‏إظهار الرسائل ذات التسميات طارق الزمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طارق الزمر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 يونيو 2026

كيف صنعت المحن والهزائم أعظم قادة الأمة؟!

كيف صنعت المحن والهزائم أعظم قادة الأمة؟!

طارق الزمر

"التحول التاريخي لا يصنعه السيف وحده، بل قد تصنعه الأخلاق حين تتحول إلى سياسة، والعدل حين يتحول إلى منهج حكم"

ليست الأمم العظيمة هي الأمم التي لا تتعرض للهزائم والفتن والنكبات، بل هي الأمم التي تمتلك القدرة على النهوض بعد كل سقوط، واستعادة توازنها بعد كل اضطراب، وإنتاج قيادات قادرة على تحويل لحظات الانكسار إلى بدايات جديدة. وإذا كان التاريخ الإسلامي قد شهد من الفتن والغزوات والاحتلالات والهزائم ما يكفي لإسقاط أمم أخرى مرات عديدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا لم تسقط هذه الأمة نهائيا؟ وكيف كانت تنجح في كل مرة في الخروج من قلب الأزمة نحو مرحلة جديدة من الفاعلية والحضور؟

الإجابة لا تكمن في المصادفة، ولا في الحنين إلى الماضي، بل في حقيقة تاريخية متكررة، وهي أن الأمة الإسلامية كانت كلما وصلت إلى لحظة خطر وجودي، أنتجت من داخلها قيادات استثنائية امتلكت القدرة على قراءة اللحظة، وفهم طبيعة التحدي، وإعادة توجيه طاقات الأمة نحو مشروع جديد للنهوض.

في لحظة وفاة النبي ﷺ، لم يكن التحدي سياسيا فقط، بل كان وجوديا بكل معنى الكلمة. فقد بدت الدولة الوليدة وكأنها على وشك التفكك، وظهرت الردة، واهتزت الجزيرة العربية كلها. لكن أبا بكر الصديق لم ينظر إلى المشهد بعين الأزمة وحدها، بل بعين الرسالة والتاريخ. أدرك أن التراجع في تلك اللحظة يعني انهيار المشروع كله، فصنع بصلابته وثباته أول تحول تاريخي كبير، حافظ على وحدة الأمة وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من البناء والانتشار.

الأمة الإسلامية كانت كلما وصلت إلى لحظة خطر وجودي، أنتجت من داخلها قيادات استثنائية امتلكت القدرة على قراءة اللحظة، وفهم طبيعة التحدي، وإعادة توجيه طاقات الأمة نحو مشروع جديد للنهوض


وبعد الفتنة الكبرى التي مزقت المجتمع الإسلامي وأدخلته في دوامة من الصراعات الداخلية، ظهرت قيادات استطاعت أن تنقل الأمة من الاحتراب إلى الاستقرار، ومن الانقسام إلى إعادة بناء الدولة. لم يكن الإنجاز مجرد إنهاء الحرب، بل استعادة الحد الأدنى من الوحدة الذي يسمح للحضارة أن تستمر وللدولة أن تقوم بوظيفتها.

ثم جاءت لحظات أخرى أكثر تعقيدا، حين بدأت الدولة تفقد كثيرا من بريقها الأخلاقي والسياسي، فظهر عمر بن عبد العزيز ليقدم نموذجا مختلفا في القيادة. لم يعتمد على القوة العسكرية ولا على الصدام، بل على العدالة والإصلاح واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. لقد أثبت أن التحول التاريخي لا يصنعه السيف وحده، بل قد تصنعه الأخلاق حين تتحول إلى سياسة، والعدل حين يتحول إلى منهج حكم.

وحين سقطت القدس تحت الاحتلال الصليبي، لم تكن المشكلة في فقدان مدينة فقط، بل في حالة تفكك عميقة أصابت العالم الإسلامي كله. يومها لم يبدأ التحرير من أسوار القدس، بل بدأ من إعادة بناء الإرادة. بدأ حين ظهر عماد الدين زنكي وأدرك أن الأمة لا يمكن أن تنتصر وهي ممزقة، ثم جاء نور الدين محمود ليحول فكرة المقاومة إلى مشروع متكامل يقوم على بناء الإنسان والمؤسسة والعلم والقوة. وعندما جاء صلاح الدين، كان يحصد ثمار مشروع امتد لعقود طويلة، مشروع بدأ بإعادة بناء الثقة قبل أن يبدأ بتحرير الأرض.

إن أحد أكبر الأخطاء في قراءة التاريخ هو اختزال التحولات الكبرى في شخص واحد أو معركة واحدة. فصلاح الدين لم يكن ظاهرة منفصلة، بل كان الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من البناء والإعداد. وهذا يكشف إحدى أهم سنن التاريخ: الانتصارات الكبرى لا تصنعها اللحظات المفاجئة، بل تصنعها المشاريع الطويلة والقيادات التي تفكر بعقل الأجيال لا بعقل اللحظة.

وتكرر المشهد بصورة أكثر درامية بعد سقوط بغداد على يد المغول؛ لم يكن الحدث مجرد هزيمة عسكرية، بل صدمة حضارية هائلة دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن العالم الإسلامي انتهى إلى غير رجعة. لكن الأمة التي أنجبت قطز وبيبرس والعز بن عبد السلام لم تستسلم لهذا المنطق. ففي عين جالوت لم ينتصر جيش على جيش فقط، بل انتصرت إرادة الحياة على منطق الهزيمة، واستعادت الأمة ثقتها بنفسها بعد واحدة من أقسى الكوارث في تاريخها.

ثم جاء محمد الفاتح ليقود تحولا من نوع آخر، حيث انتقلت الأمة من مرحلة الدفاع عن وجودها إلى مرحلة المبادرة الحضارية. لم يكن فتح القسطنطينية مجرد انتصار عسكري، بل إعلانا بأن الأمة التي تملك الرؤية والعلم والإرادة تستطيع أن تعود إلى صناعة التاريخ بعد قرون من التحديات.

وفي العصر الحديث، عندما تعرض العالم الإسلامي لأوسع موجة استعمارية في تاريخه، أنجبت الأمة قادة استثنائيين حملوا راية المقاومة والدفاع عن الهوية، من الأمير عبد القادر الجزائري، وأحمد عرابي، والإمام محمد أحمد المهدي، والإمام شامل، وعبد الكريم الخطابي، وعمر المختار، وعز الدين القسام، وغيرهم من قادة التحرر الإسلامي. ورغم اختلال موازين القوى، فإن هؤلاء القادة نجحوا في تحقيق ما هو أبعد من الانتصار العسكري؛ إذ حافظوا على روح الأمة، ومنعوا استسلامها الحضاري، وأبقوا جذوة المقاومة مشتعلة في النفوس حتى تحولت الهزائم العسكرية المؤقتة إلى مقدمات لنهضة جديدة وحركات استقلال امتدت على طول العالم الإسلامي.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية، بدا وكأن الأمة فقدت مركزها السياسي الجامع، ودخلت مرحلة من الاضطراب الفكري والتفكك الحضاري والهيمنة الاستعمارية المباشرة. لكن التاريخ أعاد إنتاج قادة من نوع جديد، لم يحملوا السلاح في ميادين القتال بقدر ما حملوا مشروع استعادة الوعي وبناء النهضة. فبرز جمال الدين الأفغاني داعية للوحدة واليقظة الإسلامية، ومحمد عبده رائدا للإصلاح والتجديد، ورشيد رضا حاملا لمشروع استعادة المرجعية الإسلامية، وحسن البنا مؤسسا لأكبر حركة إسلامية معاصرة، وأبو الأعلى المودودي واضعا أسس المشروع الإسلامي الحديث في شبه القارة الهندية، ومالك بن نبي الذي انشغل بسؤال الحضارة وشروط النهوض، ثم جاء يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي وأبو الحسن الندوي وغيرهم ليواصلوا معركة بناء الوعي وتجديد الفكر الإسلامي. وقد أدرك هؤلاء جميعا أن الأمة لا تحتاج فقط إلى من يدافع عن حدودها، بل إلى من يعيد بناء عقلها، ويستنهض رسالتها، ويجدد ثقتها بنفسها، ويعيد وصلها بمشروعها الحضاري بعد عقود من الانكسار والتبعية.

وعندما ننظر إلى هذه الشخصيات جميعا، على اختلاف عصورها وتجاربها، نكتشف أن القاسم المشترك بينها لم يكن القوة العسكرية وحدها، ولا الذكاء السياسي وحده، بل امتلاك رؤية تتجاوز الأزمة المباشرة إلى المستقبل. لقد كانوا جميعا قادرين على رؤية ما لا يراه الآخرون، وتحويل لحظة الخوف إلى لحظة أمل، ولحظة الانكسار إلى بداية مشروع جديد.

أعظم التحولات الإسلامية لم تبدأ من لحظات القوة، بل من لحظات الضعف الشديد التي دفعت الأمة إلى إعادة اكتشاف ذاتها ورسالتها


وهنا تكمن الحقيقة الأهم: الأمم لا تنهض حين تختفي الأزمات، بل حين تظهر قيادات تعرف كيف تدير الأزمات وتحولها إلى فرص. فالأزمة ليست نهاية التاريخ، بل قد تكون نقطة بدايته الجديدة. ولهذا فإن أعظم التحولات الإسلامية لم تبدأ من لحظات القوة، بل من لحظات الضعف الشديد التي دفعت الأمة إلى إعادة اكتشاف ذاتها ورسالتها.

ومن يقرأ واقع الأمة اليوم يجد أنها تمر بمرحلة لا تقل تعقيدا عن كثير من اللحظات السابقة؛ احتلالات مباشرة وغير مباشرة، وصراعات داخلية، واستبداد، وتفكك، وضغوط اقتصادية، ومشاريع هيمنة إقليمية ودولية. لكن التاريخ نفسه يقول إن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها الأمة مثل هذه الظروف، كما يقول أيضا إن المستقبل لا يُصنع بالانتظار، بل بالقدرة على إنتاج قادة التحول التاريخي.

إن الأمة التي استطاعت أن تنجب أبا بكر بعد الردة، وعمر بن عبد العزيز بعد الانحراف، وعماد الدين زنكي بعد الاحتلال، وصلاح الدين بعد التفكك، وقطز بعد سقوط بغداد، ومحمد الفاتح بعد قرون من التراجع، ليست أمة عاجزة عن النهوض من جديد.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: 

هل تستطيع الأمة أن تعود؟ 

بل: هل تستطيع أن تستعيد قدرتها على صناعة القادة الذين يحولون المحنة إلى فرصة، والضعف إلى قوة، والانكسار إلى مشروع نهوض جديد؟

فالتاريخ الإسلامي يعلمنا أن الأمة قد تمرض، وقد تضعف، وقد تتراجع، لكنها ما دامت قادرة على إنتاج قادة التحولات الكبرى، فإنها تبقى أمة تمتلك في داخلها بذور النهوض مهما اشتدت عليها العواصف.

الاثنين، 1 يونيو 2026

كيف اعترف التاريخ متأخرا؟..

كيف اعترف التاريخ متأخرا؟.. 
سيد قطب وعبد الناصر في لقاء عاصف في يونيو!
طارق الزمر
"كأن هزيمة يونيو، وصعود إسرائيل، وتآكل المشروع القومي كله، كانت تعترف متأخرة بأن الرجل الذي أُعدم قبل عقود، كان يرى أكثر مما رأى من أعدموه"

في كل ذكرى لهزيمة الخامس من يونيو لا تعود الأسئلة القديمة بوصفها مجرد استدعاء لحدث عسكري عابر، بل بوصفها لحظة انكشاف تاريخي هائلة سقطت فيها أوهام كاملة، لا مجرد جيوش. 
لم تكن الهزيمة سقوط طائرات ودبابات فقط، بل سقوط تصور كامل عن الدولة والسلطة والإنسان. 

ومن بين أكثر الأصوات التي تبدو حاضرة في تلك اللحظة حتى اليوم، يقف جمال عبد الناصر بوصفه رمز المشروع القومي العربي، ويقف سيد قطب بوصفه أحد أكثر من حذروا مبكرا من المصير الذي ينتهي إليه الاستبداد حين يتحول إلى عقيدة حكم.

جلس عبد الناصر مثقلا بصورة رجل حمل مشروعا أراد به أن يغيّر وجه المنطقة، ثم رأى كيف انتهت أحلام الوحدة والتحرير والتنمية إلى هزائم وانكسارات وتبعية ممتدة. 
أما سيد قطب فكان أكثر هدوءا، لا يحمل نشوة المنتصر، بل يقين رجل رأى العطب مبكرا ودفع حياته ثمنا لتحذيراته قبل أن تتحول إلى واقع يطارد الأمة كلها.

بدأ عبد الناصر الحديث بصوت خافت: لو رأيت ما جرى بعدنا لأدركت كم كان الخطر كبيرا.. كنا نحاول إنقاذ الدولة من الانهيار.

نظر إليه سيد قطب طويلا ثم قال:
بل كنتم تبنون دولة تخاف من شعبها أكثر مما تخاف من أعدائها.. وهناك فرق هائل بين حماية الدولة وحماية السلطة.

ساد الصمت..


ثم تابع سيد قطب: تصورتم أن الأمة يمكن أن تُبنى بالأجهزة والإعلام والهتافات الكبرى والحشد الجماهيري، لكنكم لم تدركوا أن الأمة التي يُسحق فيها الإنسان لا يمكن أن تنتصر حتى لو امتلكت آلاف الخطب والشعارات.

رد عبد الناصر: كنا نواجه استعمارا ومؤامرات وضغوطا هائلة.

ابتسم سيد قطب ابتسامة حزينة: كل سلطة مستبدة تبدأ دائما من هنا.. من الخوف. الخوف من الخارج، ثم الخوف من الداخل، ثم الخوف من المجتمع نفسه.

ثم اقترب بصوته أكثر: لكن دعني أسألك.. ماذا بقي فعلا بعد كل هذه العقود؟ أين مشروع التحرير؟ أين الوحدة العربية؟ أين العدالة الاجتماعية؟ أين الاستقلال الوطني الذي ملأتم به الشوارع والإذاعات والخطب؟

أطرق عبد الناصر رأسه بصمت ثقيل.

واصل سيد: قلتم إنكم ستلقون إسرائيل في البحر، فإذا بإسرائيل بعد نصف قرن تصبح القوة العسكرية والتقنية والاقتصادية الأكثر تفوقا في المنطقة. جيشها أكثر تطورا، واقتصادها أكثر نفوذا، واختراقها السياسي والأمني أوسع، بينما تحولت الجيوش العربية التي رفعت شعارات التحرير إلى جيوش مشغولة بحراسة الأنظمة وليس حماية الأوطان.

ثم أضاف بحدة: هزيمة يونيو لم تكن مجرد هزيمة عسكرية.. بل لحظة انكشاف كامل للفكرة نفسها. انكشاف دولة ضخمة في الإعلام، هشة في الحقيقة. دولة كانت تخاف الكلمة الحرة أكثر مما تخاف الطائرات التي دمّرت سلاحها الجوي في ساعات.

ارتجف وجه عبد الناصر قليلا: كانت هزيمة قاسية.. لكننا حاولنا النهوض بعدها.

رد سيد: المشكلة لم تكن في الهزيمة وحدها، بل في العقل الذي صنعها. عقل ظن أن الجماهير المحشودة يمكن أن تكون بديلا عن الحرية، وأن الإعلام يمكن أن يكون بديلا عن الحقيقة، وأن الأجهزة الأمنية يمكن أن تصنع أمة قوية.

ثم قال: لقد بنيتم دولة ضخمة من الخارج، لكنها كانت خاوية من الداخل، وحين جاءت لحظة الاختبار الحقيقي انهار كل شيء بسرعة مرعبة.

تنهد عبد الناصر: لكننا أقمنا مشروعا للتصنيع والتنمية والاستقلال الاقتصادي.

أجاب سيد قطب: صنعتم مصانع.. لكنكم لم تصنعوا إنسانا حرا قادرا على الإبداع، ربطتم الاقتصاد بالدولة لا بالمجتمع، وبالسلطة لا بالحرية. ولهذا حين ضعفت الدولة تآكل المشروع كله، لأن الناس لم يكونوا شركاء فيه، بل مجرد أدوات داخل ماكينة مركزية هائلة.

ثم أضاف: حتى العدالة الاجتماعية التي رفعتموها شعارا انتهت مع الوقت إلى طبقات جديدة أكثر قربا من السلطة وأكثر احتكارا للنفوذ والثروة. تغيرت الشعارات، لكن المواطن بقي ضعيفا أمام جهاز دولة يتضخم كل يوم.

رفع عبد الناصر رأسه وقال: لكنكم أنتم أيضا لم تقدموا نموذجا ناجحا للحكم.

هز سيد قطب رأسه بهدوء: لأنكم لم تتركوا أصلا بيئة تسمح بنمو سياسة حقيقية. منذ الخمسينيات أُعيد تشكيل الدولة العربية على أساس إلغاء السياسة وتجريف المجتمع وتحويل مؤسسات القوة إلى أدوات لحماية النظام لا الأمة.

ثم أردف: ومع ذلك، فالمشكلة لم تكن فقط في الأنظمة. بعض الإسلاميين دخلوا الحكم بعقلية دعوية لا بعقل دولة، لكنهم على الأقل كانوا يحاولون إعادة وصل السياسة بالأخلاق، بينما كانت الدولة الحديثة تتحول تدريجيا إلى آلة قمع لا تنتج إلا السيطرة والخوف.

قال عبد الناصر بنبرة دفاعية: لكن الدولة القوية كانت ضرورية لحماية الأمة.

أجابه سيد بحسم: الأمة لا تحميها دولة تخاف من شعبها، الدولة التي تقوم على القهر تظل خائفة حتى وهي تملك كل شيء. ولهذا احتاجت أنظمتكم إلى مزيد من السجون، ومزيد من الإعلام، ومزيد من أجهزة المراقبة.. لأنها فقدت الشيء الوحيد الذي يمنح أي دولة استقرارا حقيقيا: الشرعية الأخلاقية.

ثم قال:
أنتم انتصرتم على المجتمع مؤقتا.. لكنكم هزمتم الدولة نفسها على المدى الطويل.

ساد الصمت من جديد.


ثم قال عبد الناصر: إذن ترى أنكم كنتم على حق؟

أجاب سيد قطب دون تردد: في الجوهر.. نعم.

ثم استند إلى كرسيه وقال: كنتم ترون الدين خطرا على الدولة، بينما كنت أرى أن إقصاء الدين عن الحياة العامة سيترك فراغا هائلا تملؤه السلطة المطلقة والانهيار الأخلاقي والفراغ الروحي.

وأضاف: لقد أخطأ كثيرون حين اختزلوا معركتي في خلاف سياسي مع نظام، بينما كانت معركتي الحقيقية مع الفكرة التي تجعل الإنسان عبدا لأي قوة غير الله.. سواء كانت سلطة أو حزبا أو دولة أو أيديولوجيا.

نظر إليه عبد الناصر طويلا: لكن الناس كانت تريد الخبز والتنمية والقوة.

ابتسم سيد قطب: والإنسان أيضا يريد الكرامة والحرية والمعنى. مشكلتكم أنكم تصورتم أن الخبز يمكن أن يكون بديلا عن الحرية، وأن الأمن يمكن أن يكون بديلا عن الكرامة، وأن الشعارات يمكن أن تكون بديلا عن الاستقلال الحقيقي.

ثم قال ببطء: لكن انظر إلى الحصيلة النهائية.. لا وحدة تحققت، ولا تحرير اكتمل، ولا عدالة استقرت، ولا تنمية استمرت، ولا استقلال وطني ترسخ. بل إن كثيرا من الدول التي رفعت شعارات التحرر انتهت أكثر تبعية وخوفا وارتهانا للخارج.

ثم اقترب بصوته أكثر: وإسرائيل التي قيل إنها كيان طارئ مؤقت، تحولت بسببكم إلى مشروع متصاعد أكثر حضورا ونفوذا وقوة، بينما تراجعت الأمة كلها إلى الخلف.

تنهد عبد الناصر: ربما كنا نظن أن الزمن سيعمل لصالحنا.

رد سيد قطب: لكنه عمل ضدكم، لأن الدولة التي تُغلق السياسة تُنتج الانفجار، والدولة التي تُقصي الدين تُنتج الفراغ، والدولة التي تبني الخوف بدل الثقة تظل مطاردة بالخوف نفسه.

ثم قال بحسم: لقد خفتم من المجتمع فحوّلتموه إلى خصم، وخفتم من الحرية فقتلتم السياسة، وخفتم من الإسلام ففتحتم الباب أمام أشكال أكثر غضبا وحدّة.

رفع عبد الناصر عينيه: وهل تعتقد أن المستقبل سيكون للإسلاميين؟

أجاب سيد قطب: المستقبل لن يكون لأحد بمجرد الشعارات، بل لمن يفهم الإنسان والدولة معا. لكن المؤكد أن الأمة لا يمكن أن تعيش طويلا بلا هوية، ولا بلا حرية، ولا تحت سلطة تحكمها بالخوف وحده.

ثم وقف أخيرا، ونظر نحو الأفق البعيد، وقال كأنما يخاطب قرنا كاملا: لقد ظننتم أنكم تستطيعون بناء أمة بالقوة وحدها، بلا حرية، وبلا عقيدة حية، وبلا إنسان مستقل داخليا.. لكن كل ما بُني على الخوف سقط أو سيسقط، وكل مشروع انفصل عن روح الأمة بقي غريبا عنها مهما امتلك من سلاح وإعلام وشعارات.

أما عبد الناصر، فبقي صامتا.. كأن هزيمة يونيو، وصعود إسرائيل، وتآكل المشروع القومي كله، كانت تعترف متأخرة بأن الرجل الذي أُعدم قبل عقود، كان يرى أكثر مما رأى من أعدموه.

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

هدية ترامب المفخخة!

 هدية ترامب المفخخة!

طارق الزمر

"عبوة سياسية مفخخة، فهي تمنح الأنظمة لحظة انتصار قصيرة، لكنها تزرع في بنيتها هشاشة مضاعفة"- 


لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشروع في إدراج فروع من جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب قرارا يتعلق بالحركة وحدها، ولا إجراء أمنيا معزولا عن سياقه، بل هو خطوة أكبر بكثير من حدود التنظيم المستهدف؛ خطوة تهدف إلى إعادة هندسة المجال السياسي العربي، وإعادة تشكيل خريطة القوى في المنطقة على نحو يضمن بقاء الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية مهما تغيرت الظروف.

فالقرار جاء في لحظة إقليمية استثنائية: طوفان الأقصى قلب معادلات القوة، وعرّى هشاشة إسرائيل، وفتح الباب لعودة الروح الإسلامية الشعبية، وأعاد الثقة للمجتمعات العربية التي ظنّ كثيرون أنها استُهلكت وانطفأت بعد الربيع العربي. في هذا السياق، ظهر القرار كأنه محاولة لإغلاق نافذة تاريخية قد تحمل معها موجات تغيير لا تستطيع واشنطن التحكم بها.

هذه "الهدية" ليست سوى عبوة سياسية مفخخة، فهي تمنح الأنظمة لحظة انتصار قصيرة، لكنها تزرع في بنيتها هشاشة مضاعفة، وتضعها على مسار أكثر خطورة. فقرار ترامب، بقدر ما يبدو داعما، يحمل في جوهره خمس نتائج خطيرة على مستقبل الأنظمة


لكن ما يلفت الانتباه هو الحفاوة التي قوبل بها القرار من بعض الأنظمة العربية، وكأنها حصلت على هدية طال انتظارها. غير أن هذه "الهدية" ليست سوى عبوة سياسية مفخخة، فهي تمنح الأنظمة لحظة انتصار قصيرة، لكنها تزرع في بنيتها هشاشة مضاعفة، وتضعها على مسار أكثر خطورة. فقرار ترامب، بقدر ما يبدو داعما، يحمل في جوهره خمس نتائج خطيرة على مستقبل الأنظمة قبل الإسلاميين.

أول هذه النتائج أنه يقوّض الشرعية السياسية للأنظمة نفسها. فالشرعية لا تُبنى على قرارات خارجية ولا على وصاية أمريكية، بل على عقد اجتماعي داخلي. وعندما يصبح بقاء الدولة مرهونا بقرار في واشنطن، فإنها تتحول إلى كيان بلا استقلال ولا قاعدة شعبية حقيقية. وكلما ازداد الارتهان للخارج، ازدادت القناعة لدى الشعوب بأن أنظمتها غير قادرة على الصمود بدون حماية أجنبية.

والنتيجة الثانية أن القرار يغلق مسارات الإصلاح السياسي. فعلى مدار عقود، كانت الحركات الإسلامية -مهما اختُلِف معها- تمثل قناة سياسية واجتماعية تستوعب الغضب الشعبي وتحوّله إلى عمل سياسي منظم. إقصاء هذه الحركات لا يُضعفها وحدها، بل يُضعف الحياة السياسية ذاتها، ويترك الشارع بلا وسيط. وعندما تُغلق أبواب السياسة، لا يبقى أمام الشعوب سوى أبواب الانفجار أو الراديكالية.

أما النتيجة الثالثة فهي تكريس اعتماد الأنظمة على الخارج. إذ يقدم القرار للأنظمة شعورا زائفا بالأمان، يدفعها إلى مزيد من طلب الحماية الأمريكية، بدل الاستثمار في بناء شرعية داخلية أو إصلاح المسار السياسي والاقتصادي. وكلما ازداد هذا الاعتماد، أصبحت الأنظمة أضعف أمام أي تغيير في المزاج السياسي في واشنطن. وإذا كان الترحيب اليوم يحتفل بقرار ترامب، فمن يضمن أن القرار نفسه لن يتحول غدا إلى أداة ضغط، أو شرط سياسي، أو تهديد معلّق فوق رؤوس تلك الأنظمة؟

النتيجة الرابعة
أن القرار يضعف قدرة الأنظمة على إدارة الغضب الشعبي. فالحركات الإسلامية -مهما خضعت لعمليات قمع- ظلت تمثل شبكة اجتماعية واسعة، من المساجد إلى النقابات إلى الجمعيات إلى القواعد الشعبية. وعندما تُستهدف هذه الشبكات كلها تحت عنوان الإرهاب، يُترك الشارع بلا بنية حاضنة، فيتحول الغضب الاجتماعي من غضب قابل للعقلنة إلى غضب عشوائي غير قابل للإدارة، وهنا تكمن الخطورة: ليس في قوة الإسلاميين، بل في فراغ المجال العام.

قرار ترامب ليس مجرد تصنيف، بل إعادة رسم للملعب السياسي. وهو في جوهره ليس "هدية" للأنظمة، بل فخ لها


أما النتيجة الخامسة
فهي أن المنطقة تُدفع عمدا نحو موجة جديدة من عدم الاستقرار. فالتاريخ السياسي الحديث يعلّمنا أن إقصاء القوى الاجتماعية الكبرى لا يلغيها، بل يعيد إنتاج حضورها في صورة أشدّ جذرية، وأن محاولة منع التغيير لا تلغيه، بل تؤجله على نحو يجعل انفجاره أعنف. وكل المقومات التي سبقت الربيع العربي الأول عادت اليوم بصورة أشد: أزمات اقتصادية، وانسداد سياسي، وقمع أمني، وتراجع تنموي، وتنامٍ شعبي للهوية الإسلامية بعد غزة. وما يفعله قرار ترامب هو ببساطة تجريف المساحات التي كانت قد تشكل مخرجا سلميا آمنا لحالة الاحتقان المستقبلية.

ذلك لأن الاستقرار الذي يأتي من الخارج هش بطبيعته، والاستقرار الذي يأتي ضد الشعوب لا يصمد، والاستقرار الذي يُبنى على إقصاء القوى الاجتماعية الكبرى يصبح استقرارا وهميا، يتهاوى عند أول صدمة، أو أول أزمة اقتصادية، أو أول موجة غضب جماهيري.

إن قرار ترامب ليس مجرد تصنيف، بل إعادة رسم للملعب السياسي. وهو في جوهره ليس "هدية" للأنظمة، بل فخ لها، فهل تستطيع بعد ذلك أن تبني شرعيتها من داخل مجتمعاتها، أم ستظل تعتمد على قرارات الآخرين المفخخة؟ وهل ستفهم أن القوة الحقيقية لا تأتي من الخارج بل من العقد الاجتماعي؟ وهل تدرك أن إقصاء الإسلاميين اليوم وبهذا الشكل يعني تعزيز أخطر أشكال المعارضة غدا، ودفع المنطقة كلها نحو منعطفات لا يمكن التنبؤ بنتائجها؟

المستقبل القريب سيجيب، لكن المؤكد أن الهدية التي بدت ذهبية في الوهلة الأولى، ليست سوى عبوة سياسية موقوتة ستنفجر في وجه الجميع إذا لم تُتدارك أسباب الانهيار من جذورها.

الأحد، 23 نوفمبر 2025

حين دخل السادات الكنيست.. خرجت فلسطين من المعادلة وبدأت هندسة الإقليم لصالح إسرائيل

 حين دخل السادات الكنيست.. خرجت فلسطين من المعادلة وبدأت هندسة الإقليم لصالح إسرائيل

طارق الزمر
"ماذا جنى الإقليم من السلام المنفرد؟"




في التاسع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 وقف أنور السادات على منصة الكنيست، في لحظة بدت للكثيرين آنذاك انقلابا كاملا في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. كانت الزيارة بذاتها حدثا صادما، ليس لأنها كسرت حاجز العداء مع إسرائيل فقط، بل لأنها دشّنت مسارا جديدا أعاد تشكيل الإقليم كله، وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية ما زالت تفرض آثارها العميقة على مصر والمنطقة حتى هذه اللحظة، وبصورة أوضح في غزة اليوم.

لم تكن زيارة السادات مجرد خطوة دبلوماسية، بل كانت إعلانا عن خروج مصر من معادلة الصراع الشامل، ودخولها في إطار سلام منفرد يغيّر موازين القوى لمصلحة إسرائيل جذريا. فقد كانت مصر -بما تمثله من عمق جغرافي وديموغرافي وعسكري- رمانة ميزان الصراع. وبمجرد خروجها منه تحولت إسرائيل من كيان محاصر استراتيجيا إلى قوة متحررة من مخاوف الوجود، وأصبح الطريق مفتوحا لمشروع تمدد سياسي واقتصادي وأمني في محيط عربي منزوع القدرة على الردع. ولذا، لم تكن الزيارة حدثا عابرا، بل نقطة التحول الكبرى في تاريخ المنطقة المعاصرة.

تكن زيارة السادات مجرد خطوة دبلوماسية، بل كانت إعلانا عن خروج مصر من معادلة الصراع الشامل، ودخولها في إطار سلام منفرد يغيّر موازين القوى لمصلحة إسرائيل جذريا

أكبر تأثيرات الزيارة ظهرت أولا على القضية الفلسطينية. فمنذ 1948 وحتى 1977 كانت القاهرة القلب السياسي للمسألة الفلسطينية، وكانت الفصائل تدرك أن بقاء مصر في معادلة الصراع شرط أساسي للتوازن في مواجهة القوة الإسرائيلية، لكن حين ذهب السادات إلى إسرائيل دون توافق عربي، ثم وقع اتفاق كامب ديفيد، أُخرجت القضية الفلسطينية من إطارها العربي المشترك لتصبح "ملفا إداريا" تفاوضيا، يتولاه طرف فلسطيني منفرد في ظل موازين غير عادلة، ثم تحوّل تدريجيا إلى مشروع سلام يقوم على إدارة الصراع لا إنهائه. وبذلك تراجع البعد العربي للقضية، وتلاشى الإجماع، وتشرذمت أوراق القوة، وتحولت فلسطين من قضية أمة إلى "مسار تفاوض".

وفي المقابل، استعادت إسرائيل زمام المبادرة، فقد منحها الخروج المصري من الصراع حرية حركة كاملة مكّنتها من التوسع في الاستيطان، وتغيير الجغرافيا، وإعادة هندسة الضفة الغربية، وتقويض البنية المجتمعية الفلسطينية عبر تجزئة الأرض وتقطيع أوصالها. وبدون مصر كقوة رادعة، لم يعد هناك سقف عربي موحد لمواجهة هذا التمدد، فأصبح الفلسطيني وحده يواجه دولة تمتلك التفوق العسكري والسياسي والغطاء الدولي.

ولم يقف تأثير الزيارة عند حدود فلسطين، فقد أعادت رسم النظام الإقليمي نفسه. فبعد 1977 بدأت دول عربية كثيرة ترى أن الطريق لرضا واشنطن يمر عبر التفاهم مع إسرائيل، فضلا عن العديد من دول العالم التي اعادت علاقتها مع إسرائيل من بوابة العلاقات المصرية الاسرائيلية. وتحوّل الصراع العربي-الإسرائيلي من إطار صدامي إلى ما يشبه مسارا تفاوضيا متعدد المسارات، يفتقد العمق الاستراتيجي ويقوم على تنازلات متتالية. وهكذا شهدت المنطقة انفتاحا تدريجيا على إسرائيل انتهى بمرحلة التطبيع الواسع اليوم، والتي لم تكن لتحدث لولا أن السادات هو الذي فتح الباب أول مرة، وجعل كسر القطيعة "سابقة شرعية".

لكن الأثر الأخطر كان على الأمن القومي المصري نفسه، فقد فرضت كامب ديفيد ترتيبات أمنية قاسية قيّدت الوجود العسكري المصري في سيناء، وأعطت إسرائيل أفضلية استراتيجية على الحدود. ومع مرور الوقت تحولت سيناء إلى منطقة حساسة تستغلها إسرائيل للضغط على القاهرة عند الحاجة، بينما بقيت غزة محاصرة ضمن معادلة أمنية تتحكم فيها إسرائيل وتَعتبر مصر شريكا في إدارتها بحكم الجغرافيا. 
ما نراه اليوم في غزة ليس إلا النتيجة المتأخرة لهذا الاختلال: إسرائيل تحارب دون خوف، وتفاوض دون شريك عربي قادر، وتخطط لغزة والضفة والمنطقة دون رقيب. أما مصر، فقد وجدت نفسها في مأزق استراتيجي؛ إذ تحاول حماية سيناء ومنع التهجير والحفاظ على مكانتها،
ومع اشتعال الحرب اليوم في غزة، بات واضحا أن آثار زيارة السادات لا تزال حيّة، فالحدود المصرية-الغزية تُدار بمنطق كامب ديفيد وربما تجاوزته، والقرار في ملف غزة لم يعد مصريا بالكامل، بل مقيدا بحسابات أمنية فرضها اتفاق السلام.

وفي الحرب الجارية على غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما بعدها، يظهر الإرث الأثقل لزيارة السادات: انفراد إسرائيل بإدارة المشهد الاستراتيجي دون رادع عربي فعّال، وغياب أي منظومة ردع إقليمي قادرة على منع الإبادة أو التهجير أو التفريغ الديموغرافي. لقد أنتج الموقف العربي المتهالك نتاجا مباشرا للسلام المنفرد، وسمح لإسرائيل بأن تصور الحرب باعتبارها "معركة أمنية" لا نزاعا سياسيا. ولو كان العرب -ومصر تحديدا- ما زالوا داخل إطار صراع موحد، لما استطاعت إسرائيل أن تخوض حربا بهذا القدر من الوحشية، ولا أن تطرح مشاريع كتهجير السكان نحو سيناء أو السيطرة على معبر رفح ضمن ترتيبات "اليوم التالي".

زيارة السادات لم تؤسس للسلام، بل أسست لميزان قوى مختلّ. وما نراه اليوم في غزة ليس إلا النتيجة المتأخرة لهذا الاختلال: إسرائيل تحارب دون خوف، وتفاوض دون شريك عربي قادر، وتخطط لغزة والضفة والمنطقة دون رقيب. أما مصر، فقد وجدت نفسها في مأزق استراتيجي؛ إذ تحاول حماية سيناء ومنع التهجير والحفاظ على مكانتها، في حين تفرض عليها ترتيبات السلام قيودا تجعل حركتها أضيق مما ينبغي لقوة إقليمية بهذا الوزن.

إن ذكرى 19 تشرين الثاني/ نوفمبر ليست لحظة احتفال، بل لحظة مراجعة عميقة: ماذا جنى الإقليم من السلام المنفرد؟ ماذا خسرت فلسطين حين خرجت مصر من الصراع؟ وماذا خسرت مصر نفسها من نفوذها الإقليمي وقدرتها على ردع أي تهديد جوهري؟ واليوم، بينما غزة تحترق تحت النار، يتبين أن الطريق الذي بدأ في 1977 انتهى إلى مشهد تحتاج المنطقة كلها إلى إعادة بنائه من جذوره.




السبت، 15 نوفمبر 2025

فضيحة عابرة للحدود أم زلزال سياسي عالمي؟

 فضيحة عابرة للحدود أم زلزال سياسي عالمي؟

طارق الزمر 


تمثّل "وثائق إبستين" أكبر ملف أخلاقي-سياسي قابل للانفجار في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب الوقائع الجنائية المرتبطة بشبكة الاتجار الجنسي بالقاصرات، بل بسبب طبيعة "الشبكات العليا" التي لامستها القضية: رؤساء دول، وقضاة، ومصرفيين، ضباط سابقين، شخصيات أكاديمية، وشركات كبرى. ولهذا، فإن الكشف الكامل -وليس الجزئي- عن الوثائق سيكون حدثا يضغط على البنى الأخلاقية والسياسية في الغرب، وقد يمسّ شرعية مؤسسات ما زالت ترفع شعارات القيم والشفافية وحقوق الإنسان.

أما عن أهم التداعيات المحتملة في حال الإعلان الكامل عن الوثائق:

أولا:
اهتزاز صورة النخبة الأمريكية والغربية، فقد كانت الولايات المتحدة دائما تروّج لفكرة "النخبة الأخلاقية"، القادرة على قيادة العالم بمعايير حقوقية وقيمية. لكن فضيحة إبستين، في حال الكشف الكامل، ستضرب هذه الصورة في عمقها؛ لأن أسماء كثيرة داخل النخبة الحاكمة والمتصلة بمؤسسات حساسة ظهرت في الوثائق المسربة جزئيا. الكشف الكامل سيؤدي إلى:

فضيحة إبستين، في حال الكشف الكامل، ستضرب هذه الصورة في عمقها؛ لأن أسماء كثيرة داخل النخبة الحاكمة والمتصلة بمؤسسات حساسة ظهرت في الوثائق المسربة جزئيا


• تراجع الثقة الشعبية بالنظام السياسي الأمريكي، خاصة في ظل استقطاب حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين.

• تعزيز الخطاب الشعبوي الذي يعتبر أن "النخب فاسدة وخارجة عن المحاسبة".

• تقويض مصداقية المؤسسات القضائية والأمنية التي حاولت -بشكل أو بآخر- تضييق نطاق التحقيق.

هذا التآكل الأخلاقي قد ينعكس على السياسة الخارجية الأمريكية التي تستند في كثير من خطابها إلى "القيم" كأداة دبلوماسية.

ثانيا:
انفجار أزمة داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، فقد تتضمن الوثائق وفق التحليلات الرائجة- أسماء مؤثرة من كلا الحزبين، ما يعني أن الملف لن يكون قابلا للاستثمار السياسي من طرف واحدة. وهذا سيقود إلى:

1. نقاشات داخلية حادة حول الفساد الأخلاقي والتأثير على الانتخابات.

2. محاولات تشريع جديدة تهدف لإعادة الثقة بإصلاح منظومات المراقبة والتمويل.

3. تزايد الميل إلى تطييف القضية: كل حزب سيسعى لتوجيه الاتهام للآخر، مما قد يعمّق الانقسام الأمريكي.

في ظل حساسية اللحظة الانتخابية، قد تتحول القضية إلى أحد ملفات الضغط الكبرى المؤثرة على اتجاهات التصويت والاصطفاف.

ثالثا: اهتزاز الثقة بالمؤسسات القضائية والأمنية الأمريكية، فأحد أخطر الأسئلة التي يطرحها الملف: كيف كان إبستين محميا لمدة 20 عاما؟ الكشف الكامل قد يقود إلى:

• مساءلات داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).

• فتح ملفات تخص "الحصانات" التي مُنحت لإبستين عام 2008.

• تدقيق شديد في علاقات شبكات النفوذ المالي-الأمني التي كانت تحيط به.

إذا اتضح أن مؤسسات الدولة كانت تعلم ولم تتحرك، فهذا سيخلق صدمة أخلاقية وسياسية واسعة في الداخل الأمريكي.

رابعا: التداعيات الدولية، خصوصا على بريطانيا وإسرائيل. ففي بريطانيا فإن ملف الأمير أندرو مرتبط مباشرة بإبستين، ومع أن بعض الصفحات قُدمت سابقا، إلا أن الكشف الكامل سيسبّب:

• ضغطا كبيرا على العائلة المالكة.

• استعادة النقاش حول "صلاحية المَلكية" في القرن الحادي والعشرين.

• مطالبات برفع الحصانة عن شخصيات كان يُعتقد أنها فوق القانون.

أما إسرائيل، فوجود اسم رئيس وزراء سابق، إضافة لشخصيات مالية وأكاديمية إسرائيلية، يجعل الملف حساسا للغاية. الكشف الكامل قد يُظهر:

• شبكات تبادل مصالح تتجاوز العلاقات الشخصية التقليدية.

• دورا محتملا لعناصر في البنية الأمنية.

• إمكانية تأثير الملف على المشهد السياسي الإسرائيلي المُتخم بالأزمات أصلا.

هذا سيكون له انعكاسات على العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية وعلى صورة تل أبيب في الغرب.

خامسا: أثر مباشر على شركات التكنولوجيا والإعلام، حيث تتضمن الوثائق إشارات غير مباشرة إلى أصحاب منصات كبرى، أو شخصيات مرتبطة بإدارات إعلامية وتقنية ذات نفوذ واسع. الكشف الكامل قد يؤدي إلى:

• تحقيقات برلمانية حول مدى تورط شركات التواصل الاجتماعي في التغطية أو التواطؤ.

• نقاش حول "أخلاقيات النخبة التكنولوجية" وتأثيرها على حرية المعلومات.

• تصاعد الحديث عن "الاحتكار الأخلاقي" لشركات وادي السيليكون.

هذا يفتح الباب لمعركة جديدة بين الدولة الفيدرالية وشركات التكنولوجيا، في سياق الصراع الدائر أصلا حول الرقابة والخصوصية.

سادسا: انعكاسات على الخطاب الحقوقي العالمي، حيث سيطرح العالم سؤالا مركزيا: كيف يمكن لقوة كبرى تحاضر العالم في حقوق الإنسان أن تتستر على شبكات اتجار جنسي دولية؟ الكشف الكامل سيعطي:

• الدول المنافسة (الصين- روسيا- إيران) مادة ضخمة في الدعاية السياسية.

• الحركات الحقوقية الدولية فرصة لإعادة تعريف "ازدواجية المعايير الغربية".

• الحركات النسوية والمنظمات المناهضة للاتجار بالبشر قوة أكبر في الضغط والتشريع.

كما سيقود إلى إعادة قراءة "نموذج الحماية الحقوقية الغربية" بوصفه نموذجا هشّا أكثر مما يُقدَّم في الخطاب الرسمي.

سابعا: احتمال اندلاع صراع داخل الدولة العميقة، فالقضية تمسّ شبكات من:

• رجال أعمال كبار.

• سياسيين نافذين.

• شخصيات في الاستخبارات.

• أكاديميين وممولين من الصف الأول.

الكشف الكامل قد يؤدي إلى:

• صراع أجنحة داخل المؤسسة الأمريكية بين من يريد الإغلاق ومن يريد الفضح وفق مصالحه.

• صعود "أوراق ابتزاز" متبادلة بين شخصيات تتصارع على النفوذ.

• إعادة تشكيل بعض شبكات السلطة التي تشكلت خلال الثلاثين عاما الماضية. هذا الصراع قد لا يظهر للعلن، لكنه سيُحدث ضجيجا داخل النظام السياسي.

هل نحن أمام قنبلة ستنفجر أم سيتم دفن الملف؟ من غير المتوقع -واقعيا- أن تسمح الدولة العميقة الأمريكية بكشف كامل وشامل ومترابط لكل الوثائق؛ لما لذلك من آثار سياسية كارثية


ثامنا: أثر على الوعي العالمي؛ لحظة انهيار الرواية الأخلاقية الغربية. فالقضية ليست مجرد فضيحة جنسية؛ إنها فضيحة بنيوية تكشف عن:

• انحراف النخبة.

• زيف بعض السرديات الأخلاقية.

• هشاشة مؤسسات الرقابة.

في لحظة صعود مشاريع عالمية منافسة كتلك الصينية والروسية والتركية، قد يؤدي الكشف الكامل إلى إضعاف الجاذبية الأخلاقية-القيمية للنموذج الغربي، وهو أحد أهم الأسلحة الناعمة التي اعتمد عليها الغرب منذ الحرب العالمية الثانية.

هل نحن أمام قنبلة ستنفجر أم سيتم دفن الملف؟ من غير المتوقع -واقعيا- أن تسمح الدولة العميقة الأمريكية بكشف كامل وشامل ومترابط لكل الوثائق؛ لما لذلك من آثار سياسية كارثية. ومع ذلك، فإن كل دفعة جزئية تُنشر تساهم في:

• خلخلة الثقة بالنخبة.

• تعزيز الشعبوية.

• إعادة تعريف مفهوم الشفافية.

• وكشف جزء من طبيعة شبكات النفوذ التي تحكم العالم المعاصر.

إن الكشف الكامل، لو حدث، سيكون زلزالا عالميا يعادل في أثره فضائح "ووترغيت"، و"بنتاغون بيبرز"، وقد يتجاوزهما لأنه يمسّ جوهر السلطة وقيمها وليس فقط إدارتها. وفي عالم يعيش حالة انتقال بين نظام قديم يترنح ونظام جديد لم يولد بعد، قد تكون "وثائق إبستين" إحدى الشرارات التي تسرّع مسار التحول العالمي الكبير.

الاثنين، 13 أكتوبر 2025

هل يمكنا اليوم إعلان هزيمة نتنياهو؟

 هل يمكنا اليوم إعلان هزيمة نتنياهو؟

طارق الزمر

منذ انطلاق العدوان على غزة تحرّكت حكومة بنيامين نتنياهو تحت شعارات أمنية واستراتيجية كبيرة: تفكيك قدرات المقاومة، وإعادة فرض هيبة الدولة الإسرائيلية، استعادة ما سمتْه "الردع" المفقود، وإحكام السيطرة على الساحة الداخلية والسياسة الإقليمية بما يخدم موقعه السياسي الشخصي. بعد مرور فترة الحرب، بات واضحا أن هذه الأهداف، المعلنة وغير المعلنة، لم تتحقق، بل إن كثيرا منها انقلب إلى خسائر سياسية واستراتيجية جعلت من "انتصار" نتنياهو رواية غير قابلة للإقناع.

أولا، عسكريا: من المفروض أن تؤدي حملة عسكرية واسعة إلى إضعاف قدرات الخصم وتقليل قدرته على ممارسة الضربات والإرهاب مستقبلا. واقع المواجهة كشف عن عكس ذلك: رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة التي تكبدتها غزة، فقد عادت المقاومة إلى لعب دور فاعل على المستوى الرمزي والميداني، قدرة الفصائل على التكيّف، على استمرار شبكة النضال الشعبي، وعلى تحويل معاناة الشعب إلى رصيد معنوي وسياسي، حطمت فرضية "التفكيك الجذري" التي سعت إليها إسرائيل. وفي بعض المحطات، أظهرت الحرب محدودية القدرة الإسرائيلية على حسم ساحات قتال حضرية معقدة دون ثمن سياسي ودبلوماسي باهظ.

كانت لدى نتنياهو رغبة ضمنية في استثمار الحرب لتوطيد مركزه السياسي، وتهدئة الشارع الإسرائيلي، وإعادة بناء صورة القوة؛ النتيجة عكست صورة مغايرة: انقسام داخلي عميق، واحتجاجات، وتآكل شرعية حكومته


ثانيا، سياسيا داخليا: كانت لدى نتنياهو رغبة ضمنية في استثمار الحرب لتوطيد مركزه السياسي، وتهدئة الشارع الإسرائيلي، وإعادة بناء صورة القوة؛ النتيجة عكست صورة مغايرة: انقسام داخلي عميق، واحتجاجات، وتآكل شرعية حكومته لدى قطاعات من الجمهور وحتى في أوساط تحالفاته التقليدية. فقد زلزل فشل تحقيق أهداف الحرب السرديةَ التي بنَت عليها حكومته؛ أن الحرب ستكون طريقا للانفراج السياسي، فبدلا من استعادة الثقة تزايدت الأسئلة عن القيادة والقدرة على التخطيط والحدّ من الكلفة.

ثالثا، الأخلاقي والإعلامي: سعى الخطاب الرسمي الإسرائيلي لأن يرسم صورة جيش أخلاقي وجبهة داخلية متضامنة. لكن انكشاف مشاهد الدمار المدني، وانشقاقات التقارير الإعلامية الدولية، وتصاعد أصوات الاحتجاج العالمية تجاه ما جرى في غزة، أحدث تآكلا في رواية "الشرعية الأخلاقية الإسرائيلية. المقاومة لم تكن فقط جيشا ميدانيا، بل اكتسبت أبعادا رمزية وأخلاقية في معركة السرد، ما حوّل خريطة التعاطف الدولية إلى عامل ضغط سياسي ودبلوماسي على تل أبيب.

رابعا، دبلوماسيا وإقليميا: الهدف الإسرائيلي المرجو غالبا ما يكون إعادة تشكيل المعادلات الإقليمية بما يخدم مصالحه الاستراتيجية؛ والحرب، بدلا من أن تعزز موقع إسرائيل، أدت إلى تحولات إقليمية أكثر تعقيدا: تحريك مواقف بعض اللاعبين الإقليميين، وزيادة عزلة إسرائيلية في بعض المحافل، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية بحيث أصبح لملفات أخرى وزن أكبر في حساباتها (قضايا اللجوء، والأمن القومي للدول المجاورة، وصعود صوت التضامن الشعبي مع الفلسطينيين). هذه التحولات لم تصب في مصلحة مشروع نتنياهو الذي اعتمد على افتراض أن قوة السلاح ستترجم إلى مكاسب دبلوماسية.

هزيمة نتنياهو ليست بالضرورة احتفاء بانهيار مؤسسات أو خسارة فورية في ساحة معركة معينة؛ إنها فشل مركب يتكوّن من عدم تحقيق الأهداف المعلنة


خامسا، اقتصاديا واستراتيجيا طويل المدى: الحرب تركت آثارا عميقة على اقتصاد إسرائيل وميزانيتها الدفاعية، كما كشفت هشاشة بعض السلاسل الحيوية والاعتماد على موارد خارجية للتموضع الدولي. الكلفة المتراكمة، إلى جانب التداعيات على صورة إسرائيل الاقتصادية والاستثمارية، تقلل من هامش المناورة السياسي لحكومة تسعى للاستفادة من الصراع لأهداف قصيرة المدى.

سادسا، البُعد الرمزي للمقاومة: نجاح المقاومة في تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني سياسيا وإعلاميا هو ما حسم الموقف المعنوي للرأي العام الإقليمي والدولي. فعندما يصبح "الرمز" أقوى من "الهدف" العسكري، يتحول النصر والاختبار ليس إلى من يقول إنه هزم الآخر على مستوى التضاريس العسكرية فقط، بل من يُقنع العالم والأجيال التالية بأن مشروعه أقرب للعدالة والشرعية. في هذا المعيار، نجحت المقاومة في كسب ساحة السرد العالمي على حساب تحركات نتنياهو.

خلاصة: هزيمة نتنياهو ليست بالضرورة احتفاء بانهيار مؤسسات أو خسارة فورية في ساحة معركة معينة؛ إنها فشل مركب يتكوّن من عدم تحقيق الأهداف المعلنة (تفكيك المقاومة وفرض هيبة مطلقة). والواقع أن الحرب أنتجت عكسها: مقاومة أقوى رمزيا، وشرعية دولية متغيرة، وانقسام داخلي إسرائيلي، وتكاليف اقتصادية ودبلوماسية طويلة الأمد. لذلك، ما يمكن تسميتها "هزيمة" هنا هي هزيمة استراتيجية لسردية القوة التي رمى نتنياهو عليها مستقبله السياسي والأمني، وهزيمة كهذه لها انعكاسات تتجاوز لحظة الصراع وتعيد رسم حدود الممكن السياسي في المنطقة.

السبت، 4 أكتوبر 2025

كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة: حين تتحول اتفاقيات السلام إلى أدوات للمشروع الصهيوني

 كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة: 

حين تتحول اتفاقيات السلام إلى أدوات للمشروع الصهيوني

طارق الزمر

"الاتفاقيات لم تَبنِ سلاما حقيقيا، وإنما أدّت إلى تفكيك الجبهة العربية، وتجريدها من أوراق قوتها الاستراتيجية"


في مطلع الثمانينيات، كان بعض القادة العرب يعتقدون أن توقيع اتفاقيات السلام مع الاحتلال الإسرائيلي قد يكون بوابة لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار، وأن الأرض المحتلة يمكن استعادتها عبر التفاوض والمفاوضات.

جاءت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978 لتؤسس لهذا التصور، وتلتها اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993، ثم اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994. كلها قُدّمت على أنها "مفاتيح سلام" و"نهايات للصراع"، غير أن التطورات اللاحقة أثبتت أن تلك الاتفاقيات تحوّلت عمليا إلى أدوات وظيفية تُستخدم في المشروع الصهيوني لتكريس الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وتمهيد الطريق للتهجير الجماعي تحت غطاء "السلام".

الاتفاقيات الثلاث لم تَبنِ سلاما حقيقيا، وإنما أدّت إلى تفكيك الجبهة العربية، وتجريدها من أوراق قوتها الاستراتيجية. مصر أُخرجت من الصراع منذ كامب ديفيد، والسلطة الفلسطينية أُضعفت وتحولت إلى وكيل أمني بموجب أوسلو، بينما فُتحت الحدود الاقتصادية والثقافية بين إسرائيل والأردن عبر وادي عربة دون استعادة حقيقية لحقوق الفلسطينيين أو كبح للاستيطان.

المأزق الاستراتيجي اليوم هو أن هذا "السلام" بات بلا غطاء شعبي، وبلا صدقية، وباتت اتفاقياته أدوات علنية لتصفية القضية الفلسطينية، والتعامل مع الفلسطينيين كـ"سكان فائضين" يجب إخراجهم من المعادلة


الأخطر من ذلك أن هذه الاتفاقيات منحت إسرائيل غطاء سياسيا وشرعيا للاستمرار في تهويد القدس، وابتلاع الضفة، وخنق غزة، وفرض أمر واقع جديد: "الحدود الأمنية لإسرائيل هي ما تفرضه القوة، لا ما ترسمه الخرائط".

لقد أثبتت إسرائيل أنها لا ترى في هذه الاتفاقيات إلا أوراقا مرحلية تُستخدم في الوقت المناسب ثم تُلقى جانبا. كامب ديفيد لم تمنع إسرائيل من ضرب مصر ثقافيا وإعلاميا وأمنيا، وأوسلو لم تُوقِف الاستيطان يوما، بل ازدهر في ظلها، وأصبحت مناطق (C) في الضفة الغربية مرتعا للمستوطنات، ووادي عربة لم تحمِ الأردن من الأطماع، بل تحوّلت الحدود إلى شريان للاختراق السياسي والاقتصادي، وبدأ الحديث عن الوطن البديل يتجدد كل مرة تتقدم فيها مشاريع التهجير من الضفة.

في السنوات الأخيرة، ومع اندلاع الحروب على غزة، وتعثر مسار "حل الدولتين"، تحوّل المشروع الصهيوني نحو ما هو أبعد من الانسحاب أو التعايش، إلى الضم الكامل، بل والتهجير الممنهج. فالحديث المتزايد عن نقل سكان الضفة نحو الأردن، ونقل سكان غزة إلى سيناء، لم يعد مجرد تسريبات، بل بات خطابا رسميا لبعض قادة الاحتلال، ويجري التمهيد له إعلاميا ودبلوماسيا و"سلاميا".

في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، السلام لم يكن يوما هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لشرعنة مشروع السيطرة. إسرائيل أرادت من هذه الاتفاقيات تقطيع أوصال الجبهة العربية، وعزل الفلسطينيين عن عمقهم، وضرب قوى المقاومة، وتحويل الأنظمة إلى شركاء أمنيين لا خصوم سياسيين. وقد نجحت في ذلك، لكن المأزق الاستراتيجي اليوم هو أن هذا "السلام" بات بلا غطاء شعبي، وبلا صدقية، وباتت اتفاقياته أدوات علنية لتصفية القضية الفلسطينية، والتعامل مع الفلسطينيين كـ"سكان فائضين" يجب إخراجهم من المعادلة.

على الشعوب العربية أن تعود إلى الواجهة، وأن تُدرك أن مواجهة المشروع الصهيوني لم تعد خيارا، بل ضرورة وجودية


المنطقة اليوم تقف على أعتاب تحوّل كبير، فإما أن تُراجع الأنظمة العربية موقفها من تلك الاتفاقيات، وتستعيد زمام المبادرة، وتبني خطابا جديدا يواجه مشاريع التهجير، ويضع خطوطا حمراء لنهب الأرض والحقوق، أو تواصل التماهي مع المشروع الصهيوني، فتفقد ما تبقى من شرعيتها.

الرد الحقيقي لا يكون ببيانات الشجب، بل برفع الغطاء السياسي عن تلك الاتفاقيات، ودعم المقاومة بكل أشكالها، وبناء تحالفات عربية- إسلامية جديدة قادرة على ردع العدوان، ورفض منطق الإذعان والتبعية.

الحديث اليوم عن تهجير الضفة إلى الأردن وغزة إلى سيناء؛ لم يعد مجرد وهم، إنه هدف استراتيجي لإسرائيل يتم تغليفه إعلاميا بـ"الخوف من حماس" أو "ضرورات الأمن القومي"، لكنه في الحقيقة استمرار لمخططات التهجير التي بدأت منذ 1948، وتُنفذ كل عقد بوجه جديد.

والمفارقة أن هذه المشاريع لا تزال تجد سندا -لا اعتراضا- في بعض من وقعوا على تلك الاتفاقيات، أو سكتوا عنها طيلة عقود، وهو ما يفرض على الشعوب العربية أن تعود إلى الواجهة، وأن تُدرك أن مواجهة المشروع الصهيوني لم تعد خيارا، بل ضرورة وجودية.