا علمتَ بمرضِ أحدٍ في بيتِ جارٍ فقيرٍ أن تُعينَه دونَ أن يطلبَ؛ أنتَ تعرفُ حالَه، وبعضُ النّاسِ تمنعُه كرامتُه أن يطلبَ، وأجملُ العطاءِ ما يرحمُ الكرامةَ ويحفظُ ماءَ الوجهِ.

ومن النُّبلِ إذا أُقيمَ عزاءٌ لفقراءَ تعرفُهم أن تُساهِمَ معهم في تكاليفِ العزاءِ، أو أن تشتريَ لهم بعضَ حاجياتِه ومُتطلّباتِه كي لا تُحرجَهم أمامَ النّاسِ فيظهروا بمظهرِ المُقصِّرِ والمحتاجِ؛ فهذا لا يدخلُ في بابِ الصدقةِ فقط، وإنّما في بابِ السِّترِ أيضًا، ويا لحُبِّ اللهِ للسِّتِّيرينَ من عبادِه!

العطاءُ أدبٌ أيضًا؛ فأن تحرِمَ إنسانًا من صدقتِك أهونُ من أن تُعطيَه إيّاها على ملأٍ فتجرحَ كرامتَه وتُشعِرَه بالحرجِ. وانظُرْ إلى أدبِ الأنصاريِّ عندما علِمَ أنَّ الطَّعامَ قليلٌ، طلبَ من زوجتِه أن تُطفئَ السِّراجَ؛ لأنَّ الضيفَ سيشعرُ بالحرجِ ولن يأكلَ لو رأى أنَّ الطَّعامَ لا يكفي للجميعِ.

رفعُ الحرجِ من جبرِ الخواطرِ، وجبرُ الخواطرِ عبادةٌ!

يُعيدُ لنا هذا المشهدُ تعريفَ الغِنى والفقرِ، فلا الغِنى فيما نملكُ، ولا الفقرُ فيما نفقدُ، بل الغِنى في قلبٍ يتّسعُ لغيرِه، والفقرُ في نفسٍ تُمسِكُ وهي قادرةٌ على البذلِ. لقد كان الإيثارُ هنا عبادةً صامتةً، لا ضجيجَ فيها ولا ادّعاءَ، وكان السِّترُ خُلُقًا يُقدَّمُ قبل اللُّقمةِ، وكانت الكرامةُ محفوظةً كما يُحفَظُ العطاءُ. فمن تعلّمَ أن يرفعَ الحرجَ عن الناسِ، فقد فتحَ لنفسِه بابًا من أبوابِ رحمةِ اللهِ، ومن جعلَ جبرَ الخواطرِ طريقَه، وجدَ عند اللهِ ما لا يزولُ!

الأحد، 13 سبتمبر 2026

إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ!

نقطة نظام

إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ!



أدهم شرقاوي


يقولُ الحارثُ بن ضِرارٍ الخُزاعيِّ: قدمتُ على رسولِ اللهِ ﷺ،

فدعاني إلى الإسلامِ فدخلتُ فيه وأقررتُ به،

فدعاني إلى الزَّكاةِ فأقررتُ بها،

وقلتُ: يا رسولَ اللهِ أرجعُ إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلامِ وأداءِ الزكاةِ،

فمن استجابَ لي جمعتُ زكاتَهُ،

ثمَّ يُرسلُ إليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وقتَ كذا وكذا ليأتيكَ بما جمعتُ من الزكاةِ.

فلمَّا جمعَ الحارثُ الزكاةَ ممَّن استجابَ له،

وبلغَ الوقتُ الذي أرادَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يبعثَ إليه،

أبطأ عليهِ الرسولُ فلم يأتِهِ،

فظنَّ الحارثُ أنَّه قد حدثَ فيه سخطةٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِهُ،

فدَعَا وجهاء قومِهِ فقال لهم: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ،

كان وَقَّتَ لي وقتًا يُرسلُ إليَّ رسولَهُ ليَقبضَ ما كان عندي من الزكاةِ،

وليس من رسولِ اللهِ ﷺ الخُلْفُ،

ولا أرَى حَبْسَ رسولِه إلا من سخطةٍ كانت!

فانطَلِقوا فنأْتِي رسولَ اللهِ ﷺ،

وبعثَ رسولُ اللهِ ﷺ الوليدَ بنَ عقبةَ إلى الحارثِ ليَقبضَ ما كان عندَهُ ممَّا جمعَ من الزكاة،

فلمَّا أن سارَ الوليدُ حتى بلغَ بعضَ الطريقِ خافَ فرجعَ،

وأَتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقال يا رسولَ اللهِ:

إنَّ الحارثَ منعني الزكاةَ وأرادَ قَتْلِي!

فجهَّزَ رسولُ اللهِ ﷺ جيشاً إلى الحارثِ!

فأَقْبَلَ الحارثُ بأصحابِه حتى إذا استقبلَ الجيش،

فقال لهم: إلى من بُعِثْتُمْ؟

قالوا: إليكَ!

قال: ولِمَ؟

قالوا إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان بعثَ إليكَ الوليدَ بنَ عقبةَ،

فزعمَ أنَّكَ منعتَهُ الزكاةَ وأردتَ قتلَه!

قال: لا والذي بعثَ محمدًا بالحقِّ ما رأيتهُ ولا أتاني!

فلمَّا دخلَ الحارثُ على رسولِ اللهِ ﷺ قال له: منعتَ الزكاةَ وأردتَ قتلَ رسولي!

قال: لا والذي بعثكَ بالحقِّ ما رأيتهُ ولا أتاني،

وما أقبلتُ إلا حين احْتُبِسَ عليَّ رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ،

خشيتُ أن تكونَ كانت سخطةً من اللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِهُ،

وأنزل الله تعالى قوله تصديقاً للحارث، وتقريعاً للوليد:

“يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”

الدَّرسُ الأوّل:

درسٌ عظيم مفاده أنَّ لا أحد يعلم الغيبَ إلا الله،

والنبيُّ ﷺ في شأن الغيب كغيره من النَّاسِ،

ولم يكن يعرفُ منه إلا ما أطلعه الله تعالى عليه،

سواءً تعلَّقَ هذا الغيب بما لم يقع بعد،

كعلامات السَّاعة، وخروج الدَّجال، والدَّابة، والشَّمس من مغربها،

وأهوال يوم القيامة، وأحوال النَّاس فيها،

وعيِّناتٍ من أهل الجنَّة، ومن أهل النَّار،

فكُلُّ هذا ممَّا سيقعُ حتماً لا نشُكُّ بهذا ولا نرتاب،

ولكن النَّار الآن خالية من أهلها، والجنَّة كذلك،

وإنَّما دخولهما بعد حساب الله تعالى للخلائق!

ومن الغيب الذي يخفى على النبيِّ ﷺ،

هي الأمور التي حدثتْ فعلاً وصارتْ ماضياً،

فلم يشهدها بنفسه، ولم يأتِه وحيُّ بها،

وكلُّ ما كان يُخبرُ عنه النبيُّ ﷺ ممَّا وقع،

إنَّما كان يعرفه بالوحي الذي ينزلُ عليه،

وليس بقدراتٍ خارقة كانت له، ولا باستطاعته معرفة الغيب،

الغيب شأن الله تعالى وحده، يكشفُ منه سبحانه لنبيِّه وفق حكمةٍ قضاها!

من أمثلة هذا، والأمثلة في هذا كثيرة،

جلس عُمير بن وهب الجُمحي مع صفوان بن أُمية بن خلف،

بعد مصاب أهل بدرٍ من قريش في الحِجْر بِيَسِيرٍ،

كانَ عُميرُ بْنُ وَهْبٍ شيطانًا مِن شياطينِ قُريشٍ،

وَمِمَّن كان يُؤذي رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه،

ويَلْقَوْنَ منه عناءً وهو بمكَّة، وكان ابنُه وَهْبُ بنُ عُميرٍ في أُسارى بدرٍ.

فذكر أصحابَ القليب ومصرعَهم،

فقال صفوانُ: واللهِ إنَّ في العيشِ بعدَهم خيرٌ!

قال له عُميرٌ: صدقتَ واللهِ،

أما واللهِ لولا دَيْنٌ عليَّ ليس له عندي قضاءٌ،

وعيالٌ أخشى عليهم الضيعةَ بعدي،

لركبتُ إلى محمدٍ حتى أقتُلَه،

فإنَّ لي قِبَلَهم علَّةً: ابني أسيرٌ في أيديهم!

فاغتنمها صفوانُ وقال: عليَّ دَيْنُك، أنا أقضيه عنك،

وعيالُك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيءٌ ويعجزُ عنهم،

فقال له عُميرٌ: فاكتم شأني وشأنك!

قال: أفعل.

ثمَّ أمر عُميرٌ بسيفِه، فشُحذ له وسُمَّ،

ثمَّ انطلق حتى قدم المدينةَ،

فبينما عُمَرُ بنُ الخطابِ في نفرٍ من المسلمين يتحدثون عن يومِ بدرٍ،

ويذكرون ما أكرمهم اللهُ به، وما أراهم من عدوِّهم،

إذ نظر عُمَرُ إلى عُميرِ بنِ وَهْبٍ حين أناخ على بابِ المسجدِ متوشحًا السيفَ،

فقال: هذا الكلبُ عدوُّ اللهِ عُميرُ بنُ وَهْبٍ، واللهِ ما جاء إلا لشرٍّ،

وهو الذي حرَّش بيننا، وحزرنا للقوم يومَ بدرٍ.

ثم دخل عُمَرُ على رسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله،

هذا عدوُّ اللهِ عُميرُ بنُ وَهْبٍ قد جاء متوشِّحًا سيفَه،

قال: فأدخله عليَّ!

فأقبل عُمَرُ حتى أخذ بحمالةِ سيفِه في عنقِه فلبَّبه بها،

وقال لرجالٍ ممَّن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسولِ اللهِ ﷺ فاجلسوا عنده،

واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنَّه غيرُ مأمونٍ!

ثمَّ دخل به على رسولِ اللهِ ﷺ.

فلما رآه رسولُ اللهِ ﷺ، وعُمَرُ آخذٌ بحمالةِ سيفِه في عنقِه،

قال: أرسله يا عُمَر، ادنُ يا عُمير!

فدنا ثمَّ قال: أنعموا صباحًا، وكانت تحيةُ أهلِ الجاهليةِ بينهم،

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: قد أكرمنا اللهُ بتحيةٍ خيرٍ من تحيتك يا عُمير،

بالسلام: تحيةُ أهلِ الجنَّة.

فقال: أما واللهِ يا محمدُ إن كنتُ بها لحديثِ عهدٍ.

قال: فما جاء بك يا عُمير؟

قال: جئتُ لهذا الأسيرِ الذي في أيديكم فأحسنوا فيه.

قال: فما بالُ السيفِ في عنقِك؟

قال: قبَّحها اللهُ من سيوفٍ، وهل أغنت عنَّا شيئًا؟

قال: اصدقني، ما الذي جئتَ له؟

قال: ما جئتُ إلا لذلك!

قال: بل قعدتَ أنت وصفوانُ بنُ أُميةَ في الحِجر،

فذكرتما أصحابَ القليبِ من قريشٍ، ثمَّ قلتَ:

لولا دَيْنٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقتل محمدًا،

فتحمل لك صفوانُ بدينِك وعيالِك، على أن تقتلني له،

واللهُ حائلٌ بينك وبين ذلك!

قال عُميرٌ: أشهدُ أنَّك رسولُ الله، وقد كنَّا يا رسولَ اللهِ نكذبُك بما كنتَ تأتينا به من

خبرِ السماءِ،

وما ينزلُ عليك من الوحي، وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان،

فواللهِ إني لأعلمُ ما أتاك به إلا اللهُ، فالحمدُ للهِ الذي هداني للإسلام،

وساقني هذا المساق،

ثمَّ شهد شهادةَ الحق.

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن،

وأطلقوا له أسيرَه،

ففعلوا…

ثمَّ قال: يا رسولَ الله، إنَّي كنتُ جاهدًا على إطفاءِ نورِ الله،

شديدَ الأذى لمن كان على دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ،

وأنا أحب أن تأذن لي، فأقدم مكةَ، فأدعوهم إلى اللهِ تعالى،

وإلى رسولِه ﷺ، وإلى الإسلام،

لعلَّ اللهَ يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنتُ أوذي أصحابَك في دينهم؟

قال: فأذن له رسولُ اللهِ ﷺ، فلحق بمكة!

الدَّرسُ الثَاني:

اُنظُرْ إلى همّة الحارث العالية في الإسلام،

أسلَمَ منذ لحظاتٍ ثمَّ جعلَ من نفسه داعيةً!

حملَ على عاتقه هداية قومه،

هكذا كانوا، إذا وقعُوا على الخير أرادُوا أن يُشاركهم النَّاسُ فيه،

لم يكتفِ أن يُسلِمَ هو لينجو بنفسه،

ولم يُقعده أن يكون داعيةً أنَّه حديث عهدٍ بالإسلام،

كان الإسلام كُلَّ حياتهم منذ أول لحظات إسلامهم حتى مماتهم،

لم ينتظروا أن يتعلَّموا كثيراً،

كانوا يعرفون أنَّ العِلمَ يأتي مع الوقت،

أمَّا العقيدة فإنَّها تدخل سُويداء القلب منذ أول لحظةٍ،

ولم يكن يُخجلهم أن يتركوا دين قومهم،

ولم يكونوا يحفلون بما سيُقال عنهم،

كان لهم وجه واحد ولم تكن لهم أقنعة!

وهذا قريبٌ جداً مما حصل مع عمر بن الخطاب فور إسلامه،

لمَّا أسلمَ عمر بن الخطاب لم تعلم قريشُ بإسلامه،

وعمر لا يفعلُ شيئاً في الخفاء،

فقال: أيُّ أهل مكة أنشأ للحديث؟ أي ينقل الأخبار!

فقالوا: جميل بن معمر الجمحي،

فذهبَ إليه عمر وقال له: يا جميل إنَّي قد أسلمتُ!

فما ردَّ عليه جميل كلمةً، وإنَّما قام مسرعاً عند الكعبة ونادى:

يا معشر قريش إنَّ ابن الخطاب قد صبأ!

فقال عمر: كذبَ، ولكنَّي أسلمتُ وآمنتُ بالله، وصدَّقتُ رسوله!

فأخذوا يضربونه ويضربهم، حتى تعبَ عمر وجلسَ،

فقامُوا عند رأسه فقال لهم: افعلوا ما بدا لكم،

فواللهِ لو كنَّا ثلاثمئة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم!

فبينما هم كذلك جاء العاص بن وائل فقال: ما بالكم؟

قالوا: إنَّ ابن الخطاب قد صبأ!

فقال: امرؤ اختار ديناً لنفسه، أفتظنُّون أنَّ بني عدي تُسلم إليكم صاحبهم؟

ففرَّجَ الله عن عُمر بقول العاص بن وائل وتركوه!

لا تخجل بالهداية بعد ضلال،

وارفعْ رأسكَ عالياً بوصل اللهِ لكَ بعد انقطاعكَ عنه،

لماذا على الفتاة إذا كانت على غير حجاب خرجتْ في كامل زينتها،

وإذا هداها الله ستخجل بلباسها المحتشم،

من لم يكن يخجل وهو على معصية،

فالأولى أن يرفع رأسه عالياً وهو على طاعة!

ولماذا على الشاب إذا كان لاهياً عابثاً،

عاشَ لهوه وعبثه على رؤوس الأشهاد،

ثم إذا ردَّه الله إليه سيخجل بسيره إلى المسجد،

ومسابقته في حلق العلم وتحفيظ القرآن!

إنَّ من الأبواب التي يأتي بها الشيطان إلى من هداه الله في أول هدايته،

هو أن يقول له: أما تخجل من ماضيك؟!

ماذا سيقول الناس، شارب خمر البارحة في المسجد اليوم؟!

متزينة متعطرة البارحة وفي الحجاب اليوم؟

التوبة تجبُّ ما قبلها، وإنَّ من تمام التوبة أن يُقبل العبدُ على الطاعة بفخرٍ،

تماماً كما كان في المعصية بفخر!

ثمَّ إذا جاءك الشيطان من باب ماذا سيقول الناس؟

فأجبه وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم قبل أن تسطع في قلوبهم شمسُ الهداية،

منهم من شربَ الخمر، ومنهم من سجدَ لصنم،

ومنهم من أكل الربا،

ولم يكن أحدهم يخجل أن يتحوَّل كل هذا التحول،

كان يفاخر أمام قريش كلها، ولا يخجل بدينه،

ولا يحسبُ حساباً لتعيير الناس!

الدَّرسُ الثّالث:

عندما لم يصل مبعوث النبيِّ ﷺ إلى الحارث، اتهمَّ الحارثُ نفسه!

كان يعرفُ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يخلفُ ميعاداً، فظنَّ أنَّ سبب عدم قدوم موفد منه،

قد حدث بسخطةٍ سخطها الله تعالى عليه أو نبيُّه،

وهذا من فقه المؤمنين أنَّهم يبحثون في أنفسهم أوّلاً،

كان المرءُ منهم إذا مرضَ راجعَ عباداته،

وإذا لم يقُمْ إلى صلاة الليل، قال: لعلَّ هذا بسبب ذنبٍ أصبته!

وقد بلغوا في اتهامِ أنفسهم مبلغاً عظيماً،

حتى إنَّ أحدهم إذا لم تطاوعه دابته على المسير، قال قسَّاها اللهُ عليَّ بذنبي!

فإذا حدثَ ما لا تُحِبُّ فراجِعْ نفسكَ أولاً،

لعلَّ المرضَ الذي أصابكَ بسبب ذنبٍ أنت مقيمٌ عليه،

والله قد ابتلاكَ به يريدُ منكَ أمراً، ويريدُ لكَ أمراً!

يريدُ منكَ أن ترجعَ إليه وتتوب،

ويريدُ لكَ مغفرةً فإنَّ الأوجاع تحطُّ خطايا المؤمن،

وإن ضيَّقَ عليكَ رزقكَ فراجِعْ صدقتك،

فلا شيء يجلبُ الرِّزق كالصدقة،

فإنَّ الله تعهَّد أن يُخلفها على صاحبها، وخَلَفُ الكريمُ يكون بأكثر ممَّا بذله العبد!

وإن لم تُجبْ لكَ دعوةٌ فانظُرْ إلى طعامكَ،

فإنَّ المال الحرام يحجبُ الدُّعاء!

جاءَ في الأثرِ أنَّ رجلاً قال لعيسى عليه السلام: أَوصِني،

فقال له: اُنظُرْ إلى رغيفك من أين هو!

المعنى: اِبحثْ عن الحلال!

ولأنَّ دعوة الأنبياء واحدة، والدِّين عند الله الإسلام،

قال النبيُّ ﷺ: إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً،

وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين، فقال تعالى:

“يا أيُّها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً”

وقال تعالى: “يا أيُّها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم”.

ثمَّ ذكرَ الرَّجُلَ يُطيل السَّفر، أشعثَ أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء:

يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام،

فأنَّى يُستجابُ له!

وروى الطَّبرانيُّ في الأوسط أنَّ سعدَ بن أبي وقاصٍ قال للنبي ﷺ:

يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني مُستجاب الدَّعوة.

فقال له: يا سعد، أَطِبْ مطعمكَ تكُن مُستجاب الدَّعوة!

يشكو الناس هذه الأيام كثيراً أن الدُّعاء لا يُستجاب،

وهذا واقع مُشاهد، سببه أنَّ الناس استهانتْ بأكل الحرام!

وإنَّهم يحسبون أنَّ المال الحرام يعني أن تسرقَ من جيبِ إنسان بعض ماله،

وهذا في الحقيقة جزء من المال الحرام لا كله!

المِيراثُ الذي تستأثرُ به وحدكَ دون إخوتك،

أو تُعطيهم أقلَّ ممَّا فرضَ الله لهم مالٌ حرام!

والمالُ الذي تموتُ الزوجة وتتركه وراءها فتأخذه وحدكَ،

وتحرم منه أهلها وأولادكَ مالٌ حرام!

الرَّشوة التي تتلقَّاها لتُنجز بها معاملات الناس مالٌ حرام!

والوظيفة الشكلية التي لا تحضر إليها ولا تعرف منها إلا راتبها مال حرام!

والعملُ الذي لا تُنجزه بحسب المواصفات والاتفاق مالٌ حرام!

والبضاعة التي تبيعها ولا تُبيِّن عيبها للناس مالٌ حرام!

والدَّين تأخذه من الناس لتُفرج كربكَ وفي نيتك أن لا ترده مال حرام!

والجمعية التي تشتركَ بها ثم تقبضها وتتوقف عن الدفع مال حرام!

والكماليات والسفرات والمظاهر الفارغة التي تقوم بها،

وللناس عليكَ حقوق وللعمال رواتب لا تُؤدِّيها مال حرام!

والرِّبا الذي تأخذه من البنك مال حرام مهما أفتاكَ فلانٌ وعلتان!

والتحايلُ على الله مالٌ حرام!

اُنظُروا إلى رغيفكم من أين هو،

وتأمَّلوا من أين تكسبون أموالكم، وكيف تُنفقونها،

ثم بعد ذلكَ سترون دعاءكم يتحقَّقُ كأنّه فلق الصُّبح!

الدَّرسُ الرّابع:


لا تتسرَّعْ في ردَّاتِ أفعالك،

ليس كل الأقوال التي وصلتكَ قد قيلتْ حقاً!

وليس كل الأفعال التي بلغتكَ قد حدثتْ فعلاً!

النّاسُ يكذبون أحياناً، ويحرِّفون الأقوال كثيراً،

ومُشاهَدٌ عياناً كم يفتري بعضهم على بعض،

وقد كان الأوائل يُغلقون الأبواب في وجه النَّمامين،

ولو كان ما أوصلوه من فتنةٍ حقاً!

قال رجلٌ للأحنف بن قيس: أخبرني بعض الثقات،

أنَّك ذكرتني بسوء!

فقال له الأحنف: لو كان ثقةً ما نمَّ!

الناسُ أحياناً فيهم نُبل عجيب لا يُدركه الآخرون!

روى أبو نُعيم في الحلية، وابن عسكر في تاريخ دمشق:

إنَّ عمر بن الخطاب استعملَ على حمص سعيد بن حُذيم،

ولما جاء عمر إلى الشام، سأل أهل حمصَ عن سعيد،

فقال: يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم؟

فقالوا: نشكو منه أربعاً!

فقال عمر: وما هيَ؟

قالوا: لا يخرجَ إلينا حتى يتعالى النهار،

ولا يجيبُ أحداً بليل،

وله يوم في الشهر لا يخرج إلينا فيه أبداً،

وتأخذه إغماءة بين الفينة والأخرى!

فجمعَ عمر بينه وبينهم وهو يقول في نفسه:

اللهم لا تُضيِّع فراستي في سعيد!

ثمَّ قال للنَّاس: ما تشكون منه؟

فقالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار!

فقال سعيد: ليس لأهلي خادم، فأعجنُ لهم، وأنتظرُ حتى يختمر،

ثمَّ أخبزُ لهم، وأتوضأ، وأخرجُ للناس!

فقالوا: لا يجيبُ أحداً بليل!

فقال: جعلتُ لهم النهار، وجعلتُ الليل لله، أقومُ بين يديه فيه!

فقالوا: وله يوم في الشهر لا يخرجُ إلينا فيه أبداً!

فقال: ليس لي خادم يغسلُ ثيابي، ولا ثياب أُبدلها، فأغسلها أنا،

وأجلسُ أنتظرُ حتى تجف، ثمَّ أخرج إليهم في المساء!

فقالوا: وتأخذه إغماءة بين الفينة والأخرى!

فقال: شهدتُ مصرع خُبيب الأنصاري بمكة، وقد قطعتْ قريشٌ له،

فقالوا: أتحبُّ أن محمداً مكانكَ؟

فقال: واللهِ ما أحبُّ أني في أهلي وولدي وأنَّ محمداً يُشاك بشوكة!

فما تذكرتُ ذلك اليوم، وتركي نصرته رغم أنَّي على الشرك، إلا أخذتني إغماءة!

فقال عمر: الحمدُ لله الذي لم يُضيِّع فراستي في سعيد!

بعضُ النَّاس أنبل ممَّا نعتقِدُ، ولكنَّنا للأسف نحملُ ما جهلناه على سوء الظنِّ،

وسوء الظنِّ وإن كان أحياناً من حُسن الفطن،

إلا أنَّ الذي لا يرى في النَّاس خيراً فهو أسوأ النَّاس!

في قرية نائيةٍ كان هناك رسَّام عجوز،

يجني كثيراً من المال من بيع لوحاته الجميلة،

وعابَ عليه بعض أهل القرية عدم مساعدته للفقراء فيها، واتهموه بالبخل!

ولكنَّه لم يردَّ عليهم، وعندما ماتَ الرسَّام العجوز،

توقَّفَ لحَّامُ القرية عن توزيع اللحم على الناس بالمجان،

فلما سألوه عن السبب،

قال: كان الرسَّام العجوز هو الذي يدفع ثمن اللحم،

ولا قدرة لي على توزيعه مني!

إنَّ الذي لا يحملُ صدقته ويطوف بها على الملأ لا يعني أنَّه لا يتصدَّق!

والذي لا يُصوِّر نفسه حاملاً المصحف لا يعني أنَّه هاجرٌ للقرآن،

والذي لا يُصوِّر نفسه حاضناً زوجته لا يعني أنَّه لا يُحبُّها!

هناك أشخاصٌ يغلقون الأبواب على أنفسهم، ولا يفتحون حياتهم على مصراعيها!

هناك أشخاصٌ يتركون أشياء لله،

يخشون أن يُفسدها اطِّلاعُ الناس عليها، فافْهَمْ!

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

عندما يُرفَعُ الحَرَجُ.. ويَحْضُرُ الحُبُّ

 نقطة نظام

عندما يُرفَعُ الحَرَجُ.. ويَحْضُرُ الحُبُّ


أدهم شرقاوي


الأريحيّةُ بين الزَّوجَيْن ليست ترفًا عاطفيًّا، بل ضرورةُ سكينة؛ هي أن يخلعَ كلٌّ منهما قناعَ التكلُّفِ عند بابِ البيت، وأن يشعرَ أنَّه في مأمنٍ لا يُحاسَبُ فيه على ارتباكٍ، ولا يُلامُ على سؤال. في هذا المقامِ الخاصّ، يُرفَعُ الحياءُ المُقيِّدُ لا الحياءُ النَّبيل، ويُكسَرُ الحرجُ لا الاحترام. فالحياءُ الذي يمنعُ الصِّدقَ جدارٌ بارد، أمّا الحياءُ الذي يحفظُ الودَّ فهو سقفُ أمان.

حين يتحدَّثُ الزَّوجان بلا خوفٍ من سوءِ الفهم، وتُقالُ المشاعرُ كما هي دون تزيينٍ مُرهِق، يهدأُ القلبُ وتستقيمُ العِشرة. لا مكانَ للحرجِ بين روحين جمعهما عقدُ ميثاق، ولا عيبَ في سؤالٍ يُصلِح، ولا خطأَ في مصارحةٍ تُداوي. فالأُلفةُ الحقّةُ تولدُ حين يُستبدَلُ الصَّمتُ الثَّقيلُ بحديثٍ صادق، ويُستبدَلُ الخجلُ المُؤذي بثقةٍ رحيمة؛ عندها يُصبِحُ البيتُ ملاذًا، ويصيرُ القُربُ عبادةً، وتغدو الحياةُ أخفَّ وأصدق!

روى مسلمٌ في صحيحه من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ سَلَمةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي امرأةٌ أَشدُّ ضَفرَ رأسي، أفأَنقُضُه لغُسلِ الجنابةِ؟

فقالَ: إنَّما يكفيكِ أن تحثيَ عليه ثلاثَ حثَياتٍ من ماءٍ، ثم تُفيضِي عليكِ من الماءِ فتَطهُرينَ!

في الحديثِ لمسةٌ رقيقةٌ تكشفُ جمالَ العلاقة بين الزَّوجين؛ فسؤالُ أمِّ سلمةَ رضيَ الله عنها لم يكن سؤالَ فقهٍ مجرَّد، بل سؤالَ امرأةٍ تعيشُ حياتها الزوجيّة بوعيٍ وأمان، وتسأل عمّا يخصّها دون حرجٍ أو خوف. 
وفي جوابِ النبيِّ ﷺ رفقُ الزوجِ الحكيم، الذي يُزيل التكلّف، ويُطمئن القلب، ولا يُحوِّل القُربَ إلى عبء. كأنَّ الحديث يقول: إنَّ العلاقةَ السليمة تقوم على الصراحةِ الآمنة، وأنَّ الحياءَ لا يمنع الوضوح، وأنَّ الدِّينَ لا يُقيم جدارًا بين الزوجين، بل يفتحُ بينهما بابَ طمأنينةٍ يحفظ الكرامة، ويصون المودّة، ويجعل القُربَ عبادةً لا حرجَ فيها!

يُعلِّمُنا هذا الحديث أنَّ الدِّينَ لم يأتِ ليُرهِق القلوب، بل ليُطمئنها. فالنبيُّ ﷺ لم يُحمِّل المرأةَ مشقّةً لا حاجةَ لها، بل دلّها على اليسر، ليُرسِّخ في النفوس أنَّ الطاعةَ لا تُقاسُ بقدر التَّعب، بل بصدقِ الامتثال. الطُّهرُ هنا ليس قسوةً على الجسد، بل صفاءٌ في النيّة، ورحمةٌ في التكاليف، وسكينةٌ تُشعِر الإنسان أنَّه في رعايةٍ لا في امتحانِ قسوة.

ويُعلِّمنا أنَّ السُّؤالَ الصادقَ بابُ الفهمِ والأمان. أمُّ سلمةَ رضيَ الله عنها لم يمنعها حياؤها أن تسأل عمّا يهمُّها، لأنَّها أدركت أنَّ الحياءَ لا يكون في طلبِ الحقّ، ولا في التعلُّم. 
هكذا القلوبُ العاقلة؛ تعرف متى تصمتُ أدبًا، ومتى تسألُ وعيًا، ومتى تُقدِّم الفهمَ على التردُّد. فكم من حرجٍ زال بسؤال، وكم من طمأنينةٍ وُلِدَت من جوابٍ رفيق.

ويكشف لنا جمالَ هذا الدِّين في مراعاته للإنسان كما هو، لا كما يُرهَق. لم يُطالِبها ﷺ بتغيير هيئتِها، ولا بإفساد ترتيبها، بل جمع بين الطُّهر والجَمال، وبين العبادة والراحة. 
كأنَّ الرسالة الخفيّة تقول: إنَّ الله لا يُحبّ أن نُثقِلَ على أنفسنا باسمه، بل أن نقتربَ إليه بقلوبٍ هادئة، ونفوسٍ مطمئنّة، لأنَّ الطريقَ إليه يُشبِه رحمته، لا مشقّته!

الاثنين، 24 أغسطس 2026

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!

نقطة نظام 

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!


في بيت النبي




أدهم شرقاوي




الحياءُ خُلُقُ القلوبِ الحيّة؛ تستحي لأنَّك تُحبّ، وتخجل لأنَّك تعلمُ أنَّ الله يراك. ليس حياءَ الهروب، بل حياءَ القُرب، حياءَ مَن لا يُحبّ أن يُقابِلَ النِّعمةَ بالجفاء، ولا الإحسانَ بالجُرأة على المعصية.


وما أجملَ الحياءَ حين يكونُ ميزانًا للأخلاق؛ يمنعُ اللِّسانَ من الأذى، والعينَ من الخيانة، والقلبَ من القسوة. هو الذي يجعلُ الإنسانَ جميلًا حتّى في صمتِه، نقيًّا حتّى في اختيارِه!


روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

كان رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذَيْهِ أو ساقَيْهِ، فاستأذن أبو بكرٍ فأذِنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث.

ثم استأذن عمرُ فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدَّث.

ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ اللهِ ﷺ وسوّى ثيابَه، فدخل فتحدَّث.

فلما خرج قالتْ عائشةُ: دخل أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عمرُ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجلستَ وسوَّيتَ ثيابَك؟

فقالَ: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ؟

هذا الحديثُ ليس حكايةَ موقفٍ عابر، بل درسُ تربيةٍ عميق، ومنه تُؤخَذُ معانٍ تُهذِّب القلوب قبل السلوك:

أوّلُ ما نتعلَّمه أنَّ الحياءَ خُلُقٌ يعلو مع علوِّ الإيمان. فالحياءُ ليس طباعًا بشريّةً فحسب، بل منزلةٌ روحيّة، يزداد صفاؤها كلّما ازداد القلبُ قربًا من الله. فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو أكملُ الخلق، يستحي من عثمانَ رضي الله عنه، فكيف بمن دونه أن يستهين بهذا الخلق أو يراه ضعفًا؟

وفيه درسٌ في معرفة مراتب الناس وأقدارهم. لم يكن تعاملُ النبيِّ ﷺ واحدًا مع الجميع، لا تفضيلًا بشريًّا، بل مراعاةً لأحوال القلوب. فمَن عُرِفَ برقّة حيائه، أُكرِمَ بما يحفظ له هذا المقام، ومَن عُرِفَ بسعة صدره، وُسِعَ له في التعامل. وهكذا تُدار العلاقات بالحكمة، لا بالنسخ المتطابق.

ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الحياءَ يُحبّه الله وتُجِلّه الملائكة. فإذا كانت الملائكةُ تستحي من عبدٍ، فذلك شرفٌ لا يُنال بكثرة الكلام، ولا بالمظاهر، بل بطهارة الباطن ونقاء السريرة. الحياءُ الحقيقيُّ عبادةٌ صامتة، لا يراها الناس، لكنّها تُرفَع إلى السَّماء.

ثمّ فيه تربيةٌ لنا جميعًا على حفظ الهيبة في الخلوة قبل الجلوة. فالنبيُّ ﷺ لم يكن في حال محرَّم، ومع ذلك غيَّر هيئتَه حياءً، ليعلِّم الأمّة أنَّ اكتمال الأخلاق يكون في أدقّ التفاصيل، وأنَّ المؤمن لا يستخفّ بما قد يجرح شعور غيره، ولو كان مباحًا في الأصل!


الخميس، 20 أغسطس 2026

سَلامٌ بلا خُيولٍ، أيُّ ذُلِّ؟!

نقطة نظام

 سَلامٌ بلا خُيولٍ، أيُّ ذُلِّ؟!


من الحواراتِ التي تخطفُ قلبي، ذاكَ المقطعُ من مسلسلِ الزِّيرِ سالم، حين قالَ الزِّيرُ لابنِ أخيه الجرو: لا يسمحون لكم بركوبِ الخيل؟

  • بل يسمحون، ونستطيعُ شراءَ الخُيول إذا أردنا!
  • والسُّيوف، هل اشتروا سيوفكم أيضاً؟ هل يسمحون لكم بحمل السُّيوف؟

  • لا تُبالغْ يا عمَّاه، إنها مسألةُ خيولٍ فقط، وقد كانتْ صفقةً من أجلِ الماء، ولم نجد المسألةَ خطيرةً طالما السَّلامُ قائمٌ بيننا!
    – سلامٌ بلا خُيول، أيُّ ذلٍّ؟!
    – ولكن لم تعُدْ هناك حاجةٌ للسيوف يا عمَّاه؟
  • فما للبَكريِّين وخيولكم إذاً؟
  • بما أنَّ الحرب انتهتْ فنحن في غنىً عنها!

– الحرب انتهتْ، وهل انتهتْ مطامحُ الرِّجال؟ هل وصلتم لحياةٍ آمنةٍ مطمئنَّة؟

  • نعم!
  • وكريمة، فيها أنفةٌ وكبرياءٌ وقدرةٌ على اتخاذ قرارٍ، فيها عظمةٌ وأحلامٌ وطموحات؟
  • ما لنا ولهذا كلِّه؟

– ما لكم وللحياة إذاً!


إنَّ كلَّ الذي يحدثُ في غزَّة الآن لا علاقة له بالأسرى والجُثث، لا بالمعابر ولا بالمخافر، الأمرُ كلُّه يتعلَّقُ بسلاحِ المقاومة!

يريدون منَّا سلاماً بلا خيول!

معادلة الرَّغيف مقابل البندقيَّة!

ونحن نعرفُ، وهم يعرفون، أنَّ ما يأتي بهم إلى طاولات المفاوضات هي هذه البندقيَّة، في اللحظة التي يأخذونها من أيدينا ويعطوننا الخُبز، فقد شرعوا في تسميننا ليذبحوننا!

 

لقد تعلَّمنا الدَّرس جيِّداً من كل ما حدث في هذا العالم!

في بيروت، أقنعُوا منظمة التحرير أن تأخذ بنادقها وترحل، لا حاجة للبنادق، مخيماتكم محميَّة بالقانون الدولي!

ولم تكد البواخر ترسو في تونس، حتى كان جيش الاحتلال وعملاؤه، يذبحون الرّجال، ويبقرون بطون النساء في صبرا وشاتيلا!

 

في أوكرانيا، القوة النَّووية الثالثة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي!

أقنعهم الأوروبيون والأمريكان أنَّ الذي يحمي الدول ليس الأسلحة وإنما الاتفاقيات!

أخذوا منهم الأسلحة وأعطوهم اتفاقاً!

وحين جاءت الحرب اكتشف الأوكرانيون أنَّ الاتفاق الذي لا تحميه البندقية لا يساوي قيمة الورق الذي كُتب عليه!

 

في أمريكا، أقنعوا الهُنود الحمر أن يتخلوا عن أقواسهم وسهامهم ورماحهم!

قالوا لهم: الدستور يكفل حقوق الجميع!

لم يطل الوقت حتى اكتشفَ الهنود الحمر أنَّ هذا الدستور سيُكتب بدمائهم!

 

في الأندلس، أقنعوا ملوك الطوائف أن لا علاقة لأحدهم بالآخر، قالوا لهم: القوا السِّلاح ولا تثريب عليكم اليوم!

صدَّق السفهاء هذه الوعود!

وبعد وقت قصير وجدوا أنفسهم يُقتادون كالخراف إلى محاكم التفتيش!

 

لا يوجد نموذج واحد في التاريخ لشعبٍ ألقى سلاحه ونجا!


العكس من هذا تماماً، أثناء المفاوضات في الدوحة بين طالبان وأمريكا لتأمين انسحابها من أفغانستان، قال لهم الأمريكان في أول جلسة: عليكم أن تتخلوا عن سلاحكم كشرطِ لاستمرار المفاوضات!

قالتْ لهم طالبان: ما أجلسكم معنا إلا السِّلاح!

 

أثناء الاحتلال الأمريكي لفيتنام، كان الأمريكان يشترطون أن يتوقف الفيتناميون عن إطلاق النَّار أثناء المفاوضات!

كان الفيتناميون يرفضون هذا ويقولون لهم: نحن لا نُفاوض إلا تحت أزيز الرَّصاص!

 

وعليه، بندقية المقاومة في غزَّة ليس للمفاوضات، والرصاص مقابل الرغيف يُساوم فيها المواشي لا الأحرار!

أما نحن، الأحرار كثيراً، الأحرار جداً، لن نترك السَّاح ولن نُلقي السلاح!

الأحد، 16 أغسطس 2026

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ ﷺ!

نقطة نظام

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ !

في بيت النبي



أدهم شرقاوي


البيوتُ التي تُؤسَّسُ على كثرةِ ما يُقدَّمُ ليست أَرسخَ بقاءً، ولا الزيجاتُ التي تبدأُ بضجيجِ المظاهرِ أصدقَ مودّةً، فالقيمةُ في مدرسةِ النبوّةِ لم تكن يومًا فيما يُرى، بل فيما يُعاشُ. هناك، حيثُ يُعادُ تعريفُ الشرفِ، لم يكنِ المهرُ استعراضَ قدرةٍ، ولا إعلانَ ثراءٍ، بل إشارةَ صدقٍ، وعهدَ مسؤوليّةٍ، وبدايةَ حياةٍ تُبنى على الكفافِ واليقينِ لا على التكلّفِ والمقارنةِ. 

وفي ذلك الأفقِ النقيِّ، كانتِ البساطةُ خُلُقًا لا عجزًا، وكان السموُّ يُقاسُ بخفّةِ الحملِ على القلوبِ لا بثِقَلِ ما يُوضَعُ في الأيدي، ومن هذا الميزانِ العادلِ يأتينا مشهدٌ صغيرٌ في حجمِه، كبيرٌ في معناهِ، ليقولَ للدُّنيا كلِّها: 

إنَّ أعظمَ البداياتِ هي تلك التي تبدأُ بلا ادِّعاءٍ!

عندما خطبَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فاطمةَ من النَّبيِّ ﷺ، ووافقَ ﷺ على هذه الخِطبةِ، قالَ لعليٍّ: أعطِها شيئا!

فقالَ عليٌّ: ما عندي من شيءٍ!

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: فأينَ دِرعُكَ؟

قالَ: هي عندي!

فقالَ له: فأعطِها إيّاه! (1)


هذا هو مَهرُ بنتِ النَّبيِّ ﷺ، وسيّدةِ نساءِ أهلِ الجنّةِ: دِرعٌ!

وما يفعله النّاسُ اليومَ من المُغالاةِ في المُهورِ، وتكليفِ الخاطبِ فوقَ ما يُطيقُ، ليس من سُنّةِ النَّبيِّ ﷺ في شيءٍ، ويعتقدُ الأهلُ خطأً أنَّ رفعَ المهرِ هو رفعٌ من قيمةِ البنتِ، وهو في الحقيقةِ، فضلًا عن كونِه خلافَ هديِ النُّبوّةِ، تسليعٌ للبناتِ، ونوعٌ من التِّجارةِ بهنَّ.

وعندما زفَّ النَّبيُّ ﷺ فاطمةَ رضي الله عنها إلى عليٍّ، بعثَ معها ثوبًا، ووسادةً من جلدٍ محشوةً باللِّيفِ، ورَحًى لتطحنَ حبوبَها، وقِربةً لتستقيَ بها الماءَ، وجرَّتينِ: واحدةً للماءِ، وواحدةً للخَلِّ.

وانظُرْ إلى فعلِ النَّبيِّ ﷺ في زواجِ ابنتِه؛ فهو لم يُيسِّرِ المهرَ على عليٍّ رضي الله عنه فحسب عندَ الخِطبةِ، وإنّما شاركَ في جِهازِها، لِما يعلمُ من فقرِ صِهرِه.


لذلك فإنَّ مساهمةَ الأهلِ في جهازِ ابنتِهم اتِّباعٌ للسُّنّةِ المُطهَّرةِ، وإرساءٌ لمبدأِ التَّكافلِ والتَّراحُمِ بين النّاسِ، وهو من المعروفِ الذي يُثمِرُ عند الصِّهرِ إذا كان أصيلًا. وكم من الأزواجِ صبروا على زوجاتِهم كُرمى لعيونِ أهاليهنَّ، لما رأَوا فيهم من حُسنِ الخُلُقِ وتيسيرِ أمرِ الزَّواجِ. فالخاطبُ في أغلبِ الأحوالِ شابٌّ في مُقتبلِ العمرِ، حديثُ عهدٍ بوظيفةٍ، عليه مساعدةُ أهلِه، وعليه تأمينُ أمورِ زواجِه، فإن كان الأهلُ في حالٍ ميسورةٍ فالسُّنّةُ المُساهمةُ، وإن لم يُساهِموا، فعلى الأقلِّ ألّا يُطالِبوا!


يعلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ من موقف تزويجِ ابنته أنَّ العظمةَ لا تحتاجُ إلى زينةٍ، وأنَّ الكرامةَ لا تُشترى بثِقَلِ الأثمانِ، فحين تكونُ القلوبُ صادقةً، يكفيها القليلُ ليصيرَ كثيرًا، وتغنيها البساطةُ عن المظاهرِ كلِّها. 

لم يكنِ المهرُ درعًا في حقيقتِه، بل كان إعلانًا صامتًا أنَّ البيوتَ التي تُبنى على الصدقِ، وتُحمَلُ على المعنى، هي الأقدرُ على البقاءِ، وأنَّ ما يُبارَكُ من اللهِ لا يفتقرُ إلى بهرجةٍ، بل إلى قلبٍ يعرفُ أين يضعُ قيمتَه!


 (1)الراوي:عبدالله بن عباس المحدث:ابن حبان المصدر:صحيح ابن حبان الجزء أو الصفحة:٦٩٤٥ حكم المحدث:أخرجه في صحيحه

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

القَبْرُ أوَّلُ منازلِ الآخرة!

 القَبْرُ أوَّلُ منازلِ الآخرة!




في بيت النبي

أدهم شرقاوي

الموتُ ليس نهايةَ الحكاية، بل بدايتها!

والقبرُ هو البابُ الذي يَعبرُ منه الإنسانُ من ضجيجِ الدُّنيا إلى صمتِ الحقيقة، حيثُ تسقُطُ الأقنعةُ، وتبقى الأعمالُ، ويقفُ المرءُ وحيدًا لا يحملُ معه اسمًا ولا منصبًا ولا متاعًا، بل قلبًا وما قدَّم.

هناك في تلك الحُفرةِ الضيِّقة، يبدأُ الامتحانُ الحقيقيُّ. فإمّا روضةٌ من رياضِ الجنَّة، يتَّسعُ فيها الضِّيق، وتأنسُ فيها الوحشة، ويأتي العملُ الصالحُ في صورةِ رفيقٍ يؤنسُ الليلَ، ويهوِّنُ السُّؤالَ، ويقولُ لصاحبِه: لا تخفْ، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعَد. نورٌ، وطمأنينةٌ، وبشارةُ انتظارٍ جميل، كغفوةِ متعبٍ أيقنَ أنَّ الصَّباحَ قريب.

وإمّا حفرةٌ من حُفَرِ النَّار، يضيقُ فيها المكانُ فوق ضيقه، وتُفتَحُ فيها أبوابُ الخوف، ويأتي العملُ السَّيِّئُ ثِقلًا على الصَّدر، ووحشةً في الظَّلام، وتبدأُ الحسرةُ حيثُ لا رجعةَ ولا اعتذار. هناك يُدرِكُ الإنسانُ أنَّ ألفُرَصَ التي أضاعَها كانت عُمرَه كلَّه، وأنَّ التَّسويفَ كان أفدحَ خساراتِه.

القبرُ يُخبِرُنا أنَّ الحياةَ ليست بطولِها، بل بخاتمتِها، وأنَّ النَّجاةَ لا تُصنَعُ بالشِّعارات، بل بالسُّجودِ الخفيّ، والصِّدقِ الصَّامت، والحقوقِ التي لم نأكُلْها، والقلوبِ التي لم نكسِرْها. 

هو مرآةُ السَّرائر؛ مَن أصلحَ باطنَه أكرمه اللهُ في قبرِه، ومَن أفسدَ سرَّه ضاقَ عليه موضعُه ولو وُسِّعَ له في الدُّنيا.

القبرُ يُرعِبُ مَن لم يُعِدَّ له جوابًا.

أمّا المؤمنُ، فيدخلُه كما يدخلُ المسافرُ إلى استراحةٍ بعد عناء، يعلمُ أنَّ وراءها طريقًا أقصر، وموعدًا أجمل.

وأمّا الغافلُ، فيدخلُه على حينِ غِرَّة، لأنَّه عاشَ كأنَّه لن يُسألُ ولن يُحاسَب.

فطوبى لِمَن جعل قبرَه روضةً قبل أن يراها، بطاعةٍ صادقة، وقلبٍ سليم، وعملٍ لا يخجلُ منه إذا أُغلِقَتِ الأبواب. وويلٌ لِمَن استهانَ بالآخرة، حتّى جاءَه القبرُ فجأةً، فأخبرَه بما كان يُكذِّب.

هكذا هو القبرُ: إمّا بدايةُ نعيمٍ لا ينقطع، أو أوَّلُ ندمٍ لا يُحتمل. والاختيارُ، ما دمنا أحياء، لا يزالُ بأيدينا!

روى الشَّيخانِ في صحيحيهما، في حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

دخلتْ عليَّ عجوزانِ من عُجُزِ يهودِ المدينةِ، فقالتا: إنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبونَ في قبورِهم.

فكذَّبتُهما، ولم أُنعِمْ أن أُصدِّقَهما.

فخرجتا، ودخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ، فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عجوزينِ من عُجُزِ يهودِ المدينةِ دخلتا عليَّ، فزعمتا أنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبونَ في قبورِهم.

فقالَ: صدقتا، إنَّهم يُعذَّبونَ عذابًا تسمعُه البهائمُ!

فما رأيتُه بعدُ في صلاةٍ إلَّا يتعوَّذُ من عذابِ القبرِ.

يُعلِّمُنا هذا الحديثُ أنَّ الحقَّ لا يُعرَفُ بمَن قاله، بل بما دلَّ عليه. فكم من كلمةٍ نُكذِّبُها لأنَّها جاءت من حيثُ لا نُحبّ، ولو أنَّنا أنصتنا لها لكانت نجاةً لنا. العاقلُ مَن إذا بانَ له الحقُّ خضعَ له، ولم يجعلِ الكِبرَ حجابًا بينه وبين الهداية.

ويُعلِّمُنا الحديثُ أنَّ الجهلَ ليس عيبًا، وأنَّ الرُّجوعَ إلى الصَّوابِ كرامة. أُمُّنا عائشةُ رضيَ اللهُ عنها لم تستحِ أن تُراجِع، ولم تتردَّدْ أن تسأل، ولم تُكابِرْ حين جاءها البيان. وهكذا القلوبُ السَّليمة؛ إذا أضاءَ لها الحقُّ الطَّريقَ مشتْ فيه مُطمئنَّة.

ثمَّ انظروا كيف يكونُ الإيمانُ حيًّا حين يُخالِطُ القلب. لمّا أُخبِرَ النَّبيُّ ﷺ بعذابِ القبر، لم يمرَّ الخبرُ مرورَ السَّامعين، بل صار دعاءً مُلازِمًا، وتعوُّذًا لا يتركُه في صلاة.

فالإيمانُ الصَّادقُ لا يقفُ عند حدودِ المعرفة، بل يتحوَّلُ إلى خوفٍ يُصلِح، وخشيةٍ تُهذِّب، وعملٍ يُنقِذ.

ويُوقِظُنا الحديثُ من غفلتِنا، ليقولَ لنا: إنَّ وراءَ هذه الحياةِ مرحلةً لا يُمكِنُ تجاهُلُها. القبرُ ليس سكونًا أبديًّا، بل بدايةُ حساب، وموضعُ جزاء. فطوبى لِمَن تذكَّر هذا وهو في فسحةِ الاختيار، ولم ينتظرْ حتّى يُحاصَرَ ولا يملكُ الرُّجوع.

ثمَّ يفتحُ لنا بابَ الأملِ مع بابِ الخوف؛ فما دام العذابُ حقًّا، فإنَّ الاستعاذةَ منه حقٌّ أيضًا. 

لم يتركْنا رسولُ الله ﷺ أمامَ الفزعِ وحده، بل دلَّنا على الملجأ: أن نلوذَ بالله، وأن نُكثِرَ من الدُّعاء، وأن نُصلِحَ السَّرائرَ قبل الظَّواهر. فبابُ الله مفتوح، ومَن طرقَه صادقًا لم يُرَدّ!