‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قضايا وآراء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قضايا وآراء. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 أكتوبر 2026

الذكاء الاصطناعي والإنسان

الذكاء الاصطناعي والإنسان
"منع الاستقلالية الكاملة للآلة في القرارات المصيرية، وتكون مساعدا ويظل القرار بمسؤولية الإنسان"                                                                                                   

تكامل أم فجوة إدراكية؟

التفكير يمثل القيمة الآدمية لعمارة الأرض والتمدن، ومع الطفرة الهائلة في مجالات الذكاء الاصطناعي وشبكات التعلم العميق، نجد سؤالا يتكرر: هل تفكر الآلة حقاً كالبشر؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الإدراك الإنساني والمعالجة الحاسوبية؟ هذه الفجوة سنحاول فهمها بين "الإدراك" الآدمي و"المعالجة" الآلية؛ لحماية منظومة العقل وتوجيه التقنية.

البُعد الفلسفي ومعضلة الوعي

بالحديث عن الوعي نستقرئ تيارين رئيسيين:

- المنظور المادي: يرى الدماغ كـ"حاسوب بيولوجي" معقد، تحدث فيه تفاعلات كيميائية وإشارات كهربائية بين التشابكات العصبية في الدماغ، وبناءً عليه، يمكن للآلة مستقبلاً الوصول للوعي الكامل إذا ما حاكت الشبكات العصبية الاصطناعية تعقيد الدماغ البشري (والذي يتجاوز 86 مليار خلية عصبية)، فيما يُعرف بالسعي نحو الذكاء الاصطناعي العام.

- الإحساس بالوجود، النفس، التمييز بين الحق والباطل وإقامة القيم، الإحساس بالجمال وتراكيب المعنى؛ ووفقاً لهذا كله، ستظل الآلة جثة تتحرك بمدخلات ومخرجات، محاكيه الذكاء دون امتلاك "ذات" حقيقية تختبر الوجود وتتحمل المسؤولية الأخلاقية عن أفعالها، من هنا يخشى عليها من طموح البشر القادر على الإبداع لكن أيضا يفتقد القدرة على الإحاطة والتدبير ومعرفة ما سيحصل إن سار بهذا أو ذاك المسار.

لعل تجربة "الغرفة الصينية" للفيلسوف جون سيرل توضح هذا الفارق؛ فالآلة التي تتبع قواعد برمجية وضخمة لإخراج إجابات مثالية بالصينية تحاكي الفهم لمن ينظر إليها من الخارج، لكنها في الحقيقة تعالج الرموز الرياضية ببراعة لامتناهية دون إدراك معناها الفعلي أو فهم المضمون

ولعل تجربة "الغرفة الصينية" للفيلسوف جون سيرل توضح هذا الفارق؛ فالآلة التي تتبع قواعد برمجية وضخمة لإخراج إجابات مثالية بالصينية تحاكي الفهم لمن ينظر إليها من الخارج، لكنها في الحقيقة تعالج الرموز الرياضية ببراعة لامتناهية دون إدراك معناها الفعلي أو فهم المضمون.

الإرادة الحرة والمسؤولية

عند اتخاذ القرار، يشعر الإنسان بيقين داخلي بالحرية والإرادة الحرة، بينما يختلف واقعه تماماً عن الآلة:

- حتمية البرمجة الرقمية: الآلة لا تمتلك خياراً حقيقياً؛ تفكيرها محكوم بمعادلات صلبة ودوال رياضية تسعى لتحقيق هدف محدد مسبقاً وهو تقليل نسبة الخطأ، وما يبدو "ارتجالاً" مفاجئاً أو غير متوقع هو نتاج تداخل مصفوفات احتمالية معقدة داخل ما يُعرف بـ"الصندوق الأسود"، ولا تملك القدرة على التمرد على برمجتها الأساسية.

- الجينات وومضات النفس: يرى الماديون أن تفكير الإنسان محكوم ببرمجة جينية وبيئية وتجارب متراكمة تشبه مدخلات الآلة، بينما يرى المؤمنون أن الإنسان يتميز بمنظومة تدير الاستجابة والرفض لفاعلية الغرائز ومخالفة مصلحته البيولوجية المباشرة (كالإضراب عن الطعام أو التضحية بالنفس لأجل قيمة أخلاقية وعليا)؛ مواقف تمنحه الأهلية والمسؤولية الأخلاقية والتحمل أمام الخالق وفي القوانين الوضعية والمجتمع.

المسؤولية الجنائية والأخلاقية في المستقبل

يتجلى الفارق بين النمطين عند انتقال الآلة من مرحلة المساعدة إلى مرحلة "اتخاذ القرار الإدراكي" في قطاعات حساسة كالطب والقانون:

- مأزق القرار الطبي وتلاشي الضمير: إذا قرر نظام ذكاء اصطناعي في مستشفى مستقبلي وقف أجهزة الإنعاش عن مريض يعاني من فشل متعدد في الأعضاء لأن نسبة شفائه إحصائياً وبناءً على مليارات البيانات هي 0.3 في المئة فقط، وتوجيه الموارد لمريض آخر، فإنه يعالجه كرقمنة إحصائية جافة لا كقيمة إنسانية؛ في المقابل، يمتلك الطبيب البشري "الحدس الطبي" والتعاطف ونبرة الصوت ولغة الجسد التي تدفعه للمحاولة وقراءة ما بين السطور. وهنا تبرز معضلة قانونية وأخلاقية: من يُحاسَب جنائياً عند الخطأ الخوارزمي؟ هل هي الشركة المطورة للخوارزمية، المستشفى، أم الطبيب الذي وقع على التقرير تفادياً لمخالفة "السيستم" في مستشفاه؟

- "القاضي الآلي": عند التنبؤ بالمخاطر الجنائية من خلال الأنظمة واحتمالية عودة المتهم لارتكاب الجريمة؛ قد تحكم الآلة بالسجن لفترة طويلة على شاب سرق رغيف خبز، أو دواء، بناءً على سجل عائلته أو بيئته التاريخية.

الآلة أو الروبوت هنا يطبق نموذجا إحصائيا بأفكار مسبقة وضد الفعل السيئ، بينما يمتلك القاضي البشري القدرة على فهم سياق الدوافع الإنسانية والتمييز بين النزعة الإجرامية والحاجة، وتطبيق "الرحمة" و"روح القانون"، وهو ما يعجز التفكير الخوارزمي عنه.

ومع هذا، فبشرنا اليوم ممن فقد الآدمية، يحاسب من يسرق خبزا ليعيش ويتعاطف مع نهاب فاسد يسرق مستقبل بلده وأمته، هذه هي الروبوتات البشرية الفاقدة للقيم.

الفجوة في آليات الإدراك والكفاءة والتعميم

عند النظر إلى الفروقات التشغيلية والتقنية بين الطرفين، نجد تفوقاً بشرياً مذهلاً في عدة محاور:

- آلية العمل واستهلاك الطاقة: أسلوب عمل الدماغ البشري كما خلقه الله يعمل بكامل طاقته الإدراكية باستهلاك نحو 20 واط فقط؛ في المقابل، تعتمد الشبكات العصبية الاصطناعية على الأوزان والتعديل في العمليات الخلفية غير الظاهرة، وتحتاج مراكز البيانات والخوادم الضخمة إلى ميغاوات من الكهرباء وتبريد مستمر.

- التعميم: يمتلك الإنسان ذكاءً فطريا؛ إذ يستطيع الطفل تعلم مفهوم "الكلب" من رؤية صورتين فقط وتعميمه على الواقع والرسوم المتحركة، بينما يظل الذكاء الآلي ضيقاً ومحدوداً، حيث تحتاج الآلة لآلاف الصور، وتظل معرضة للفشل أو التفريط إذا تغيرت الإضاءة أو البيئة بشكل غريب.

- الدافع والمحرك: يتحرك الإنسان بدوافع منها؛ الغرائز، الوعي بالبقاء، الفضول المعرفي، التكليف الأخلاقي، والإيمان الديني، بينما لا تتحرك الآلة إلا بطلب الاستدعاء للوصول لأقل نسبة خطأ.

الحماية للبشر والتوجيه للآلة

لمنع وقوع البشرية في فخ "الكسل الإدراكي" (إضعاف مرونة الدماغ وقدرته على التحليل نتيجة الاتكال الرقمي الكامل)، ولضمان بناء أنظمة تحترم الإنسانية، يجب تبني الاستراتيجيات التالية:

- استراتيجيات حماية العقل البشري:


1- صياغة الحلول ذاتياً وقراءة المعطيات بعين ناقدة قبل استشارة الآلة أو تسليمها القرار النهائي.

2- الإنسان يُحدث العصف الذهني، والتخطيط الاستراتيجي، وحل المشكلات المعقدة بنفسه، ويترك الحسابات الطويلة للآلة.

- دليل أخلاقيات الخوارزميات (للمتخصصين والمطورين):

1- تطهير البيانات: فحص وتعديل بيانات التدريب دورياً لضمان عدم تبني الآلة للعصبيات التاريخية، العنصرية، أو الجغرافية، وهذا ما لاحظته نتيجة البرمجة بالتعاطف مع الأقليات.

2- منع الاستقلالية الكاملة للآلة في القرارات المصيرية (كالطب والقضاء)، وتكون مساعدا ويظل القرار بمسؤولية الإنسان.

خلاصة المقال

الإنسان يفهم ويحس، بينما تحسب الآلة تكراراتها الإحصائية ومعالجة الرمز، التطور مهم، في التكامل؛ حيث نُسخر سرعة الآلة التنفيذية الفائقة لخدمة إنسانية الإنسان دون التنازل عن جوهر وعينا، ضميرنا، وحرية إرادتنا، ولا يترك الأمر بيد مغامرين من أصحاب الأموال بل مراقبتهم من الناحية الأخلاقية، لأنه قد ينتج ما يدمر البشرية فالمسألة ليست بالتعلم وإنما بكيفية استخدامه.


الجمعة، 2 أكتوبر 2026

اختلاف الفقهاء رحمة.. واختلاف الأطباء يسبب لنا زحمة!

 اختلاف الفقهاء رحمة.. واختلاف الأطباء يسبب لنا زحمة!


أحمد عبد الرحمن العرفج
كاتب رأي

حين كنا تلاميذ قالوا لنا: إنّ النتائج في العلوم التطبيقية كالطب والرياضيات والهندسة محسومة ومحددة؛ بمعنى آخر؛ واحد زائد واحد يساوي اثنين!

ولكن مع تطور الحياة ومع وتدفق العلم وانفجار المنصات وكثرة البحوث و #هيمنة_الترند ، تبيّن لنا أن الاختلاف عند الأطباء أكثر من الاختلاف عند الفقهاء.

كنا ندرس مثلاً الفقه نجد المسألة فيها رأيان أو ثلاثة، نحفظها ثم نطوي صفحتها.

أما في موضوع الطب فالأمر مختلف؛ حيث تجد في "المسألة الطبية" عشرات الفتاوى كلها مقرونة بالأدلة، ولكن هذه الفتاوى لها ضحية واحدة هو "أنا" -أقصد المتلقي- لأنّها تربكني فلا أدري ماذا أفعل؟!

خذوا على سبيل المثال الحالات التالية:

▪️أولاً: وجدت الاختلاف بين الأطباء حول فوائد وأضرار القهوة أكثر من اختلاف الفقهاء حول المسح على الخفين.

▪️ثانياً: وجدت اختلاف الأطباء حول أضرار وفوائد أدوية الضغط والكلسترول أكثر من اختلاف الفقهاء حول حكم الوضوء من تناول لحم الجزور وهو "الإبل".

▪️ثالثاً: وجدت اختلاف الأطباء حول فوائد وأضرار استخدام إبر التنحيف "المنجارو"، أكثر من اختلاف الفقهاء حول حكم شهادة من يربي الحمام!

يا قوم... إننا في منصات مواقع التواصل الاجتماعي وقعنا في حيرة حين وجدنا هذه الاختلافات الكثيرة بين الأطباء، فلا ندري هل نسمع كلام هذا الطبيب أم ذاك؟

نعم؛ لقد قالوا أن اختلاف الفقهاء رحمة، ولكن هل اختلاف الأطباء رحمة أم هو نقمة، وأحد العوامل التي تسبب لنا الزحمة!

#قاله_العرفج


اختلاف الأطباء
الآراء الطبية المتضاربة
حيرة المريض
النصائح الطبية
وسائل التواصل الاجتماعي
الفتاوى الطبية
القهوة والصحة
إبر التنحيف


الاثنين، 7 سبتمبر 2026

كيف صدقنا أم أربعة وأربعين من دون أن نعد؟

كيف صدقنا أم أربعة وأربعين من دون أن نعد؟

حمد حسن التميمي


تمرُّ أم أربعة وأربعين مسرعة قرب الجدار، فيبتعد الجميع، ولا يفكر أحد في عد أرجلها؛ فالاسم قام بالمهمة قبل أن تبدأ الملاحظة. 
لكن المفارقة أن العدد الذي تحمله الحشرة في اسمها غير ممكن تشريحياً، فعدد أزواج أرجل الحريش يكون فردياً، ولذلك يستحيل أن يبلغ مجموعها أربعاً وأربعين. ومع ذلك، عاش الاسم بيننا مطمئناً، لا لأن أحداً تحقق منه، بل لأن أحداً لم يجد سبباً ليسأل.


وقد يُقال إن الأمر مجرد تسمية شعبية، وهذا صحيح؛ فاللغة ليست كتاب أحياء، والأسماء لا تُطالب دائماً بتقديم شهاداتها العلمية. 
لكن أم أربعة وأربعين تكشف عادة بشرية تتجاوزها: 
نحن لا نفحص دائماً أصل ما نردده بثقة. يكفي أن يبدأ أحدهم جملته بعبارة «من المعروف أن...» حتى يصل الكلام محاطاً بهيبة الجماعة، وإذا سألت عن المصدر، بدا سؤالك اعتراضاً على أمر محسوم، لا بحثاً عن دليل.

في عام 1977، أجرى الباحثون لين هاشر وديفيد غولدشتاين وتوماس توبينو تجربة أصبحت أساساً لما عُرف لاحقاً بأثر الحقيقة الوهمية. 
عرضوا على المشاركين عبارات محتملة من مجالات مختلفة، وطلبوا منهم تقدير مدى صحتها في ثلاث جلساتٍ تفصل بينها أسابيع، مع تكرار بعض العبارات في كل جلسة. لم يقدم الباحثون دليلاً جديداً، لكن العبارات المكررة بدت للمشاركين أكثر صدقاً. 
لقد منحها التكرار ما لم يمنحها البرهان.

فالعبارة التي نسمعها مرة أخرى لا تدخل إلى العقل كغريبة؛ تجد لها أثراً سابقاً فتمر بسهولة، وقد نترجم هذه السهولة إلى شعور بالصحة. 
لا نقول: «سمعت هذه من قبل»، بل نقول: «أنا أعرفها». 
وهكذا تخطو المعلومة المسافة بين الألفة والحقيقة من دون أن يوقفها أحد، ثم نستميت أحياناً في الدفاع عنها، لا لأن دليلها قوي، بل لأن الاعتراف بخطئها يهز ثقتنا بذاكرتنا.

والأخطر
أن الأمر لا يقف عند أسماء الحشرات والمعلومات الطريفة. 
فقد نكرر وصفاً عن إنسان حتى يلتصق به، ونردد حكماً عن جيل أو أسرة أو مجتمع حتى يتحول إلى عدسة نراهم من خلالها. يبدأ الكلام انطباعاً عابراً، ثم يمنحه التكرار سلطة، حتى يجد الإنسان نفسه مطالباً بإثبات أنه ليس الصورة التي رسمها له الآخرون. وهنا ينتقل وهم الحقيقة من خطأ في المعلومة إلى ظلم في الحكم.

ولا تحتاج المعلومة الخاطئة دائماً إلى كاذب؛ يكفيها ناقلون واثقون. يقولها الأول على سبيل الظن، وينقلها الثاني من دون تردد، ثم تصل إلى الثالث وقد فقدت علامات الاستفهام. 
وقد منحت المنصات هذا المسار سرعة أكبر؛ فنرى العبارة نفسها في حسابات مختلفة ونحسب أننا أمام مصادر متعددة، مع أنها قد تكون صدى لصوت واحد يتردد في الغرفة نفسها. 
فالانتشار يخبرنا بأن المعلومة جذابة أو موافقة لما نحب، لكنه لا يقدم شهادة بصحتها.

ولست أدعو إلى الشك في كل كلمة، أو إلى تحويل المجالس إلى لجان تحقيق. لكنني لا أخشى جملة «لا أعرف»؛ فهي جملة صادقة تحدد حدود صاحبها وتترك باب المعرفة مفتوحاً. ما يستحق الخوف هو نقيضها حين يُقال بلا حق: «أنا أعرف». 
فالجهل الذي يعترف بنفسه يمكن علاجه، أما الجهل الذي يرتدي هيئة اليقين، فيقاوم السؤال ويعد المراجعة إهانة.

أم أربعة وأربعين لا يعنيها الاسم الذي منحناه لها؛ ستمضي بما لديها من أرجل سواء عددناها أم لم نعد. لكن ما ينبغي أن يعنينا هو الأفكار والأحكام التي تمشي في رؤوسنا بالطريقة نفسها: نمنحها عدداً لم نتحقق منه، ثم نكرر اسمها حتى ننسى أننا لم نعد منذ البداية. فكم حقيقة في عقولنا صنعها التكرار، ثم أقنعنا أننا نحن الذين اكتشفناها؟



الأحد، 2 أغسطس 2026

الإسلام وإلغاء الاسترقاق.. قراءة في النصوص والممارسات

الإسلام وإلغاء الاسترقاق.. قراءة في النصوص والممارسات

الاثنين، 27 يوليو 2026

زرقاء اليمامة في برج فوكو

زرقاء اليمامة في برج فوكو





حمد حسن التميمي

حين يقف إبهامك ثواني معدودة فوق شاشة الهاتف، تكتب رأياً صادقاً ثم تعود لتمحوه حرفاً بحرف، لا، لأنك اكتشفت خطأه، بل لأنك تخيلت وجوه الذين سيقرؤونه، تكون قد فعلت شيئاً أخطر من الصمت.

 لقد استعرت عيون الآخرين كي تراقب بها نفسك. 

لم يطلب منك أحد أن تحذف، ولم يصل إليك اعتراض، ولم تقع الإدانة التي تخشاها، لكنك رأيتها قبل أن تحدث، وسمعت الأحكام قبل أن تُقال، فأسرعت إلى تهذيب نفسك وفقاً لها. نسمي هذا حكمة أو مراعاة أو حفاظاً على الصورة، لكن المراعاة تختار كيف تقول الحقيقة، أما هذا فيغير ما تراه لتنجو صورتك، فلا تحمي علاقتك بالآخرين بقدر ما تسلمهم عينيك.


كانت زرقاء اليمامة في الموروث العربي تُبصر الجيش قادماً من مسيرة ثلاثة أيام. وحين رأت جنود الأعداء يتخفون خلف أغصان الشجر التي يحملونها ليستروا زحفهم، حذرت قومها فسخروا منها وكذبوا عينها التي رأت أبعد منهم، حتى داهمهم العدو فهُزموا. لم تكن مأساتها أنها أخطأت النظر، بل إن الحقيقة التي رأتها لم تحصل على موافقة الجماعة. 

أما زرقاء اليمامة الجديدة فلا تنتظر قومها حتى يكذبوها، بل تسبقهم إلى ذلك. لم يعد العدو خارج السور، بل صار الرقيب داخل الرأس. ما إن ترى شيئاً حتى تشك في رؤيتها، وما إن تشعر بشيء حتى تعرض شعورها على عيون الآخرين، فلا تصدق ما رأت حتى يصدّقه الآخرون.


وهكذا نحكم على الفكرة قبل أن نقولها. قبل أن تكتب رأياً أو تتخذ موقفاً، يمر في ذهنك شريط سريع: 

ماذا سيقول عني الناس؟ كيف سيفهمني أصدقائي؟ وهل تبقى صورتي كما يعرفونها إن قلت ما لا يتوقعونه؟ وحين تصبح كل فكرة رهينة هذا السؤال، فكيف تعرف أن مواقفك اليوم نابعة منك حقاً، لا مجرد خيارات آمنة اخترتها خوفاً من أن يتخلى عنك الناس؟

وهذه الرقابة التي نمارسها على أنفسنا هي بالضبط ما فككه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب» عام 1975، حين درس كيف تتحكم السلطة في الإنسان الحديث. 

لم تعد السلطة عنده تحتاج سوطاً ولا سجاناً، يكفي أن تجعلك تشعر أنك مُراقب فتتولى أنت حراسة نفسك. وقد وجد صورته المثالية في سجن تخيلي صممه المفكر جيريمي بنثام قبل قرنين، تُبنى فيه الزنازين في دائرة حول برج حارس واحد. 

لا يرى السجين داخل البرج، فلا يعرف متى تُراقبه العين ومتى تغفل، فيفترض أنها تراه دائماً، ويبدأ يراقب نفسه بنفسه. 

أدرك فوكو أن قوة هذا السجن ليست في الحارس، بل في رأس السجين الذي حمل الحارس إلى داخله. 

لكن برجنا اليوم لا يقف في منتصف جدران حجرية، بل نحمله في عقولنا وعلى شاشات هواتفنا. تدخل معنا تلك العيون فنغير نبرة صوتنا قبل أن يتكلم أحد، وترافقنا إلى التمرير اللانهائي فنحذف جملة لمجرد أنها قد تُفهم على غير ما أردنا.

قد تقول: وما العيب في أن نراعي من حولنا؟ أليس الإنسان كائناً اجتماعياً لا يعيش خارج جماعته؟ هذا صحيح، والاستقلال ليس أن يقول المرء كل ما يخطر له. الضمير نفسه عين نحتاج إليها. 

لكن الفارق أن الضمير يسألك إن كان فعلك صحيحاً من الداخل، أما الرقيب الاجتماعي فيسألك إن كان مقبولاً من الخارج، فيعيد تشكيلك حتى تصبح النسخة التي لا يعترض عليها أحد، لأنها لم تعد تحمل منك ما يكفي لإزعاجهم.

والثمن ليس تردداً عابراً، بل استنزاف صامت. 

لا يتنازل المرء عن ذاته دفعة واحدة، بل على أقساط صغيرة لا تثير الخوف: بكلمة يبتلعها اليوم، وموقف يؤجله غداً، ورغبة يتخلى عنها حتى ينسى أنها كانت له. وبمرور الوقت، تتوقف العين عن رؤية الأشياء كما هي، وتبدأ في رؤيتها كما تسمح الجماعة أن تُرى.

والأخطر أن جيلاً كاملاً ينشأ اليوم داخل هذا البرج دون أن يعرف أن له باباً. جيل وُلد والشاشة في يده، تعلم أن يقيس قيمة الفكرة بعدد من يوافق عليها، وأن يعرض مشاعره للتصويت قبل أن يعيشها. 

لن يحتاج من يكذب رؤيته كما كُذبت زرقاء اليمامة، لأنه لم يعد يملك رؤية خاماً لم تمر على تصويت الآخرين أولاً.

وإذا كانت مأساة زرقاء اليمامة قديماً أن قومها لم يصدقوا ما رأت، فإن مأساتنا اليوم أننا حملنا قومنا إلى داخل أعيننا، فلم نعد نصدق ما نراه حتى يمنحونا الإذن. 

ولو دخلت زرقاء اليمامة برج فوكو اليوم، لما رفعت رأسها بحثاً عن الحارس في الأعلى، بل اكتشفت أن البرج غادر مكانه منذ زمن، وأعيد بناؤه خلف عينيها.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟


هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟
د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي



بينما كنت أتابع إحدى المنصات العربية، استوقفتني أطروحة ألقاها أحد الذين يقتاتون على إثارة الجدليات العقيمة في وسائل الإعلام، ويمارسون هواية ضرب الأصول والمرويات التاريخية التي استقرت في وجدان الأمة العربية وضميرها الثقافي لقرون طويلة، حيث راح هذا المتحدث ينكر بجرأة تامة وقوع حوادث جمة ومنها حادثة "عام الفيل" جملة وتفصيلاً، مستنداً إلى قراءات قاصرة وتأويلات مستشرقين حاولوا التشكيك في النص القرآني عبر نقوش أثرية أسيء فهمها، ويغلب عليها الجهل والجهالة، وإن هذا الإنكار المتهافت دفعني تلقائياً لإعادة قراءة هذه القصة العظيمة وتأملها بعمق وجدية أكاديمية، فحملة أبرهة الحبشي لم تكن في حقيقتها مجرد رد فعل، بل كانت تمثل حلقة من حلقات الصراع الجيوسياسي المحتدم بين القوى الكبرى العالمية التي تحيط بالجزيرة العربية، فلقد كانت القوة المسيحية البيزنطية والأحباش تسعى بكل ثقلها لبسط النفوذ الاستعماري على الدويلات والقبائل العربية، والدخول في صراع إستراتيجي مباشر مع النفوذ الساساني الوثني، وفي هذا السياق، تحرك أبرهة من حالة الخمول والتبعية ليرسخ حكمه في اليمن، محاولاً تحويل أرض العرب إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات السياسية، والسيطرة على خطوط التجارة البرية العالمية المارة عبر الحجاز وتهامة، والتي منحت مكة موقعاً إستراتيجياً وممراً حيوياً للقوافل الشرقية.



وفي غمرة هذا الصراع الاستعماري المحموم، جاء بناء أبرهة لكنيسته الشاهقة التي عُرفت بـ "القليس" في صنعاء، مستعيناً بأحجار جُلبت من قصر بلقيس، ومزيناً إياها بالذهب، والفضة، والرخام، والياقوت الأحمر، في محاولة بائسة لإبهار ملك الحبشة والقيادة الرومانية وصرف حج العرب إليها وتحويل حركتهم الاقتصادية والدينية لليمن بدلا من العمق الحجازي. ولأن أيديولوجية الطغيان تعمى دائماً عن فهم الوجدان العقدي وحرمة المقدسات لدى الشعوب وجالبة للفوضى في الإقليم، فقد ارتكب النصارى الأحباش خطأً إستراتيجياً وفادحاً حينما حاولوا استفزاز مشاعر القبائل العربية وتحدي رمزية الكعبة المشرفة، وتعددت الروايات التاريخية حول الشرارة المباشرة التي جاءت كرد فعل لهذا الاستفزاز، ومنها قصة دخول رجل من كنانة العرب وتدنيسه لجدران القليس بالقاذورات لبيان حقارتها رداً على دعوة السلطة اليمنية النصرانية لتهميش الكعبة المشرفة.

وعندها حشد أبرهة جيشه العرمرم المدعوم مادياً ومعنوياً من القيادة الإثيوبية والرومانية، يتقدمه فيل ضخم يُدعى "أبو الفيلة"، وحاصر مكة مساقاً بطغيانه وجبروت آلته العسكرية، وتجلت أسمى مواقف السياسة المحنكة والعقلانية في رد سيد قريش عبد المطلب بن هاشم، حين قال لأبرهة بثقة مطلقة ويقين حازم بعدما طلب استرداد إبله المسلوبة: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه !، ولأن العوامل البشرية والقوانين المادية تفرض الانسحاب، واللجوء إلى رؤوس الجبال لعجز القبائل العربية عن مواجهة هذا الجيش الطاغي كحسبة مادية، إلا أن النتيجة النهائية تظل دائماً معلقة بمشيئة مسبب الأسباب وحده، وحين وجهوا الفيل صوب مكة ليدخل الحرم، برك الفيل الأكبر وأبى التقدم رغماً عنهم، بينما كان يهرول سريعاً إذا وجهوه نحو اليمن أو الشام أو المشرق، ولم ينتهِ الطغيان البشري حتى أتاهم أمر الله ونزل العذاب الإلهي بالمغمس، حيث أرسل الله أضعف جنده طيراً أبابيل متتابعة ومتفرقة، تحمل حجارة من سجيل حوّلت ذلك الجيش العرمرم إلى "عصف مأكول".، كما خلدها الله للبشرية في سورة "الفيل"، ولقد أبيدت تلك المخططات الشيطانية بالكامل، وهلك الطاغية أبرهة بجسد يتساقط قطعة قطعة حتى انصدع صدره في صنعاء، ليتوج هذا النصر الرباني برفع مكانة مكة وقريش دينياً وسياسياً بين سائر القبائل العربية، وليصبح هذا العام تاريخاً مجيداً تؤرخ به العرب، وإرهاصاً ودلالة واضحة على شرف البيت الحرام الذي شهد في نفس العام مولد المصطفى ﷺ.

من أجبرك ؟.. المجتمع لا يكتب قدرك

 من أجبرك ؟.. المجتمع لا يكتب قدرك

حمد حسن التميمي

تجلس وحدها في الثلاثين أو الأربعين، وتستمع للغط صامت من حولها: لماذا لم ترتبطي بعد؟. 

لا أحد منهم يدرك أنها هي من رفعت سقف كرامتها، وأنها رفضت من تقدم لخطبتها لأنه لم يكن مناسباً لروحها وفكرها؛ رفضت بوعيها، ومع ذلك يعاملها المجتمع كمتهمة، وكأن العمر خطيئة، وكأن عدم الارتباط بأي شخص والسلام هو فشل يستدعي التفسير والاعتذار. 

وفي زاوية أخرى من هذا المشهد الواقعي، تجد آخراً نهش المرض سنوات من شبابه فوجد نفسه محاصراً بنظرات التقييم، وكأن الحياة سباق يجب أن ينتهي عند خط وصول واحد رسمه ناس لا يعرفونك. 

بينما يخطو ثالثاً نحو مقاعد العلم أو يغيّر مساره متأخراً عن توقيتهم الجماعي. 

غير أن ما يزعج هذا كله من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: من أجبرك أصلاً على أن تزن قيمتك بجداولهم، وتعيش حياة لم تكتبها أنت؟

عالمة النفس الأميركية بيرنيس نيوغارتن من جامعة شيكاغو سمت هذا الوهم في الستينيات «الساعة الاجتماعية»، وهي الجدول الزمني الضمني الذي يضعه المجتمع لأحداث الحياة الكبرى؛ متى تتزوج، ومتى تتعلم، ومتى تنجب. 

ودراسة نُشرت عام 2024 شملت 800 شخص أثبتت أن الشعور بالتأخر عن هذه الساعة يرفع معدلات الاكتئاب بشكل ملحوظ. 

وهنا تحديداً يقع الكثيرون في فخ الخلط؛ إذ يظنون هذه التوقيتات مبادئ ثابتة لا تتغير، بينما الحقيقة أن أحكام المجتمع العرفية ابنة زمنها فقط. 

لو تأملت عزيزي القارئ كيف تحولت مجتمعاتنا خلال خمسين أو ستين عاماً مضت، لوجدت أن جداول الأمس وقوالبه قد تبدلت برمتها، وأن ما يراه البعض اليوم فرضاً واجباً لم يكن قبل عقود إلا خياراً عابراً. بمعنى آخر، أنت لا تعاني لأنك فعلاً تأخرت، بل لأنك صدقت جدولاً مؤقتاً لم تكتبه أنت، ولم يفرضه الله عليك يوماً، وما لم يُلزمك به الخالق لا يملك أحد من خلقه حق حصارك به. 

الساعة الاجتماعية وهم جماعي لا حقيقة فردية، صنعه ناس يحتاجون أن يروا الجميع مثلهم لأن اختلافك يزعزع يقينهم بخياراتهم.

والمفارقة أن الدين نفسه الذي يحتجون به لم يُلزمك بجدولهم يوماً. فالقرآن دلنا على العلم وحثنا على بناء الأرض، لكنه لم يضع قيوداً زمنية بشرية؛ لم يقل إن من رفضت رجلاً لم تجد فيه نفسها قد أذنبت، ولم يقل إن من فاته توقيت في علم أو عمل قد ضاع. 

من قال إن هذه الأحكام العرفية هي الحقيقة؟ 

هذه قيود صاغها ناس يخافون من اختلافك لأنه يكشف محدودية خياراتهم. 

والحقيقة التي لا تتغير هي أن القدر لا يخطئ ولا يتأخر. 

الله حين قدّر لكِ أن ترفضي وتنتظري الأنسب، وحين قدر لك أن تتعافى بعد مرض أو تبدأ محطتك المعرفية في الوقت الذي تراه مناسباً، لم يظلمك ولم يؤخرك، بل وضعك في وقته المثالي حيث تكون أنت أفضل وأنضج. 

الله لا يقيس النجاح بالتوقيت، بل بما صنعته بوقتك حين جاء، وكل لحظة ظننت فيها أنك تأخرت، كانت في علم الله تماماً في موعدها.

المشكلة ليست في ظروفك وخياراتك، بل في أنك تمنح المرضى والمأزومين في المجتمع سلطة تقييم حياتك ورسم حدود رضاك الداخلي.

لماذا تقبل أن يكون هؤلاء قضاة عليك، وتنسى أن أحكامهم العرفية موازين متبدلة، ولو فتشت في واقعهم لوجدت أيامهم مليئة بالتشوهات التي لا تليق بوعيك؟ الغريب أنهم يحكمون على نتيجة لا يعرفون تفاصيلها؛ لا يدركون الليالي التي صارعت فيها نفسك، ولا القرارات الصعبة التي اتخذتها بمفردك صوناً لكرامتك. 

يرون القشور بمقياس لم يعيشوه يوماً، وحين يصمتون حتماً، ستدرك أن ضجيجهم لم يصنع في واقعك شيئاً، ولن يملك لك نفعاً ولا ضراً.

السر الحقيقي هنا لا يكمن في محاولة إرضائهم، بل في الاستيعاب الكامل بأن تلك السنوات التي وصفوها بالمتأخرة، لم تكن في حقيقتها إلا المساحة الحرة التي نضجت فيها روحك وتأهلت. 

المطلوب منك اليوم ليس الاعتذار عن خياراتك، ولا تبرير مسارك العلمي أو الشخصي، بل المضي شجاعاً بوعيك المستقل. 

فمن رفضت صوناً لكرامتها لم تخسر قطاراً، ومن تعافى من مرضه أو بدأ علمه متأخراً لم يفتْه السير؛ بل وضعهم الخالق جميعاً في محطاتهم الصحيحة لينطلقوا منها بوعي أنضج، لا ليقفوا عندها بانتظار صك غفران من جداول المجتمع.

حين تتأمل حياتك اليوم، وتنزع عن وعيك ركام أصواتهم المكررة، اسأل نفسك: 


إذا كانت أحكام هذا المجتمع تتبدل وتتحول مع كل حقبة، فهل تعتقد أن هذه القيود التي تخنقك اليوم سيكون لها أي قيمة بعد أربعين عاماً من الآن؟