‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 أغسطس 2026

حملة "120 مليون جندي مصري"

 حملة "120 مليون جندي مصري"

حين تصبح مصر كلها ثكنة عسكرية.. 120 مليون جندي وخطر اختزال الدولة بالجيش


 

 

أحمد هلال‎

"المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر"

ليست المشكلة في أن يحب المصري جيشه، أو يفتخر بجندي يقف على الحدود، أو يرى في القوات المسلحة رمزاً للدفاع عن الأرض والسيادة، فالجيش المصري جزء راسخ من الذاكرة الوطنية، وله مكانة خاصة في وجدان المصريين، خصوصاً بما تحمله حرب أكتوبر من معنى تاريخي. لكن الفارق شاسع بين احترام الجيش وبين اختزال مصر فيه، وبين أن تكون القوات المسلحة مؤسسة وطنية عزيزة على شعبها وبين أن تتحول إلى مرادف للدولة والوطن والشرعية السياسية. وهذه المسافة تحديداً هي التي ينبغي ألا يسمح المصريون بردمها، لأن ردمها لا يخدم الجيش بقدر ما يخدم سلطة سياسية تحاول الاحتماء برمزيته ومكانته.

من هنا تأتي دلالة حملة "120 مليون جندي مصري"، التي انتشرت فيها صور فنانين وفنانات ودعاة ومواطنين بملابس عسكرية، بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، مصحوبة بخطاب يدعو إلى الاصطفاف خلف الجيش والقيادة، ويحذر من التشتت والأعداء، ويربط أمن البلاد واستقرارها بالوقوف خلف القيادة السياسية. في ظاهرها تبدو الحملة تعبيراً عن وطنية تلقائية: مصر مهددة، والجيش درعها، والمصريون جميعاً يقفون خلفه. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: متى يتحول الجيش من مؤسسة تحمي الدولة إلى صورة تختصر الدولة كلها؟

نقل الشرعية المعنوية للجيش إلى النظام السياسي يجعل الدفاع عن السلطة يبدو دفاعاً عن الوطن، ويجعل انتقاد الحاكم قابلاً للتصوير باعتباره انتقاداً للجيش، ثم يصبح المعارض، بالتدريج، موضع شبهة وطنية


الدستور نفسه يقدم إجابة مختلفة، فالقوات المسلحة، وفق المادة 200، ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد وأمنها وسلامة أراضيها، والحفاظ على مدنية الدولة وحقوق المواطنين. أي أن الشعب هو صاحب الجيش، والجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة وظيفتها حماية الشعب والدولة. فليست العلاقة أن الجيش هو الشعب، أو أن الجيش هو الدولة، أو أن القيادة السياسية هي الجيش، ثم يصبح الاعتراض على القيادة اعتراضاً على مصر. وهذه ليست مسألة لغوية، بل جوهر العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع والدولة؛ إذ إن نقل الشرعية المعنوية للجيش إلى النظام السياسي يجعل الدفاع عن السلطة يبدو دفاعاً عن الوطن، ويجعل انتقاد الحاكم قابلاً للتصوير باعتباره انتقاداً للجيش، ثم يصبح المعارض، بالتدريج، موضع شبهة وطنية.

وهذا هو أخطر ما يمكن أن ينتجه شعار 120 مليون جندي. فعندما يصبح كل مصري جندياً، وحين يرتدي الفنان والداعية والمواطن المدني الزي العسكري، تتحول الوطنية من انتماء إلى وطن ومجتمع ودولة ومؤسسات إلى هوية عسكرية. المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر ولا يختلف مع قائده أثناء المعركة، وهنا تتحول السياسة إلى ثكنة.

الأخطر أن بعض الخطاب المصاحب للحملة لا يقوم بتمجيد الجيش، بل يجعل الخلاف السياسي نفسه نوعاً من الخطر. فحين يقال إن هذا ليس وقت الاختلاف، وإن أي تشتت في الجبهة الداخلية سيستغله العدو، تنتقل الرسالة من التضامن الوطني إلى تحريم المعارضة. قد يبدو ذلك مفهوماً في حرب حقيقية ومحددة، لكنه يصبح بالغ الخطورة إذا تحول إلى قاعدة دائمة. متى ينتهي وقت عدم الاختلاف؟ إذا كان كل تهديد إقليمي وكل أزمة أمنية وكل توتر دولي يعني تعليق الخلاف السياسي، فإننا لا نعود أمام تعبئة وطنية مؤقتة، بل أمام حالة طوارئ نفسية دائمة. يصبح المعارض مشتتاً، والناقد مضعفاً للجبهة الداخلية، والمختلف خادماً للعدو، ومن يطالب بالمحاسبة كأنه يهدد الأمن القومي.

وهكذا تكتمل الدائرة: الخطر الخارجي يستخدم لإسكات الاختلاف الداخلي، ثم يستخدم الصمت الداخلي لإثبات أن الجميع يقف خلف القيادة. وهذه من أقدم آليات الحكم السلطوي: صناعة عدو دائم، خارجياً كان أم داخلياً، ثم تحويل السلطة إلى ضرورة أمنية لا يجوز مساءلتها. وفي الحالة المصرية تصبح المعادلة أكثر خطورة بسبب المكانة التاريخية للجيش؛ إذ لا تحتاج السلطة إلى القول صراحة أيِّدوا السيسي، يكفي أن تضع الرئيس في الصورة نفسها التي وضعت فيها الجيش والوطن والأمن والاستقرار، وتترك للمواطن استكمال المعادلة: من يحب الجيش يقف مع القيادة، ومن يعارض القيادة يضعف الجيش، ومن يضعف الجيش يضعف مصر.

لكن الجيش شيء، والحكومة شيء آخر، والوطن شيء، والرئيس شيء آخر، والدولة شيء، والنظام السياسي شيء آخر. وهذه الفواصل ليست ترفاً سياسياً، بل شروط لبقاء الدولة نفسها. فلا يمكن أن نستدعي الرصيد الوطني للجيش كلما احتجنا إلى شرعية سياسية، ثم نرفض إخضاع أداء الحكومة للمعايير التي يخضع لها أي نظام آخر. الجندي الذي يحمي الحدود ليس مسؤولاً عن سعر العملة، والضابط الذي يدافع عن الأرض ليس مسؤولاً وحده عن الدين العام، والقوة العسكرية لا تمنح صاحبها تلقائياً كفاءة في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الإدارة أو السياسة؛ نجاح المؤسسة العسكرية في مجالها لا يمكن أن يكون شهادة نجاح مفتوحة للحكومة في كل المجالات.

وهنا تظهر مفارقة السنوات الماضية؛ ليس دقيقاً اختزال القضية في القول إن الجيش فشل، فالجيش كمؤسسة عسكرية شيء، والنظام السياسي الذي تداخلت فيه المؤسسة العسكرية مع الحكم والاقتصاد والإدارة شيء آخر. لكن السؤال المشروع هو: لماذا يُطلب من المصري أن يمنح النظام السياسي شرعية مستمدة من مكانة الجيش، بينما لا يُسمح بتقييم حصيلة الحكم بمعايير الاقتصاد والمؤسسات والحريات والمساءلة؟ وإذا كانت البلاد تواجه مخاطر خارجية حقيقية، فالقوة المطلوبة ليست دبابات وسلاحاً فقط، بل اقتصاداً قادراً على الصمود، ومؤسسات مدنية قوية، ودبلوماسية فاعلة، وصناعة وطنية، ومعلومات دقيقة، ومجتمعاً متماسكاً لأنه مقتنع لا لأنه خائف.

تكشف صور المشاهير بالزي العسكري، ومنها صور فنانات في أزياء أسلحة محددة، عن وظيفة تتجاوز الترفيه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع في دقائق جيشاً افتراضياً من الفنانين والدعاة والمواطنين، وأن يحول كل وجه مدني إلى مقاتل. الصورة لا توثق واقعاً؛ إنها تصنع واقعاً مزيفا: كل المصريين جنود، وكل الجنود شعب، وكل الشعب جبهة، وكل الجبهة خلف القيادة. وهذه هي قوة الدعاية الحديثة؛ فهي لم تعد بحاجة إلى تصوير الواقع، بل تستطيع صناعة صورة بديلة له حتى تبدو الفكرة وكأنها حقيقة اجتماعية مكتملة.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن كل من شارك في الحملة يقصد دعم استمرار الحكم أو يعي كل هذه الدلالات، لكن الحكم على الحملات السياسية لا يكون فقط بنوايا المشاركين فيها، بل بما ينتجه خطابها من معنى عام. وإذا كان الخطاب يربط الجيش بالقيادة والوطن، ويصور الاختلاف باعتباره تشتتاً، ويستدعي المخاطر الخارجية لتبرير الاصطفاف السياسي، فإنه يؤدي وظيفة سياسية واضحة، بصرف النظر عن الجهة التي أطلقت كل منشور أو صورة.

تحويل مئة وعشرين مليون مواطن إلى جنود في حملة رقمية، فقد لا يجعل مصر أقوى؛ ربما يجعلها فقط أكثر استعداداً لأن يُطلب من أبنائها صمت القطيع كلما قيل لهم إن المعركة بدأت


مصر ليست ثكنة، وليست دبابة، وليست زياً عسكرياً، وليست شخصاً واحداً مهما كانت مكانته؛ مصر هي الجندي والمهندس والطبيب والعامل والفلاح والمعلم والطالب والصحفي والقاضي والفنان، والمؤيد والمعارض؛ هي المواطن الذي يحب بلاده ويملك في الوقت نفسه حق مساءلة حكومتها. والجيش المصري مُلك للشعب، وهذه الجملة ينبغي أن تُقرأ في اتجاهها الصحيح: ليس الشعب ملكاً للجيش، ولا الوطن ملكاً للسلطة التي تستند إلى الجيش.

ومن يحب الجيش حقاً ينبغي أن يرفض استخدامه كغطاء سياسي، ومن يحترم الجندي ينبغي ألا يحمّله مسؤولية انتكاسات النظام، ومن يخاف على الأمن القومي ينبغي ألا يقبل تحويل الأمن القومي إلى حصانة دائمة من السؤال والمحاسبة، ومن يحب مصر ينبغي أن يرفض اختزالها في مؤسسة، مهما كانت عظيمة.

الخطر الحقيقي ليس أن يكون لمصر جيش قوي؛ بل أن يصبح الجيش معيار الوطنية، وأن تتحول صورته إلى مصدر شرعية سياسية، وأن يصبح الاعتراض على الحاكم اعتراضاً على الوطن، وأن يتحول كل تهديد خارجي إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح، وكل أزمة إلى مبرر لمزيد من السلطة، وكل إخفاق إلى دعوة لمزيد من الصمت.

النظام الشرعي لا يحتاج إلى أن يقول للشعب باستمرار: أنا الجيش، وأنا الوطن، وأنا الاستقرار. الدولة القوية تعرف أن الجيش يحمي حدودها، وأن المؤسسات تحمي حقوق مواطنيها، وأن السلطة تخضع للمحاسبة، وأن الاختلاف ليس خيانة، وأن المعارضة ليست تشتتاً، وأن الوطن أكبر من الحاكم وأبقى من النظام. أما تحويل مئة وعشرين مليون مواطن إلى جنود في حملة رقمية، فقد لا يجعل مصر أقوى؛ ربما يجعلها فقط أكثر استعداداً لأن يُطلب من أبنائها صمت القطيع كلما قيل لهم إن المعركة بدأت.

ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط ضجيج الشعارات وصور الزي العسكري: هل ندافع عن الدولة، أم ندافع عن نظام يريد أن يصبح هو الدولة؟

بين السؤالين يقع الفارق كله بين الوطن والسلطة، وبين جيش يحمي مصر، ونظام يستخدم صورة الجيش كي يحتمي من المصريين. وهنا يتحدد واضحا معنى الوطنية بمفهومها الطبيعي بعيدا عن الابتزاز المعنوي عبر استخدام الزي العسكري في غير موضعه.


الأحد، 5 يوليو 2026

مصر الهاربة إلى"الأوبتاجون"

مصر الهاربة إلى"الأوبتاجون"

وائل قنديل

حزمة من رسائل الرعب حملتها احتفالية الإعلان عن هجرة الدولة المصرية من شعبها وعاصمتها التاريخية إلى مكان آخر، بعيد ومنعزل وغريب في المبنى والمعنى يسمّى"الأوكتاغون"، تقليداً ومحاكاة عمياء لمبنى"البنتاغون" الأميركي، على الرغم من الفروق الهائلة في المنطلقات والوظائف. 

بحسب منطوق الجنرال المرصّع بأوزان ضخمة من النياشين والرتب أول من أمس فإن مشروع "الأوبتاغون" المصري يتجاوز فكرة مقرٍّ جديدٍ للهيئات العسكرية بعيداً عن الجماهير، إلى إقامة سور عازل بين الدولة كلها وهذه الجماهير، بدافع الخوف من غضبٍ محتمل، يسكن مثل كابوس مقيم في عقل الحاكم الذي يطلّ بكامل زينته العسكرية، معلناً: هذه الدولة عسكرية، ولن تكون غير ذلك.

ثمة مفارقة في التعبير عن القطيعة مع الجماهير بالانعزال في عاصمة بعيدة، في اللحظة التي يتم فيها حشد هذه الجماهير وتعبئتها سياسيّاً وإعلاميّاً خلف فريق الكرة الذي يلعب في كأس العالم، واستثمار هذه الهستيريا، مثل العادة، في تصنيف الجماهير إلى أخيار وأشرار، وطنيين وخونة، تبعًا للموقف من القائد الأعلى للفريق، الذي يتحوّل في هذه اللحظة المجنونة إلى"الوطن" أو"الوثن". 

من يختلف معه ويعارضه خائن وكافر بوطنه، تماماً مثل قسمة الشعب إلى طيبين وأشرار، ينبغي تخبئة الدولة منهم في قلعة محصّنة ذات أسوار وبروج لا يصل إليها بشر.

يقول الجنرال السيسي أمام الكل:"اسمحوا لي أقول لكم ليه القيادة الاستراتيجية موجودة في العاصمة الجديدة. لأن في يوم من الأيام تم حصار المحكمة الدستورية، ومجلس الوزراء، وكانوا يهدّدون وزارة الدفاع، وكانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي، حتى تُدار الأزمة تحت ضغط كبير جدّاً. وكان لا بد أن تخرج الدولة من العاصمة، وألا يتكرّر هذا الأمر مرّة أخرى. وأنا بتكلم بمنتهى الصراحة، والكلام ده مش هيتكرّر تاني، والأشرار والإرهابيون مش هيبطّلوا، لكن خلاص دلوقتي محدش يقدر يعمل كده في مصر تاني".

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يتحدث فيها السيسي عن مصر الهاربة من الأشرار إلى ما يشبه "الغيتو" بعيداً عن عاصمتها وتاريخها وشخصيتها الحضارية، فقد ذكر المضمون نفسه في مارس/ أذار 2026 في أثناء إفطار رمضاني مع الشرطة: 

"في 2011، كنت بشوف التليفزيون وهما بيهاجموا وزارة الداخلية في شارع محمد محمود، يمكن حدّ يستغرب قوي ويقول إنت بتستدعي ده ليه؟ إذا مكنّاش نتعلّم من كل.. من الدروس، أو نجيب دروس من كل موضوع بنتعرضله، يبقى إحنا مستفدناش من المشكلة أو من الأزمة أو من التحدّي اللي.. بيواجه الوطن، عشان ميتكرّرش تاني. وكان ساعتها، قُلت، كان وزير الداخلية، ربنا يدّيله الصحة، الوزير محمد إبراهيم، قُلتله لازم وزارة الداخلية تتنقل من القاهرة تيجي في حتّة.. في مكان تاني. ولازم الدولة تتحرّك من مكانها اللي موجودة فيه في القاهرة ده، إلى مكان تاني".

الإلحاح على مسألة أن "تتحرّك الدولة من مكانها" يتكرّر في كل مرّة مقروناً بتوصيف ثورة الشعب المصري في العام 2011 هي الشر المطلق، واعتبار أن جماهير هذه الثورة هي التعريف الوحيد للأشرار بحسب معجم "الأوكتاغون". 

وهي المسؤولة عن كل كوارث الحاضر والمستقبل، بدءاً من انهيار العملة المحلية والاقتراض المجنون الذي حمّل الجيل الحالي وأجيالاً لم تولد بعد أعباء ديون أنفقت الدولة العسكرية معظمها على عملية تهريب مصر من عاصمتها التاريخية وشعبها الشرير إلى عاصمة محصّنة تستعصي على الغضب وعلى الهتاف، وتحرّك الدولة من جذورها الاجتماعية والتاريخية والثقافية إلى حيث لا توجد جماهير تعارض وتطالب وتحتجّ وتفكر في ارتكاب خطيئة حضارية اسمها التفكير في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

خمسة عشر عاماً من سحق "ثورة الأشرار" وقتلها وتعليق جثتها على الأعمدة والحوائط وقمصان المنتخب لم تكن كافية لكي يتخلّص الاستبداد المسيطر على كل البشر والحجر من مخاوفه من جماهير غائبة ومغيبة عن أي فعل، إلا الهتاف للفريق وقيادته الحكيمة. وكما قال أفلاطون"الطاغية يظل حبيس حشد هائل من المخاوف".. لكنه لم يكمل بالقول "ولو هرب بدولته إلى أعماق المحيط".

الأربعاء، 10 يونيو 2026

بمواجهة التفكك الصامت: كيف تحوّل الزواج بمصر من سكن ورحمة لمشروع خوف وقلق؟

 بمواجهة التفكك الصامت: كيف تحوّل الزواج بمصر من سكن ورحمة لمشروع خوف وقلق؟

أحمد هلال

"يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟"

تزداد أعداد المتخاصمين داخل أروقة محكمة الأسرة في مصر يوما بعد يوم، وتتفكك الأسرة المصرية التي حافظت على صلابتها وقوة روابطها وصلة الرحم والمودة والرحمة والسكينة، ليصبح الطرفان خصمين؛ بما لا يمكن معه القدرة على إرسال حكم من أهله وحكم من أهلها وإن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما.

لم تكن الأسرة المصرية يوما مجرد وحدة اجتماعية عابرة، بل كانت عبر التاريخ الحصن الأخير الذي احتمى به المجتمع المصري من الانهيار، والوعاء الذي حفظ هويته الدينية والأخلاقية والثقافية رغم كل ما مرّ به من أزمات وتحولات واضطرابات سياسية واقتصادية.

فالبيت المصري لم يُبنَ يوما على فلسفة الصراع، ولا على عقلية العقود الجافة والمصالح المؤقتة، وإنما قام على ذلك المعنى القرآني العميق الذي لخّص فلسفة الأسرة كلها في آية واحدة: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَة". إنها ليست مجرد آية تُتلى في عقود الزواج أو تُكتب على جدران البيوت، بل هي إعلان إلهي عن طبيعة العلاقة التي يقوم عليها العمران الإنساني كله: السكن، والمودة، والرحمة.

تتعرض الأسرة المصرية لتحولات عميقة تهدد بتفكيك هذا التوازن الفطري، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة سكن ورحمة إلى علاقة خوف وتحسب وصراع قانوني مفتوح


فالسكن يعني الطمأنينة النفسية، والشعور بالأمان، والانتماء، والاحتواء. والمودة تعني استمرار الروابط الإنسانية رغم ضغوط الحياة وتقلباتها. أما الرحمة، فهي ذلك الخيط الخفي الذي يمنع البيوت من الانهيار عند أول خلاف أو أزمة. ولهذا لم يكن الزواج في التصور الإسلامي مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل مؤسسة لحماية المجتمع نفسه: حماية الأخلاق، وحماية الفطرة، وحماية النسب، وصناعة الإنسان المتوازن نفسيا وروحيا.

غير أن ما يشهده المجتمع المصري في السنوات الأخيرة يبعث على القلق الحقيقي؛ إذ تتعرض الأسرة المصرية لتحولات عميقة تهدد بتفكيك هذا التوازن الفطري، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة سكن ورحمة إلى علاقة خوف وتحسب وصراع قانوني مفتوح.

لقد أصبح قطاع واسع من الشباب ينظر إلى الزواج لا باعتباره بداية استقرار، بل باعتباره مخاطرة مجهولة النتائج. يسأل الشاب اليوم: ماذا لو انتهى الزواج؟ ماذا سيكون مصيره مع أولاده؟ هل سيفقد دوره الطبيعي كأب؟ هل يتحول البيت إلى ملفات ومحاكم ونفقات وصراعات ممتدة؟ هل يصبح الأب مجرد ممول مالي منزوع التأثير الإنساني والتربوي؟

هذه الأسئلة لم تعد هامشية أو فردية، بل أصبحت جزءا من الوعي الجمعي لجيل كامل يعيش حالة قلق متزايدة تجاه فكرة الزواج نفسها. وهنا تكمن الكارثة الصامتة، فحين يتحول الزواج الذي جعله الله سكنا ورحمة إلى مصدر خوف، تبدأ الأسرة في فقدان معناها الحضاري تدريجيا، ويبدأ المجتمع في الدخول إلى مرحلة خطيرة من التآكل البطيء.

إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط ارتفاع معدلات الطلاق، بل انهيار الثقة بين الرجل والمرأة، وتحوّل العلاقة الأسرية إلى معادلة قانونية باردة يشعر فيها كل طرف بأنه مطالب بحماية نفسه من الآخر.

وفي خضم هذا المناخ المتوتر، يشعر كثير من الرجال بأن بعض الاتجاهات القانونية والاجتماعية الحديثة تتعامل مع الأب باعتباره طرفا ثانويا بعد الطلاق، رغم أنه يبقى مسؤولا نفسيا وماليا وأخلاقيا عن أبنائه. ويشعر كثير من الآباء بأن الأبوة نفسها تتعرض للتجريف التدريجي: رؤية محدودة، وصعوبات في المشاركة التربوية، وأعباء مالية متزايدة، وصراعات قضائية طويلة قد تستنزف الإنسان نفسيا وماديا. والأخطر من ذلك أن وجود الأبناء الذي ينبغي أن يكون بابا للبركة والاستقرار؛ بدأ يتحول في نظر بعض الشباب إلى مصدر خوف من التورط في التزامات قد تنتهي بحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية كأب.

إن المجتمع الذي يبدأ شبابه بالخوف من الزواج، لا يواجه أزمة اقتصادية فقط، بل يواجه أزمة حضارية وأخلاقية عميقة. فالفطرة الإنسانية لا تتوقف، وحاجة الإنسان إلى الارتباط والاستقرار لا تختفي، لكن حين يصبح الطريق المشروع معقدا ومرهقا ومهددا، فإن البدائل المشوهة تجد طريقها إلى الانتشار: علاقات هشة بلا مسؤولية، وعزوف عن الإنجاب، وتفكك اجتماعي، وفردانية قاسية، وتراجع قيمة الأسرة نفسها.

وهنا تبدأ التشوهات البنيوية التي تصيب المجتمعات من الداخل دون ضجيج. إن الأمم لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار حين تفقد الأسرة قدرتها على إنتاج إنسان سويّ ومتوازن نفسيا وأخلاقيا. وحين يتحول البيت من مساحة رحمة إلى ساحة نزاع، يدفع المجتمع كله الثمن: في التربية، وفي السلوك، وفي الاستقرار، وفي الصحة النفسية للأجيال القادمة.

ضرورة مناقشة هذا القانون في الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الشرعية الأصيلة وموافقته واعتماد أي تشريع خاص بالأسرة ، وكذلك لا ينبغي التعامل مع الأسرة بمنطق هندسة اجتماعية باردة منفصلة عن طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والديني


ولهذا، فإن أي حديث عن تطوير قوانين الأسرة يجب أن ينطلق من فهم عميق لطبيعة المجتمع المصري وهويته الحضارية والدينية، لا من استيراد نماذج قانونية نشأت في بيئات مختلفة تماما في فلسفتها الاجتماعية والثقافية. فالأسرة المصرية ليست نسخة مستوردة من النموذج الغربي الحديث الذي يعاني أصلا من تفكك واسع وتراجع حاد في معدلات الزواج والإنجاب والاستقرار الأسري.

ومن هنا تتضاعف خطورة تهميش المرجعية الشرعية والثقافية في ملف الأحوال الشخصية، والتي تتمثل في ضرورة مناقشة هذا القانون في الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الشرعية الأصيلة وموافقته واعتماد أي تشريع خاص بالأسرة ، وكذلك لا ينبغي التعامل مع الأسرة بمنطق هندسة اجتماعية باردة منفصلة عن طبيعة المجتمع وتكوينه النفسي والديني.

إن الحفاظ على الأسرة لا يعني ظلم المرأة، كما أن حماية المرأة لا ينبغي أن تتحول إلى تهميش للأب أو تفكيك لدوره الطبيعي داخل الأسرة. فالأسرة ليست معركة انتصار بين الرجل والمرأة، بل شراكة تكاملية لا تستقيم الحياة بدون توازنها.

والمجتمع المصري اليوم بحاجة إلى رؤية تعيد الاعتبار لمعنى السكن والمودة والرحمة، وتعيد بناء الثقة في مؤسسة الزواج، بدل تحويلها إلى مشروع قلق دائم؛ لأن الأمة التي يخاف شبابها من الزواج، وتتراجع فيها قيمة الأبوة، ويضعف فيها الاستقرار الأسري، تكون قد دخلت بالفعل مرحلة خطيرة من التفكك البطيء مهما بدا ظاهرها متماسكا. ولهذا فإن الدفاع عن الأسرة ليس موقفا عاطفيا أو محافظا فحسب، بل دفاع عن بقاء المجتمع نفسه، وعن آخر حصونه النفسية والأخلاقية والحضارية.




قانون الأسرة الجديد في مصر.. وهدم بنيان الأسرة

التوظيف السياسي للأحوال الشخصية في مصر.. أين الأزهر؟


الخميس، 18 ديسمبر 2025

الشيخ “عماد عفَّت”.. الأزهري الثائر الذي دفع حياته ثمنا للحقيقة

الشيخ “عماد عفَّت”.. الأزهري الثائر الذي دفع حياته ثمنا للحقيقة

  يسري الخطيب

 الشيخ الثائر العلّامة: عماد عفّت، المقاوم وصاحب الابتسامة الطفولية، الذي ساند ثورة 25 يناير منذ بدايتها، حتى لقى ربه يوم الجمعة 16 ديسمبر 2011م، في أحداث مجلس الوزراء، التى راح ضحيتها العشرات من المتظاهرين.

– الشيخ عماد الدين أحمد عفّت

– باحث فقهي وشرعي

– أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

الميلاد: 15 أغسطس 1959م، الجيزة

الوفاة: 16 ديسمبر 2011م،  نتيجة إصابته بطلق ناري في أحداث مجلس الوزراء

المـؤهـلات العلـميـّـــة:

– حصل علي ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب جامعة عين شمس عام 1991م.

– ليسانس الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالقاهرة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف عام 1997م.

– دبلومة الفقه الإسلامي العام من كلية الشريعة والقانون بالأزهر، عام 1999م.

– دبلومة الشريعة الإسلامية من كلية دار العلوم بالقاهرة.

– رئيس الفتوى المكتوبة بدار الإفتاء المصرية منذ عام 2003م.

– مدير إدارة الحساب الشرعي بدار الإفتاء المصرية، وعضو لجنة الفتوى بها.

سبب القتل:

قالت زوجته السيدة عُلا الجندي التي رحلت عن الدنيا في آخر يوم من سنة 2018م، وتركت 4 أطفال في مقتبل العمر، ليس لهم أب ولا أم: 

(إن سبب قتل زوجها، كانت فتواه الشهيرة عن حُرمة التصويت لأعضاء الحزب الوطني المنحل نظرا لأنهم أفسدوا حياة المصريين السياسية، والاقتصادية، والصحية، والإعلامية، على مدار ثلاثة عقود)

وفاته:

استشهد الشيخ “عماد عفّت” في أحداث مجلس الوزراء، يوم الجمعة 16 ديسمبر 2011م، بعد إصابته بطلق ناري من (مسدس كاتم صوت)، من مسافة متر، في رأسه – حسب الطب الشرعي المصري – وشُيّعت جنازته في يوم السبت 17 ديسمبر 2011م، من الجامع الأزهر بالقاهرة

– ما زالت أصابع الاتهام تشير إلى الخيانة التي حدثت للشيخ “عماد عفّت” من بعض المُـعـمّـمين المنافقين، ورجال الدولة العميقة، فقد كان حوله مجموعة من الشيوخ المشبوهين، ومنهم الشيخ المنافق الإعلامي: م ش، وميزو العبيط، والطب الشرعي قال إن الطلقة انطلقت من مسافة متر واحد فقط !!!!!

فالشيوخ المشبوهون الذين كانوا يحيطون به، إذا لم يكن فعلها أحدهم، فعلى الأقل، يعرفون القاتل.

– أُغلِقَت القضية في 2012م، وقُـيّـدَت ضد مجهول!!!

رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه

– هكذا يمضي الشرفاء وحدهم، بلا ضجيج، ويظلون بعد رحيلهم أكثر حضورًا من كثيرين ملأوا الدنيا صخبًا وهم أحياء.

– يمضي الرجل، وتبقى القيَم التي مات من أجلها حيّة تُؤرّق القتلة، وتفضح الصامتين، وتُربك المتواطئين.

– لم يكن عماد عفّت طالب سلطة ولا عابر مواقف، بل كان شاهدًا أخلاقيًا في زمنٍ اختلطت فيه العمائم بالرصاص، والفتوى بالحسابات، والدين بالمساومات.

– استُشهد الجسد، لكن السؤال بقي معلقًا في الهواء: لماذا يُقتل الشرفاء دائمًا في اللحظة التي يقولون فيها «لا» بوضوح؟

ولماذا تُغلق القضايا حين تقترب من الحقيقة؟

– إن دماء أمثال عماد عفّت لا تضيع، حتى وإن قُيّدت القضايا ضد مجهول، فالتاريخ لا يعرف هذا القيد، والضمير لا يعترف به.

– سيظل اسم عماد عفّت شاهدًا على أن الثورة لم تكن هتافًا في الشوارع فقط، بل كانت ضميرًا دفع ثمنه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أولئك الذين ماتوا واقفين، ليذكّرونا أن الأوطان لا يحرّرها المتفرجون، ولا يحرسها المنافقون، بل يصونها الشرفاء… ولو دفعوا حياتهم ثمنًا للحقيقة.

…………

يسري الخطيب

أولاد الشيخ عماد عفت



السبت، 29 نوفمبر 2025

الاغتصاب الاجتماعي: سجل الجرائم التي يعجز الورق عن حملها

 الاغتصاب الاجتماعي: سجل الجرائم التي يعجز الورق عن حملها



سيلين ساري

ثمة جرائم لا تُكتب؛ لا لأنها غامضة بل لأنها أكبر من قدرة الورق على الاحتمال، جرائم تمتد كظلّ ثقيل فوق جيل كامل تبدأ من حضانة صغيرة في العبور وتزحف إلى زنازين ضيقة لا يصلها نور، مرورا بمدرجات جامعية تُخطف فيها الأصوات قبل أن تكتمل الجملة. في كل محطة الصورة واحدة: جسدٌ مُنتهك، وروحٌ مُداسة، ودولة لا تريد أن ترى.

في مدرسة سيدز في منطقة العبور بمصر، حيث يُفترض أن يكون المكان بداية الحكاية بدأت النهاية.. أطفال في الرابعة والخامسة من عمرهم لم تعرف أيديهم الصغيرة بعد كيف تمسك بالقلم، لكن روحهم عرفت كيف يمسك بها الألم.. أطفال كان يجب أن يكون خوفهم الأكبر من انكسار لعبة فإذا بهم يواجهون رعبا يفوق قلوبهم الصغيرة.

لم تكن الجريمة حادثا عابرا بل صفحة جديدة في سجلّ اغتيال الطفولة، لكن ما زاد المشهد ظلاما هو الغياب المريب لاسم واحد: من يملك هذه المدرسة؟ لا سجل تُمسك به ولا مجلس إدارة، حالة فريدة من العدم لمنشأة تعليمية كاملة بلا صاحب بلا رأس، أو بمعنى أدق أن الرأس محمي لأنه فوق القانون؛ من يظهر فقط المجرم الأخير وهو الحلقة الأقل قيمة، فهل يمكن أن تكون هذه صدفة أم هو تصميم مسبق بجعل المسؤول غير مرئي ليواصل من خلف الستار أعماله؟

هنا تبرز الحقيقة المخيفة، هل ما يحدث هو مجرد انهيار أخلاقي أم خطة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة؟


ما قاله الأطفال عن تكميم وتكتيف وقناع يرتديه أحد الجناة؛ يضعنا أمام احتمال أن ما كان يحدث ليس جريمة اغتصاب وانتهاك يقوم بها مجموعة من مرضى النفوس، بل هو عمل منظم يدر أموالا وفيرة عبر الـ"دارك ويب".

هذا المشهد المرعب الذي صدمنا به في مدرسة سيدز لم يكن بعيدا عن جريمة الطفل ياسين الذي سُرقت فيه البراءة أولا، ثم سُرقت العدالة بعدها حين خفّف القضاء العقوبة على الجاني في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا كجزء من منظومة تُعيد إنتاج الوجع وتحمي صانعيه وتدهس الضحية.

بتأمل هذا المشهد الذي فاق في رعبه أفلام هوليود، تجدنا لا نقف أمام حوادث متفرقة بل أمام نَسَق مجتمعي كامل، نسق يبدو كأنه مُصمَّم بدقة من الحضانة إلى الجامعة إلى السجن، وجيل يُسلَب قبل أن يفهم ما سُلب منه.

اغتيال يبدأ من لحظة التكوين

الأطفال في الحضانات والمدارس الخاصة ليسوا مجرد أطفال، إنهم الجيل الذي سيحمل لغة المجتمع أخلاقه تصوّراته إحساسه بنفسه مستقبله، وحين يتعرض هذا الجيل وبأعداد تزداد تدريجيا لانتهاكات جسدية ومعنوية فإن هذا لا يصنع ضحايا فقط، بل يصنع تغييرا قسريا في البنية العميقة للمجتمع كله.

وهنا تبرز الحقيقة المخيفة، هل ما يحدث هو مجرد انهيار أخلاقي أم خطة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة؟

لأعوام حاولت جهات كثيرة عبر الدراما وبرامج التوك شو فرض أنماط سلوكية وثقافية جديدة على مجتمع مسلم شرقي محافظ، لكن القوة الناعمة فشلت في ذلك، فالمجتمع قاوم، والوعي انتبه، والشارع لم يتقبّل، وعندما تفشل الخطة الناعمة تُستدعى دائما الخطة القذرة، خطة لا تعتمد على الإقناع بل على الصدمة والانكسار والتطبيع القسري مع كل ما كان يوما محرّما ومخيفا.

أطفال تُنتزع براءتهم في سنوات التكوين، فماذا يمكن أن يصبحوا حين يكبرون وهم أكثر هشاشة، وأكثر تبددا، وأكثر قابلية للانكسار، وأحيانا أكثر قابلية لإعادة إنتاج ما تعرضوا له.

كيف يصبح وطن كامل مسرحا لانتهاك مواطنيه؟ ومن المستفيد من شعب يُقتل وهو حي؟ ومن سيحمي البراءة حين يصبح القاتل غير معلن، والقاضي غير مستقل، والطفل بلا صوت؟


هكذا يتم صُنع بيادق من جيل كامل مُبلبل، مُنتهَك، مُفكَك الحدود النفسية، جيل لا يعرف أين يبدأ الجسد وأين تنتهي الحماية، جيل يمكن تشكيله لا لأنه اختار بل لأنه كُسِر.

"الاغتصاب الاجتماعي" السلاح الذي لا يُرى

نحن كشعب نتعرض هنا لاغتيال لا يتم بالسلاح المادي المتعارف عليه، بل بسلاح معنوي أشد فتكا اسمه انتزاع الكرامة بشكل ممنهج وتدريجي.. طفل تُنتهك براءته، فتاة تُهان في الشارع، شاب يُكسر في المعتقل.. أب تُداس كرامته بين طوابير الخبز وهو عاجز عن سد جوع صغاره.. أم تُهزم أمام مطلب بسيط لحماية طفلها.

تتراكم الانتهاكات وتتحول إلى وحش جماعي يلتهم كل ما هو جميل، حتى يصبح المجتمع نفسه مشروعا لمسخ مستسلِم للتغيير القسري، هشا وفاقدا المناعة. هذه ليست مصادفة وليست خللا فرديا كما يرددون لنا، إنما هي بيئة مُصمَّمة بعناية ووفق خطة ممنهجة لتفريغ الإنسان من إنسانيته.

الواقع المرير

ما حدث في مدرسة سيدز وما حدث لياسين وما يجري في الجامعات والزنازين والبيوت ليس خطوطا متوازية، إنه خيط واحد حاد طويل يخترق الجسد المصري من طفولته حتى كهولته.. أن يعيش الإنسان في وطنه بلا كرامة، بلا أمن، بلا براءة طفولته، بلا جسد مصان؛ هو أمر يفوق كل أساليب التعذيب وحشية.

وفي النهاية يبقى السؤال الجارح الذي لا يريد أحد أن يسمعه: 

كيف يصبح وطن كامل مسرحا لانتهاك مواطنيه؟ ومن المستفيد من شعب يُقتل وهو حي؟ ومن سيحمي البراءة حين يصبح القاتل غير معلن، والقاضي غير مستقل، والطفل بلا صوت؟

الأحد، 23 نوفمبر 2025

حين دخل السادات الكنيست.. خرجت فلسطين من المعادلة وبدأت هندسة الإقليم لصالح إسرائيل

 حين دخل السادات الكنيست.. خرجت فلسطين من المعادلة وبدأت هندسة الإقليم لصالح إسرائيل

طارق الزمر
"ماذا جنى الإقليم من السلام المنفرد؟"




في التاسع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 وقف أنور السادات على منصة الكنيست، في لحظة بدت للكثيرين آنذاك انقلابا كاملا في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. كانت الزيارة بذاتها حدثا صادما، ليس لأنها كسرت حاجز العداء مع إسرائيل فقط، بل لأنها دشّنت مسارا جديدا أعاد تشكيل الإقليم كله، وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية ما زالت تفرض آثارها العميقة على مصر والمنطقة حتى هذه اللحظة، وبصورة أوضح في غزة اليوم.

لم تكن زيارة السادات مجرد خطوة دبلوماسية، بل كانت إعلانا عن خروج مصر من معادلة الصراع الشامل، ودخولها في إطار سلام منفرد يغيّر موازين القوى لمصلحة إسرائيل جذريا. فقد كانت مصر -بما تمثله من عمق جغرافي وديموغرافي وعسكري- رمانة ميزان الصراع. وبمجرد خروجها منه تحولت إسرائيل من كيان محاصر استراتيجيا إلى قوة متحررة من مخاوف الوجود، وأصبح الطريق مفتوحا لمشروع تمدد سياسي واقتصادي وأمني في محيط عربي منزوع القدرة على الردع. ولذا، لم تكن الزيارة حدثا عابرا، بل نقطة التحول الكبرى في تاريخ المنطقة المعاصرة.

تكن زيارة السادات مجرد خطوة دبلوماسية، بل كانت إعلانا عن خروج مصر من معادلة الصراع الشامل، ودخولها في إطار سلام منفرد يغيّر موازين القوى لمصلحة إسرائيل جذريا

أكبر تأثيرات الزيارة ظهرت أولا على القضية الفلسطينية. فمنذ 1948 وحتى 1977 كانت القاهرة القلب السياسي للمسألة الفلسطينية، وكانت الفصائل تدرك أن بقاء مصر في معادلة الصراع شرط أساسي للتوازن في مواجهة القوة الإسرائيلية، لكن حين ذهب السادات إلى إسرائيل دون توافق عربي، ثم وقع اتفاق كامب ديفيد، أُخرجت القضية الفلسطينية من إطارها العربي المشترك لتصبح "ملفا إداريا" تفاوضيا، يتولاه طرف فلسطيني منفرد في ظل موازين غير عادلة، ثم تحوّل تدريجيا إلى مشروع سلام يقوم على إدارة الصراع لا إنهائه. وبذلك تراجع البعد العربي للقضية، وتلاشى الإجماع، وتشرذمت أوراق القوة، وتحولت فلسطين من قضية أمة إلى "مسار تفاوض".

وفي المقابل، استعادت إسرائيل زمام المبادرة، فقد منحها الخروج المصري من الصراع حرية حركة كاملة مكّنتها من التوسع في الاستيطان، وتغيير الجغرافيا، وإعادة هندسة الضفة الغربية، وتقويض البنية المجتمعية الفلسطينية عبر تجزئة الأرض وتقطيع أوصالها. وبدون مصر كقوة رادعة، لم يعد هناك سقف عربي موحد لمواجهة هذا التمدد، فأصبح الفلسطيني وحده يواجه دولة تمتلك التفوق العسكري والسياسي والغطاء الدولي.

ولم يقف تأثير الزيارة عند حدود فلسطين، فقد أعادت رسم النظام الإقليمي نفسه. فبعد 1977 بدأت دول عربية كثيرة ترى أن الطريق لرضا واشنطن يمر عبر التفاهم مع إسرائيل، فضلا عن العديد من دول العالم التي اعادت علاقتها مع إسرائيل من بوابة العلاقات المصرية الاسرائيلية. وتحوّل الصراع العربي-الإسرائيلي من إطار صدامي إلى ما يشبه مسارا تفاوضيا متعدد المسارات، يفتقد العمق الاستراتيجي ويقوم على تنازلات متتالية. وهكذا شهدت المنطقة انفتاحا تدريجيا على إسرائيل انتهى بمرحلة التطبيع الواسع اليوم، والتي لم تكن لتحدث لولا أن السادات هو الذي فتح الباب أول مرة، وجعل كسر القطيعة "سابقة شرعية".

لكن الأثر الأخطر كان على الأمن القومي المصري نفسه، فقد فرضت كامب ديفيد ترتيبات أمنية قاسية قيّدت الوجود العسكري المصري في سيناء، وأعطت إسرائيل أفضلية استراتيجية على الحدود. ومع مرور الوقت تحولت سيناء إلى منطقة حساسة تستغلها إسرائيل للضغط على القاهرة عند الحاجة، بينما بقيت غزة محاصرة ضمن معادلة أمنية تتحكم فيها إسرائيل وتَعتبر مصر شريكا في إدارتها بحكم الجغرافيا. 
ما نراه اليوم في غزة ليس إلا النتيجة المتأخرة لهذا الاختلال: إسرائيل تحارب دون خوف، وتفاوض دون شريك عربي قادر، وتخطط لغزة والضفة والمنطقة دون رقيب. أما مصر، فقد وجدت نفسها في مأزق استراتيجي؛ إذ تحاول حماية سيناء ومنع التهجير والحفاظ على مكانتها،
ومع اشتعال الحرب اليوم في غزة، بات واضحا أن آثار زيارة السادات لا تزال حيّة، فالحدود المصرية-الغزية تُدار بمنطق كامب ديفيد وربما تجاوزته، والقرار في ملف غزة لم يعد مصريا بالكامل، بل مقيدا بحسابات أمنية فرضها اتفاق السلام.

وفي الحرب الجارية على غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما بعدها، يظهر الإرث الأثقل لزيارة السادات: انفراد إسرائيل بإدارة المشهد الاستراتيجي دون رادع عربي فعّال، وغياب أي منظومة ردع إقليمي قادرة على منع الإبادة أو التهجير أو التفريغ الديموغرافي. لقد أنتج الموقف العربي المتهالك نتاجا مباشرا للسلام المنفرد، وسمح لإسرائيل بأن تصور الحرب باعتبارها "معركة أمنية" لا نزاعا سياسيا. ولو كان العرب -ومصر تحديدا- ما زالوا داخل إطار صراع موحد، لما استطاعت إسرائيل أن تخوض حربا بهذا القدر من الوحشية، ولا أن تطرح مشاريع كتهجير السكان نحو سيناء أو السيطرة على معبر رفح ضمن ترتيبات "اليوم التالي".

زيارة السادات لم تؤسس للسلام، بل أسست لميزان قوى مختلّ. وما نراه اليوم في غزة ليس إلا النتيجة المتأخرة لهذا الاختلال: إسرائيل تحارب دون خوف، وتفاوض دون شريك عربي قادر، وتخطط لغزة والضفة والمنطقة دون رقيب. أما مصر، فقد وجدت نفسها في مأزق استراتيجي؛ إذ تحاول حماية سيناء ومنع التهجير والحفاظ على مكانتها، في حين تفرض عليها ترتيبات السلام قيودا تجعل حركتها أضيق مما ينبغي لقوة إقليمية بهذا الوزن.

إن ذكرى 19 تشرين الثاني/ نوفمبر ليست لحظة احتفال، بل لحظة مراجعة عميقة: ماذا جنى الإقليم من السلام المنفرد؟ ماذا خسرت فلسطين حين خرجت مصر من الصراع؟ وماذا خسرت مصر نفسها من نفوذها الإقليمي وقدرتها على ردع أي تهديد جوهري؟ واليوم، بينما غزة تحترق تحت النار، يتبين أن الطريق الذي بدأ في 1977 انتهى إلى مشهد تحتاج المنطقة كلها إلى إعادة بنائه من جذوره.