‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قضايا وآراء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قضايا وآراء. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 أغسطس 2026

الإسلام وإلغاء الاسترقاق.. قراءة في النصوص والممارسات

الإسلام وإلغاء الاسترقاق.. قراءة في النصوص والممارسات

الاثنين، 27 يوليو 2026

زرقاء اليمامة في برج فوكو

زرقاء اليمامة في برج فوكو





حمد حسن التميمي

حين يقف إبهامك ثواني معدودة فوق شاشة الهاتف، تكتب رأياً صادقاً ثم تعود لتمحوه حرفاً بحرف، لا، لأنك اكتشفت خطأه، بل لأنك تخيلت وجوه الذين سيقرؤونه، تكون قد فعلت شيئاً أخطر من الصمت.

 لقد استعرت عيون الآخرين كي تراقب بها نفسك. 

لم يطلب منك أحد أن تحذف، ولم يصل إليك اعتراض، ولم تقع الإدانة التي تخشاها، لكنك رأيتها قبل أن تحدث، وسمعت الأحكام قبل أن تُقال، فأسرعت إلى تهذيب نفسك وفقاً لها. نسمي هذا حكمة أو مراعاة أو حفاظاً على الصورة، لكن المراعاة تختار كيف تقول الحقيقة، أما هذا فيغير ما تراه لتنجو صورتك، فلا تحمي علاقتك بالآخرين بقدر ما تسلمهم عينيك.


كانت زرقاء اليمامة في الموروث العربي تُبصر الجيش قادماً من مسيرة ثلاثة أيام. وحين رأت جنود الأعداء يتخفون خلف أغصان الشجر التي يحملونها ليستروا زحفهم، حذرت قومها فسخروا منها وكذبوا عينها التي رأت أبعد منهم، حتى داهمهم العدو فهُزموا. لم تكن مأساتها أنها أخطأت النظر، بل إن الحقيقة التي رأتها لم تحصل على موافقة الجماعة. 

أما زرقاء اليمامة الجديدة فلا تنتظر قومها حتى يكذبوها، بل تسبقهم إلى ذلك. لم يعد العدو خارج السور، بل صار الرقيب داخل الرأس. ما إن ترى شيئاً حتى تشك في رؤيتها، وما إن تشعر بشيء حتى تعرض شعورها على عيون الآخرين، فلا تصدق ما رأت حتى يصدّقه الآخرون.


وهكذا نحكم على الفكرة قبل أن نقولها. قبل أن تكتب رأياً أو تتخذ موقفاً، يمر في ذهنك شريط سريع: 

ماذا سيقول عني الناس؟ كيف سيفهمني أصدقائي؟ وهل تبقى صورتي كما يعرفونها إن قلت ما لا يتوقعونه؟ وحين تصبح كل فكرة رهينة هذا السؤال، فكيف تعرف أن مواقفك اليوم نابعة منك حقاً، لا مجرد خيارات آمنة اخترتها خوفاً من أن يتخلى عنك الناس؟

وهذه الرقابة التي نمارسها على أنفسنا هي بالضبط ما فككه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب» عام 1975، حين درس كيف تتحكم السلطة في الإنسان الحديث. 

لم تعد السلطة عنده تحتاج سوطاً ولا سجاناً، يكفي أن تجعلك تشعر أنك مُراقب فتتولى أنت حراسة نفسك. وقد وجد صورته المثالية في سجن تخيلي صممه المفكر جيريمي بنثام قبل قرنين، تُبنى فيه الزنازين في دائرة حول برج حارس واحد. 

لا يرى السجين داخل البرج، فلا يعرف متى تُراقبه العين ومتى تغفل، فيفترض أنها تراه دائماً، ويبدأ يراقب نفسه بنفسه. 

أدرك فوكو أن قوة هذا السجن ليست في الحارس، بل في رأس السجين الذي حمل الحارس إلى داخله. 

لكن برجنا اليوم لا يقف في منتصف جدران حجرية، بل نحمله في عقولنا وعلى شاشات هواتفنا. تدخل معنا تلك العيون فنغير نبرة صوتنا قبل أن يتكلم أحد، وترافقنا إلى التمرير اللانهائي فنحذف جملة لمجرد أنها قد تُفهم على غير ما أردنا.

قد تقول: وما العيب في أن نراعي من حولنا؟ أليس الإنسان كائناً اجتماعياً لا يعيش خارج جماعته؟ هذا صحيح، والاستقلال ليس أن يقول المرء كل ما يخطر له. الضمير نفسه عين نحتاج إليها. 

لكن الفارق أن الضمير يسألك إن كان فعلك صحيحاً من الداخل، أما الرقيب الاجتماعي فيسألك إن كان مقبولاً من الخارج، فيعيد تشكيلك حتى تصبح النسخة التي لا يعترض عليها أحد، لأنها لم تعد تحمل منك ما يكفي لإزعاجهم.

والثمن ليس تردداً عابراً، بل استنزاف صامت. 

لا يتنازل المرء عن ذاته دفعة واحدة، بل على أقساط صغيرة لا تثير الخوف: بكلمة يبتلعها اليوم، وموقف يؤجله غداً، ورغبة يتخلى عنها حتى ينسى أنها كانت له. وبمرور الوقت، تتوقف العين عن رؤية الأشياء كما هي، وتبدأ في رؤيتها كما تسمح الجماعة أن تُرى.

والأخطر أن جيلاً كاملاً ينشأ اليوم داخل هذا البرج دون أن يعرف أن له باباً. جيل وُلد والشاشة في يده، تعلم أن يقيس قيمة الفكرة بعدد من يوافق عليها، وأن يعرض مشاعره للتصويت قبل أن يعيشها. 

لن يحتاج من يكذب رؤيته كما كُذبت زرقاء اليمامة، لأنه لم يعد يملك رؤية خاماً لم تمر على تصويت الآخرين أولاً.

وإذا كانت مأساة زرقاء اليمامة قديماً أن قومها لم يصدقوا ما رأت، فإن مأساتنا اليوم أننا حملنا قومنا إلى داخل أعيننا، فلم نعد نصدق ما نراه حتى يمنحونا الإذن. 

ولو دخلت زرقاء اليمامة برج فوكو اليوم، لما رفعت رأسها بحثاً عن الحارس في الأعلى، بل اكتشفت أن البرج غادر مكانه منذ زمن، وأعيد بناؤه خلف عينيها.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟


هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟
د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي



بينما كنت أتابع إحدى المنصات العربية، استوقفتني أطروحة ألقاها أحد الذين يقتاتون على إثارة الجدليات العقيمة في وسائل الإعلام، ويمارسون هواية ضرب الأصول والمرويات التاريخية التي استقرت في وجدان الأمة العربية وضميرها الثقافي لقرون طويلة، حيث راح هذا المتحدث ينكر بجرأة تامة وقوع حوادث جمة ومنها حادثة "عام الفيل" جملة وتفصيلاً، مستنداً إلى قراءات قاصرة وتأويلات مستشرقين حاولوا التشكيك في النص القرآني عبر نقوش أثرية أسيء فهمها، ويغلب عليها الجهل والجهالة، وإن هذا الإنكار المتهافت دفعني تلقائياً لإعادة قراءة هذه القصة العظيمة وتأملها بعمق وجدية أكاديمية، فحملة أبرهة الحبشي لم تكن في حقيقتها مجرد رد فعل، بل كانت تمثل حلقة من حلقات الصراع الجيوسياسي المحتدم بين القوى الكبرى العالمية التي تحيط بالجزيرة العربية، فلقد كانت القوة المسيحية البيزنطية والأحباش تسعى بكل ثقلها لبسط النفوذ الاستعماري على الدويلات والقبائل العربية، والدخول في صراع إستراتيجي مباشر مع النفوذ الساساني الوثني، وفي هذا السياق، تحرك أبرهة من حالة الخمول والتبعية ليرسخ حكمه في اليمن، محاولاً تحويل أرض العرب إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات السياسية، والسيطرة على خطوط التجارة البرية العالمية المارة عبر الحجاز وتهامة، والتي منحت مكة موقعاً إستراتيجياً وممراً حيوياً للقوافل الشرقية.



وفي غمرة هذا الصراع الاستعماري المحموم، جاء بناء أبرهة لكنيسته الشاهقة التي عُرفت بـ "القليس" في صنعاء، مستعيناً بأحجار جُلبت من قصر بلقيس، ومزيناً إياها بالذهب، والفضة، والرخام، والياقوت الأحمر، في محاولة بائسة لإبهار ملك الحبشة والقيادة الرومانية وصرف حج العرب إليها وتحويل حركتهم الاقتصادية والدينية لليمن بدلا من العمق الحجازي. ولأن أيديولوجية الطغيان تعمى دائماً عن فهم الوجدان العقدي وحرمة المقدسات لدى الشعوب وجالبة للفوضى في الإقليم، فقد ارتكب النصارى الأحباش خطأً إستراتيجياً وفادحاً حينما حاولوا استفزاز مشاعر القبائل العربية وتحدي رمزية الكعبة المشرفة، وتعددت الروايات التاريخية حول الشرارة المباشرة التي جاءت كرد فعل لهذا الاستفزاز، ومنها قصة دخول رجل من كنانة العرب وتدنيسه لجدران القليس بالقاذورات لبيان حقارتها رداً على دعوة السلطة اليمنية النصرانية لتهميش الكعبة المشرفة.

وعندها حشد أبرهة جيشه العرمرم المدعوم مادياً ومعنوياً من القيادة الإثيوبية والرومانية، يتقدمه فيل ضخم يُدعى "أبو الفيلة"، وحاصر مكة مساقاً بطغيانه وجبروت آلته العسكرية، وتجلت أسمى مواقف السياسة المحنكة والعقلانية في رد سيد قريش عبد المطلب بن هاشم، حين قال لأبرهة بثقة مطلقة ويقين حازم بعدما طلب استرداد إبله المسلوبة: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه !، ولأن العوامل البشرية والقوانين المادية تفرض الانسحاب، واللجوء إلى رؤوس الجبال لعجز القبائل العربية عن مواجهة هذا الجيش الطاغي كحسبة مادية، إلا أن النتيجة النهائية تظل دائماً معلقة بمشيئة مسبب الأسباب وحده، وحين وجهوا الفيل صوب مكة ليدخل الحرم، برك الفيل الأكبر وأبى التقدم رغماً عنهم، بينما كان يهرول سريعاً إذا وجهوه نحو اليمن أو الشام أو المشرق، ولم ينتهِ الطغيان البشري حتى أتاهم أمر الله ونزل العذاب الإلهي بالمغمس، حيث أرسل الله أضعف جنده طيراً أبابيل متتابعة ومتفرقة، تحمل حجارة من سجيل حوّلت ذلك الجيش العرمرم إلى "عصف مأكول".، كما خلدها الله للبشرية في سورة "الفيل"، ولقد أبيدت تلك المخططات الشيطانية بالكامل، وهلك الطاغية أبرهة بجسد يتساقط قطعة قطعة حتى انصدع صدره في صنعاء، ليتوج هذا النصر الرباني برفع مكانة مكة وقريش دينياً وسياسياً بين سائر القبائل العربية، وليصبح هذا العام تاريخاً مجيداً تؤرخ به العرب، وإرهاصاً ودلالة واضحة على شرف البيت الحرام الذي شهد في نفس العام مولد المصطفى ﷺ.

من أجبرك ؟.. المجتمع لا يكتب قدرك

 من أجبرك ؟.. المجتمع لا يكتب قدرك

حمد حسن التميمي

تجلس وحدها في الثلاثين أو الأربعين، وتستمع للغط صامت من حولها: لماذا لم ترتبطي بعد؟. 

لا أحد منهم يدرك أنها هي من رفعت سقف كرامتها، وأنها رفضت من تقدم لخطبتها لأنه لم يكن مناسباً لروحها وفكرها؛ رفضت بوعيها، ومع ذلك يعاملها المجتمع كمتهمة، وكأن العمر خطيئة، وكأن عدم الارتباط بأي شخص والسلام هو فشل يستدعي التفسير والاعتذار. 

وفي زاوية أخرى من هذا المشهد الواقعي، تجد آخراً نهش المرض سنوات من شبابه فوجد نفسه محاصراً بنظرات التقييم، وكأن الحياة سباق يجب أن ينتهي عند خط وصول واحد رسمه ناس لا يعرفونك. 

بينما يخطو ثالثاً نحو مقاعد العلم أو يغيّر مساره متأخراً عن توقيتهم الجماعي. 

غير أن ما يزعج هذا كله من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: من أجبرك أصلاً على أن تزن قيمتك بجداولهم، وتعيش حياة لم تكتبها أنت؟

عالمة النفس الأميركية بيرنيس نيوغارتن من جامعة شيكاغو سمت هذا الوهم في الستينيات «الساعة الاجتماعية»، وهي الجدول الزمني الضمني الذي يضعه المجتمع لأحداث الحياة الكبرى؛ متى تتزوج، ومتى تتعلم، ومتى تنجب. 

ودراسة نُشرت عام 2024 شملت 800 شخص أثبتت أن الشعور بالتأخر عن هذه الساعة يرفع معدلات الاكتئاب بشكل ملحوظ. 

وهنا تحديداً يقع الكثيرون في فخ الخلط؛ إذ يظنون هذه التوقيتات مبادئ ثابتة لا تتغير، بينما الحقيقة أن أحكام المجتمع العرفية ابنة زمنها فقط. 

لو تأملت عزيزي القارئ كيف تحولت مجتمعاتنا خلال خمسين أو ستين عاماً مضت، لوجدت أن جداول الأمس وقوالبه قد تبدلت برمتها، وأن ما يراه البعض اليوم فرضاً واجباً لم يكن قبل عقود إلا خياراً عابراً. بمعنى آخر، أنت لا تعاني لأنك فعلاً تأخرت، بل لأنك صدقت جدولاً مؤقتاً لم تكتبه أنت، ولم يفرضه الله عليك يوماً، وما لم يُلزمك به الخالق لا يملك أحد من خلقه حق حصارك به. 

الساعة الاجتماعية وهم جماعي لا حقيقة فردية، صنعه ناس يحتاجون أن يروا الجميع مثلهم لأن اختلافك يزعزع يقينهم بخياراتهم.

والمفارقة أن الدين نفسه الذي يحتجون به لم يُلزمك بجدولهم يوماً. فالقرآن دلنا على العلم وحثنا على بناء الأرض، لكنه لم يضع قيوداً زمنية بشرية؛ لم يقل إن من رفضت رجلاً لم تجد فيه نفسها قد أذنبت، ولم يقل إن من فاته توقيت في علم أو عمل قد ضاع. 

من قال إن هذه الأحكام العرفية هي الحقيقة؟ 

هذه قيود صاغها ناس يخافون من اختلافك لأنه يكشف محدودية خياراتهم. 

والحقيقة التي لا تتغير هي أن القدر لا يخطئ ولا يتأخر. 

الله حين قدّر لكِ أن ترفضي وتنتظري الأنسب، وحين قدر لك أن تتعافى بعد مرض أو تبدأ محطتك المعرفية في الوقت الذي تراه مناسباً، لم يظلمك ولم يؤخرك، بل وضعك في وقته المثالي حيث تكون أنت أفضل وأنضج. 

الله لا يقيس النجاح بالتوقيت، بل بما صنعته بوقتك حين جاء، وكل لحظة ظننت فيها أنك تأخرت، كانت في علم الله تماماً في موعدها.

المشكلة ليست في ظروفك وخياراتك، بل في أنك تمنح المرضى والمأزومين في المجتمع سلطة تقييم حياتك ورسم حدود رضاك الداخلي.

لماذا تقبل أن يكون هؤلاء قضاة عليك، وتنسى أن أحكامهم العرفية موازين متبدلة، ولو فتشت في واقعهم لوجدت أيامهم مليئة بالتشوهات التي لا تليق بوعيك؟ الغريب أنهم يحكمون على نتيجة لا يعرفون تفاصيلها؛ لا يدركون الليالي التي صارعت فيها نفسك، ولا القرارات الصعبة التي اتخذتها بمفردك صوناً لكرامتك. 

يرون القشور بمقياس لم يعيشوه يوماً، وحين يصمتون حتماً، ستدرك أن ضجيجهم لم يصنع في واقعك شيئاً، ولن يملك لك نفعاً ولا ضراً.

السر الحقيقي هنا لا يكمن في محاولة إرضائهم، بل في الاستيعاب الكامل بأن تلك السنوات التي وصفوها بالمتأخرة، لم تكن في حقيقتها إلا المساحة الحرة التي نضجت فيها روحك وتأهلت. 

المطلوب منك اليوم ليس الاعتذار عن خياراتك، ولا تبرير مسارك العلمي أو الشخصي، بل المضي شجاعاً بوعيك المستقل. 

فمن رفضت صوناً لكرامتها لم تخسر قطاراً، ومن تعافى من مرضه أو بدأ علمه متأخراً لم يفتْه السير؛ بل وضعهم الخالق جميعاً في محطاتهم الصحيحة لينطلقوا منها بوعي أنضج، لا ليقفوا عندها بانتظار صك غفران من جداول المجتمع.

حين تتأمل حياتك اليوم، وتنزع عن وعيك ركام أصواتهم المكررة، اسأل نفسك: 


إذا كانت أحكام هذا المجتمع تتبدل وتتحول مع كل حقبة، فهل تعتقد أن هذه القيود التي تخنقك اليوم سيكون لها أي قيمة بعد أربعين عاماً من الآن؟

الاثنين، 6 يوليو 2026

هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى استعمار رقمي جديد؟قضايا

 هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى استعمار رقمي جديد؟

الكاتب: أصبح توجيه الخوارزميات وفق توجهات سياسية أو أيديولوجية مدعاة لإعادة التفكير في معنى أن يكون الفضاء الرقمي مجتمعا إنسانيا


بمجرد أن تضغط على زر التصفح، تظهر الإعلانات والتطبيقات متزامنة مع تفاعلك عبر المنصات الرقمية، معتقدا أنك لم تبد لها رغباتك، بينما في الحقيقة فإن مجرد لمسة عابرة قد تمكنها من جمع بياناتك والاقتراب بعمق من تفضيلاتك الشخصية. فالشاشات لم تعد تسرد القصص وتبث الأخبار فحسب، بل أصبحت "وسيطا حساسا" ينقل المعلومات الشخصية ويحللها، لينتج فضاء افتراضيا ثالثا يخيل إلينا أنه عالمنا البديل، حيث تصنع التقنيات الذكية توجها مستداما لمستقبل تتغير فيه الشروط الحضارية للإنسان.

حين ظهر الذكاء الاصطناعي، اعتبره كثيرون تهديدا وجوديا للقيم الإنسانية والحضارية، إذ صور إلى حد كبير على أنه "استعمار رقمي" يستلب إمكانات البشرية ووظائفها، متفوقا عليها بآلاف المرات. ويحيل هذا التصور إلى الصورة التاريخية التي رافقت ظهور الطباعة، حين انقسم العالم بين تحريمها والأخذ بها، قبل أن يتبين لاحقا أن الحضارة تمتلك ذكاء جمعيا يجعل ابتكارات البشر مصدرا للإبداع والتنوع الثقافي والهوياتي، بعيدا عن السرديات المضللة والاستغلال الموحش لوسائل الحضارة. فهل نعيش حقا استعمارا رقميا يهيمن على خصوصياتنا، أم إن رفضنا للابتكار ضمن شرط حضاري خاص هو ما يغذي خوفنا ويمنحنا شعور الاستسلام والانطواء؟

لعل الانتقال من صناعة الخوف عبر سرديات مضللة ومفبركة إلى تغذيته عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة لم يعد حدثا عابرا، بل أصبح موضوعا يوميا يعاد تدويره ضمن خطاب الاستعمار الرقمي

من صناعة الخوف إلى تغذية العالم به

تتأسس عملية السيطرة على المجتمعات والدول على مسألة الخوف، حيث تنبري المخاطر الواقعية والمتخيلة لرسم مستقبل مضطرب ومثقل بمصائر قد لا تكون بالضرورة نتائج حتمية. فالخوف يشكل ما يمكن تسميته "الذات المترددة" المنقادة للسائد ضمن فضاء تتعزز فيه القيم والهويات الأحادية.

إعلان

وهذا الارتباط بين الخوف على الخصوصية والثقافة من جهة، والانصياع للضوابط الاجتماعية والسياسية دون إعمال آليات التفكير والنقد من جهة أخرى، يفتح ثغرات تاريخية بين الأجيال المتعاقبة. فبدل أن يكون الصراع الحضاري قائما على جدليات بين النخب المسيطرة والهوامش القاعدية، ينزاح نحو صراع أفقي بين أجيال تتآكلها الذاكرة التاريخية وتتفاوت ثقافاتها وفق ظروف حضارية مختلفة تماما.

ومن أجل ذلك، تطورت عملية "صناعة الخوف" لتشمل مجالات هشة وحساسة يعتقد أنها أكثر انفتاحا على الذات، بينما هي في الواقع تستحوذ على خصوصيتنا طوعا. فالمجال الرقمي، الذي كان يفترض أن يكون فضاء للتبادل الإنساني والتواصل والتعبير عن التنوع، لم يبحث عن مخرج للمأزق الحضاري بقدر ما جعل تغذية الخوف "نسقا عالميا مستداما" عبر منظومة يومية تشمل وسائل الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى، والحروب السيبرانية، مستهدفة جوهر العلاقات الإنسانية وتحديات الوجود البشري.

ولعل الانتقال من صناعة الخوف عبر سرديات مضللة ومفبركة إلى تغذيته عبر تضخيم أجزاء مبتورة من الحقيقة لم يعد حدثا عابرا، بل أصبح موضوعا يوميا يعاد تدويره ضمن خطاب الاستعمار الرقمي. كأن يصور البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديدا للسلم العالمي، أو تصنف مقاومة الاحتلال على أنها إرهاب، أو يتعامل مع الأوبئة بوصفها قدرا محتوما من دون مراجعة إخفاقات الأنظمة الصحية وآليات الاستجابة للأزمات.

إنه انتقال نحو "هيمنة بلا استعمار" فرضت نمطا بشريا واحدا خاضعا لتصور اختزالي للخوف. فبدل أن يكون الموت قدرا إنسانيا، يصبح تحديا يجب تجاوزه ضمن رؤية لا تنتجها إلا حضارة مادية أقصت نفسها عن القيم الإنسانية المشتركة.

نحن اليوم أمام قفزة نوعية في آليات التواصل البشري والتمثيل الحضاري، حيث انتقل صراع البشر فيما بينهم إلى فرض نسق مستدام من الخوف، يحول توتره الداخلي إلى رفض للذكاء الاصطناعي، رغم أنه صاغ شروطا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريع

الشرط الحضاري

بالرغم من أن الحرية والعدالة تمثلان حالة إنسانية شاملة، فإن البعض يختزلهما ضمن مجتمع أو ثقافة أو جيل معين، فتتحول المقاربات الاختزالية إلى إعادة إنتاج للتناقضات التاريخية بدل التفاعل مع الاختلاف والتمايز بواقعية وابتكار.

ولو نظرنا إلى حالة التشابك التي يعيشها جيل "زد" مع الأجيال التي يصفها بالكهلنة، لأدركنا أن ثمة مأزقا تعيشه الشعوب داخل فضاء حضاري يفرض شروطه الخاصة عبر مراحل تاريخية متباينة، بعيدا عن حتمية تكرار النسخ البدائية داخل السحب الرقمية.

إن ما يعنيه الشرط الحضاري هو تلك الحالة التي تسمح بإحالة الفعل الإنساني إلى قيم الحرية والعدالة، لتتعزز معها وسائل الابتكار والتنوع والاعتراف. حيث يكون لكل جيل ثقافته الخاصة التي ترسم ملامح مجتمع تتوارث فيه الهويات الحرية والعدالة، لا الصراعات التاريخية المرتبطة بخطابات العنصرية والأفضلية.

فنحن اليوم أمام قفزة نوعية في آليات التواصل البشري والتمثيل الحضاري، حيث انتقل صراع البشر فيما بينهم إلى فرض نسق مستدام من الخوف، يحول توتره الداخلي إلى رفض للذكاء الاصطناعي، رغم أنه صاغ شروطا حضارية لا تقتصر على ثقافة الهيمنة أو الاستهلاك السريع.

إعلان

وسيتحتم على المجتمعات الهامشية أن تعي مأزقها الحضاري، ولو متأخرة، لأن الخوف الذي تبثه الهيمنة الرقمية عبر منصات التواصل سيجعل منها نسخا مستلبة تتكرر صورتها ولغتها التفاعلية. غير أن إدراكها معنى الشرط الحضاري يتيح لها استثمار الفضاء الرقمي اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، بما يعزز الابتكار ويرتقي بالحضور الإنساني، ويحصنها ضد الخوف الذي تفرضه متلازمات الاستعمار الحديثة.

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الحرية والإرهاب ضمن برامج تغذية الخوف العالمي، بوصفه شكلا من أشكال الهيمنة بلا استعمار

هيمنة بلا استعمار

يرتكز الاستعمار الرقمي على التكنولوجيا ومنصات التواصل، حيث يجعل من الإنسان رقما في سلسلة التحليل والاستخدام اليومي لبياناته. غير أن الجانب الأهم في إدراك خطورة هذا النوع من الاستعمار الناعم يتمثل في قدرته على تفكيك مجتمعات أظهرت هشاشتها؛ بسبب رفضها فكرة الابتكار.

فقد أصبح توجيه الخوارزميات وفق توجهات سياسية أو أيديولوجية مدعاة لإعادة التفكير في معنى أن يكون الفضاء الرقمي مجتمعا إنسانيا، لا مجرد مخزن للبيانات يستخدم لترميم عسكرة المجتمعات وإعادة إنتاج السيطرة عليها.

وما استجد مع الذكاء الاصطناعي هو انتقال التكنولوجيا من مجرد فرض خطاب معين إلى إعادة تشكيل بنية اجتماعية كاملة، أقرب إلى استيطان رقمي يتغلغل في الثقافة والتاريخ والهوية، لا بهدف تطويرها وتحويلها إلى موضوع للإبداع، بل لتحويلها إلى حالة متناقضة ومستعصية على الفهم يجب التخلص منها.

ولعل تقييد بعض منصات التواصل الاجتماعي للمحتوى الداعم للقضية الفلسطينية وحجب أجزاء منه، واتباع سياسات تضييقية تجاهه، يمثل نموذجا على تورط الوساطة التقنية في التأثير على السرديات العامة وتوجيهها.

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الحرية والإرهاب ضمن برامج تغذية الخوف العالمي، بوصفه شكلا من أشكال الهيمنة بلا استعمار. إذ يكمن الصراع على التكنولوجيا المتطورة في تنافس بين قوى تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر أدوات رقمية متقدمة.

فالإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عنصر داخل ماكينة إنتاج أو استهلاك. وبدل أن تتعزز التقنيات الحديثة في خدمة الصحة ومواجهة الكوارث والفقر وإيجاد حلول مستدامة للمشكلات الإنسانية، تنشأ مخاوف متزايدة حول أنسنة الروبوتات وتوسيع أدوارها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

لم يعد الأمر مقتصرا على الاستحواذ على الوظائف البشرية، بل امتد إلى التأثير في العلاقات الاجتماعية وأنماط التفكير والتفاعل الإنساني. فهل سنشهد إذعانا للاستعمار الرقمي، أم تفاعلا إبداعيا ينجح الإنسان من خلاله في توظيف التكنولوجيا لصالح حريته ومستقبله الحضاري؟



الأحد، 5 يوليو 2026

لا مكان للإخوان!

 لا مكان للإخوان

محمد الصغير

"هلا وضعتم لكل سنة هدفا تحققونه كما شفيتم غليلكم من الإخوان؟"

القصة بدأت من 23 يوليو 1952 وليس من 3 يوليو 2013، فمنذ انقلاب ضباط الجيش على الملك فاروق، ومصر تعيش مرحلة حكم أسرة جديدة، هي الأسرة التي أزاحت الأسرة العلوية وأسست الملكية العسكرية، وحل أبناء الكتيبة محل أبناء القبيلة، وأصبح نظام الحكم الوراثي ليس بالعصبية النسبية، وإنما بالخلفية العسكرية.

فكما أن الحكم لا يخرج عن أبناء الأسرة المالكة، فكذلك لا تخرج السلطة عن سور الكتيبة، ومع حدوث أول شرخ في جدار المعسكر، استطاعت ثورة 25 يناير أن تنفذ منه، عندما بدأ مشروع توريث الحكم لجمال مبارك، وتعامل كولي عهد في آخر سني حكم والده. ونظرا لأن شهوة الحكم وسطوة الملك لا تعرف المجاملة، اجتمعت كلمة قادة الجيش على إفشال خطة التوريث، وأضمروا النية وانتظروا الساعة المواتية، ووجدوا في تحرك شباب يناير اللحظة المناسبة، لإزاحة الوريث المدني، فتخلى المجلس العسكري عن مبارك قليلا، وفتح الباب بالدرجة نفسها للشباب الثائر، الذين انضمت إليهم الجماهير المتشوقة للحرية والتغيير. وهنا اتسع الخرق على الراقع، وحاولت أجهزة الدولة تدارك الأمر وكبح جماح الثوار، باعتبار انتهاء مهمتهم التي تقاطعت لفترة مع نية القادة العسكريين، لا سيما بعد إعلان مبارك تنحيه عن رئاسة الجمهورية وتسليم السلطة للجيش، وإدراكه متأخرا أن أحلام جمال كانت نسجا من خيال، وجنت على ما تبقى من أيام حكم الرئيس وأسرته.

بدأت فترة حكم المجلس العسكري الانتقالية، وكانت أيام كر وفر بينه وبين مجاميع الثورة الذين أغرتهم الأنفال، وتركوا جبل الرماة "ميدان التحرير" وتفرغوا لتقسيم الغنائم، ولا أستثني من ذلك أحدا. واتبع المجلس العسكري سياسة فرق تسد، وسهّل مهمته ما بين فصائل الثورة المختلفة من تباين، بل ظهر الاختلاف الواضح بين أبناء الفصيل الواحد، فرأينا عدة أحزاب تمثل التيار الإسلامي، ولم تصبح القسمة ثنائية بين الإخوان والسلفية، وانتهت هذه المرحلة إلى نتيجتين:

الذي لا ينقضي منه العجب أن الدولة العسكرية الممتدة من 1952 حتى الآن، تريد أن تُحمّل سنة الحكم المدنية اليتيمة، إخفاقات سبعين سنة ماضية وقادمة، فبعد ثلاث عشرة سنة من استعادة العائلة العسكرية للحكم، لا حديث لهم إلا عن سنة حكم الإخوان


الأولى: نجاح د. محمد مرسي كأول رئيس مصري منتخب بإرادة حرة من الشعب

الثانية: أصبح رفقاء الميدان، هم فرقاء الثورة، وكل فريق يرى المجلس العسكري أقرب إليه من أخيه، وأن تحالفه معهم هو السبيل الموصل للحكم.

وأول من اقتنع بهذه النتيجة التيار الإسلامي، الذي كان واثقا من اختيار الجماهير له -كما حدث في كل الاستحقاقات الانتخابية- وأن الجيش هو صمام الأمان لضمان الوصول لصناديق الانتخابات. وبالفعل حصل على أغلبية مريحة في مجلس الشعب، ولكن شهر العسل لم يدم طويلا، لأن العسكري لا يرى الشرعية في صندوق الانتخابات، وإنما في صندوق الذخيرة.

ثم وقع التيار المدني وجبهة الإنقاذ في الشرك ذاته، حيث ظن أن الجيش سيزيح "حكم الإخوان" ويسلم لهم السلطة. والحق يقال، إن موقف العساكر من حكم المدنيين لا يختلف، سواء كانوا إسلاميين أو شيوعيين، وإنما استخدم العسكر التيار المدني كواجهة مؤقتة، ومنهم من أدرك ذلك مبكرا، ومنهم من أخذته العزة بالإثم حتى أصبح حبيس مطبخه، أو جليس أخواته !

إذا كان التخلص من الرئيس المنتخب وجماعته استغرق عاما كاملا، فإن التخلص من الغلاف المدني والرئيس المؤقت استغرق عاما آخر، حتى استردت العائلة العسكرية حكمها بعد سنة من ظل المستشار عدلي منصور، الذي اعتبره محللون محللا لعودة العصمة العسكرية.

مسلسل الانهيار والاستهتار بالدولة المصرية ومقدراتها، بدأ من الانفصال عن السودان، الذي يجمعنا معه التاريخ والجغرافيا، والنسب والنيل، ناهيك عن اللغة والدين، ثم أقام عبد الناصر وحدة مع سوريا، ظهر فشلها من قبل توقيعها، وتتابعت الهزائم على يد ضباط مغامرين كلهم دون الأربعين، وبلا سابقة سياسية أو قيادية، وظهر بينهم التكالب على السلطة مبكرا، وانقلبوا على كبيرهم محمد نجيب، وظل محبوسا ومهمشا حتى مات في عهد مبارك، بما يؤكد أنهم نظام واحد يتوارثون العداوة ويحافظون عليها، ومن اشتراكية عبد الناصر إلى انفتاح السادات، حيث خرج الشعب المطحون إلى انفتاح موهوم، استفادت منه مراكز القوى وأصحاب النفوذ، وظهرت طبقة جديدة من الحيتان والقطط السمان.

وقبِل الشعب شظف العيش أملا في إحراز الفوز وتحرير الأرض ورد العدوان، واستطاع قادة الجيش المصري تحقيق النصر وتحطيم الخط وعبور القناة، وجعلوا يوم العاشر من رمضان/ السادس من أكتوبر 1973 يوما لاستعادة العزة والكرامة، ولقّنوا العدو الإسرائيلي درسا كبيرا؛ لم يدم الفرح به طويلا، حيث أضاع السادات في كامب ديفيد ما حققه الجنود في الميدان. ومما يؤكد فداحة المصيبة أن الاتفاقية كانت سببا في استقالة ثلاثة من وزراء الخارجية في عهد السادات، وهم إسماعيل فهمي، ومحمد رياض، ومحمد إبراهيم كامل، بما يؤكد إجماع رجال الخارجية على رفضها، وانتهى الأمر برئيس الأركان وقائد العبور الفريق سعد الشاذلي باللجوء إلى الجزائر. وكما استمر السادات على خطى عبد الناصر في معاملة محمد نجيب، استمر مبارك في التمسك بالحكم الجائر الذي استصدره السادات ضد الشاذلي، وأدخله السجن لقضاء العقوبة، وقد كان رئيسه المباشر في حرب العبور!

استمر حكم العائلة العسكرية ثلاثين سنة فترة حكم مبارك، الذي لم يغير من قواعد حكم أسلافه شيئا، بل ألغى بعض هوامش الحرية التي سمح بها السادات، واسترد الوظائف التي كان يشغلها مدنيون كبعض المحافظين ورؤساء الهيئات، لصالح السادة اللواءات، وأصبحت كل الملفات الداخلية تديرها القيادات الأمنية، وجهاز مباحث أمن الدولة هو المسؤول عن مفاصل الدولة، وأصبح للشرطة فرع في كل الوزارات والمؤسسات؛ ولا أعني بذلك شرطة الآثار والسياحة أو شرطة السكة الحديد، وإنما أعني لواءات من الشرطة والجيش في الهيكل الأعلى للوزارات، وأقرب مثال على ذلك يوم دخلنا وزارة الأوقاف بعد ثورة يناير، وجدنا القطاعات السبعة التي تدير الوزارة، على رأسها سبعة لواءات من الجيش والشرطة.

وإذا كان هذا في وزارة الدعوة والمساجد، فلك أن تتخيل ما في سواها من الوزارات!

قد تظهر اختلافات شكلية في طريقة إدارة الحكم، أو تغيير الولاءات والانتقال بين المعسكرات، لكن ظلت العائلة العسكرية محافظة على أسس الحكم وأصوله، التي أرساها الآباء العساكر، وأهمها إهمال الكفاءات وتقديم الولاءات، وحماية منظومة الفساد والاستبداد، ومع تتابع حكم ولاة العهد العسكري، بدأ دور مصر الدولي والإقليمي في التراجع، وتسابقت عدة دول على وراثة مكانة أم الدنيا، بل انقلبت الصورة بالكلية، فأصبحت مصر الكبيرة في مقاعد المتفرجين، وتنتظر من يقرأ الفاتحة حتى تقول آمين.

لكن الذي لا ينقضي منه العجب أن الدولة العسكرية الممتدة من 1952 حتى الآن، تريد أن تُحمّل سنة الحكم المدنية اليتيمة، إخفاقات سبعين سنة ماضية وقادمة، فبعد ثلاث عشرة سنة من استعادة العائلة العسكرية للحكم، لا حديث لهم إلا عن سنة حكم الإخوان، حتى أخذ بعضهم الغرور وقلة الخبرة والدربة، فكتب كل ما تعانيه الدولة الآن وما يئن منه المواطن معلقا ذلك على شماعة الإخوان، فجاءت تعليقات المصريين قوية بل انتقامية، مما جعل وزير الأوقاف الحالي في ورطة، وحذف المنشور لاحقا من صفحة الوزارة.

كمية الإشاعات والسخافات التي ظهرت في ذكرى انقلاب 3 يوليو تؤكد أن نظام 30 يونيو لا يملك صورة نجاح جديدة، وليس عنده ما يقدمه للمواطن إلا فزاعة الإخوان المسلمين


هل يعقل أن يقال في الذكرى 13 لثورة 30 يونيو الحميدة، أن سبب ارتفاع الدولار من 7 جنيهات إلى 50 جنيها هو ثورة يناير؟ وأبسط ما يقال في ذلك: هل لم تستطع ثورة يونيو المجيدة في 13 سنة، أن تمحو ما فعلته يناير اللئيمة في سنة واحدة؟!

بعد 13 سنة من الحكم المنفرد ولا حديث لكم إلا عن الإخوان، وكيف نجحتم في إزاحتهم، وهذا معناه أنكم لم تقدموا شيئا بعد هذا الإنجاز (إن جاز التعبير)، وعودتكم للحديث عنهم محاولة فاشلة للتغطية على الفشل.

حديثك عن الإخوان لن يُشبع جوع الفقير، ولن يمنع تلوث المياه إن وجدت، ولن يخفف كثافة الفصول، أو يرفع جودة التعليم. المواطن المصري يريد سماع أخبار إصلاح المستشفيات المتهالكة، أو منع انتشار المخدرات المهلكة، ويريد حلا لعجزه عن توفير ضرورات الحياة. أخبار الجماعة -حرفيا- لا تسمن ولا تغني من جوع، والمواطن يريد أخبار المأكل والمشرب، وليس أخبار فضيلة المرشد..

حكَم الرئيس محمد مرسي سنة واحدة، ونجحتم فعلا في القضاء على التجربة في مهدها خلال عام واحد، فهلا وضعتم لكل سنة هدفا تحققونه كما شفيتم غليلكم من الإخوان؟

لو كان اهتمامكم في السنوات العشر المنصرمة بملفات الصحة والتعليم، وحقوق الإنسان الأساسية، كاهتمامكم بجماعة الإخوان، لكنتم الآن في مصاف الدول المتقدمة.

كمية الإشاعات والسخافات التي ظهرت في ذكرى انقلاب 3 يوليو تؤكد أن نظام 30 يونيو لا يملك صورة نجاح جديدة، وليس عنده ما يقدمه للمواطن إلا فزاعة الإخوان المسلمين، وانضم إلى أجنحة النظام الكسيرة، أناس طال عليهم الأمد فقست قلوبهم التي غطى عليها ران الغربة، وراودتهم أحلام العودة، فراحوا يجترون ما لفظه النظام، ويدندنون على أسطوانة الإخوان أملا في الوصول، حيث جربها زملاء لهم من قبل ونجحوا، وأصبحت الوصفة السحرية: أقصر طريق إلى قلب الكتيبة هو عداوة الإخوان، وكسب المعركة من أول جولة لها سلاح واحد هو التطاول على أحد الأستاذين: إما الأستاذ المؤسس حسن البنا، أو الأستاذ المفكر سيد قطب.

وأسجل هنا للتاريخ أن معركة النظام القادمة ليست مع الإخوان المسلمين أو الخصوم التقليديين، لأن القوم جاءهم ما يشغلهم، وفكرة الجماعات والتنظيمات على صورتها القديمة قد تجاوزها الزمن، ولا أحفل بها ولا أعول عليها، لكن لن تنجح أساليبكم العتيقة في التصدي لجيل الذكاء الاصطناعي وفرسان الإعلام الرقمي، وسيخرج لكم من العاصمة الحديثة موسى الجديد.

الخميس، 2 يوليو 2026

ماذا تُريد الصين منّا وماذا نُريد منها؟

 ماذا تُريد الصين منّا وماذا نُريد منها؟

عصام عبد الشافي

دكتوراه الفلسفة في العلاقات الدولية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

مؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية


تعدّدت الكتابات خلال السنوات العشر الأخيرة عن صعود الصين وقدراتها، وذهب بعضهم إلى الحديث عن "تعدّدية قطبية" تمثل الصين أحد أطرافها، بجانب كل من الولايات المتحدة وروسيا، ومع كل أزمة تحدث في منطقة الشرق الأوسط أصبح أحد الأسئلة التي يتم تكرارها: ماذا ستفعل الصين؟

جاءت فكرة هذا المقال على خلفية متابعة مؤتمر دولي كبير بعنوان "السياسات الصينية والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط"، نظّمته عدة جامعات ومراكز بحث وفكر عربية، من 26 إلى 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، في إسطنبول.

وبعد تقديم أكثر من 70 ورقة بحثية، كانت التساؤلات التي طرحتها أكبر من الإجابات التي قدمتها، ولعل هذا يعود، في جانب كبير منه، إلى "حداثة" الاهتمام المتعمق بالشأن الصيني على المستوى البحثي العربي، وضعف عدد الخبراء العرب المتخصّصين في هذا المجال، ومن أهم العوامل التفسيرية لذلك الضعف حاجز اللغة، واعتماد من يكتبون عن الصين على مصادر غربية بالأساس تتحكّم في رؤاهم وتوجهاتهم ومواقفهم نحو السياسة الصينية، وقضاياها وأولوياتها الشرق أوسطية عامة، والعربية خاصة.

وإذا كانت العلاقات الدولية، في جوهرها، تبادلية، فإن الحديث عن "السياسات الصينية تجاه الشرق الأوسط" من دون الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية تجاه الصين" يؤدّي إلى مزيد من القصور في الفهم والإدراك بأبعاد هذه العلاقات. إلا أن الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" يطرح تساؤلات أكثر من أنه يقدّم إجابات، لأن الحديث عن "السياسات الصينية" يعني طرفاً واضحاً ومحدّداً، له أهدافه وخططه وسياساته وأدواته في المنطقة، ولكن عند الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" 

يكون السؤال الأبرز: عمّن نتحدّث؟ الدول العربية أم تركيا أم إيران أم "إسرائيل"؟ وفي الدول العربية هل نتحدث عن دول المشرق العربي (العراق، سورية، الأردن، لبنان، فلسطين)، أم عن دول الخليج العربية (السعودية، عُمان، الكويت، قطر، الإمارات، البحرين)، أم عن دول المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا) أم عن دول حوض النيل والقرن الأفريقي؟

فإذا كان الاسم الجامع هو "العربية" فإن تعدّد التقسيمات الإقليمية الفرعية يعني مزيداً من عدم وضوح الرؤى وتنسيق السياسات في مواجهة الصين والتعاطي معها، بل الأسوأ من هذا أن نجد على مستوى منظومة فرعية من المنظومة العربية، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، غياباً للتوافق والتنسيق والرؤى الموحّدة في التعاطي مع السياسات الصينية.

ويزداد الأمر سوءاً عندما نتحدّث عن السياسات الصينية تجاه القضية الفلسطينية والأطراف الرئيسية في هذه القضية، فهل نتحدّث عن سياساتها تجاه السلطة الفلسطينية أم تجاه حركات المقاومة أم تجاه الكيان الصهيوني؟ وإذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟ على الموجة الإيرانية أم التركية أم الإسرائيلية أم الموجات العربية، وهي موجات وليست موجة واحدة، في ظل تسارع سياسات التطبيع على حساب القضية الفلسطينية من أطراف تحرص الصين على تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية معها.

إذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟

في ظل هذا التعقيد، تتطلب الإجابة عن سؤال: ماذا تُريد الصين منا وماذا نُريد منها 

مراعاة اعتبارات وملاحظات تأسيسية عديدة: 

أولها، أنه إذا كان هناك اتفاق عند بعضهم عن الصين وماذا تريد من الشرق الأوسط، فهناك اختلاف بين كثيرين حول مفهوم "الشرق الأوسط" في ذاته!، وهل المقصود به المفهوم البريطاني القديم الذي يشمل مصر والمشرق العربي، أم المفهوم الأميركي الضيق الذي يشمل الدول العربية وتركيا وإيران والكيان، أم المفهوم الأميركي الواسع بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، الذي يشمل بجانب ما سبق أفغانستان وباكستان.

ومن ناحية ثانية، أحد المداخل المنهجية في العلوم السياسية "منهج الدور"، الذي يستند إلى أربعة أركان رئيسية لفهم "دور" أي طرف من أطراف العلاقات الدولية: محددات الدور، سلوك (مظاهر) الدور، تقييم الدور، مستقبل الدور، وبالتالي يسهل تطبيقه مباشرة على "السياسات الصينية" في الشرق الأوسط، لكن يصعب تطبيقه على "الشرق الأوسط" لأننا هنا سنتحدث عن "أدوار" متنافسة ومتناقضة بل متصارعة، وليس عن دور واحد.

ومن ناحية ثالثة، الحديث من مدخل "السياسات الصينية في الشرق الأوسط" قد يُفهم منها أنها تؤثر في الإقليم، وهذا ما يتطلب فهم مستويات هذا التأثير وحدوده لأنه يختلف أيضًا بين دولة ودولة، وبين إقليم فرعي وآخر، داخل الإقليم الكبير، كما يختلف بين قضية وقضية، بحسب ترتيب الأولويات في السياسة الصينية، وبحسب طبيعة النسق الإقليمي والدولي الحاكم لتلك القضية في مرحلة زمنية معينة.

ومن ناحية رابعة، وفي مقابل الحديث عن "تأثير الصين في الإقليم"، يجب أن يُطرح سؤال آخر عن "تأثير الإقليم في الصين" أي هل هناك أطراف أو قضايا أو أزمات من داخل الإقليم تؤثر في الصين؟ ومبعث هذا السؤال أن عدداً من أزمات الإقليم في الربع قرن الأخير كانت مصطنعة، أي يقف خلف نشوئها وتطوراتها أطراف واضحة، وأن من بين أهداف صناعتها تهديد المصالح الاستراتيجية الصينية في المنطقة، كما هو الحال في الصراع الممتد بين إيران والكيان، وآخر جولاته في حرب 2025، وحرب 2026.

ومن ناحية خامسة، تحولات سياسية عديدة شهدها الإقليم خلال الربع قرن الأخير، خصوصاً في الدول التي كانت ترتبط بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع الصين مثل "عراق صدّام"، و"ليبيا القذافي" و"سورية الأسد"، و"سودان البشير"، ارتبطت في أحد أبعادها باستهداف المصالح الصينية في هذه الدول والقضاء على الوجود الصيني فيها، ما يعني أن "داخل الإقليم" قد يكون أكثر تأثيرًا في السياسات الصينية، من تأثير هذه السياسات في الإقليم.

يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير

ومن ناحية سادسة، أن طرح التساؤلات وتعدد الجدالات حول تحولات النظام الدولي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، وهل يشهد ميلاد "قوة عظمى جديدة"، يجب أن يرتبط بطرح تساؤلات جوهرية وإثارة نقاشات جادة حول "هل نشهد ميلاد "مفهوم جديد للقوة"؟ خاصة مع التطورات الهائلة في بنية الترسانات العسكرية وعدم ارتباطها في جانب كبير منها بالقدرات المادية، بل بتوظيف القدرات الفنية والتكنولوجية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة، وأن الأمر لم يعد يقف عند ما تحدث عنه جوزيف ناي عن ثلاثية القوة "الصلبة والناعمة والذكية"، ولكن أصبح يرتبط بالقدرة على توظيف هذه الثلاثية وحدود فعاليتها وتأثيرها.

ومن ناحية سابعة، يتطلب الحديث عن " الصين.. ماذا تُريد منا وماذا نُريد منها؟، في جانب منه، تحليل رؤية الصين الفكرية والثقافية والحضارية لمفهوم العلاقات الدولية ابتداءً، والتوسع في ترجمة الأدبيات الصينية المتخصصة في هذا المجال، لتحقيق مزيد من الفهم للفكر السياسي الصيني الحديث والمعاصر، وليس فقط القديم الذي يستدعي مقولات كونفوشيوس وصن تزو، مع أهميتها وضرورتها، عند كل حديث عن الصين وسياساتها ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن في العالم المعاصر. 

فالصين رغم وحدتها "فاعلاً في العلاقات الدولية"، يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير.