‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسطين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسطين. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

الحصاد المرّ لوصاية ترامب على غزّة

 الحصاد المرّ لوصاية ترامب على غزّة



وائل قنديل


انتهت بهرجة التسويق الدعائي لسلام دونالد ترامب وتكشّفت الحقائق، وأوّلها أنّ ما أُطلق عليه "مجلس السلام المكلّف بحكم غزّة" ليس إلا ذراعاً أمنيةً صهيونيةً، تأتمر بما يقرّره بنيامين نتنياهو وتعمل على تنفيذه، كما أنّ كلّ ما وعدوا به الجانب الفلسطيني تبخّر وبان أنّه لم يكن سوى فخّ نصبته الإدارة الصهيونية في البيت الأبيض، كما أنّ القصّة كلّها، منذ قرّر العرب إرجاع الأمر كلّه إلى الرئيس الأميركي، كانت تدور حول هدفَين لا ثالث لهما، وقد تحقّقا. 

الأول: حصول الكيان الصهيوني من طريق السلام الكاذب على ما تبقّى من أسرى له لدى المقاومة الفلسطينية، الأحياء منهم والأموات. 

الهدف الثاني، والأكبر والأهم، إعلان فصائل المقاومة تسليم الأسلحة أو تخزينها أو تعطيلها، كما يفضّل المخدوعون توصيف الموقف، وهو ما حدث بالفعل قبل ثلاثة أيّام في لحظة تسيطر فيها قوات الاحتلال الصهيوني على نحو 70% من أرض غزّة.


تلك هي الحقائق على الأرض، وتلك هي نتائج النضال العربي الرسمي من أجل تسليم غزّة إلى الرئيس الأميركي ليتصرّف فيها تصرّف المالك والحاكم، وهي الحقائق المؤسفة التي لا يكفي للتقليل من قتامتها بيان مائع وفضفاض صادر عن الوسطاء الضامنين للاتفاق الذي منح إسرائيل كلّ شيء، ولم يعطِ الفلسطينيين شيئاً واحداً، حتّى إن كان في سطور البيان أنين غضب وشعور بالإحباط مع عودة المذابح الصهيونية إلى معدّلاتها وقت العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركياً على الشعب الفلسطيني.
من المهم، بل من الواجب، أن يراجع الوسطاء نصوص ما وافقوا عليه وفوّضوا به دونالد ترامب لكي يتولّى الأمر كلّه، ليتبيّنوا ماذا فعلت الوساطة بوصفها جزءاً من الإدارة الأميركية للملفّ الفلسطيني، ويسألوا أنفسهم: 

هل لا يملك العرب والمسلمون شيئاً ليقدّموه للقضية الفلسطينية سوى تنفيذ مخطّطات ترامب وخرائط طريقه المفروشة بالانحياز المتعصّب للكيان الصهيوني؟
هل يكفي بيان للتنديد تعبيراً عن الإحباط من عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي بنود خطّة سلام ترامب وعودة عمليات القتل والاغتيالات لأهل غزّة؟... 

مؤسف أنّ لغة البيان ومضمونه لا يختلفان كثيراً عن بيانات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ لا شيء سوى الأسى والتنديد ومناشدة من يهمّه الأمر التدخّل لوقف انتهاكات إسرائيل، بينما كان مُصدِّرو البيان هم العنصر الضامن والفاعل والضاغط الذي أقنع الطرف الفلسطيني بتجرّع سموم خطط ترامب، التي تعاطى معها الوسطاء كأنّها نصوص قانونية مقدّسة، إن في شرم الشيخ، أو قبل ذلك فيما عرف باسم "المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حلّ الدولتَين" (نيويورك، 22 سبتمبر/أيلول  2025).
 من الواجب العودة إلى النصوص والتمعّن فيها من أجل تقييم حقيقي للمسار البائس، من أوّله إلى لحظته الراهنة، وهو المسار الذي بدأ بمساواة الشقيق بالعدو وفق رؤية ترامب: 

"نحن الموقّعون أدناه، نُدرك أنّ السلام الدائم هو السلام الذي ينعم فيه الفلسطينيون والإسرائيليون بالازدهار، مع حماية حقوقهم الإنسانية الأساسية، وضمان أمنهم، وصون  كرامتهم".                                        

هذا اقتباس ممّا سمّي "إعلان ترامب من أجل السلام والازدهار الدائم"، الصادر عمّا تسمّى "قمّة شرم الشيخ للسلام" التي انعقدت في 13 أكتوبر/تشرين الأوّل 2025، ونتجت عنها ما سمّيت "خطّة السلام الشاملة" أو "خريطة الطريق"، متضمّنةً عشرين بنداً شكّلت وقتها إعلاناً لوقف القتال في غزّة والدخول فوراً إلى السلام الأميركي. 

أمّا الموقّعون على إعلان ازدهار ترامب فهم: 

دونالد ج. ترامب – رئيس الولايات المتحدة الأميركية، عبد الفتاح السيسي – رئيس جمهورية مصر العربية، تميم بن حمد آل ثاني – أمير دولة قطر، رجب طيّب أردوغان – رئيس جمهورية تركيا، بحسب النصّ المنشور.
البند الأول من خريطة طريق ترامب نصّ على أن "تكون غزّة منطقةً خاليةً من التطرّف والإرهاب ولا تشكّل تهديداً لجيرانها"، وغني عن التوضيح أنّ الترجمة الحرفية للتطرّف والإرهاب بحسب قاموس دونالد ترامب وفريقه هي المقاومة للاحتلال، أمّا البندان الثاني والثالث فنصّا على "يُعاد إعمار غزّة لمصلحة سكّانها الذين عانوا كثيراً"، ثمّ ثالثاً "إذا وافق الطرفان على هذا المقترح، تنتهي الحرب فوراً. تنسحب القوات الإسرائيلية إلى الخطّ المتّفق عليه للتحضير لإطلاق سراح الرهائن. 

في غضون ذلك، تُعلَّق كلّ العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، وتبقى خطوط القتال مجمّدةً إلى أن يتم استيفاء الشروط للانسحاب الكامل على مراحل". لنصل إلى بيت القصيد في الموضوع كلّه مع البند الرابع: "في غضون 72 ساعة من قبول إسرائيل العلني بهذا الاتفاق، يتم تسليم جميع الرهائن، أحياءً كانوا أم أمواتاً".
تلك كانت المقدّمات المنطقية لما يعلنه الصهيوني صراحةً ووقاحةً بعد إعلان مرحلة تسليم المقاومة سلاحها، إذ أطلّ الهدف الرئيس الثالث وهو مسألة تهجير أهل غزّة، إذ أُعلن أوّل أمس أنّ "مجلس السلام" الذي أنشأه دونالد ترامب قد وجّه طلباً رسمياً لإسرائيل لإعداد خطة واسعة النطاق لإجلاء فئات محدّدة من سكّان قطاع غزّة، وهو ما يعني تدشيناً فعلياً لمخطّط التهجير الطوعي،  بديلاً مهذّباً لجريمة التهجير الجماعي، حيث التزم مجلس السلام بالعمل على إيجاد دولٍ حول العالم تكون مستعدّةً لاستقبال الطلّاب والمرضى وتوفير الترتيبات اللازمة لاستقرارهم في تلك الدول.
هذا هو حصاد ما زرعه العرب بأيديهم منذ أن وقّعوا اتفاقات وإعلانات ترامب التى بُنيت على أنّ الصهيوني الميّت أغلى من الفلسطيني الحيّ. 

السبت، 25 يوليو 2026

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

الأربعاء، 1 يوليو 2026

ملالي إيران شياطين مخادعون وليسوا مقاومين شهادة في الصميم

ملالي إيران شياطين مخادعون وليسوا مقاومين

شهادة في الصميم

 

لم يتحدث الخميني حديثًا صادقا إلا عندما وصف أمريكا بالشيطان الأكبر، وإن الأصدق من ذلك أن الإدارة الأمريكية هي الشيطان الأكبر الظاهر، أما النظام الإيراني الطائفي فهو الشيطان الأكبر الخفي، الذي يتخ في برداء المقاومة ويوم القدس، وكذلك بشعارات حب آل البيت.

كان هذا الوصف معقولًا قبل ثورات الربيع العربي التي عرّت إيران، لاسيما بعد أن أخذ النظام الإيراني الطائفي والحرس الثوري وفيلق القدس المخادع والميليشيات الطائفية المجرمة دورًا كاملًا في تدمير شعوب المنطقة واحتلال عواصمها برعاية أمريكية وتنسيق إسرائيلي عبر البوابة الروسية.

ثم جاءت محرقة طوفان غزة لتسقط ورقة التوت، وتنكشف سوءة نظام الملالي الإيرانيين، وتتبدل الأوصاف، ويتساوى الشيطان الأمريكي مع الشيطان الإيراني من حيث وضوح كفره وكبره وخداعه وعدوانه.

فلسطين بين الولادة المأمولة والموت المحقق

إن من فواجع الزمان التي حلت بفلسطين المعاصرة أن بعض قياداتها كانت تعتقد بولادة مسار فلسطيني جديد في الاتجاه الصحيح من خلال التحالف مع المشروع الإيراني، وفيما استغرق هذا المخاض نحو أربعة عقود تقريبًا، فإن المولود لم يكتمل، بل نزل مشوهًا بعد مخاض عسير ثم مات.

ومنذ لحظة إطلاق عملية السابع من أكتوبر ومعركة الطوفان، لم تتردد جميع القيادات الإيرانية في التصريح والإعلان عن عدم درايتها بالمعركة وتبرئها منها، وتعهدها طوال المعركة بضمان عدم توسيع الحرب الإقليمية في المنطقة، حتى هلاك آخر طفل في غزة.

واليوم، وبعد أن تقاتلت المشاريع المتوحشة والمتنافسة على الكعكة فيما بينها، وحصل الاحتراب الأمريكي الإيراني الإسرائيلي، فقد ختم النظام الإيراني مفاوضاته مع الأمريكيين بإسقاط غزة وفلسطين والأقصى من جميع حساباته، غير عابئ بمصير الشعب الفلسطيني عمومًا، ولا بواقع غزة على وجه الخصوص.

وكما بدأت الحكاية انتهت الرواية.

فهل يتعظ المخدوعون والحالمون، أم سيظلون في غيهم سائرين، وعن الحقائق متعامين؟

إيران شر مطلق في حالة السلم كما في حالة الحرب

إن إيران الملالي شر مطلق؛ في السلم كما في الحرب، وفي الهدنة كما في الصراع، فلا سلامها سلام، ولا حربها نصرة.

لقد نجحت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استخدام المشروع الإيراني والنظام الطائفي القابع في طهران بتدمير حواضر المنطقة العربية، والحيلولة دون أي نهضة إسلامية، وذلك جنبًا إلى جنب مع المشروع الصهيوني الذي بنى ذراعه التنفيذي على أرض الشام والمتمثل في كيان إسرائيل.

وقد تكامل المشروعان، رغم ما بينهما من تنافس وصراع ظاهر، في إضعاف شعوب المنطقة واستنزاف قواها وإشغالها بصراعات متواصلة، بما حال دون تشكل مشروع نهضوي عربي أو إسلامي قادر على التحرر من الهيمنة الخارجية وصناعة مستقبل مستقل، وذلك بعد أن أعطبت إيران الواقع الموضوعي الذي تتوفر فيه شروط النهضة كالأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والانسجام والتماسك المجتمعي في المحيط العربي، وحاولت خلخلته في الواقع التركي ولا تزال.

لا سلام حقيقيًّا بعد أن وضعت الحرب أوزارها

لم تُنهِ الإدارة الأمريكية الحرب مع إيران بالنهاية التقليدية التي تفكك النظام وتزيحه، بل حافظت على بقائه كمنظومة متكاملة، مع تشذيب بعض جوانبه بما يتوافق مع الأجندة الإسرائيلية الغربية والأمريكية.

الأمر الذي يعني تعاظم التهديد الإيراني للكتلة العربية التركية، بعد أن جُرح الذئب في طهران وبات يشتهي مص الدماء في محيطه العربي والإسلامي لتعويض خسائره الفادحة. وهو ما يشي بمستقبل قريب قاتم لدول الخليج، التي ستتعامل معها إيران وأمريكا بوصفها بقرة حلوب، تتعرض تارة للتهديد الإيراني المباشر، وتارة أخرى للتهديد الإيراني غير المباشر عبر البوابة الأمريكية، بحيث يستمتع المشروعان بسلب خيرات المنطقة على نحو أشد وأوسع من إيقاع النهم الأمريكي المعهود في السابق.

الإقليم العربي التركي الكردي بين الهيمنة الأمريكية والمنظومة الإيرانية المجرمة

من المؤسف أن يُصاب كثير من النخب بقصور في النظر وخور في الطرح؛ إذ يتحدث الجميع عن خطورة وجود القواعد الأمريكية في المنطقة، ولا سيما في دول الخليج، وهذا حق لا مرية فيه.

غير أن الغالبية تغفل عن أن المنظومة الإيرانية الإجرامية تقوم عمليًا بما يحذر منه الجميع في سياق الهيمنة الأمريكية؛ من تدمير للمنطقة، وتفكيك لمجتمعاتها، واضطهاد لشعوبها، ونهب لثرواتها، وقتل لنخبها، ومنع لها من التقدم والنهضة.

ومن هنا فإن الوعي بحقيقة التهديدات القائمة يقتضي النظر إلى المشهد بكامله، لا الاكتفاء برؤية بعض جوانبه وإغفال بعضها الآخر.

إن حجم التحديات القادمة على الأقاليم العربية والإسلامية أكبر من سابقاتها، الأمر الذي يستدعي مقاربة سياسية جديدة تنطلق من الوحدة العربية، وتتكامل مع الشوكة التركية، وهنا تكمن الجوهرة السورية إن تعا في وأصاب أهلها.

مضر أبو الهيجاء، فلسطين-جنين 14/6/2026

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا
إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

 

غيث التميمي أحد مشايخ القبائل العربية العراقية الشيعية، وصاحب مواقف جريئة وقبيحة، يتحدث عن كنه المشروع الشيعي بلا تقية، وهو ما ألجأه اليه واقع التدافع القائم، وطموحه السياسي المتعاظم، الأمر الذي لم يدع له فسحة أو هامشا للتقية أمام حجم المغارم التي يتوقعها، والمغانم التي يسعى لتحقيقها على المستويين الشخصي والجماعي.

إن مضمون حديث غيث التميمي، والممتد على مدى ثمانين دقيقة، لا يمكن عرضه أو تلخيصه في هذا المقام. غير أنني أدعو كل من يريد استيعاب بعض الزوايا المعتمة المتعلقة بالشخصية والمشروع الشيعي السياسي بلا تقية، الى الاستماع للحلقة كاملة؛ ففيها إضافات تكشف جوانب من الصورة ليست بهذا الوضوح عند عموم الناس وكثير من النخب.

سأترك للمهتمين تقييم المضامين بعد الاستماع إلى هذه الحلقة الكاشفة، غير أنني سأقف عند بعض الملاحظات الرئيسة التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذا اللقاء، وأضعها في نقاط:

1- إن حجم الجاهلية والعبث المتضمنين في مشاريع الدولة الوطنية لا بد ان ينتهيا الى مواقف سيئة، لا تحفظ البعد الأخلاقي عدا عن تعارضها الصريح مع مفهوم الامة، وتعويقها القاطع لتمكين رسالة الإسلام في الأرض، وتهديدها الدائم لمشروع الوحدة وهدرها القائم لقضايا العالمين العربي والإسلامي.

الأمر الذي يستدعي من العلماء ورثة الأنبياء -بل ورثة المواقف المتقدمة- بناء تصورات واسعة وعميقة لحقيقة وكنه مشاريع الدول الوطنية -التي تم استيرادها من التجربة الغربية في القرن التاسع عشر الميلادي- والتعامل معها بوعي يتجاوز الشعارات السطحية والمقاربات الضيقة والعصبية الحزبية والمشاريع المرحلية.

2- لم يعرف تاريخ العرب والمسلمين ولا أقاليمهم سيرة وسلوكا يعبر عن المقاومة والجهاد في تاريخ الأمم وسِيَر الحقب الشيعية، وإن ما يتحدث عنه بوضوح غيث التميمي كطموح سياسي في سياق معادلات ومقاربات جريئة ومفاجئة تجاه الكيان الإسرائيلي اليوم هي وقائع تعكس حقائق وتعبر عن كنه وحقيقة التصور والموقف والسلوك السياسي للشيعة عبر التاريخ.

غير أن المشروع الإيراني الطائفي انتزع فكرة المقاومة ليخدع قطيع المغفلين من أمتنا الذين يتصفون بهشاشة البناء العقدي.

3- لم يعرف التاريخ الإسلامي مواقف على المستوى الفردي والجماعي في مواجهة الباطل سواء أكان احتلالا خارجيا أم استبدادا داخليا أم منكرا قائما إلا عند المسلمين من أهل السنة والجماعة. وهو نتاج طبيعي يعكس جوهر التوحيد الذي لا ينحصر في التصورات العقلية والأعمال القلبية بل يترجم إلى واقع سلوكي فردي وجماعي سياسي -وهي ثلمة في مدارس التصوف-.

وقد جسدت شعوب الأمة دلالات التوحيد، وكان آخرها الجهاد في فلسطين، والذي سبقه جهاد في سوريا والعراق واليمن ومصر والمغرب والسودان والشيشان وأفغانستان وتركيا وكردستان، ولم تخل منه بقعة إسلامية.

4- إن الأدوار المشبوهة التي يمارسها رجالات الشيعة من السياسيين تجاه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ليست مواقف خارج الشرعية، فقد عبر عنها غيث التميمي -بلا تقية- وكشف إتصالها بالمرجعية الشيعية، حتى لو حملت المرجعية خطابا مغايرا بتقية، لينخدع خلفها المغفلين في الأمة.

5- إن فلسطين من أعظم وأقدس قضايا الأمة، والأقصى سبب يدفع نحو تحقيق الوحدة الاسلامية، كما أن احتلاله سبب لتثوير الشعوب ضد الظلم والاستبداد ورفض الاستخذاء أمام القوى الغربية.

غير أن حقبتنا المعاصرة قد شهدت وجود قيادات نافذة قادت فلسطين إلى مسارات خاطئة وخدعت أمة التوحيد وغررت بالمسلمين لصالح رؤية حزبية ضيقة. وهو ما يوجب عليها إعلان توبة من كبيرة الكبائر السياسية لتكَفِّر عن إثمها الكبير وتعالج آثار تجربتها ودعاويها المضطربة وترويجها المضلل الذي شوّه الجهاد ولوّثه وأفسد معنى النصر في أذهان المسلمين بلوثة إيرانية طائفية شيعية.

6- إن تعري المشروع السياسي الشيعي تجاه المسألة الفلسطينية وانكشاف خداعه يضع القضية برمتها أمام تحدي السقوط المرحلي، وذلك لأنها بنت استراتيجيتها خلال العقود الأخيرة على الحلف مع المشروع الشيعي الإيراني الذي أصبح جزءا رئيسيا من عمادها الحزبي التنظيمي المالي العسكري والسياسي.

وهو ما يوجب على المنتمين -الذين لا يعبدون فلسطين ولكن يعبدون رب فلسطين ويؤمنون برسالة المعراج ويهتدون بمن عرج من الأقصى للقاء ربه في السماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- أن يعيدوا صياغة تصور جديد ومختلف يعترف بالأخطاء ويحددها بوضوح دون كبر مفض إلى الخسارة والاستبدال، ليتمكنوا من بناء تصور جديد ومقاربة سياسية وجهادية ومجتمعية مختلفة تنطلق من هوية الأمة الثقافية القائمة على الدين، وترتكز على شعوب الأمة بديلا عن السرداب الأسود الذي تاهوا فيه تحت مسمى وحدة الساحات الإيرانية الشيعية.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 12/6/2026