‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ادهم شرقاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ادهم شرقاوي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 24 أغسطس 2026

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!

نقطة نظام 

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!


في بيت النبي




أدهم شرقاوي




الحياءُ خُلُقُ القلوبِ الحيّة؛ تستحي لأنَّك تُحبّ، وتخجل لأنَّك تعلمُ أنَّ الله يراك. ليس حياءَ الهروب، بل حياءَ القُرب، حياءَ مَن لا يُحبّ أن يُقابِلَ النِّعمةَ بالجفاء، ولا الإحسانَ بالجُرأة على المعصية.


وما أجملَ الحياءَ حين يكونُ ميزانًا للأخلاق؛ يمنعُ اللِّسانَ من الأذى، والعينَ من الخيانة، والقلبَ من القسوة. هو الذي يجعلُ الإنسانَ جميلًا حتّى في صمتِه، نقيًّا حتّى في اختيارِه!


روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

كان رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذَيْهِ أو ساقَيْهِ، فاستأذن أبو بكرٍ فأذِنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث.

ثم استأذن عمرُ فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدَّث.

ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ اللهِ ﷺ وسوّى ثيابَه، فدخل فتحدَّث.

فلما خرج قالتْ عائشةُ: دخل أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عمرُ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجلستَ وسوَّيتَ ثيابَك؟

فقالَ: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ؟

هذا الحديثُ ليس حكايةَ موقفٍ عابر، بل درسُ تربيةٍ عميق، ومنه تُؤخَذُ معانٍ تُهذِّب القلوب قبل السلوك:

أوّلُ ما نتعلَّمه أنَّ الحياءَ خُلُقٌ يعلو مع علوِّ الإيمان. فالحياءُ ليس طباعًا بشريّةً فحسب، بل منزلةٌ روحيّة، يزداد صفاؤها كلّما ازداد القلبُ قربًا من الله. فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو أكملُ الخلق، يستحي من عثمانَ رضي الله عنه، فكيف بمن دونه أن يستهين بهذا الخلق أو يراه ضعفًا؟

وفيه درسٌ في معرفة مراتب الناس وأقدارهم. لم يكن تعاملُ النبيِّ ﷺ واحدًا مع الجميع، لا تفضيلًا بشريًّا، بل مراعاةً لأحوال القلوب. فمَن عُرِفَ برقّة حيائه، أُكرِمَ بما يحفظ له هذا المقام، ومَن عُرِفَ بسعة صدره، وُسِعَ له في التعامل. وهكذا تُدار العلاقات بالحكمة، لا بالنسخ المتطابق.

ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الحياءَ يُحبّه الله وتُجِلّه الملائكة. فإذا كانت الملائكةُ تستحي من عبدٍ، فذلك شرفٌ لا يُنال بكثرة الكلام، ولا بالمظاهر، بل بطهارة الباطن ونقاء السريرة. الحياءُ الحقيقيُّ عبادةٌ صامتة، لا يراها الناس، لكنّها تُرفَع إلى السَّماء.

ثمّ فيه تربيةٌ لنا جميعًا على حفظ الهيبة في الخلوة قبل الجلوة. فالنبيُّ ﷺ لم يكن في حال محرَّم، ومع ذلك غيَّر هيئتَه حياءً، ليعلِّم الأمّة أنَّ اكتمال الأخلاق يكون في أدقّ التفاصيل، وأنَّ المؤمن لا يستخفّ بما قد يجرح شعور غيره، ولو كان مباحًا في الأصل!


الخميس، 20 أغسطس 2026

سَلامٌ بلا خُيولٍ، أيُّ ذُلِّ؟!

نقطة نظام

 سَلامٌ بلا خُيولٍ، أيُّ ذُلِّ؟!


من الحواراتِ التي تخطفُ قلبي، ذاكَ المقطعُ من مسلسلِ الزِّيرِ سالم، حين قالَ الزِّيرُ لابنِ أخيه الجرو: لا يسمحون لكم بركوبِ الخيل؟

  • بل يسمحون، ونستطيعُ شراءَ الخُيول إذا أردنا!
  • والسُّيوف، هل اشتروا سيوفكم أيضاً؟ هل يسمحون لكم بحمل السُّيوف؟

  • لا تُبالغْ يا عمَّاه، إنها مسألةُ خيولٍ فقط، وقد كانتْ صفقةً من أجلِ الماء، ولم نجد المسألةَ خطيرةً طالما السَّلامُ قائمٌ بيننا!
    – سلامٌ بلا خُيول، أيُّ ذلٍّ؟!
    – ولكن لم تعُدْ هناك حاجةٌ للسيوف يا عمَّاه؟
  • فما للبَكريِّين وخيولكم إذاً؟
  • بما أنَّ الحرب انتهتْ فنحن في غنىً عنها!

– الحرب انتهتْ، وهل انتهتْ مطامحُ الرِّجال؟ هل وصلتم لحياةٍ آمنةٍ مطمئنَّة؟

  • نعم!
  • وكريمة، فيها أنفةٌ وكبرياءٌ وقدرةٌ على اتخاذ قرارٍ، فيها عظمةٌ وأحلامٌ وطموحات؟
  • ما لنا ولهذا كلِّه؟

– ما لكم وللحياة إذاً!


إنَّ كلَّ الذي يحدثُ في غزَّة الآن لا علاقة له بالأسرى والجُثث، لا بالمعابر ولا بالمخافر، الأمرُ كلُّه يتعلَّقُ بسلاحِ المقاومة!

يريدون منَّا سلاماً بلا خيول!

معادلة الرَّغيف مقابل البندقيَّة!

ونحن نعرفُ، وهم يعرفون، أنَّ ما يأتي بهم إلى طاولات المفاوضات هي هذه البندقيَّة، في اللحظة التي يأخذونها من أيدينا ويعطوننا الخُبز، فقد شرعوا في تسميننا ليذبحوننا!

 

لقد تعلَّمنا الدَّرس جيِّداً من كل ما حدث في هذا العالم!

في بيروت، أقنعُوا منظمة التحرير أن تأخذ بنادقها وترحل، لا حاجة للبنادق، مخيماتكم محميَّة بالقانون الدولي!

ولم تكد البواخر ترسو في تونس، حتى كان جيش الاحتلال وعملاؤه، يذبحون الرّجال، ويبقرون بطون النساء في صبرا وشاتيلا!

 

في أوكرانيا، القوة النَّووية الثالثة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي!

أقنعهم الأوروبيون والأمريكان أنَّ الذي يحمي الدول ليس الأسلحة وإنما الاتفاقيات!

أخذوا منهم الأسلحة وأعطوهم اتفاقاً!

وحين جاءت الحرب اكتشف الأوكرانيون أنَّ الاتفاق الذي لا تحميه البندقية لا يساوي قيمة الورق الذي كُتب عليه!

 

في أمريكا، أقنعوا الهُنود الحمر أن يتخلوا عن أقواسهم وسهامهم ورماحهم!

قالوا لهم: الدستور يكفل حقوق الجميع!

لم يطل الوقت حتى اكتشفَ الهنود الحمر أنَّ هذا الدستور سيُكتب بدمائهم!

 

في الأندلس، أقنعوا ملوك الطوائف أن لا علاقة لأحدهم بالآخر، قالوا لهم: القوا السِّلاح ولا تثريب عليكم اليوم!

صدَّق السفهاء هذه الوعود!

وبعد وقت قصير وجدوا أنفسهم يُقتادون كالخراف إلى محاكم التفتيش!

 

لا يوجد نموذج واحد في التاريخ لشعبٍ ألقى سلاحه ونجا!


العكس من هذا تماماً، أثناء المفاوضات في الدوحة بين طالبان وأمريكا لتأمين انسحابها من أفغانستان، قال لهم الأمريكان في أول جلسة: عليكم أن تتخلوا عن سلاحكم كشرطِ لاستمرار المفاوضات!

قالتْ لهم طالبان: ما أجلسكم معنا إلا السِّلاح!

 

أثناء الاحتلال الأمريكي لفيتنام، كان الأمريكان يشترطون أن يتوقف الفيتناميون عن إطلاق النَّار أثناء المفاوضات!

كان الفيتناميون يرفضون هذا ويقولون لهم: نحن لا نُفاوض إلا تحت أزيز الرَّصاص!

 

وعليه، بندقية المقاومة في غزَّة ليس للمفاوضات، والرصاص مقابل الرغيف يُساوم فيها المواشي لا الأحرار!

أما نحن، الأحرار كثيراً، الأحرار جداً، لن نترك السَّاح ولن نُلقي السلاح!

الأحد، 16 أغسطس 2026

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ ﷺ!

نقطة نظام

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ !

في بيت النبي



أدهم شرقاوي


البيوتُ التي تُؤسَّسُ على كثرةِ ما يُقدَّمُ ليست أَرسخَ بقاءً، ولا الزيجاتُ التي تبدأُ بضجيجِ المظاهرِ أصدقَ مودّةً، فالقيمةُ في مدرسةِ النبوّةِ لم تكن يومًا فيما يُرى، بل فيما يُعاشُ. هناك، حيثُ يُعادُ تعريفُ الشرفِ، لم يكنِ المهرُ استعراضَ قدرةٍ، ولا إعلانَ ثراءٍ، بل إشارةَ صدقٍ، وعهدَ مسؤوليّةٍ، وبدايةَ حياةٍ تُبنى على الكفافِ واليقينِ لا على التكلّفِ والمقارنةِ. 

وفي ذلك الأفقِ النقيِّ، كانتِ البساطةُ خُلُقًا لا عجزًا، وكان السموُّ يُقاسُ بخفّةِ الحملِ على القلوبِ لا بثِقَلِ ما يُوضَعُ في الأيدي، ومن هذا الميزانِ العادلِ يأتينا مشهدٌ صغيرٌ في حجمِه، كبيرٌ في معناهِ، ليقولَ للدُّنيا كلِّها: 

إنَّ أعظمَ البداياتِ هي تلك التي تبدأُ بلا ادِّعاءٍ!

عندما خطبَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فاطمةَ من النَّبيِّ ﷺ، ووافقَ ﷺ على هذه الخِطبةِ، قالَ لعليٍّ: أعطِها شيئا!

فقالَ عليٌّ: ما عندي من شيءٍ!

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: فأينَ دِرعُكَ؟

قالَ: هي عندي!

فقالَ له: فأعطِها إيّاه! (1)


هذا هو مَهرُ بنتِ النَّبيِّ ﷺ، وسيّدةِ نساءِ أهلِ الجنّةِ: دِرعٌ!

وما يفعله النّاسُ اليومَ من المُغالاةِ في المُهورِ، وتكليفِ الخاطبِ فوقَ ما يُطيقُ، ليس من سُنّةِ النَّبيِّ ﷺ في شيءٍ، ويعتقدُ الأهلُ خطأً أنَّ رفعَ المهرِ هو رفعٌ من قيمةِ البنتِ، وهو في الحقيقةِ، فضلًا عن كونِه خلافَ هديِ النُّبوّةِ، تسليعٌ للبناتِ، ونوعٌ من التِّجارةِ بهنَّ.

وعندما زفَّ النَّبيُّ ﷺ فاطمةَ رضي الله عنها إلى عليٍّ، بعثَ معها ثوبًا، ووسادةً من جلدٍ محشوةً باللِّيفِ، ورَحًى لتطحنَ حبوبَها، وقِربةً لتستقيَ بها الماءَ، وجرَّتينِ: واحدةً للماءِ، وواحدةً للخَلِّ.

وانظُرْ إلى فعلِ النَّبيِّ ﷺ في زواجِ ابنتِه؛ فهو لم يُيسِّرِ المهرَ على عليٍّ رضي الله عنه فحسب عندَ الخِطبةِ، وإنّما شاركَ في جِهازِها، لِما يعلمُ من فقرِ صِهرِه.


لذلك فإنَّ مساهمةَ الأهلِ في جهازِ ابنتِهم اتِّباعٌ للسُّنّةِ المُطهَّرةِ، وإرساءٌ لمبدأِ التَّكافلِ والتَّراحُمِ بين النّاسِ، وهو من المعروفِ الذي يُثمِرُ عند الصِّهرِ إذا كان أصيلًا. وكم من الأزواجِ صبروا على زوجاتِهم كُرمى لعيونِ أهاليهنَّ، لما رأَوا فيهم من حُسنِ الخُلُقِ وتيسيرِ أمرِ الزَّواجِ. فالخاطبُ في أغلبِ الأحوالِ شابٌّ في مُقتبلِ العمرِ، حديثُ عهدٍ بوظيفةٍ، عليه مساعدةُ أهلِه، وعليه تأمينُ أمورِ زواجِه، فإن كان الأهلُ في حالٍ ميسورةٍ فالسُّنّةُ المُساهمةُ، وإن لم يُساهِموا، فعلى الأقلِّ ألّا يُطالِبوا!


يعلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ من موقف تزويجِ ابنته أنَّ العظمةَ لا تحتاجُ إلى زينةٍ، وأنَّ الكرامةَ لا تُشترى بثِقَلِ الأثمانِ، فحين تكونُ القلوبُ صادقةً، يكفيها القليلُ ليصيرَ كثيرًا، وتغنيها البساطةُ عن المظاهرِ كلِّها. 

لم يكنِ المهرُ درعًا في حقيقتِه، بل كان إعلانًا صامتًا أنَّ البيوتَ التي تُبنى على الصدقِ، وتُحمَلُ على المعنى، هي الأقدرُ على البقاءِ، وأنَّ ما يُبارَكُ من اللهِ لا يفتقرُ إلى بهرجةٍ، بل إلى قلبٍ يعرفُ أين يضعُ قيمتَه!


 (1)الراوي:عبدالله بن عباس المحدث:ابن حبان المصدر:صحيح ابن حبان الجزء أو الصفحة:٦٩٤٥ حكم المحدث:أخرجه في صحيحه

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

القَبْرُ أوَّلُ منازلِ الآخرة!

 القَبْرُ أوَّلُ منازلِ الآخرة!




في بيت النبي

أدهم شرقاوي

الموتُ ليس نهايةَ الحكاية، بل بدايتها!

والقبرُ هو البابُ الذي يَعبرُ منه الإنسانُ من ضجيجِ الدُّنيا إلى صمتِ الحقيقة، حيثُ تسقُطُ الأقنعةُ، وتبقى الأعمالُ، ويقفُ المرءُ وحيدًا لا يحملُ معه اسمًا ولا منصبًا ولا متاعًا، بل قلبًا وما قدَّم.

هناك في تلك الحُفرةِ الضيِّقة، يبدأُ الامتحانُ الحقيقيُّ. فإمّا روضةٌ من رياضِ الجنَّة، يتَّسعُ فيها الضِّيق، وتأنسُ فيها الوحشة، ويأتي العملُ الصالحُ في صورةِ رفيقٍ يؤنسُ الليلَ، ويهوِّنُ السُّؤالَ، ويقولُ لصاحبِه: لا تخفْ، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعَد. نورٌ، وطمأنينةٌ، وبشارةُ انتظارٍ جميل، كغفوةِ متعبٍ أيقنَ أنَّ الصَّباحَ قريب.

وإمّا حفرةٌ من حُفَرِ النَّار، يضيقُ فيها المكانُ فوق ضيقه، وتُفتَحُ فيها أبوابُ الخوف، ويأتي العملُ السَّيِّئُ ثِقلًا على الصَّدر، ووحشةً في الظَّلام، وتبدأُ الحسرةُ حيثُ لا رجعةَ ولا اعتذار. هناك يُدرِكُ الإنسانُ أنَّ ألفُرَصَ التي أضاعَها كانت عُمرَه كلَّه، وأنَّ التَّسويفَ كان أفدحَ خساراتِه.

القبرُ يُخبِرُنا أنَّ الحياةَ ليست بطولِها، بل بخاتمتِها، وأنَّ النَّجاةَ لا تُصنَعُ بالشِّعارات، بل بالسُّجودِ الخفيّ، والصِّدقِ الصَّامت، والحقوقِ التي لم نأكُلْها، والقلوبِ التي لم نكسِرْها. 

هو مرآةُ السَّرائر؛ مَن أصلحَ باطنَه أكرمه اللهُ في قبرِه، ومَن أفسدَ سرَّه ضاقَ عليه موضعُه ولو وُسِّعَ له في الدُّنيا.

القبرُ يُرعِبُ مَن لم يُعِدَّ له جوابًا.

أمّا المؤمنُ، فيدخلُه كما يدخلُ المسافرُ إلى استراحةٍ بعد عناء، يعلمُ أنَّ وراءها طريقًا أقصر، وموعدًا أجمل.

وأمّا الغافلُ، فيدخلُه على حينِ غِرَّة، لأنَّه عاشَ كأنَّه لن يُسألُ ولن يُحاسَب.

فطوبى لِمَن جعل قبرَه روضةً قبل أن يراها، بطاعةٍ صادقة، وقلبٍ سليم، وعملٍ لا يخجلُ منه إذا أُغلِقَتِ الأبواب. وويلٌ لِمَن استهانَ بالآخرة، حتّى جاءَه القبرُ فجأةً، فأخبرَه بما كان يُكذِّب.

هكذا هو القبرُ: إمّا بدايةُ نعيمٍ لا ينقطع، أو أوَّلُ ندمٍ لا يُحتمل. والاختيارُ، ما دمنا أحياء، لا يزالُ بأيدينا!

روى الشَّيخانِ في صحيحيهما، في حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

دخلتْ عليَّ عجوزانِ من عُجُزِ يهودِ المدينةِ، فقالتا: إنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبونَ في قبورِهم.

فكذَّبتُهما، ولم أُنعِمْ أن أُصدِّقَهما.

فخرجتا، ودخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ، فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عجوزينِ من عُجُزِ يهودِ المدينةِ دخلتا عليَّ، فزعمتا أنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبونَ في قبورِهم.

فقالَ: صدقتا، إنَّهم يُعذَّبونَ عذابًا تسمعُه البهائمُ!

فما رأيتُه بعدُ في صلاةٍ إلَّا يتعوَّذُ من عذابِ القبرِ.

يُعلِّمُنا هذا الحديثُ أنَّ الحقَّ لا يُعرَفُ بمَن قاله، بل بما دلَّ عليه. فكم من كلمةٍ نُكذِّبُها لأنَّها جاءت من حيثُ لا نُحبّ، ولو أنَّنا أنصتنا لها لكانت نجاةً لنا. العاقلُ مَن إذا بانَ له الحقُّ خضعَ له، ولم يجعلِ الكِبرَ حجابًا بينه وبين الهداية.

ويُعلِّمُنا الحديثُ أنَّ الجهلَ ليس عيبًا، وأنَّ الرُّجوعَ إلى الصَّوابِ كرامة. أُمُّنا عائشةُ رضيَ اللهُ عنها لم تستحِ أن تُراجِع، ولم تتردَّدْ أن تسأل، ولم تُكابِرْ حين جاءها البيان. وهكذا القلوبُ السَّليمة؛ إذا أضاءَ لها الحقُّ الطَّريقَ مشتْ فيه مُطمئنَّة.

ثمَّ انظروا كيف يكونُ الإيمانُ حيًّا حين يُخالِطُ القلب. لمّا أُخبِرَ النَّبيُّ ﷺ بعذابِ القبر، لم يمرَّ الخبرُ مرورَ السَّامعين، بل صار دعاءً مُلازِمًا، وتعوُّذًا لا يتركُه في صلاة.

فالإيمانُ الصَّادقُ لا يقفُ عند حدودِ المعرفة، بل يتحوَّلُ إلى خوفٍ يُصلِح، وخشيةٍ تُهذِّب، وعملٍ يُنقِذ.

ويُوقِظُنا الحديثُ من غفلتِنا، ليقولَ لنا: إنَّ وراءَ هذه الحياةِ مرحلةً لا يُمكِنُ تجاهُلُها. القبرُ ليس سكونًا أبديًّا، بل بدايةُ حساب، وموضعُ جزاء. فطوبى لِمَن تذكَّر هذا وهو في فسحةِ الاختيار، ولم ينتظرْ حتّى يُحاصَرَ ولا يملكُ الرُّجوع.

ثمَّ يفتحُ لنا بابَ الأملِ مع بابِ الخوف؛ فما دام العذابُ حقًّا، فإنَّ الاستعاذةَ منه حقٌّ أيضًا. 

لم يتركْنا رسولُ الله ﷺ أمامَ الفزعِ وحده، بل دلَّنا على الملجأ: أن نلوذَ بالله، وأن نُكثِرَ من الدُّعاء، وأن نُصلِحَ السَّرائرَ قبل الظَّواهر. فبابُ الله مفتوح، ومَن طرقَه صادقًا لم يُرَدّ!

الاثنين، 10 أغسطس 2026

العقيدةُ أوَّلاً!

نقطة نظام

 العقيدةُ أوَّلاً!


لمَّا اِشتكى أبو طالبٍ من مرضِه الذي ماتَ فيه،

قالتْ له قريش: يا أبا طالبٍ، أَرسِلْ إلى ابنِ أخيك،

يرسِلُ لكَ من هذه الجنّة التي يذكرها، فيكون لك شِفاءً!

فأرسَلُوا رجلاً منهم حتى لقيَ النبيَّ وأبا بكرٍ معه،

فقال له: يا محمَّد، إن عمّكَ يقولُ: إنَي ضعيف سقيم،

فارسِلْ إليَّ من الجنّة التي تذكرُ من طعامها وشرابِها يكون لي شفاءً!

فلم يقُلْ النبيُّ ﷺ شيئاً…

وقال أبو بكرٍ: إنَّ الله حرَّمها على الكافرين!

فرجعَ الرَّجلُ إليهم وقال:

بلَّغتُ محمداً الذي أرسلتمُوني به، فلم يقُلْ شيئاً!

وقال أبو بكرٍ: إنَّ الله حرَّمها على الكافرين!

فجعلُوا يوغِرُون صدرَ أبي طالبٍ على النبيِّ ﷺ،

فأرسلَ أبو طالبٍ رجلاً من عنده يسألُ النبيَّ ﷺ مسألتَه الأولى،

فقال له النبيُّ ﷺ: إنّ الله حرمَّها على الكافرين!

ثم قام ودخلَ على أبي طالب، فوجد البيت مملوءاً رجالاً،

فقال: خلُّوا بينِي وبين عمّي،

فقالوا: ما نحن بفاعلين، ما أنتَ بأحقَّ به مِنَّا!

إنْ كانت لكَ معه قرابة، فلنا معه مثل قرابتكّ!

فجلسَ النبيُّ ﷺ بجوار عمِّه وقال له:

يا عَمّ: جُزيتَ عنيِّ خيراً، كفِلتنِي صغيراً وحُطَّتنِي كبيراً،

يا عَمّ: أعنيِّ على نفسك بكلمة واحدة أشفع لكَ بها عند الله!

فقال أبو طالبٍ: وما هي يا ابن أخي؟

قال: قُلْ: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له!

فقال أبو طالب: إنكَ لي ناصح، ولولا أن تُعيّرني قريش،

فتقول: جَزِعَ عمُّكَ عند الموت، لأقررتُ بها عينك،

فصاح القوم: يا أبا طالبٍ، أنتَ رأس الحنِيفيّة، مِلَّةُ الأشياخ!

فقال له النبيُّ ﷺ: لا أزال أستغفرُ لك ربي حتى يرُدّني،

فجعلَ النبيُّ ﷺ يستغفِر له بعد أن مات،

فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا، ولذوي قرابتنا،

قد استغفرَ إبراهيمُ عليه السَّلام لأبيه،

وها هو النبيُّ ﷺ يستغفرُ لعمِّه،

فجعلُوا يستغفرون لمن ماتَ من آبائهم على الشِّركِ،

فأنزلَ اللهُ تعالى قوله: “مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ           وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ”                                           



الدَّرسُ الأوّل:

هذا شأنُ أهلِ الضَّلال دوماً على مرِّ العُصور: الاستهزاء!

وما أرسلَ صناديدُ قريشٍ في طلب شيءٍ من الجنّة لأبي طالب إلا استهزاءً،

كأنّها سُنة من سُنن الحياةِ على ظهر هذا الكوكب،

أنْ يأخذَ المؤمنُ أمر اللهِ بالتسليم،

ويأخذ الضَّالُ المؤمنَ بالاستهزاء!

عندما أمرَ اللهُ تعالى نوحاً عليه السَلام أن يصنع الفلك،

لم يقُلْ: يا رب. وما تفعلُ سفينةٌ في الصَّحراء!

وإنّما قام من فورِه ينشرُ الألواح ويدقُّ المسامير،

الملائكة يُرشدُونَه، والمؤمنون القلَّة معه يساعدونه،

في مشهد مهيب من التسليم: “وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا”

وكان قومُه كلما مرُّوا به سخِرُوا منه،

لم يُدرِكُوا إلا حين جاءَ الطُّوفان!

كان الوقتُ قد فاتَ لينفعهم إدراكهم هذا،

لأنَّ الطُّوفان كان انتقام اللهِ سبحانه!

واُنظُرْ الآن حولكَ، أما ترى شيئاً من هذه السُّخرية،

أما ترى كيف يتطاولُ الإعلامُ الخبيث على أهل هذا الدِّين،

ألا تُنعتُ المحجبةُ بالمنغلقةِ والجاهلة بالموضة،

ألا يُنعتُ الملتزمُ بالمعقَّد وبالحيِّ على هامش الحياة،

ألا يُنعتُ رواد المساجد بالإرهاب،

فإذا جاء الحج قال أهل الباطل الطَّواف بالفقراء أفضل،

ولقمة في بطن جائعٍ خير من بناء ألف جامع!

وإذا ما جاء “الكريسماس” زيّنُوا له واحتفلوا به، ونسُوا الفقراء،

يسخرون من العُمرة بعد العمرة،

وهم من سفرٍ إلى سفرٍ،

وإذا ما اجتمع الناس حول داعيةٍ قالُوا: تجمُّعٌ لا طائلَ منه،

وإذا أُقيمت حفلة ٌلمغنٍّ أو مغنية، اجتمعوا عن بكرة أبيهم!

سُنّة ماضية، وطريقة سائرة، والحمدُ للهِ على نعمة يوم القيامة!



الدَّرسُ الثّاني:

الوفاءُ من شِيَمِ النُّبلاء وقد كان النبيُّ ﷺ أوفَى الناس،

اُنظرْ إليه كيف يذكرُ فضلَ عمِّه عليه،

يعترفُ له أنّه ربّاه صغيراً، ودافعَ عنه وحمَاه كبيراً،

لم يمنعه أنْ خالفه عمُّه في الديِّن أن يعترفَ بصنيعه معه في الدُّنيا،

وعلى هذا كانتْ كلُّ أيامه يفوحُ منها الوفاء فوحاً،

أرسلَ مسيلمةُ الكذَّابُ إلى النبيِّ ﷺ رسولين برسَالة،

فلما قرأ فيها ادَّعاءَ مُسيلمة الكذَّاب للنُّبوة،

قال للرسولين: ما تقولان أنتُما؟

فقالا: نقولُ كما قال!

فقال لهما: أما واللهِ لولا أنَّ الرُّسلَ لا تُقتل لضربتُ أعناقكما،

هكذا جرَت العَادةُ والعُرفُ بين الملوك والزعُّماء،

أنَّ الرُّسل بينهم لا تُقتل مهما كان مضمون الرِّسالة التي يحملونها،

عُرفٌ “دبلوماسيّ” سائد أوفى به سيد الأوفياء!

ولم ينسَ النبيُّ ﷺ لمطعم بن عدي معروفه معه،

ولو كان حيّاً يوم أسرى بدر وطلبَ منه أن يُحررهم لفعلَ،

يحفظُ معروف رجلٍ مشركٍ في قومٍ مشركين جاؤوا لقتاله!

وأرسلت قريشٌ أبا رافعٍ موفداً لها للنبي صلى الله عليه وسلم،

وأراد أن يبقى بالمدينة المنورة ويُسلم،

فلم يقبل النبيُّ ﷺ هذا وقال له:

إني لا أخيسُ بالعهد، ولا أحبسُ البُرْد / الرُّسُل،

ولكن اِرجعْ إلى قومكَ،

فإن كان في نفسكَ الذي فيها الآن فارجعْ!

رغم أنَّ أبا رافعٍ أراد أن يُسلم طَوعاً ويبقى في المدينة،

الا أنَّ النبيَّ ﷺ رفضَ هذا،

لأن الرَّسول يجب أن يرجعَ بالرِّسالة،

واعتبرَ أن بقاءه حبسٌ له ولو كان برغبتِه!

وكان من شروط صُلح الحديبية،

أنَّ من جاء من قريش مسلماً فعليهم ردُّه إلى أهله،

وما إنّ تمَّ توقيع الصلح حتى وصل أبو جندل مسلماً،

فسلّمه النبيُّ ﷺ لأبيه سهيل بن عمرو!

وعن حذيفة بن اليمان قال:

ما منعني أن أشهدَ بدراً إلا أني خرجتُ أنا وأبي حسيل،

فأخذنا الكفار فقالوا: إنكم تريدون محمداً!

فقلنا: ما نريده، إنما نريدُ المدينة!

فأخذوا منا عهداً أن ننصرف إلى المدينة ولا نُقاتل معه!

فأتينا النبيَّ ﷺ فأخبرناه بالخبر،

فقال: اِنصرِفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم!

يا للوفاء يا رسول الله، يا للوفاء!

كان بإمكانه أن يعتبرَ أن هذا العهد من خِداع الأعداء،

وخداع العدو المشرك جائز بلا خلاف،

وهو على وشك حرب وأحوج ما يكون إلى جنديٍّ،

ولكنه رفض نصراً ملوثاً بعهد مخلوف!

فإذا كان هذا وفاؤُه لأعدائه فكيف تُراه كان وفاؤُه لأحبابه؟!



الدَّرسُ الثّالث:

شأنُ أهلِ الباطلِ أن يُزيّنوه للناس،

واُنظرُ لقريشٍ كيف تُزين لأبي طالبٍ الباطل الذي هو!

يا أبا طالبٍ أنتَ رأسُ الحنيفية ملَّة الأشياخ،

وما هي إلا جاهلية وشرك،

ولكن من طرقهم المعهودة أن يُغيروا الأسماء لتصبح مقبولة!

وهذه طريقة سيدهم إبليس التي انتهجها مع آدم عليه السَّلام،

“قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ”

فإنّ الخمر سمُّوه مشروبات روحيَّة ليسَّوقوه،

وإنّ الرِّبا أسموها فائدة ليروِّجوها،

وإنَّ الشُّذوذ أسموه مثليّة ليرغِّبُوا فيه،

سمُّوا الدَّياثَة اِنفتاحاً لتصيرَ مقبولة،

وسمُّوا الزِّنى علاقةً عاطفية ليصير مرغوباً،

وسمُّوا التبرج موضةً ليصيرَ مطلوباً،

فتعالوا نقلِبُ الطَّاولة عليهم ونُسمّي الأشياء بمسمياتها،

دعونا لا نُجمِّل الحرام ولا نُميِّع الحلال!



الدَّرسُ الرّابع:


وصلَ الآن بنا المطاف إلى نقطةٍ تتجدد كل فترة،

فلا يكاد يخلو عام إلا ويموتُ فيه عالمٌ

قد أسدى للبشريَّة خدماتٍ جليلة

في الطب أو الهندسة وهو على غير ملة الإسلام،

عندها تجد بعض المسلمين ممن يخلطون بين الرحمة الإنسانية، وبين تمام العقيدة،

يُدلون بدلوهم، ويُرسلون الرَّجل إلى الجنَّة كأن بأيديهم مفاتيحها،

ويقولُ لك أحدهم: كيف يُعذِّب اللهُ أحداً اخترعَ دواءً وخفَّفَ آلامَ النَّاس،

كيف سيدخلُ أديسون النار وقد أضاء لنا كوكب الأرض بالكهرباء،

وكأنّ مفتاح الجنَّة أن تخترعَ دواءً أو مصباحاً.

وعلى المقلب الآخر تجد قسماً آخر من المسلمين،

يقطع لهذا العالم الذي ماتَ على غير الإسلام بالنَّار،

كأنهم يحملُون مفاتيحها أيضاً.

وكلاهما على خطأ وإن كان خطأ الفئة الثَّانية أيسر من خطأ الفئة الأولى!

نحترمُ العلم والعلماء، ونقدِّرُ خدماتهم الجلية في سبيل الإنسانيّة،

ولكن هذا شيء والجنّة والنّار شيء آخر!

دفاع أبي طالبٍ عن النبيّ ﷺ أهمّ من اختراع دواء ومصباح.

ولكن هذا الدّفاع لم يُسعفه لأنه ماتَ على الشِّرك!

هكذا يجب أن يُنظر إلى الأمر بعقيدة لا بعاطفة،

مع إيمان ثابتِ أنه لا أحد أعدل وأرحم من الله!

بالمقابل، قلّة أدب مع الله أن نقطع بالنار لشخص بعينه،

وإنما نقول بالجملة:

أنه من ماتَ على غير الإسلام بعد أن سمعَ به ووصله فرفضه دخلَ النارَ،

مع إيمان راسخ أن الأمر لله أولاً وآخراً إن شاء عذَّبَ وإن شاءَ غفرَ.

لن يُسأل الناس في قبورهم عن الكهرباء التي اخترعوها،

ولا الأدوية التي صنعوها، ولا الجسور التي أقاموها،

وإنّما هي العقيدة أوّلاً وأخيراً.

فلا نخلط بين مسلمات ديننا، وبين إنسانيتنا وشفقتنا على الآخرين وتقديرنا لجهودهم،

ونتأدب مع الله فلا نقطع بالنار لأحد بعينه،

وإنما بعموم الثابت في ديننا، وبصريح قول ربنا:

“وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.                  


الخميس، 30 يوليو 2026

المُلتفِت لا يَصِل!

المُلتفِت لا يَصِل!

أدهم شرقاوي


في كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر: حين كان سُليم الرازي ببغداد لطلب العلم، كانت ترِدُ عليه رسائل من الرَّيِّ، فما كان يقرأ منها شيئا ولا ينظر فيها، وإنما يجمعها في صندوق عنده، فلما فرغ من تحصيل العلم، عمد إلى الصندوق، وقرأ الرسائل، فوجد في بعضها ما يُحزنه، ويضيق له صدره؛

 فقال: لو كنت قرأتها في حينها لكانت قطعتني عن تحصيل العلم!.

الأيام ترمي سهامها دوما، ولا أحد بمنأى عنها، كل واحد فينا مُعرَّض أن يصاب، والناس في هذا نوعان: نوع ينزع السهم الذي أصابه ويكمل حياته لأن له وجهة عليه أن يبلغها، ولأنه يعرف أن مقامه في جرحه سيُعطل حياته، ناهيك عن أنه سيُبقي هذا الجرح غضّا طريا نازفا؛ ونوع يُشيح نظره عن الدنيا كلها ويجلس قبالة هذا السهم الذي أصابه، وهذا إنسان قلما يبلغ وجهته، ناهيك عن أن استحضار الألم دوما سيحجب عنك رؤية أي سعادة، فكُفُّوا عن عبادة الجروح.

الحياة ليس لها خلاف شخصي مع أحد، وأسوأ ما يعتقده المرء أنه مقصود!. 

الحياة هذا شأنها دوما، قبلنا ومعنا وبعدنا؛ فيها خداع وغدر وفشل، وكذب وخسارة وفَقْد.. لكنْ فيها بالمقابل صدق ووفاء، ونجاح وربح ولقاء!.

هي كأسٌ دائرة، وسنرتشف جميعا شيئا من هذا ومن ذاك، والفارق بين الناس هو في قدرتهم على التجاوز وطيِّ الصفحات.

لم يكن موت أُمنا خديجة بنت خويلد حادثا عرضيا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كان وقْع الأمر عليه أشبه بزلزال!. ففي لحظة واحدة فقد جبهته الداخلية، وأشرس جنوده، فخديجة كانت حبيبته وصديقته، وزوجته ومستشارته؛ ومع هذا فإننا نقرأ في كتب السيرة عن مدى حبه لأمنا عائشة!.

عائشة لم تُلغِ خديجة في قلبه، لقد بقي يذكرها حتى آخر يوم له في الدنيا، ولكنه -بأبي هو وأمي- أعطى نفسه فرصة ليحب مجددا، ويكمل حياته. 

ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو ما أتحدث عنه الآن.. أنه لم يعش في جرحه وإنما تخطاه وتجاوزه، على الحياة أن تمضي!.

عندما اُضطهِد المسلمون في مكة هاجروا إلى الحبشة، لا زهدا بمكة، فقد حملوها معهم في قلوبهم؛ ولكن على الحياة أن تستمر، وعلى الدعوة أن تمضي!.

وعلى مشارف مكة دمعت عينا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، وقال لها مخاطبا: والله إنك لأحب الديار إليَّ، ولولا أن قومكِ أخرجوني ما خرجت.. 

كان على الجرح في مكة أن يُنحَّى قليلا، وعلى التضييق أن يفارق؛ هذا التجاوز كلَّفه بكاء، ويا لدموع الرجال كم هي مليئة بالقهر!. ولكن لولا هذه الدموع ما كانت الدولة، ولا ذات الشوكة، ولا عزُّ الفتح.

أن تطوي صفحة سيئة لا يعني أنكَ نسيتها، وإنما يعني أنك لن تسمح لها أن تسرق ما تبقى من عمرك؛ وأن تتجاوز شخصا غادرا لا يعني أنه لا يعزُّ عليك أنك هُنتَ، ولكن عليك أن تلملم جرحك وتمضي!.

هناك أحبة أكثر وفاء، وأصدقاء أوفى عهدا، وضحكات أكثر إشراقا، كلها تنتظر منكَ أن تطوي الصفحة لتأتي إليك!.


أدهم شرقاوي

 26 أغسطس, 2023

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

السُّؤالُ عِبادةُ العارفين!

 نقطة نظام
السُّؤالُ عِبادةُ العارفين!


أدهم شرقاوي

في بيت النبي

التعلُّمُ في جوهرِه شجاعة؛ شجاعةُ أن تقولَ: لا أعلم، دون أن تهتزَّ صورتُك في عينِك، ودون أن تخافَ من حكمِ النَّاس. 

فكم من جهلٍ لبِسَ ثوبَ الكبرياءِ، وكم من علمٍ وُلِدَ من كلمةٍ صادقةٍ: علِّمني. إنَّ السُّؤالَ الصادقَ يسبقُ الجوابَ الصحيح، كما يسبقُ البذرُ الثَّمرة.


وسؤالُ الإنسانِ عمّا لا يَعرِفُه ليس علامةَ نقصٍ، بل دليلُ حياةٍ في العقل، ونبضُ يقظةٍ في القلب. فالذي يَسألُ إنّما يُقِرُّ بحدودِه، ومَن عرَفَ حدَّه بدأ طريقَ الحكمة. أمّا الذي يأنفُ من السُّؤال، فيُغلِقُ على نفسِه بابًا واسعًا كان يمكنُ أن يدخلَ منه النُّور.


والإنسانُ العاقلُ لا يتوقَّفُ عن السَّعي، لأنَّه يُدرِكُ أنَّ المعرفةَ بحرٌ لا ساحلَ له، لذلك كان التعلُّمُ رحلةَ عُمرٍ، لا مرحلةً عابرة؛ يبدأ بالسُّؤال، ويستمرُّ بالمراجعة، ويكبرُ بالتواضع. مَن ظنَّ أنَّه اكتفى، فقد توقَّف، ومَن توقَّفَ تراجعَ وإن لم يشعر.


هكذا يُبنى الوعي: سؤالٌ صادق، وسعيٌ أمين، وقلبٌ لا يخجلُ من التعلُّم.

ومن سلكَ هذا الطَّريق، لم يزده العلمُ إلّا تواضعًا، ولم يزده الفهمُ إلّا رحمة، لأنَّه كلّما ازدادَ معرفةً، ازدادَ يقينًا بأنَّه ما زال في بدايةِ الطَّريق!

روى البخاريُّ في صحيحه عن أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها:

كانتْ لا تسمعُ شيءًا لا تعرفُه، إلَّا راجَعَتْ فيه حتّى تعرفَه.

وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: مَن حوسِبَ عُذِّبَ!

قالتْ عائشةُ: فقلتُ: أوَليسَ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسيرًا﴾

قالَ: إنَّما ذلكِ العَرضُ، ولكنْ مَن نوقِشَ الحسابَ يهلِك!

السُّؤالُ في هذا الحديث ليس جرأةً على النَّصِّ، ولا اعتراضًا على المعنى، بل طريقُ الفهمِ السليم. 

عائشةُ رضي الله عنها لم تكن تمرُّ على كلامٍ لا تستوعبُه مرورَ الغافلين، بل كانتْ تقفُ عنده وتسألُ حتّى ينكشفَ لها وجهُ الحقّ. 

هكذا يكونُ طالبُ العلم؛ يسألُ ليهتدي، لا ليُجادل، ويُراجعُ ليطمئنّ، لا ليُخاصِم.

ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الفهمَ الصحيحَ يرفعُ الإشكال، ويمنعُ توهُّمَ التناقض. فلو تُركَ الحديثُ دون سؤال، لظُنَّ تعارضٌ بينه وبين الآية، لكنَّ كلمةً واحدةً أزالت الوهم، وبيَّنت المعنى. 

هكذا تموتُ الشُّبهاتُ عند أبوابِ الفهم، وتُولدُ الطمأنينةُ من رحمِ السُّؤال.

وفيه أنَّ الحديثَ عن الحسابِ لم يكن علمًا نظريًّا، بل خشيةً حيّةً في القلوب. 

كانوا يسألون لأنَّهم يخافون، ويفهمون لأنَّهم يستعدّون. مَن عاشَ هاجسَ الحسابِ رقَّ قلبُه، وخفَّتْ عنده الدنيا، وصار عملُه أصدقَ من كلامه.

ثمَّ إنَّ الحديثَ يفتحُ بابَ الرَّجاء دون أن يُسقِطَ الهيبة؛ فالحسابُ اليسيرُ رحمة، والمناقشةُ هلاك. 

رحمةُ اللهِ لا تُؤخَذُ بالأماني، بل تُدرَكُ بالفهم، والخوفُ لا يُلغي الرَّجاء، بل يُهذِّبه. 

وهكذا تُبنى العلاقةُ مع الله: قلبٌ يسأل، وعقلٌ يفهم، وروحٌ تعيش بين الخوفِ والرَّجاء!

الأربعاء، 15 يوليو 2026

عندما تموت الدول وهي تبتسم

  نقطة نظام

عندما تموت الدول وهي تبتسم


بقلم: أدهم شرقاوي



يقولون إن الموت يأتي على هيئة مرض، وهذا صحيح مع الأفراد.
أما الدول، فتموت وهي بكامل صحتها، تضحك، وتأكل، وتُقيم العروض العسكرية.
*لا تصدقوا أن روما سقطت لأن البرابرة كانوا أقوياء.*
روما سقطت لأن الرومان تعبوا من أن يكونوا رومانًا.
لأن القمح صار أهم من الشرف، ولأن الكولوسيوم صار أقدس من المعبد.

*التاريخ له قاعدة لا تتخلف:*

كل دولة تظن أنها الاستثناء… فتصبح العبرة.

*1. اسألوا بغداد عن هارون الرشيد.*
كان يخاطب السحابة: أمطري حيث شئتِ فخراجك لي.
وكان الغلام في سوق الوراقين يبيع كتابًا بدينارين، فيشتريه جاره بثلاثة ليهديه لابنه.
ثم جاء هولاكو.
هل كان هولاكو أقوى من الرشيد؟ لا.
لكن بغداد كانت قد نسيت لماذا كانت بغداد.
صار الفقيه يفتي للسلطان، والشاعر يمدح الجواري، وصار السيف زينة على الجدار.
فسقطت، والمكتبة تحترق، والنهر يصير أسود من الحبر.

*2. اسألوا قرطبة.*
كانت منارة الدنيا. الشوارع مضاءة، والماء يجري للبيوت، والنساء يبعن العطور في السوق بلا خوف.
ثم صار كل ملك طائفة يقول: أنا الأندلس.
فتقاتلوا، واستعانوا بالعدو على الأخ، فأكلهم العدو جميعًا.
*الدول لا يقتلها الغزو، يقتلها أن يرى الأخ أخاه عدوًا.*

*3. وانظروا اليوم.*
أمريكا أقوى من روما. تطبع الدولار، وتحرك الأساطيل، وتسمع صوتها في جيب كل مراهق في العالم.
لكن في داخلها: 40 مليونًا بلا طبيب، وخيمة على الرصيف اسمها “بيت”، وجمهوري يرى الديمقراطي شيطانًا.
روما سقطت والمصارعون يتقاتلون. أمريكا قد تسقط والسوبر بول شغال.

*وإسرائيل؟*
حدثوني عن دولة تملك النووي وتخاف من نفق.
تملك القبة الحديدية، ولا تملك قبة أخلاقية تحميها من دعاء مظلوم.
28% من شعبها يبحث عن جواز سفر ثانٍ. هذه ليست دولة، هذا فندق، الناس تريد المغادرة منه قبل أن ينقطع النور.
بن غوريون قال: “لا دولة يهودية تعيش 80 سنة”. لماذا؟ لأنه قرأ التوراة، وقرأ التاريخ.
التاريخ يقول: كل استعمار استيطاني يموت، وكل ظلم له نهاية، وكل قوة بلا عدل هي حطب لنارها.

*يا سادة:*
الدول لا تسقط يوم تنهزم جيوشها.
تسقط يوم تنهزم فكرتها.
يوم يصبح القاضي تاجرًا، والجندي مرتزقًا، والمعلم موظفًا، والوطن فندقًا.
يوم يصبح الظلم قانونًا، والصمت حكمة، والتصفيق للباطل ذكاء.

*القوي لا يسقط لأن عدوه قوي.*

يسقط لأنه صدّق أنه لن يسقط.
فرعون غرق وهو يقول “أنا ربكم الأعلى”. 
والنمرود مات ببعوضة.

هذه سنّة الله:
 *{فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}*.

فإذا رأيت الدولة تظلم وهي تضحك، وتقتل وهي ترقص، وتدعي الأخلاق وهي عارية…
فاعلم أن الطبيب الشرعي قد كتب التقرير، وما بقي إلا دفن الجثة.
*والسقوط… لا صوت له.*

أدهم شرقاوي
10 مايو، 2026

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

حِوارٌ زوجيّ: صوتانِ وقلبٌ واحد!

  نقطة نظام

في بيت النبي

حِوارٌ زوجيّ: صوتانِ وقلبٌ واحد!

أدهم شرقاوي


في بيت النبي


الحوارُ الهادئُ الدافئُ بين الزَّوجين هو الأساسُ الخفيُّ الذي يقومُ عليه البيتُ، فإن استقامَ، استقامَ كلُّ ما فوقه، وإن تَصدَّعَ تهاوى ولو كَثُرَ الحُبُّ.

هو أن يتكلَّمَ كلٌّ منهما وهو مُطمئنٌّ أنَّ صوته لن يُدان، وأنَّ شُعورَه لن يُسخَرَ منه، وأنَّ ضعفَه لن يُستَغلَّ.

أن يكونَ الحديثُ مساحةَ أمانٍ لا ساحةَ انتصارٍ، وجسرَ قُربٍ لا حلبةَ صراعٍ.

لا يرفعُ أحدُهما نبرته ليُسمِعَ، ولا يُخفِضُها الآخرُ خوفًا، بل يلتقيان في منتصفِ الطريق: صِدقٌ بلا قسوةٍ، ووضوحٌ بلا تجريحٍ.

الحوارُ الدافئُ لا يبدأُ من اللِّسان، بل من القلب؛ من رغبةٍ صادقةٍ في الفهمِ لا في الغَلَبةِ، وفي الاحتواءِ لا في التَّصحيحِ المستمرِّ. هو أن تُقالَ الجملةُ مع مُراعاةِ التَّوقيت، وأن يُختارَ اللَّفظُ كما تُختارُ الهدايا: بعنايةٍ تُشبِهُ الحُبَّ. فكم من حقٍّ فُقِدَ لأنَّه قيل بحدَّةٍ، وكم من خطأٍ زال لأنَّه طُرِحَ بلُطفٍ.

وأهميَّتُه في أنَّه يُطفِئُ الحرائقَ قبل أن تشتعلَ، ويُداوي الجِراحَ قبل أن تتقيَّحَ. 

هو الذي يمنعُ تراكمَ الصَّغائرِ حتّى لا تتحوَّلَ إلى جدارٍ صامتٍ بين روحين كانتا يومًا أقربَ من الكلامِ. به تُحلُّ الخلافاتُ، وتُفهَمُ الاختلافاتُ، ويشعرُ كلُّ طرفٍ أنَّه شريكٌ لا خصمٌ، ورفيقٌ لا عبءٌ.

البيوتُ لا تُهدَمُ غالبًا بسببِ مشكلةٍ كبيرةٍ، بل بسببِ حواراتٍ صغيرةٍ أُهمِلَت، وكلماتٍ كان يمكنُ أن تُقالَ بلُطفٍ فقيلت ببرودٍ، أو لم تُقَلْ أصلًا. 

لذلك، فالحوارُ الهادئُ الدافئُ ليس مجرَّدَ وسيلةِ تواصُلٍ، بل هو فعلُ حُبٍّ يوميٌّ، وصيانةٌ مُستمرَّةٌ للعِشرةِ، ودليلُ نُضجٍ يُدرِكُ أنَّ بقاءَ القلوبِ أقسى من كسبِ المعاركِ.

وحين يُحسِنُ الزَّوجان هذا الفنَّ، يُصبِحُ البيتُ مكانًا يُستراحُ فيه من ضجيجِ العالمِ، وتغدو الكلمةُ الطيِّبةُ صدقةً، والحديثُ الصادقُ عبادةً، ويكبرُ الحُبُّ لا لأنَّه بلا خلافٍ، بل لأنَّه يعرفُ كيف يتجاوزُ الخلافَ دون أن يكسِرَ أحدًا!

روى مسلمٌ في صحيحه من حديثِ عائشة، قالتْ:

فقدتُ رسولَ اللهِ ﷺ وكانَ معي على فراشي، فوجدتُه ساجدًا راصًّا عَقِبَيْهِ، مُستقبِلًا بأطرافِ أصابعِه القِبلةَ.

فسمعتُه يقولُ: أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبعَفْوِكَ من عُقوبتِكَ، وبِكَ مِنكَ، لا أُحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسِكَ!

فلمَّا انصرفَ قالَ: يا عائشةُ، أَخَذَكِ شيطانُكِ؟

أي هل أصابتكِ الغيرة فَظَنَنْتِ أنِّي قد ذهبتُ إلى بعض نسائي!

فقلتُ: أما لكَ شيطانٌ؟

قالَ: ما من آدميٍّ إلَّا له شيطانٌ!

فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وأنتَ؟

قالَ: وأنا، ولكنِّي دعوتُ اللهَ فأعانني عليهِ فأسلَمَ!


العبادةُ صِدقٌ لا استعراضَ، فليس كلُّ ما عُبِدَ به الله يُقصَدُ أن يُرى، ولا كلُّ ما قيلَ في الطاعةِ يُرادُ له أن يُسمَع. إنَّ أجملَ ما في هذا الموقف أنَّه كان بين عبدٍ وربِّه، بلا جمهورٍ ولا تصفيق، عبادةٌ نقيّةٌ خرجت من قلبٍ يعرفُ أنَّ الله يرى قبل أن يرى الناس. 

هكذا تُحفَظُ الأعمال، في الخفاء، حيثُ يكون الإخلاصُ أصدق، وحيثُ لا يُخالطُ الطاعةَ شيءٌ من حظوظِ النفس.

أدبُ الدُّعاءِ أرفعُ من كثرتِه، فليست العبرةُ بطولِ الكلام، بل بصدقِ المقام. 

كلماتٌ قليلةٌ خرجت من قلبٍ حاضرٍ، فرفعت صاحبَها أعلى مقاماتِ العبوديّة. الدعاءُ ليس صراخَ حاجة، بل خضوعُ معرفة، أن تقفَ بين يدي الله وأنت تعلمُ أنَّ ملجأك إليه، وأنَّ نجاتك في رحمته، وأنَّ الرِّضا منه أوسعُ من كلِّ مطلوب.

الاعترافُ بالعجزِ قمّةُ القوّة، فحين يقول العبد: لا أُحصي ثناءً عليك، يكون قد بلغَ ذروةَ الصِّدق مع الله. مَن عرفَ قدرَ ربِّه صغرَ في عينِ نفسه، ومَن صغرَ بين يدي الله رُفِعَ عنده. 

ليست القوّةُ في ادِّعاءِ الكمال، بل في الصراحة مع النفس، وفي الانكسار الذي يفتح أبواب القبول.


الغيرةُ شعورٌ إنسانيٌّ لا يُدانُ ولا يُكسَر، بل يُفهَمُ ويُحتوى. ما أروعَ أن تُقابَل المشاعرُ بالرفق، لا بالتجريح، وبالفهم لا بالاتهام. القلوبُ حين تُفهَم تهدأ، وحين تُهان تثور. إنَّ احتواءَ المشاعر ليس ضعفًا، بل حكمةٌ تحفظ الودّ، وتصون العِشرة، وتُبقي البيوت عامرةً بالسَّكينة.

الزَّواج في جوهره حوارٌ قبل أن يكونَ عِشرة، وكلمةٌ صادقةٌ قبل أن يكونَ صبرًا طويلًا. 

بيتٌ لا يُدارُ بالكلام الهادئ، تُثقِلُه الظنونُ ويُرهقُه الصمت. أمّا حين يُقال الحديث في وقته، وبنبرةٍ دافئة، فإنَّ كثيرًا من الخلافات تموت قبل أن تولد، وتبقى القلوب قريبةً ولو اختلفت الآراء!

الاثنين، 13 يوليو 2026

الذين لا يُعجبهم شيء!

 الذين لا يُعجبهم شيء!


 روى البخاري (3610) ومسلم (1064) عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بينما النبيُّ ﷺ يقسِمُ الصَّدقات بين النَّاس،

جاء عبد اللَّه بن ذي الخويصرة التميميَّ فقال: اِعدِلْ يا رسول اللَّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: ويلكَ من يعدلُ إذا لم أعدِلْ!

فقال عمر بن الخطاب: دعني أضربُ عنقه يا رسول اللَّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: دَعْه، فإنّ له أصحاباً،

يحقِرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتِه، وصيامَه مع صيامِه،

يقرأون القرآن لا يُجاوزُ حناجرهم،

يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهمُ من الرَّميَّة،

فينظر الرَّامي إلى سهمه، إلى نصله، فلا يرى شيئاً،

يخرجون على حين فرقة من النَّاسِ!

قال أبو سعيد الخدري: أشهدُ أنَّي سمعتُ هذا من رسول اللَّه،

وأشهدُ أنَّ علياً قتلهم وأنا معه،

وجيء بعبد اللَّه بن ذي الخويصرة قتيلاً،

وفيه نزل قول اللَّه تعالى:                     
“وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ”

الدَّرسُ الأوّل:

قالت العربُ قديماً، إرضاء النَّاس غايةٌ لا تُدرك!

ولو تأمَّلتَ حال النَّاس لوجدتَ فيهم سخطاً على اللَّه،

هذا الذي لا يقنعُ برزقه،

وذاك الذي يحسدُ غيره على وظيفتِه،

وتلكَ التي تنظرُ إلى بيت فلانة،

وهؤلاء الذين ينظرون إلى ما يملكُ أولئك،

فلا تتوقعْ، وأنتَ الذي تُخطئُ وتصيبُ، أن يرضى
 عنك كلُّ النَّاس،

النَّاسُ لم يرضوا عن قضاء ربِّهم، ولا عن قسمة نبيهم،

فلا تتوقعْ منهم أن يرضُوا عن قسمتكَ،

لهذا لا تبحث في النَّاسِ عن رضى، وعاملهم بالمعروف،

وليكُن شُغلك كيف ترضي اللَّه فإنَّه إن رضيَ هان كلُّ شيء!

الدَّرسُ الثّاني:

الأحداثُ تتشابه في وقوعها على الجميعِ ولكن مواقفهم تتباين،

والفَرقُ بين المؤمن وغيره هو موقفه من موقفٍ ما،

لم تكن المرَّة الوحيدة التي يقسم بها النبيُّ ﷺ مالاً،

 فلا يرضى النَّاسُ عن هذه القسمة،

ولكنِّ الفاجر يزدادُ غيًّا، والمؤمن يرُدَّه إيمانه إلى الحقِّ!

قسم النبيُّ ﷺ مالاً بين قريشٍ وقبائل العرب،

ولم يُعطِ الأنصار منه شيئاً، فأزعجهم ذلك،

فجاء إليه سيدهم سعد بن عبادة وقال له:

يا رسول اللَّه، إنَّ الأنصار قد وجدُوا في أنفسهم عليكَ!

فقالَ له النبيُّ ﷺ: فأينَ أنتَ من ذلكَ يا سعد! أي ما هو رأيك؟

فقالَ: إنَّما أنا رجلٌ من قومي! أي أنا أقول بقولهم،

فقال له النبيُّ ﷺ: فاجمَعْ لي قومك!

فخرجَ سعدٌ وجمعَ الأنصار، وجاءهم النبيُّ ﷺ وقال:

أمَّا واللهِ لو شئتم لقلتم فصدقتم، أتيتنا مُكذَّباً فصدَّقناك!

ومخذولاً فنصرناكَ، وطريداً فأويناكَ، وعائلاً فأغنيناك!

أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة / حقير من الدُّنيا،

تألَّفتُ بها قوماً ليُسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم!

أفلا ترضون أن يذهبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبعير،

وترجعون برسول اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى رحالكم؟!

فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار،

ولو سلكَ النَّاس شِعباً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شِعبَ الأنصار!

اللهُمَّ اِرحمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصار، وأبناءَ أبناءِ الأنصار!

فبكُوا حتى ابتلَّتْ لحاهم، وقالوا: رضينا برسول اللَّه قسماً وحظًّا!

يمرضُ المؤمنُ ويمرضُ الكافرُ،

فأمّا المؤمن فيعرفُ أنَّها دار ابتلاء فيصبر، وأمَّا الكافر فيتسخَّط!

ويفتقِرُ المؤمنُ ويفتقِرُ الكافر،

فأمّا المؤمنُ فيعلم أنَّ لله في كلِّ أمرٍ حكمةٍ، وأمّا الكافرُ فلا يرضى،

ويفقدُ المؤمنُ حبيباً وكذلك الكافر،

فأمّا المؤمنُ فيعلمُ أنَّ لله ما أعطى ولله ما أخذ!

وأما الكافر فيريدُ أن يُشاركَ اللَّه في قضائه وعلمه!

الدَّرسُ الثّالث:

إياك أن تُفسِّر عطايا اللَّه على هواك،

وإياك أن تُفسِّر حرمانه بسوء الظنِّ،

إذا رأيتَ من هو أغنى منكَ، وأكثر صحةً،

فلا تقُلْ: يُحبُّه اللَّه تعالى أكثر منّي!

إنَّ اللَّه سبحانه يُعطي الدُّنيا لمن يحبُّ ولمن يكره،

ولكنّه لا يُعطي الإيمان إلا لمن يُحبُّه!

إذا أردتَ أن تعرفَ الذين يُحبُّهم اللَّه أكثر منك،

فهم أولئكَ الذين أَذِنَ لهم أن يعبدوه ويطيعون أكثر منك!

وليسوا أولئك الذين راتبهم أعلى من راتبك!

وإنّما أولئك الذين قاموا إلى صلاة الفجر وأنتَ نائم!

وتصدَّقوا وأنتَ تكنز،

وبرَّوا أباءهم وأمهاتهم وأنت عاق،

وتحجّبنَ وأنتِ سافرة!

كان موسى عليه السَّلام أحبَّ إلى اللَّه من قارون،

ولكنَّ اللَّه سبحانه أعطى قارون مالاً أكثر من موسى،

وكان النبيُّ ﷺ أحبَّ إلى اللَّه من كسرى وقيصر،

ولكنَّهما كانا ينامان على الفراش الوثير،

والنبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ينام على الحصير فيُرى أثره في جنبه!

الدَّرسُ الرَّابع:

اُنظُرْ إلى هؤلاءِ الخوارج كيف يصِفُ النبيُّ ﷺ عبادَتَهُم؟!

تحقِرُون صلاتكم مع صلاتِهم، وصيامكم مع صيامهم،

ليس أنا ولا أنتَ الذين صلاتنا وصيامنا أقلّ من صلاتهم وصيامهم،

وإنِّما الصَّحابة أنفسهم!

ثمَّ اُنظُرْ إلى كثرة العبادة دون فهم ماذا تفعل؟!

اِستحلُّوا دماء النَّاسِ وأَعراضهم،

وقتلُوا خليفة المسلمين وهم يحسبون أنَّهم يتقرَّبُون إلى اللَّه بهذا،

قاتلهم اللَّه في كلِّ عصرٍ وفي كلِّ بلد،

شوَّهُوا دين اللَّه تعالى، وبغَّضُوا الإسلام إلى العباد،

فإذا سألتَ اللَّه تعالى أن يرزقكَ شيئاً،

فاِسْأله سبحانه أن يكون هذا الرِّزقُ مقروناً بالفَهم،

فإنّ كثرة المال دون حكمةِ إنفاقه وبالٌ على صاحبه،

وإنَّ الصِّحة دون حكمةِ استخدامها حُجة على صاحبها،

وإنَّ الشَّجاعة دون حكمةِ وضعها في موضعها تصبحُ تهوُّراً واعتداءً،

وإنَّ القرآن دون حكمةِ فهمه يجعلك تفسِّره على هواك،

فتقتل، وتعتدي، وتظلم وأنت تحسبُ أنّكَ تتعبَّد،

فاللهُمَّ زيِّنْ لنا كُلَّ عطاياكَ بحكمة استخدامها!