‏إظهار الرسائل ذات التسميات الامة العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الامة العربية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 أغسطس 2026

لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد

 لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد





ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قد تكون الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بشكل ممنهج في غزة رغم وقف إطلاق النار، وإرهابها الهمجي الذي يمارسه مغتصبو الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب هجماتها المتكررة على إيران ولبنان، فضلاً عن التطورات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة في اليمن وليبيا، قد دفعت المأساة الإنسانية المتواصلة في السودان منذ نحو 3 سنوات إلى خارج دائرة الاهتمام. 

لكن ما يحدث في السودان ليس منفصلاً عن كل هذه الأحداث. فالهدف مرة أخرى هو المضي خطوة إضافية في مخطط الاحتلال والنفوذ الصهيوني، لكن النتيجة، كما جرت العادة، هي نشوء مقاومة أيضاً.

تُظهر الأخبار الواردة من السودان، يوماً بعد يوم، وبصورة أكثر وضوحاً، أن الحرب الدائرة في البلاد لا تقتصر على صراع على السلطة يجري في الجبهات العسكرية. 

ووفقاً لتصريحات السلطات السودانية، يُحتجز نحو 6 آلاف شخص في السجون التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الفاشر. 

كما أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» بأن أكثر من 5 آلاف طفل نزحوا مجدداً خلال فترة زمنية قصيرة.

وتُظهر هذه الأخبار أن الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان ليست مجرد نتيجة جانبية حتمية للحرب، بل تثبت وجود واقعة احتلال تتمثل في تهجير المدنيين واحتجازهم ونهب المدن وتفكيك النسيج الاجتماعي.

لقد قلنا منذ البداية إن الاستمرار في وصف الحرب في السودان بأنها «حرب أهلية تدور بين طرفين متساويين» يتجاهل الحقيقة السياسية والقانونية على حد سواء. 

فهذا التعريف ينتج تماثلاً مضللاً يضع الدولة الشرعية، والهيكل المسلح الذي يسعى إلى إسقاطها، والتدخل الخارجي الذي يقف وراء هذا الهيكل، ومحاولة الاحتلال، في المستوى نفسه.

لا يوجد في السودان طرفان شرعيان متكافئان. 

فمن جهة، هناك الدولة السودانية وقواتها المسلحة، المعترف بهما بموجب القانون الدولي رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف والأخطاء التي ارتُكبت في الماضي. 

ومن جهة أخرى، هناك قوات الدعم السريع، التي لم تتحمل يوماً مسؤولية إقامة دولة، ونمت عبر اقتصاد الحرب، وحولت النهب إلى وسيلة للتمويل، وتحافظ على قدراتها العسكرية بفضل الدعم الخارجي.

وبالتالي، فإن ما يحدث في السودان ليس صراعاً داخلياً عادياً ناتجاً عن عجز جيشين عن تقاسم السلطة. بل هو معركة من أجل بقاء الدولة الشرعية للمجتمع في مواجهة هيكل شبه عسكري مدعوم من الخارج، يتجه إلى نهب موارد البلاد ومدنها ومؤسساتها.

إن قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين دول مختلفة، أمر مهم باعتباره اعترافاً بحقيقة الوضع. لكن تعريف «حرب الوكالة» يؤدي أيضاً إلى إظهار الأطراف الخارجية وكأنها أصحاب مصالح متكافئة، بما يفضي إلى طمس علاقات المسؤولية عن الحرب.

المسألة الأساسية في السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى إقليمية مختلفة. إنها محاولة لإسقاط دولة شرعية من الداخل، عبر هيكل مسلح مدعوم من الخارج. 

ولذلك، وبينما ينبغي الاعتراف بالبعد المتعلق بحرب الوكالة، يجب أيضاً التحدث بوضوح عن الجهة التي تدعم كل هيكل مسلح، والأهداف التي تقف وراء ذلك، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الجناة الفعليين، وليس مجرد المشتبه بهم المعتادين.

إن سجل قوات الدعم السريع حتى اليوم يُظهر بوضوح أنها لا تحمل هدف إقامة دولة أو إدارة المجتمع. 

فالمجازر المرتكبة بحق المدنيين في دارفور، والاتهامات بارتكاب جرائم تطهير عرقي، والعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة، كلها تكشف طبيعة هذا الهيكل.

والسجون التي يُحتجز فيها آلاف الأشخاص في الفاشر جزء من هذا المشهد. فإذا كان هيكل مسلح ينتج الخوف والنهب والاعتقال التعسفي بدلاً من القانون والخدمات العامة والأمن في المناطق التي يسيطر عليها، فلا يمكن القول إنه يمثل بديلاً للدولة. 

إن هذا، في أحسن الأحوال، محاولة احتلال بالوكالة.

وتتهم الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع. كما أن تقارير المنظمات الدولية والتحقيقات الإعلامية والنقاشات التي تجري في عدد من الدول تجعل الادعاءات المتعلقة بهذا الدعم أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في المقابل، تنفي حكومة أبوظبي هذه الاتهامات.

غير أن دور الإمارات في السودان لا يمكن تناوله بمعزل عن مناطق الأزمات الأخرى في العالم الإسلامي. 

فعند النظر مجتمعة إلى الدعم المقدم لخليفة حفتر في ليبيا، وإضعاف الحكومة المركزية في اليمن بما يعزز الهياكل الانفصالية، وشبكة النفوذ التي أُقيمت عبر الموانئ والقواعد العسكرية في القرن الإفريقي، والسياسات المتماشية مع أولويات إسرائيل الأمنية بشأن غزة، والادعاءات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، يظهر أمامنا مسار استراتيجي أوسع من مجرد أحداث منفردة.

والنتيجة المشتركة لهذا المسار هي إضعاف الدول القوية والمستقلة والقائمة على شرعيتها المجتمعية في العالم الإسلامي، وظهور هياكل مسلحة مجزأة ومتعارضة تعتمد على الدعم الخارجي بدلاً منها.

وإسرائيل واحدة من أبرز المستفيدين من مثل هذا النظام الإقليمي. إذ إن مفهوم إسرائيل للأمن على المدى الطويل يقوم على وجود هياكل محيطة بها منشغلة بصراعات داخلية، ومجزأة، ومنفتحة على التدخل الخارجي، وليس دولاً قوية ومستقلة.

ويُعد السودان إحدى الحلقات المهمة في هذا المشهد الاستراتيجي. 

فسواحله الطويلة المطلة على البحر الأحمر، وموقعه بين إفريقيا والعالم العربي، وقدراته الزراعية، وموارده الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، وعمقه الجيوسياسي، تضع البلاد في قلب التنافس الإقليمي.

 ومن شأن بقاء السودان دولة قوية أن يمتلك قدرة على التأثير مباشرة في موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ولهذا، فإن الصراع الدائر في البلاد لا يتعلق فقط بمن سيتولى السلطة في الخرطوم. بل يتعلق بما إذا كانت الدولة السودانية ستتمكن من الحفاظ على وجودها ووحدة أراضيها وسيادتها أم لا.

ولا يمكن البحث عن حل في السودان من خلال صيغ هجينة تخفض الدولة إلى مستوى أحد الفصائل المسلحة. 

فالحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة إرساء سلطة الدولة، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وإخضاع جميع الهياكل المسلحة للمؤسسات الشرعية للدولة، وإنشاء مسار يمكّن الشعب السوداني من امتلاك زمام مستقبله السياسي.

السبت، 18 يوليو 2026

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك. 
ففي حين لم تُبد أي عداء يُذكر للدول التي كانت تحتلها آنذاك، وتستغلها وتضطهدها، اعتبرت الدولة العثمانية – التي عاشت في ظلها أربعة قرون من الأمن والاستقرار – كيانًا أبعد وأشد عداوة.


وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.

في سوريا
، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.

إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع

وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق. 
ولا شك أن هذا يعكس مقاربة ودية من قبل الإدارة السورية الجديدة تجاه تركيا والأتراك. 
غير أن امتناع السوريين عن إثارة سياسات جمال باشا أو ممارسات ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سوريا ولبنان، تفاديًا لإشعال فتنة جديدة مع الأتراك، ورغم كونه موقفًا نبيلاً وإيجابيًا، فإنه لا يغيّر من حقائق التاريخ.

فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل. 
ومن يعرف لمن تخدم المشاريع في نهاياتها، يدرك حقيقتها من نتائجها.


لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.

وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية». 
ومع ذلك، فإن العداء للعثمانيين وللأتراك لم يجد قاعدة شعبية واسعة كما يُتصور، بل إن دور الضباط العثمانيين في انهيار الدولة يفوق، من حيث التأثير، كل ما يُنسب إلى تلك «الخيانات».


كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟

سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات. 
وربما يكون من الأدق فهم تلك السياسات باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لفهم كيفية انهيار الدولة العثمانية.

وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف.

فكيف حدث التحول الذهني الذي جعلنا ننظر إلى تلك المناطق بوصفها «أراضي ليست منا»؟ 
ولماذا وقع هذا التحول في ذلك التوقيت تحديدًا؟
 لماذا لم تُعتبر تلك الأراضي «غريبة» حين لم يكن فيها نفط، وحين لم تكن بريطانيا وفرنسا قد وضعتا أعينهما عليها، بل حين كانت إدارتها عبئًا أكثر من كونها مكسبًا؟
 أليس في هذا التزامن ما يستدعي التفكير؟



«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟

في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908. 
وفي إحدى تلك الشهادات، وردت إشارة إلى علي فؤاد جَبَسوي، الصديق المقرّب لمصطفى كمال، والذي رافقه في تلك النقاشات. 
وفي كتابه «زميلي في الصف أتاتورك: ذكريات المدرسة والشباب العسكري» (إنقلاب وآقا، 1967)، يروي بالتفصيل كيف تبلورت آنذاك فكرة «الانسحاب» إلى حدود تشبه ما عُرف لاحقًا بالميثاق الوطني:

«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».


ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.

أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.


قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه. 
فهل كان «الميثاق الوطني» استجابة اضطرارية، أم ثمرة خطة مدروسة مسبقًا لتصفية الدولة؟ وإذا كانت التصفية لا يجوز تركها للأعداء، فلماذا خيضت حروب دامية ضدهم، وسقط فيها مئات الآلاف من الأتراك؟


كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟

كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:
«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».

فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟

 - يني شفق -

الأربعاء، 10 يونيو 2026

النسوية الإسلامية.. خروجٌ عن الصراط المستقيم كلمات في الصميم

النسوية الإسلامية.. خروجٌ عن الصراط المستقيم   كلمات في الصميم
 

تجتاحُ مفاهيمُ النسوية بيوتَ المسلمين كما تجتاح بيوتَ العلمانيين، غيرَ أنها تزيدُ عليها بأنها تتخذُ لباسًا إسلاميًّا، فتبحثُ عن الأقوالِ الشاذة، وتخلطُها بأقوالٍ معاصرةٍ لمن لا تعنيهم أحكام الشريعة ولا يتوقفون أمام النص، وذلك بهدفِ الخروجِ من سلطانِ الوحي.

إنَّ نزعةَ التمردِ التي أصابت كثيرًا من بناتِ المسلمين -المقبلات على الزواج أوالمتزوجات حديثاً- هي تصادمٌ مع الفطرةِ ومع أحكامِ الشريعة، التي تعتبر أن طاعةَ الزوجةِ لزوجِها في غيرِ معصيةٍ واجبة. 

وفي المقابل تتكاثرُ وتنتشرُ بين المسلمات أقوالٌ شاذةٌ من قبيل أن الزوجةَ غيرُ ملزمةٍ بصنعِ الطعامِ لزوجِها أو تنظيفِ البيت، وذلك استنادًا إلى أقوالٍ شاذةٍ في الفقه، يغيبُ عنها أن طاعةَ الزوجةِ لزوجِها جزءٌ من الدين، وأنها سرٌّ من أسرارِ الفطرةِ السويةِ بين الزوجين، يصنعُ نوعًا من السعادةِ والألفة في بيت الزوجية، إذ يجعلُ الزوجَ أكثرَ تمسكًا بزوجتِه واعتزازًا بها واحترامًا لها، وهو ما يجعلُ الزوجةَ أكثرَ مودةً وتعلُّقًا بزوجِها الذي يقدر جهدها ويحترم حرصها الكبير على طاعته.

لا يزال الغربُ مصرًّا على تفتيتِ الأسرةِ باعتبارِها اللبنةَ الأولى في مفهومِ الأمة، وأحدَ أسرارِ النهضةِ والاستقرار. 

وهو يركِّز بشكلٍ كبيرٍ على حواضرِ المسلمين المؤثرة، وفي مقدمتها أرضُ الكنانةِ مصر، خزانُ الأمةِ الكبير، الذي يتعرضُ لمحاولاتِ تشويهٍ وإتلافٍ خطيرةٍ ومستمرة، وإن ما يحدث في مصر لا محالة سيعم المنطقة العربية ويتوسع في الأقاليم الإسلامية.

فكيف نوقفُ هذا الزحفَ الذي يُحدِثُ تدميرًا وهدمًا للأسرةِ بشكلٍ ملحوظ، مستفيدًا من أدواتِ التواصلِ الحديثة، وشيوعِ استخدامِ الإنترنت، والتصاقِ الجيلِ الجديدِ به على مدارِ الساعة؟

مضر أبو الهيجاء أرض الكنانة 5/6/2026

الجمعة، 5 يونيو 2026

59 عاما على النكسة.. ماذا تغير في فلسطين والعالم العربي منذ هزيمة 1967؟

59 عاما على النكسة.. 
ماذا تغير في فلسطين والعالم العربي منذ هزيمة 1967؟

تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات، القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما كانت قبل 59 عاماً..
في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، استيقظ العالم العربي على واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخه الحديث؛ حرب لم تستمر سوى ستة أيام، لكنها غيّرت وجه المنطقة لعقود طويلة.

فقد انتهت المواجهة بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بهزيمة عربية قاسية عُرفت لاحقاً باسم "النكسة"، وأسفرت عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، لتدخل القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها مرحلة جديدة ما تزال تداعياتها السياسية والعسكرية والجغرافية حاضرة حتى اليوم.


النكسة.. لحظة التحول الكبرى

جاءت حرب حزيران/ يونيو في ظل أجواء عربية مشحونة بالشعارات القومية والثقة بقدرة الجيوش العربية على مواجهة إسرائيل. وكانت مصر بقيادة جمال عبد الناصر تمثل مركز الثقل العربي سياسياً وعسكرياً، فيما تصاعد التوتر الإقليمي بعد إغلاق مضائق تيران وحشد القوات المصرية في سيناء وانسحاب قوات الطوارئ الدولية.

لكن إسرائيل شنت في صباح الخامس من حزيران/ يونيو ضربة جوية واسعة دمّرت الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري خلال ساعات، قبل أن تتوسع العمليات العسكرية على الجبهتين الأردنية والسورية. وبعد ستة أيام فقط كانت إسرائيل قد سيطرت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، بينما وجد العالم العربي نفسه أمام صدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة.

ولم تكن الهزيمة مجرد خسارة أراضٍ، بل مثلت انهياراً لمشروع سياسي كامل ارتبط بفكرة القومية العربية والوحدة والتحرر الوطني، ما دفع العديد من المفكرين والباحثين إلى اعتبار النكسة نقطة فاصلة بين مرحلتين تاريخيتين في العالم العربي.


فلسطين قبل النكسة وبعدها


قبل عام 1967 كانت القضية الفلسطينية تُطرح في الإطار العربي العام، وكانت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية. أما بعد الحرب، فأصبحت فلسطين التاريخية بأكملها تقريباً تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

وأدت النكسة إلى بروز الحركة الوطنية الفلسطينية المستقلة بشكل أكبر، إذ اكتسبت الفصائل الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها حركة "فتح"، زخماً واسعاً، قبل أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الرئيسي للشعب الفلسطيني.

كما فتحت الحرب الباب أمام مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو المشروع الذي توسع بصورة متواصلة خلال العقود اللاحقة وأصبح أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية.


العالم العربي عام 1967.. مركزية الصراع

في ستينيات القرن الماضي كان الصراع العربي الإسرائيلي يمثل القضية المركزية بلا منازع في المنطقة. وكانت معظم الدول العربية، رغم خلافاتها السياسية، تتبنى خطاباً موحداً نسبياً تجاه فلسطين.

كما كانت الجيوش النظامية للدول العربية هي اللاعب الأساسي في المواجهة مع إسرائيل، بينما لم تكن الانقسامات الداخلية والصراعات الأهلية التي تشهدها المنطقة اليوم قد وصلت إلى مستوياتها الحالية.

وبعد النكسة، حاولت الدول العربية استعادة زمام المبادرة عبر قمة الخرطوم الشهيرة التي رفعت شعار "اللاءات الثلاث": لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، قبل أن تتغير المعادلات تدريجياً خلال العقود التالية.


من الحروب النظامية إلى الصراعات المتعددة

إذا كانت مرحلة ما بعد 1967 قد اتسمت بمحاولات عربية لاستعادة الأراضي المحتلة عبر الحروب التقليدية، كما حدث في حرب تشرين/ أكتوبر 1973، فإن المشهد الحالي يبدو مختلفاً جذرياً.

فمعظم الدول العربية باتت منشغلة بأزماتها الداخلية الاقتصادية والسياسية والأمنية، بينما تحولت المنطقة إلى ساحة لصراعات متشابكة تشمل ملفات النفوذ الإقليمي والحروب الأهلية والتنافس الدولي.

كما أن عدداً من الدول العربية انتقل من حالة المقاطعة السياسية لإسرائيل إلى إقامة علاقات دبلوماسية واتفاقيات تطبيع، وهو تحول كان من الصعب تصوره في السنوات التي أعقبت النكسة مباشرة.


فلسطين اليوم.. بين الاحتلال والمقاومة


رغم مرور 59 عاماً على حرب 1967، فإن كثيراً من القضايا التي أفرزتها الحرب لا تزال قائمة. فالضفة الغربية ما تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما تشهد القدس عمليات تهويد واستيطان متواصلة، بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وفي المقابل، شهدت القضية الفلسطينية تحولات جوهرية؛ فمن مرحلة الرهان على الجيوش العربية، إلى صعود الفصائل الفلسطينية المسلحة، ثم مسار التسوية السياسية واتفاق أوسلو، وصولاً إلى عودة المواجهة العسكرية المباشرة وتراجع فرص الحل السياسي.

كما أصبحت القضية الفلسطينية اليوم جزءاً من نقاش عالمي أوسع يتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي وجرائم الحرب، بعدما كانت تُنظر إليها سابقاً بوصفها قضية عربية بالدرجة الأولى.


ماذا بقي من آثار النكسة؟


بعد نحو ستة عقود، يصعب النظر إلى هزيمة 1967 باعتبارها حدثاً عسكرياً انتهى في زمانه. فالحدود التي رسمتها الحرب ما زالت تؤثر في خرائط المنطقة، والقدس التي احتلت في تلك الحرب ما تزال محور الصراع، والاستيطان الذي بدأ بعدها أصبح واقعاً سياسياً وجغرافياً معقداً.

كما أن كثيراً من التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها العالم العربي منذ أواخر الستينيات ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بصدمة النكسة، سواء على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو صعود الحركات الإسلامية، أو تراجع المشاريع القومية التقليدية.

وفي الذكرى التاسعة والخمسين للحرب، تبدو المفارقة لافتة؛ فالعرب الذين خسروا في عام 1967 أراضي واسعة خلال أيام معدودة، يعيشون اليوم واقعاً أكثر تعقيداً وتشتتاً، بينما تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات، القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما كانت قبل 59 عاماً.

الأحد، 31 مايو 2026

أفراح مؤجلة حتى حين

 أفراح مؤجلة حتى حين

نور الدين العلوي


نجمِّع اللحظة أكبر قدر من الغباء الروحي لنقدم أضحية ولا نلتفت إلى غزة أو السودان ولا لأي بقعة عربية مسلمة تحترق. نرصّف التبريرات من قبيل أن الحياة لا يجب أن تتوق، وأن ألم البعض لا يمنع فرح آخرين، ونزيد: هل علينا أن نقيم مناحة أبدية؟ لقد أسعفنا الدعاء في السوشيال ميديا فخفف عنا وزر غزة وأخواتها؛ نحن ندعو لهم وهذا سيحررهم فلنحتفل. نحن لم ندرك معنى الطوفان لذلك فنحن نقدم الأضاحي ونُتْخَم أحيانا، لنخفف وزر غزة بوزر آخر(كآلية دفاع ضد تأنيب الضمير).


نحن لا نفلح في تجميع ثمن أضحية، ذهب كثير منا إلى الأسواق وتأمل الأسعار والخرفان وعاد باكيا. لقد صارت الأضحية حكرا على طبقة ضيقة بينما تراقب الغالبية بحرقة. هناك خبر يقين يمكن أن ينجينا من الغم؛ سوريا تصدر الخرفان للجزائر وقد تثبتُّ فوجدت الخبر صحيحا. عجبي، الدولة الخارجة من حرب أهلية دمرت كل شيء تستعيد عافيتنا لتصدر فائض إنتاج حيواني لبلد مستقر منذ سبعين عاما ونفطي فوق البيعة؟ يبدو أننا سنصاب بالجنون.

لنفرح لسوريا
كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير

أخبار سوريا تسر النفس؛ وهذه جملة تخفى ببراعة أن أخبار تونس تصيب بالغم. كيف استطاع الفلاح السوري ترميم القطيع في سنة واحدة وإنتاج فائض أزعج به جاره الأردني فاتخذ رسوما جمركية ليحمي سوقه، ثم يصدر السوري إلى العراق وإلى الخليج العربي ثم يفاجئنا بالتصدير إلى الجزائر. ما تزال النقاشات في تونس تدور حتى الآن حول لماذا لم يشن أحمد الشرع حرب تحرير الجولان؟ يبدو أن الشرع خاض حرب تحرير الفلاح السوري، لقد التقطنا أخبارا عن احتمال تحقيق الاكتفاء الذاتي السوري من الحنطة بعد سنة مطيرة واحدة، لننتظر نهاية موسم الحصاد، بينما تعيش الدول المستقر مثل تونس والجزائر وقد قيل المغرب أيضا أزمة أضاحي. كأن الفلاح في هذه البلدان توقف عن تربية الحيوان؟ كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير.

لا أدري بدقة ما فعل السوري بقطيعه فنما فأفاض، ولكن أعرف أن السياسات الزراعية في بلدي لا تستجيب لحاجة السوق المحلي فضلا عن التفكير في التصدير. هناك خبرة تاريخية متراكمة في تربية الحيوان في تونس (لقد كنا ذات يوم مجتمعا رعويا يعيش من قطيع ويكتفي)، لكن يبدو أننا بقينا في الأسلوب القديم ولم نطور النشاط رغم ما يحيط بنا من تجارب ناجحة. هنا ينفتح الحديث عن السياسات الزراعية في تونس، فنجد أن النشاط بقي نشاطا ثانويا ضمن اهتمامات الدولة، وكل ما فعلته هو تقنين توزيع الأعلاف المدعومة، لذلك وجد الفلاح دوما صعوبات جمة في زيادة عدد الرؤوس. وقد عانى لوحده أثر الجفاف في السنوات الماضية، وهذا سبب رئيسي لتقلص العدد، لقد كان مربي الأغنام يبيع النصف ليعلف بثمنه النصف الباقي، في عملية تراجع مستمر أقرب إلى حفظ الوجود الأدنى من التطور الذاتي.

تقوم الجزائر -بجوار تونس لمن يجهل الجغرافيا- خلال هذه الصائفة بتوريد ثلاثين ألف بقرة حلوب ضمن نشاط شركة "بلدنا" القطرية الجزائرية. هذا عبور عملاق لتطوير قطاع تربية الحيوان، وهو غير بعيد عن تونس ويمكن استراق النظر إليه. لماذا استثمر القطري في الجزائر وقد كان مر بتونس ذات يوم؟ هنا نعود إلى النقاش المركزي في تونس والذي يستغرق كل الجهد وكل التفكيرالماذا لم يقم أحمد الشرع بتحرير الجولان؟

نخبة المعارك الخاطئة هي السبب

كيف يمكن بناء هذا الربط اللاسلكي بين تحرير الجولان وتربية الخرفان؟ لا يحتاج الأمر إلى إطالة السجع، يحتاج إلى متابعة اهتمامات النخبة التونسية الغارقة في قضاياها المزيفة منذ سبعين عاما. تتميز هذه النخبة بقدرة عالية على صرف الأنظار عن عجزها باختلاق قضايا لا تهمها، وهي تعيش مما تختلق وتكرر. فالشرع هنا ليس شخصا بل هو احتمال سياسي يرعب النخبة التونسية، فهو تجربة جديدة في ترتيب الأولويات فيقدم الضروري الحيوي ويعتبره استراتيجيا قبل خوض معارك ضرورية ولكنها قابلة للتأجيل. ومقالنا في الأصل ليس عن الشرع وسياساته، بل عن نقيضه الذي يبذل جهدا جبارا في المزايدة عليه ويغفل في الأثناء أزماته الحيوية.

إن تربية الحيوان وتوفير أضاحٍ كافية وكسر أسعار اللحوم لتكون في متناول الفقراء ليس من النانوتكنوجيا، إنه أبسط من ذلك، يكفي الدولة فيه أن تتحرك في سوق الأعلاف العالمية لتوفر للفلاح كفايته في سنوات الجفاف، ويكفي أن ترافقه بالبيطرة في حفظ صحة قطيعه ليجمع خبرته مع الدعم فيكون نماء. هنا تفقد النخبة مواضيعها الأثيرة، فهي لم تتدرب على خطاب التنمية بل ظلت تحبس نفسها وتقتات من قضايا مثل تحرير الجولان من تونس.

هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون

لنواصل الربط اللاسلكي، عدم تحرير الجولان يعني أن حاكم سوريا الإسلامي خائن وعميل للاستعمار، وهذا ينسحب على كل إسلامي سواء كان مع الشرع أم ضده ويخالفه الرأي والفتوى. هو نفس موقف النخبة التونسية التي تقول الآن أن الكيان الصهيوني خلق حركة حماس ليحارب بها حركة فتح الثورية، أي والله هذا الكلام يكتب في تونس وهو موقف علني. (لم ننس مثقفا تونسيا كتب من قلب باريس في حرب 2014 أن حماس تمارس البرنوغرافيا السياسية بعرض صور شهدائها).

هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون. لقد تجاوز الفلاح التونسي المجهول والذي أنقذ نفسه من الغرق في قضايا النخبة كل المحاذير الرسمية وانطلق يغرس الزيتون؛ لم يقتصد في ماء الطبقات الجوفية ولم يخضع لشركة الكهرباء العمومية. يثقب الأرض في الليل يستخرج الماء بالطاقة الشمسية، ويغرس الزيتون ويدخل أسواق الزيت في العالم بنفس الإرادة الحرة، ويستعيد مكانة تونس في بورصة الزيت العالمية متغلبا على الطليان والإسبان واليونان. سيفعل نفس الشيء في قطاع تربية الحيوان وهذه سبب كاف للفرح، لا لجهة توفير الأضاحي فهذا تحصيل حاصل، بل لقدرة عبقرية على تجاوز النخبة المشغولة بلحية أحمد الشرع.

فرحنا القليل قادم من فعل هذا الفلاح المجهول، إنه أقرب بروفايل مواطني يمكن أن يقارن بالمواطن الغزاوي صاحب الطوفان، إنه عبقري الاعتماد على الذات الناحت من لحمه مستقبل بلد ضيعته النخب.

الأربعاء، 6 مايو 2026

التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بين ميزان قوى هش وتحالفات جديدة

 التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بين ميزان قوى هش وتحالفات جديدة

عبد المنعم منيب.. 
كاتب صحفي وباحث في السياسة والدراسات الإسلامية


التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط باتت بارزة لكل ذي عين، فالحرب والصراع بين إيران ومحورها من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ما زالت تراوح مكانها بغير نتيجة حاسمة، ولكن أيا كانت نتيجة هذا الصراع فإن منطقة الشرق الأوسط بعد نهاية هذه الحرب سوف تشهد تحولات استراتيجية بالغة لدرجة أن يقر الجميع بأن المنطقة بعد الحرب الإيرانية الأمريكية ليست مثلما كانت قبلها، وفي السطور التالية نرصد أبرز المعالم الكبرى لهذه التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

 

المشهد الراهن والتحولات العسكرية الكبرى

في البداية لابد من التأكيد على أن المنطقة شهدت في الفترة 2023 – 2026 تصعيداً خطيراً أعاد رسم خريطة المنطقة، وتمثلت أبرز محطاته في:

 

▪ حرب طوفان الأقصى: حيث شنت المقاومة الفلسطينية هجوما مباغتا وشاملا برياً وبحرياً وجوياً ضد المستعمرات الصهيونية في غلاف غزة في 7 أكتوبر 2023، وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي وأسر العشرات، مما شكل صدمة أمنية واستخباراتية تاريخية لإسرائيل، وأدى إلى اندلاع حرب مدمرة مستمرة على قطاع غزة.

▪ سقوط النظام السوري: في ديسمبر 2024، حيث سقط نظام الأسد بهزيمته أمام قوات الثورة السورية، مما خلق فراغاً استراتيجياً كبيراً ومن ثم بدأت القوى الإقليمية، وخاصة تركيا، في ملئه.

▪ حرب الاثني عشر يوما: ضد إيران في يونيو 2025، والضربات اللاحقة لها أدت إلى ضعف شديد في ما كان معروفا بـ«محور المقاومة»، مع استمرار الدمار في غزة ولبنان وسوريا وكل هذا ساهم في انهيار النظام الإقليمي القديم في سياق صراع إيران وأمريكا وإسرائيل.

 

▪ حرب فبراير 2026: حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة على إيران، استهدفت مواقع حكومية وعسكرية وأدت إلى اغتيال شخصيات قيادية عليا، مما أسفر عن إصابة إيران بحالة من الضعف ومن ثم تراجع مؤقت لنفوذها في المنطقة.

 

التحالفات الأمنية الجديدة وصعود القوى المتوسطة

أدى الفراغ الاستراتيجي الناتج عن إضعاف إيران إلى بروز تحالفات جديدة تهدف إلى تحقيق «توازن قوى» في المنطقة ويمكن أن نلاحظ أبرز ملامحها حتى الآن في الظواهر التالية:

 

▪ الدور التركي القيادي: برزت تركيا كأكبر الرابحين استراتيجياً؛ حيث دعت لتأسيس «تحالف أمني إقليمي» لتعزيز الثقة وتقليل الاعتماد على واشنطن.

▪ بداية تبلور محور سني: وهو ما تبرز ملامحه في تعاون واسع يضم تركيا والسعودية وباكستان (مع احتمال انضمام مصر وقطر)، حيث تقدم تركيا وباكستان الخبرة العسكرية والوجود الميداني، بينما تقدم السعودية التمويل، بهدف مواجهة التهديدات الإسرائيلية والإيرانية على حد سواء في ظل توازنات إيران وأمريكا وإسرائيل.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد دعا في القمة العربية الإسلامية الأخيرة (2025) إلى مثل هذا التعاون اذ دعا إلى: «إنشاء آلية عربية إسلامية للتنسيق والتعاون، تمكننا جميعًا من مواجهة التحديات الكبرى، الأمنية والسياسية والاقتصادية» بحسب تعبيره.

 

▪ السيطرة في سوريا: أصبحت تركيا القوة الخارجية المهيمنة في سوريا بعد سقوط الأسد، وعملت كـ«ضامن أمني» عبر نشر قوات وقواعد جوية، مما عزز نفوذها وصولا إلى دمشق.

 

سباق التسلح وإعادة التموضع العربي

انتقلت دول الخليج من سياسة الحياد إلى اتخاذ مواقف أمنية أكثر حزماً نتيجة تعرضها لضربات مباشرة في سياق صراع إيران وأمريكا وإسرائيل، ويظهر هذا بوضوح من خلال المعالم السياسية والاستراتيجية التالية:

 

تسليح مكثف: أبرمت دول خليجية (الإمارات، الكويت، السعودية) صفقات أسلحة بمليارات الدولارات، شملت أنظمة دفاع جوي متطورة لمواجهة التهديدات الصاروخية.

 

سياسة التحوط: تتبنى القوى الإقليمية استراتيجية التوازن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، خاصة مع شعورها بعدم اليقين تجاه الالتزامات الأمنية والاستراتيجية الأمريكية.

 

تحركات عسكرية مصرية مكثفة: حيث أجرت مصر العديد من المناورات العسكرية مع باكستان وتركيا والسعودية والصين، ومنها 3 مناورات على أرض باكستان هي: 

رعد 1 فبراير 2024، ودرع السند أكتوبر 2024 وشاركت فيها تركيا والسعودية، ورعد 2 أبريل 2026.

 

وكذلك 3 مناورات مع تركيا، وهي: تدريب مشترك للقوات الخاصة أبريل 2025 في أنقرة، ثم بحر الصداقة سبتمبر 2025 مناورة بحرية في شرق البحر المتوسط، ومؤخرا “فلينتلوك” أبريل 2026 في ليبيا وهي مناورة للقوات الخاصة للبلدين.

 

وأجرت مصر مناورة عسكرية جوية مع الصين وهي: نسر الحضارة في أبريل-مايو 2025 على أرض مصر، شملت طائرات مقاتلة متعددة المهام وتدريبات على القتال الجوي والتزود بالوقود.

 

وبزرت التحركات العسكرية المصرية في سيناء على الحدود مع إسرائيل حيث تم نشر قوات إضافية في الفترة 2024-2026 لتعزيز الأمن، مع تدريبات مكثفة، وآخرها كانت مناورة بدر 2026 في أبريل الماضي وجرت بالذخيرة الحية، وأثارت قلقاً إسرائيلياً بالغا.

 

التداعيات الاقتصادية والإنسانية

أثرت الصراعات في منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر على الاستقرار العالمي خاصة في ظل تصاعد صراع إيران وأمريكا وإسرائيل:

 

▪ أسواق الطاقة: أدى تهديد مضيق هرمز إلى اضطرابات في الإمدادات، حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل في مارس 2026 قبل أن تستقر قليلاً مع بوادر التهدئة.

▪ الأزمات الإنسانية: تسببت الحروب في دمار واسع في البنى التحتية في لبنان وسوريا وغزة، مما يجعل الاستقرار بعيد المنال ويخلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار المستقبلي.

 

«السلام الإسرائيلي» والسيناريو المستقبلي

ولا شك أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تسعى لترسيخ سلام إسرائيلي قائم على هيمنة إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط لكنها لم ولن تنجح في ترسيخ مثل هذا السلام بالمنطقة لعدة أسباب:

 

غياب الشرعية: لا يمكن تحقيق استقرار دون حل القضية الفلسطينية وضمانات إقليمية شاملة تمنع العدوان الإسرائيلي المتتابع ضد إيران وسوريا ولبنان والضفة الغربية وغزة.

الفوضى الهيكلية: أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية إلى تدمير نظام قديم دون بناء بديل واضح، مما ترك المنطقة في حالة فوضى.

الإرادة العربية والإسلامية: حيث تصمم القوى الكبرى العربية والإسلامية بالمنطقة على عدم منح إسرائيل التفوق الاستراتيجي، مع سعى هذه القوى لترسيخ توزان استراتيجي جديد في المنطقة لصالح هذه القوى وليس لصالح إسرائيل.

 

وختاما فإن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة انتقال من “الأحادية القطبية” إلى نظام أمني “متعدد الأقطاب” تقوده قوى إقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية وباكستان، في محاولة لملء الفراغ ومنع الهيمنة المطلقة لإسرائيل، وسط تحديات اقتصادية وأمنية جسيمة.

 

الأسئلة الشائعة حول التحولات الاستراتيجية في المنطقة العربية

ما هي أبرز ملامح التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد صراع إيران وأمريكا وإسرائيل منذ 2024؟

تتمثل في سقوط النظام السوري، وإضعاف النفوذ الإيراني عسكرياً، وبروز دور قيادي لتركيا ومصر والسعودية في محاولة لرسم نظام أمني إقليمي جديد بعيداً عن الهيمنة الأحادية.

 

لماذا أثارت مناورة “بدر 2026” المصرية قلقاً في إسرائيل؟

لأنها جرت بالذخيرة الحية في سيناء، وشملت تدريبات مكثفة للقوات الإضافية المنشورة على الحدود، مما اعتبره الكيان الصهيوني مؤشراً على جاهزية مصر لفرض توازن قوى جديد.

 

هل يمكن أن ينجح “السلام الإسرائيلي” في المنطقة؟

يرى المقال أن هذا المشروع يفتقر للشرعية في غياب حل القضية الفلسطينية، ويصطدم بإرادة القوى الإقليمية الكبرى (تركيا، مصر، باكستان) التي ترفض التفوق الاستراتيجي المطلق لإسرائيل.

 

كيف أثّر صراع إيران وأمريكا وإسرائيل على ميزان القوى في المنطقة؟

أدى الصراع إلى إضعاف بعض المحاور التقليدية وخلق فراغ استراتيجي، مما سمح بظهور تحالفات جديدة وسعي دول المنطقة لتحقيق توازن قوى جديد.

 

هل يمكن تحقيق استقرار في الشرق الأوسط في ظل هذه التحولات؟

الاستقرار يظل صعبًا في ظل غياب حل عادل للقضية الفلسطينية واستمرار الصراعات الإقليمية والدولية داخل المنطقة

الأمة اليوم

المصدر