الثلاثاء، 29 ديسمبر 2020

عبدالله العوده Abdullah Alaoudh :Saudi Arabia Is Slowly Killing My Father


Saudi Arabia Is Slowly Killing My Father
المملكة العربية السعودية تقتل والدي ببطء
يجب على الرئيس المنتخب جو بايدن الضغط على البلاد للإفراج عن سجنائها السياسيين.

عبدالله العوده

 باحث وناشط سعودي.

30 ديسمبر 2020

 ترجمة وتحرير: نون بوست

يوم الاثنين، حكمت محكمة في الرياض على الناشطة السعودية لجين الهذلول بالسجن لمدة خمس سنوات وثمانية أشهر. أدينت الهذلول، التي دافعت عن حق المرأة في قيادة السيارات، بتهمة "محاولة الإضرار بالأمن القومي" وتعزيز "أجندة خارجية". لقد كانت بالفعل في السجن لمدة سنتين ونصف. يمكن أن يؤدي الوقت الذي قضته في السجن والتعليق الجزئي للعقوبة إلى إطلاق سراحها في غضون شهر أو نحو ذلك.

جذبت قضية الهذلول اهتماما دوليا وإدانة من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ومجلس النواب الأمريكي والعديد من المنظمات الحقوقية، وهذا أمر صائب. لكن هناك المئات من السجناء السياسيين الآخرين في المملكة العربية السعودية الذين وقع اعتقالهم وسجنهم وتقديمهم للمحاكمة.

كان والدي واحدا منهم. في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، عانق إخوتي والدي في نفس المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض التي أدلت بالحكم على الهذلول. لم تتمكن عائلتي من زيارته في سجنه السعودي ولا تلقي مكالمة هاتفية بين أيار/مايو وأواخر أيلول/ سبتمبر، وعندما سُمح لهم بالتحدث معه كان بينهم حاجز زجاجي. جاء ذلك العناق المرغوب فيه بشدة بعد ستة أشهر.

كان والدي، سلمان العودة، عالما إصلاحيا في الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية ويبلغ من العمر 63 سنة، وقد وقع احتجازه في الحبس الانفرادي منذ اعتقاله في 10 أيلول/ سبتمبر 2017. بسبب انزعاجه من التوترات الإقليمية المتزايدة بعد أن فرضت المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات ومصر حصارا على قطر، أعرب والدي بشكل غير مباشر عن رغبته في المصالحة في تغريدة. بعد ساعات قليلة، وقع اعتقاله.

والد المؤلف، سلمان العودة، محتجز في الحبس الانفرادي منذ سنة 2017

بعد احتجازه دون تهمة لمدة سنة، وجهت السلطات السعودية له العديد من التهم عندما بدأت محاكمته في أيلول/ سبتمبر 2018 في محكمة مغلقة في الرياض، من تحريض الناس على الحاكم والدعوة لتغيير الحكومة إلى حيازة كتب محظورة. وطالب النائب العام السعودي سعود المعجب بإعدام والدي على خلفية 37 تهمة.

خلال الربيع العربي في سنة 2011، كان والدي من كبار المؤيدين للالتماس الذي وقعه الآلاف من السعوديين للمطالبة بالانتقال الوطني نحو نظام ملكي دستوري مع انتخابات وحريات أساسية ومؤسسات ديمقراطية. سمح الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي حكم من سنة 2005 حتى وفاته في كانون الثاني/ يناير 2015، للسعوديين بالتحدث إلى حد ما وتقديم بعض المطالب لأن المملكة كانت حريصة على تجنب الاضطرابات العامة. في المقابل، مُنع أبي من السفر خارج المملكة العربية السعودية.

في سنة 2013، عندما كان الأمير سلمان بن عبد العزيز - الملك سلمان الآن - وليا للعهد وعُين الأمير محمد بن سلمان رئيسا لمحكمته برتبة وزير، حث والدي الحكومة السعودية على إطلاق سراح العديد من الإصلاحيين الذين أسسوا الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية. وكان النشطاء قد اعتُقلوا وأدينوا بتهم عديدة تتمثل في محاولة "تشويه سمعة المملكة" و "قطع الولاء للحاكم" و "إنشاء منظمة غير مرخصة". وقع تجاهل مطالبات والدي، ولكن لم يكن هناك عقاب.

في ذلك الوقت، قدم ولي العهد الأمير سلمان الأمير محمد، ابنه الصغير، للعديد من الشخصيات العامة المؤثرة في المملكة العربية السعودية التي كانت تتحدث عن الإصلاحات. التقى ولي العهد الأمير سلمان والأمير محمد بوالدي وطلبا نصيحته بشأن عملية الإصلاح السياسي الدقيقة.

في سنة 2015، بعد أن خلف الملك سلمان الملك عبد الله، أراد والدي تذكير الملك بوعده بإدخال الإصلاحات في المملكة العربية السعودية. أثناء ظهوره على التلفزيون الوطني السعودي، روى والدي كيف أخبره ولي العهد الأمير سلمان أن الإصلاحات السياسية والحقوق التي دافع عنها والدي لفترة طويلة ستكون على رأس جدول أعماله عندما يصبح ملكا.

بعد ثلاثة أشهر من تولي الملك سلمان السلطة، قدم نجله، ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية السعودية 2030، التي وعدت بإصلاحات اجتماعية واقتصادية. بعد ذلك بسنتين، في سنة 2017، عندما وقع تعيين الأمير محمد وليا للعهد، تحولت آمالنا في إجراء إصلاحات سياسية أو المزيد من الحقوق المدنية إلى سراب.

رسخ الأمير محمد بن سلمان سلطته من خلال قمع المنافسين من العائلة المالكة الواسعة. لقد وقع الحد من المجال المسموح به للمعارضة، وتورطت المملكة في الحرب في اليمن وقادت الحصار المفروض على قطر، واعتقل والدي بسبب تغريدة.

خلال جلسة المحكمة في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر في الرياض، أصيب إخوتي بالدهشة من مدى ضعف وهزال والدنا. بعد أن فقد نصف قدرته السمعية والبصرية في السجن، كان والدي غير متماسك ويواجه صعوبة في سماعهم ورؤيتهم بوضوح. لقد شعروا أن والدنا الفخور والحازم بدا خاضعا تماما وأومأ برأسه على كل ما قيل له. كانوا يخشون أنه يمكن إجباره على التوقيع على أي نوع من الاعتراف وهو في حالته غير المستقرة هذه.

الحكومة السعودية مسؤولة عن سوء معاملة ووفاة عبد الله الحامد، أحد أبرز الإصلاحيين في المملكة، الذي انهار ودخل في غيبوبة أثناء وجوده في السجن

تسارع التدهور الجسدي والعقلي لوالدي على مدى ثلاث سنوات من الإساءة والعزلة. خلال الأشهر الثلاثة إلى الخمسة الأولى من احتجازه في سجن ذهبان بجدة، كبل الحراس قدميه بالسلاسل وعصبوا عينيه أثناء نقله بين غرف الاستجواب وزنزانته. وقد حرمه المحققون من النوم والأدوية لعدة أيام متتالية، على حد قوله لعائلتنا أثناء الزيارات.

في إحدى المرات، ألقى الحراس عليه كيسا بلاستيكيا من الطعام دون فك أصفاده. وأجبر على فتح الكيس وإخراج الطعام بفمه، مما تسبب في أضرار جسيمة لأسنانه. بعد هذه المعاملة السيئة المطولة، في كانون الثاني/يناير 2018، نُقل إلى المستشفى لبضعة أيام بسبب ارتفاع ضغط الدم بشكل خطير.

الإهمال الطبي وسوء الممارسة منتشران في السجون السعودية. في نيسان/أبريل 2020، كانت الحكومة السعودية مسؤولة عن سوء معاملة ووفاة عبد الله الحامد، أحد أبرز الإصلاحيين في المملكة، الذي انهار ودخل في غيبوبة أثناء وجوده في السجن. لأسابيع، رفضت السلطات السعودية للسيد الحامد إجراء عملية قسطرة القلب التي طال انتظارها. وقال زملائه السجناء لمنظمة العفو الدولية إنه سقط على أرضية سجن الحائر في الرياض وبقي هناك لساعات قبل أن تنقله السلطات إلى مستشفى الشميسي.

بعد حوالي ثلاثة أشهر من وفاة الحامد، توفي صالح الشيحي، الصحفي البارز، بسبب مرض لم يقع الكشف عنه بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه من السجن. وكان الشيحي قد اعتقل في كانون الثاني/ يناير 2018 وحكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة "إهانة الديوان الملكي" بعد أن انتقد ديوان ولي العهد واتهمه بالفساد.

الحبس الانفرادي هو تعذيب. لقد كان لها تأثير عميق وخطير على والدي. توحي المعاملة السيئة في زنزانته المظلمة أن السلطات السعودية عازمة على قتله ببطء. لم يكشف مسؤولو السجن عما كان يتناول من أكل أو "الأدوية" التي يتلقاها. في هذا الشأن، أناشد إدارة بايدن رفع صوتها وإنقاذ والدي قبل فوات الأوان. ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يهتم بما يفكر فيه المجتمع الدولي عنه وعن المملكة العربية السعودية.

تعهد الرئيس المنتخب جو بايدن بأن تصر الولايات المتحدة على "الأفعال السعودية المسؤولة" وتفرض عواقب على الأعمال المتهورة. وسيكون دفع الحكومة السعودية للإفراج عن والدي والسجناء السياسيين الآخرين في المملكة خطوة مهمة من الإدارة القادمة.


Saudi Arabia Is Slowly Killing My Father
President-elect Joe Biden must push the country to release its political prisoners.

By Abdullah Alaoudh
Mr. Alaoudh is a Saudi scholar and activist.

المصدر: نيويورك تايمز

شيخ الأزهر نسخة 2020

  شيخ الأزهر نسخة 2020
                                    


وائل قنديل

على عتامتها، لم تخل سنة 2020 من بعض نقاط الضوء في مصر، بما ينبئ بأن الأمل لا يزال بإمكانه أن يعيش في أكثر مناطق العالم قمعًا وقهرًا.

شيخ الأزهر، الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، قدّم في العام الذي يوشك على الانصراف وجهًا مغايرًا، أو قل أنه استعاد بعض ملامح الوجه الحقيقي للأزهر وشيخه، حين حاول اقتطاع مساحاتٍ للإنسانية وللعدل ولاحترام الحق في الحياة، وذلك عبر إطلالاته في مناسبات مختلفة.

دخل الإمام الأكبر 2020 وهو أكثر اقترابًا من أوجاع الفرد والأمة، تاركًا الالتصاق بالسلطة إلى نوعيةٍ من"رجال الدين"، أو هكذا يشاع عنهم، يلوون عنق النصوص، ويقتادون الفقه عنوة للخدمة في قصور الحكم و مقار الأمن.

كانت نهاية العام الماضي قد شهدت حضورًا مختلفًا للإمام الأكبر، في العام الأشد فتكًا بالنساء المصريات على يد سلطةٍ تجرّدت من الحد الأدنى من النخوة والمروءة، وانحدرت بأساليب الاستبداد إلى مستوياتٍ أدنى من سلوك العصابات الانتقامية.

رفع شيخ الأزهر صوته ضد هذا الإجرام، حين وقف ليلقي كلمة لمناسبة ذكرى مولد نبي الرحمة والإنسانية، ويذكّر عبد الفتاح السيسي، المنتشي بسلطته وتسلطه، بمضامين خطبة الوداع التي ألقاها النبي محمد صلي الله عليه وسلم قبل موته، ويطلق صرخة مدوية "اتقوا الله في النساء"، ثم يتحدّث عن سقوط الدول والمجتمعات التي تفترس حقوق الإنسان، وتنتهك حرمات ثلاث: حرمة الدم، وحرمة الملكية الفردية الخاصة، وحرمة الأسرة والعرض والشرف.

تكلم شيخ الأزهر بينما المجتمع كله يئن من توحّش السلطة مع عشرات، بل مئات النساء المعتقلات والمسجونات، واللاتي يتعرّضن لانتهاكاتٍ تنتمي لأعتى عصور الهمجية، وهي الوحشية المستمرّة والمتنامية حتى، الآن، أخذةً في طريقها الفتيات الصغيرات والأمهات والجدّات، على نحو همجي، من دون تفرقة، هذه المرّة، على أساس التكوين الإيديولوجي والانتماء السياسي، فكلهن في جحيم الطغيان سواء.

كلمة شيخ الأزهر وضعته في فوّهة مدافع التحريض على مدار العام 2020، حيث نشطت النواعق في استهداف الرجل، لإزاحته عن موقعه، في حملةٍ توزّعت فيها الأدوار، وانطلقت من مراكز عدة، في توقيتٍ واحد، بينما الرجل صامدٌ أمام عاصفةٍ هوجاء، اختلط فيها غبار التجديد الزائف والمختل للخطاب الديني، مع حصى تمرير التطبيع، مع مضاعفة كميات الكراهية واستعداء العالم على كل أشكال المقاومة للاحتلال وللاستبداد معًا.

لم تسكت المدافع، فكيف يقبل حثالات التوحش، والضباع الجائعة التي تتغذّى على الفاشية، بوجود رجلٍ يدعو إلى تحقيق حالة مجتمع انساني يتعايش فيه الجميع، باحترام ومروءة؟. وكيف يمكن أن يصمت قطيع المتصهينين على رجلٍ يكافح ضد تهويد القدس، ويستقبل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، المقاومة، ويقرّر تدريس القدس في مناهج التعليم الأزهري، كي لا تُمحى من ذاكرة الصغار؟.

على أن السطوع الأكبر لشيخ الأزهر كان مع الحملة العنصرية الكريهة التي شنّها اليمين الأوروبي المتطرف لوصم الدين الإسلامي، واتهام المسلمين بالإرهاب، وهي الحملة التي تصدّرها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قبل مقتل المدرس الفرنسي، على يد تلميذ، وبعده.

عام تصاعدت فيه حدّة التحريض على المسلمين في أوروبا والعالم، ليس من اليمين الأوروبي المتطرّف فقط، وإنما أيضا من دوائر عبد الفتاح السيسي ومعسكر المتصهينين العرب. وفي ذلك كله، بدا مفتي مصر السيسية في خطابه التحريضي ضد المسلمين المهاجرين أكثر تطرّفًا من الرئيس الفرنسي.

في مقابل ذلك كله، كان شيخ الأزهر يدافع ببسالة عن صحيح الدين الإسلامي، ويردّ على مزاعم الكارهين والمتربصين، وأكاذيب مشايخ السلاطين ممن يتهمون مسلمي أوروبا بأنهم دواعش وإرهابيون.

على صخرة الإمام الأكبر، تكسّرت الحملة التي انتقلت من إدانة الإسلام والمسلمين إلى الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأوفدت فرنسا وزير خارجيتها لمقابلة شيخ الأزهر، فأسمعه الأخير ما يصون الكرامة، ويكبح العنصرية فيقول له: 

1- الإساءة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مرفوضة تمامًا، وسوف نتتبع من يُسيء لنبينا الأكرم في المحاكم الدولية، حتى لو قضينا عمرنا كله نفعل ذلك الأمر فقط. 

2- أوروبا مدينة لنبينا محمد ولديننا، لما أدخله هذا الدين من نور للبشرية جمعاء.

3- نرفض وصف الإرهاب بالإسلامي، وليس لدينا وقت ولا رفاهية الدخول في مصطلحات لا شأن لنا بها، وعلى الجميع وقف هذا المصطلح فورًا؛ لأنه يجرح مشاعر المسلمين في العالم، وهو مصطلح ينافي الحقيقة التي يعلمها الجميع.

أخيرًا: ليس مطلوبًا من أحدٍ أن يتناسى الدور الذي ارتضاه شيخ الأزهر لنفسه في تسويغ انقلاب 2013 وما جرّه من كوارث على الجميع .. غير أن هذا لا ينفي أن أداء الرجل كان من الأشياء المضيئة في 2020. 

عبد الله النفيسي ورحلة الصندوق الأسود

 عبد الله النفيسي ورحلة الصندوق الأسود
مهنا الحبيل

خلال فترة وجيزة، قفز برنامج الصندوق الأسود، لصحيفة القبس الكويتية، على "يوتيوب" إلى مصاف البرامج المتابعة ذات الجماهيرية، وحقق حضوراً واسعاً، وجدلاً في الساحة الوطنية للكويت والخليج العربي والوطن العربي. وبالطبع كان ذلك مرتبطاً بضيفه البارز المفكر السياسي عبد الله النفيسي. وفي آخر حلقات البرنامج، أشار المقدّم المميز عمّار تَقي، الذي حقق نجاحاً لافتاً بمهنيته، وحرصه على دقة المعلومة وأدبه في اللقاء، إلى ختم الرحلة الثرية. وكانت هذه الإشارة أن البرنامج سيتجاوز مرحلة مهمّة، من 2001 حتى ميلاد الربيع العربي 2010، وبالطبع، هناك ملفات عديدة تجربة النفيسي فيها مهمّة للغاية، كشهادة أو كردّ على منتقديه، ولربما حرص النفيسي على الاحتفاظ بعرض هذه المرحلة، في تدوين إضافي لرحلة مذكّراته، أو تأخير الحديث التلفزيوني عنها إلى وقت مقبل، فهناك مساحة زمنية أيضاً، مليئة بالأحداث في عهد الثورة المضادّة، والسقوط السياسي والحقوقي والمدني الضخم للوطن العربي.
وحين أصّر عمّار على ذكر بعض الأسماء بعد مساجلة، مع ضيفه، قال له النفيسي، بنبرة عفوية منفعلة: عمّار نحن لسنا في نيويورك! كانت هذه إشارة مهمة من النفيسي إلى أن السجل الذي يعرض في التلفزيونات العربية، وحتى إن كان بعد مدة، لا يُضمن أن يُستخدم للإضرار بمن تُذكر أسماؤهم، وهي حقيقةٌ مشهودةٌ ومؤلمة، وإن كان الوضع الكويتي، والهامش الديمقراطي، وروح تواصل النشطاء مع الأسرة الحاكمة، على الرغم من حدّية الصراع في مواسم كثيرة، أفضل بكثير من دول عربية خليجية وغير خليجية.
ولا يشك أحد أن شخصية عبد الله النفيسي وتجربته الثرية بوابة كبيرة لفهم حركة الأحداث السياسية التي راقبها، أو شاركها بنفسه، والتقييم النقدي متعدّد الاتجاهات من بعض المخالفين لرؤى أبو المهند، يدور بعضها حول حتميات يُقرّرها، وأيضاً ما قد يفهم بأنه استعلاء خلال عرض فكرته، وما يمكن أن يُسجّل من ازدواجية بعض مواقفه، والتنقل ما بين الخطاب العاطفي أو البراغماتية العقلانية السياسية التي تتراوح عبرها مواقف النفيسي وتحليلاته. وذلك كله لا يقلل من رمزية النفيسي ودوره الحيوي، وبالذات اختطاطه المستمر لمواقفه وأبحاثه ومؤلفاته السياسية، والتي تقوم دوماً على روحٍ مستقلة، لا يُبالي فيها، باختلافه عن التيارات أو الحكومات، لكنه يترك الحبل قائماً، خصوصاً في طبيعة العلاقة مع الدول المشتبكة مع اهتماماته الفكرية والسياسية، على المستويات، الخليجية الاستراتيجية والعربية والدولية. وهذه العقلانية بالذات واستقلال شخصيته، قَدّمت للفكر الإسلامي المعاصر، وللثقافة السياسية، نظرات تقييم غنية، تحتاجها الشعوب، وإنْ بقيت مساحة نقد مشروعة لاختلاف تقديرات المراقبين مع عبد الله النفيسي.

شخصية عبد الله النفيسي وتجربته الثرية بوابة كبيرة لفهم حركة الأحداث السياسية التي راقبها، أو شاركها بنفسه 

ولقد مثّل ملف الحركة الإسلامية، وسقوطها السياسي والأمني بحسب رؤية النفيسي، أحد أهم الملفات، في "الصندوق الأسود" الذي استوعب ثلاث حلقات، لا يُمكن لنا اليوم أن نُجملها، سواء على الصعيد الكويتي أو الصعيد الدولي، ولكن بقيت علاقة عبد الله النفيسي، وخصوصا مع القاعدة الشعبية للإسلاميين قوية، على الرغم من هذا النقد المنهجي القوي، وبعض التعميمات الصعبة. وبالذات في قضية الاختراق الأمني أو السياسي، الذي أصرّ عليه النفيسي، وألحق به كارثة مآل الثورة السورية، من خلال توظيف الجماعات الدينية في الثورة، أو من خلال فكرة التوظيف السياسي لنماذج عديدة، وهو لا يخصّ الإسلاميين في الحقيقة، فبقية التيارات تم توظيفها أيضاً، ولكن مسألة استخدام فكرة الدفاع عن الدين، لمواجهة المطالب الإصلاحية السياسية والمدنية قديمة، منذ تأسيس الدولة القُطرية العربية.

وقد كان نصيب الإسلاميين في الكويت حاضراً، سواء بيت الإخوان المسلمين الذي ارتبط به أبو المهند سياسياً، لا تنظيمياً، أو ردّه على الحركة السلفية التراثية، من خلال القيادي فيها والنائب البرلماني والوزير السابق أحمد باقر، وإن كان النفيسي ركّز أكثر على أزمة التنظيم الدولي، والجماعة المصرية التي ردت عليه منذ صدور أطروحاته المتعدّدة، وهو ملفٌّ يحتاج القارئ أن يعود له مباشرة لكي يستمع لرؤية النفيسي التي شاركه فيها إصلاحيون إسلاميون عديدون، من قيادة الإخوان السابقة والمستقلين.
ولكن الختام المثير عاد عبره عبد الله النفيسي إلى أوقات صعبة، في المواجهة مع أطرافٍ من الأسرة الحاكمة، عند حل مجلس الأمة وأيضاً بعد حرب الكويت، في مفصليْن مهميْن، هما روح الرفض لبعض هذه الأطراف في الحكم، لاستئناف الحياة الدستورية، وتفعيل أقرب لنصوص الدستور، والمفهوم الديمقراطي الذي بناه الشعب الكويتي في شراكةٍ شعبيةٍ تأسيسية مع آل الصباح. أسقطت فيه البحرين نموذجها في السبعينات، وصمدت الكويت، ولكن تحت تدافع صعب، وتهميش ممنهج للسلطة نالت من أدوات المراقبة والتشريع الذي فاقم الفساد ومشكلات الكويت السياسية، وخصوصا دورات المواجهة مع مجلس الأمة، والانقسام الذي وقع بسبب ضغط الحكم، لتحجيم هذه المساحة البرلمانية، وتبعاً لها مساحة النقد السياسي الحر.

السجل الذي يعرض في التلفزيونات العربية، وحتى إن كان بعد مدة، لا يُضمن أن يُستخدم للإضرار بمن تُذكر أسماؤهم

وأهمية هذا الحديث اليوم أنه يعود في ظل مأزق جديد، بعد انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، ما يهم فيه أن الضغط الخليجي الأمني الخطير على الكويت عزّز مواجهة صلاحية المجلس المنتخب، وبالذات رد الاعتبار لقادة العمل الإصلاحي المهجّرين، بقيادة مسلم البراك، وآخرين من دورات مختلفة، في الأحكام الصادرة ضدهم، وجاء بث هذه الشهادة في ظل هذه التساؤلات. وعلى الرغم من سقف الحرية الكويتي المعروف، إلا أن من غير المحتمل بث المادة من دون إذن من طرف حكومي. ولذلك السؤال الكبير بعد مراجعة شهادة النفيسي، واستعراض واقع الأزمة الممتد إلى اليوم، هو هل هناك توجه تصحيحي ينتظره الشعب الكويتي، برفع الفيتو عن صلاحيات النواب والناشطين السياسيين وحركتهم، وفتح الباب لعودة النشطاء السابقين، أم أن الأمر سيعود إلى دورة احتواء جديدة، كانت من أبرز دوافع الإحباط للنفيسي منذ رأيه الآخر؟

جميع حلقات برنامج الصندوق الأسود
 حوار مع دكتور عبدالله النفيسي


عندما تتأفف الشياطين..!

 عندما تتأفف الشياطين..!


ناصحون

مع تطبيع الإمارات مع الصهاينة، تتكشف حقيقة الأوضاع أكثر؛ فإذا بشياطين الصهاينة وقادة السقوط الأخلاقي يتأففون من الانحدار الأخلاقي لطواغيت العرب..!

الخبر

“قال تحقيق صحفي صهيوني، إن الإعلانات والملصقات السياحية المصممة عن دبي، تخفي خلفها حقيقة مظلمة، تتمثل في عصابات من الرجال الإسرائيليين المنطلقين إلى الوجهة الجديدة، من أجل العمل في الدعارة…

أضاف أحد المشتغلين بالدعارة أن “هذه الفوضى تتضمن خليطا من الكحول والفتيات وحفلات الجنس، ويختارون ما يحلو لهم عبر جهاز” آي باد” أو هاتف محمول، كل شيء مفتوح، مثل قائمة بيتزا، وبطاقات تقدم خدمات بغاء السيارات في دبي”.

وكشف أحد الصحفيين أنه لا تقتصر صناعة الجنس في الإمارات على النساء، بل على الرجال والفتيان، في حانات الرقص في الفندق، يمكن أن ترى رجالا كبارا يرافقون الأولاد الصغار، وكل ذلك يؤكد أن دبي هي مدينة الخطيئة في الخليج”.

وأكدت صحيفة “يديعوت” الصهيونية، أن ما يحصل في دبي من انتشار لسياحة الجنس هو “عار”، محذرة من أن يصبح اتفاق التطبيع مع الإمارات مدخلا إلى “سياحة جنس رهيبة”، ومقصدا للشبان الإسرائيليين..! مضيفة: “على كل شخص أن يدرك أنه سيدفع ثمنا باهظا على كل الخطايا الأخلاقية في الأراضي الأجنبية”. (1)

التعليق

حقيقة الانهيار الأخلاقي عند حكام الإمارات والمؤسسات التي أنشأوها ومصادر ثروتهم وثرائهم ليست مفاجأة؛ فالمعلومات متوافرة ومتواترة تؤكد أن أموالهم نتاج غسيل أموال لأعمال قذرة ومشبوهة بين الدعارة والمخدرات ـ بل وإليها يأوي لصوص العالم وكبار مفسديه ـ ثم تُستخدم هذه الأموال النجسة بطبيعة كسبها في محاربة الإسلام ونشر السقوط الأخلاقي في بقية بلاد المسلمين. هذه مهمة قوم اختاروا لأنفسهم مهنة وضيعة ومهمة قذرة في حياتهم ليقضوا بها أعمارهم..! ولله في خلقه شؤون ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.

لكن الجديد هنا والمخزي لهم ـ أخزاهم الله وقتلهم ـ هو تأفف قادة الشر ورموزه في العالم، منهم..! فالصهاينة الذين يدمرون البشرية عقديا وأخلاقيا وحروبا، يخافون على أبنائهم من هذا الانهيار الأخلاقي..! وهل من خزي أبعد من أن يشتكي الشيطان من قوم أنهم سيضرونه أخلاقيا..؟!!

هنا لا ينتهي العجب؛ بل يبدأ..!

أتدري لماذا؟ لأن هناك من العلماء أو المنتسبين للعلم من يعطي شرعية لهؤلاء الأنجاس والساقطين أخلاقيا، يعطونهم شرعية إسلامية، ويقولون أنهم حكام “واجبوا السمع والطاعة..!” ويُتقرب الى الله بطاعتهم، ولو كانوا يديرون امبراطوريات للدعارة والشذوذ..!

وبقية العجب مستمرة في أناس يرون في هذا عروبة وقومية، وآخرون يرون فيها إخلاصا للوطن، وانتماءا للعروبة ووفاء للأرض..!

إن الله تعالى يُجري أقداره بما يُسقط المجرمين من تلقاء أنفسهم، حتى يعلم الناس حقيقة المعركة من خلال تصور الطرف المحارب للمسلمين؛ مجرد تصورهم فقط.

أن تصبح الصورة تحتاج فقط الى معرفة من الذي يحارب المسلمين ويشوههم ويطلق عليهم الرموز المشيطنة؛ فلا يحتاج المسلمون الى دفاع ولا الى أدلة؛ بل يشيرون فقط الى حقيقة حال وصورة العدو الذي يحاربهم ويشوههم؛ فيكون سقوطه أيسر وأسرع.

إن الباطل وبيء ساقط ولا يملك مقومات استمرارٍ ولا اطراد. وعندئذ فشروق الحق كافٍ في تبديد ذلك الظلام الوخيم. وعلى الله التكلان وهو المستعان.


هوامش:

  1. موقع “عربي 21”:يديعوت:
    دبي مدينة تزدهر بالدعارة للإسرائيليين
    يديعوت أحرونوت: سياحة الجنس في دبي عار

اقرأ أيضا:

إنْ حدَّثوكَ عن الكريسماس فقل: هويتي!

               إنْ حدَّثوكَ عن الكريسماس فقل: هويتي!              

إحسان الفقية

“الاحتفالُ برأسِ السنةِ الميلاديةِ حرام..

شجرةُ الميلادِ هي رمزٌ وثنيّ…

تناوُلُ الأكلِ داخلَ المطاعمِ التي تحوي شجرةَ عيدِ الميلادِ محرم، بسببِ ذكرِ اسمِ اللهِ في مكانٍ فيه رمزٌ وثنيّ..

العبورُ في مكانٍ يحوي شجرةَ الميلادِ عبادةُ أوثان..

شجرةُ الميلادِ ليست رمزًا دينيًا مسيحيًا، بل أكثرُ إشكالية، فهي رمزٌ وثنيّ”.

تُرى، ما اسمُ هذا العالمِ أو الشيخِ الذي أصدرَ هذه الفتوى المحرِّمةَ للاحتفالِ بالكريسماس مُبينًا حيثياتِ التحريم؟ هل هو شيخٌ سلفيّ؟ أم أحدُ علماءِ المجامعِ الفقهية؟ أم أنه أحدُ المفتينَ في دولةٍ إسلامية؟

صدِّق أو لا تُصدّق، صاحبُ هذه الفتوى هو الحاخام اليهوديُّ إلعاد دوكوف، أصدر هذه الفتوى منذُ حواليّ أربعِ أعوام، ولم يصفهُ العالَمُ بأنه متطرفٌ أو يُكرِّس للإرهابِ ومنعِ التعايشِ الإنسانيّ، مثلما يحدثُ عندما يُفتي عالمٌ مسلمٌ بحرمةِ الاحتفالِ بالكريسماس على اعتبارِ أنه من الأعيادِ الدينيةِ لغيرِ المسلمينَ التي لا يجوزُ مشاركَتُهم فيها، واعتباراتٍ أخرى ليس هذا مجالُ سردِها.

وليس الحاخامُ اليهوديُّ وحدهُ مَن منعَ الاحتفالَ بالكريسماس، فجماعةُ “شهود يهوه” المسيحيةُ البروتستانتيةُ لا يحتفلُ أتباعُها كذلك بالكريسماس باعتبارِ أنه مِن أصولٍ وثنية.

ولستُ في هذا المَقامِ بصددِ مناقشةِ فقهيةٍ لهذه المسألة، فهذا لا يقعُ في نطاقِ تخصصي، لكنني أتناولُ الاحتفالَ من منظورِ الهُويةِ والخصوصيةِ الإسلاميةِ والوقوعِ في وحْلِ التقليدِ الأعمى الذي صارَ علامةً عصريةً بارزةً على سلوكِ المسلمينَ اليوم.

إذا كان هؤلاء الحاخاماتُ وتلك الطوائفُ لا يستنكفونَ عن إعلانِ رفضِهِم للاحتفالِ بالكريسماس حفاظًا على خصوصيتِهِم الدينيةِ واحترامًا لها، ولم ينجَرُّوا وراءَ دعواتِ الانسجامِ مع فكرةِ التعايشِ الإنسانيِّ بمفهومِهِ الذي يُجرِّدُ الناسَ من هُويتهم الدينية، فلماذا يجدُ المسلمون حرجًا في الحفاظِ على خصوصيتهم الدينيةِ وأفضليتِهِم التي نصَّ عليها كتابُ ربِّهم؟

بالله عليكم، هل سمعتم ذاتَ مرةٍ أنَّ أصحابَ الحضاراتِ والمِللِ الأخرى يحتفلون مع المسلمين بعيدِ الأضحى ويذبحون الأضاحِيَ ويوزعون لُحومَها؟

قطعا لا، لأنهم يعلمون أنه عيدٌ خاصٌّ بالمسلمينَ مِن صميمِ تعاليمِ دينهم.

هل رأيتم أصحابَ المللِ الأخرى يحتفلونَ برأسِ السنةِ الهجريةِ ويجعلونه عيدًا حتى وإنْ صارَ مُفرَّغًا من صِبغتِه الدينيةِ وأصبحَ مناسبةً اجتماعيةً كما يزعمون لتسويغِ احتفالِنا بالكريسماس؟

قطعًا لا، لأنهم يعلمون أنه مناسبةٌ تتعلقُ بهجرةِ المسلمينَ الأوائلِ إلى المدينةِ وتكوينِ أولِ مجتمعٍ إسلاميٍّ في التاريخِ كان نواةً للحضارةِ الإسلامية، فكيف يشاركوننا شيئًا يتعلقُ ببزوغِ شمسِ الحضارةِ الإسلامية؟ ومع ذلك لمٍ يتهمْهُمْ أحدٌ مِنا بأنهم متعصبون أو متطرفون أو رافضون للسلامِ والتعايشِ الإنسانيّ.

وهذا شأنُ الضعيفِ دائمًا، يقلدُ الأقوى منه، وقد أشارَ عالمُ الاجتماعِ المسلمُ ابنُ خلدونَ إلى ذلك في تاريخِهِ حين قال: “المغلوبُ مولعٌ أبدًا بالاقتداءِ بالغالبِ في شعارِهِ وزِيِّهِ ونِحْلَتِهِ وسائرِ أحوالِهِ وعوائِدِه، والسببُ في ذلك أنَّ النفسَ أبدًا تعتقدُ الكمالَ في مَنْ غلبَهَا وانقادتْ إليه”.

وفي الوقت الذي يعبسون فيه بوجهِ المسلمِ ذي اللحيةِ ويجعلونها مثارًا للاشمئزاز، لا يجدون حرجًا في أنْ يُقدموا لنا في بلادِ المسلمينَ “بابا نويل” ذا اللحيةِ البيضاءِ الكَثَّة، وينتظرُهُ الأطفالُ ليلةَ رأسِ السنةِ ليمنَحَهُم هدايَاه، ثم يشاركُ الآباءُ والأمهاتُ في تكريسِ الخرافةِ ويضعونَ بجوارِ أبنائِهم هدايا يزعمون أنها من “سانتا كلوز” أو “بابا نويل”، بينما ترى مَنْ يتقمَّصُ شخصيةَ بابا نويل في مَلبسِهِ ولِحيَتِه، يمرُّ على الأطفالِ في شوارعِ البلادِ العربيةِ والمقاهي والمنتدياتِ يوزعُ عليهم البسمةَ والهدايا، علما بأنه يُجسِّدُ شخصيةَ راهبٍ مسيحيٍّ يُدعى نيقولاس كما وردَ في بعضِ الرواياتِ التاريخية.

وإمعانًا في تذويبِ هُويتِنا، سرَّبوا إلينا الاهتمامَ بشجرةِ الكريسماس التي نُعلِّقُها في المنازلِ والمحلاتِ والميادين، مع أنها في الأصلِ عادةٌ ارتبطتْ بعقائدَ وثنيةٍ لدى بعضِ الشعوب، على سبيلِ المثالِ في القرونِ الوسطى بألمانيا، حيث كانت القبائلُ الوثنيةُ الإسكندنافيةُ تعبدُ الإلهَ “ثور” إلهَ الغاباتِ والرعدِ والصواعقِ عندهم، فكانوا يزينون الأشجارَ ويقدمون معها قُربانًا بشريًا، وقيل أن الفرسَ نقلوا احتفالاتِ عيدِ الميلادِ عن عيدِ النيروزِ الفرعونيِّ المِصريِّ، واستبدلوا سعَفَ النخيلِ الذي كان يُستخدمُ في عيدِ النيروزِ بشجرةِ الكريسماس، وقيل أنَّ الشجرةَ ترجعُ لأصلٍ فرعونيٍّ مُستوْحَى مِنْ بعضِ الأساطيرِ المصريةِ القديمة، وقيل غيرَ ذلك.

وكما لاحظنا، يرجعُ الاحتفالُ بالكريسماس وشجرتِهِ وبابا نويل، إلى ثقافاتٍ أخرى لا تَمُتُّ لنا بِصِلة، فكيف وصل بنا الحالُ إلى هذا التماهي التامِّ مع الثقافاتِ الأخرى؟ كيف فقدنا شخصيَّتَنا الإسلاميةَ المتميزةَ على هذا النحو؟

الذين يتخذون من هذه المناسباتِ مَعبرًا لإدخالِ السرورِ على الأطفالِ واهمون، ويُسهِمون بدون وعيٍ في تمييعِ هويةِ الناشئةِ وتذويبها في الثقافاتِ الدخيلة.

لسنا مطالبينَ حتى نكون متسامحينَ بأن نتخلَّى عن سِماتِ تفرُّدِنا وتمَيُّزِنا واستقلاليةِ شخصيَّتِنا، وإنٍ كنا مقلدينَ لأصحابِ الحضاراتِ الأخرى فلْنُقَلّدهم في تطورِهِم وأخْذِهِم بأسبابِ القوةِ والتقدم، لا أن نقلِّدَهم في استيرادِ عاداتِهِم الخاصةِ بهم.

إنَّ لنا ثقافةً مُشْبِعة، وحضارةً تُذهِلُ من يطالعُ ملامِحَها، أوْلى بنا أنْ ندورَ في فلَكِها، وأن نُوجِّهَ أبناءنا للتطلعِ إلى معالِمِها ومظاهِرِها.

إن أعداءَ الأمةِ يُدركون أنَّ إضعافَ وتذويبَ هويتِها أهمُّ من نزعِ سلاحِها، وفي أواخرِ عامِ 1967م (ألفٍ وتِسعِمائَةٍ وسبعةٍ وستين)، ألقى وزيرُ الخارجيةِ الصهيونيِّ أوبري سوليمون مائير إبيان الشهير بـ “أبا إيبان” محاضرةً بإحدى الجامعاتِ الأمريكيةِ قال فيها: “يحاولُ بعضُ الزعماءِ العربِ أنْ يعترفَ على نسبِهِ الإسلاميِّ بعد الهزيمة , وفي ذلك الخطرُ الحقيقيُّ على إسرائيل , ولذا كان مِن أولِ واجباتِنا أن نُبقِيَ العربَ على يقينٍ راسخٍ بنسبِهِم القوميِّ لا الإسلاميّ”. إذن هي الهوية، تعريفُ المسلمِ لنفسِه، ذلك هو هدفُ الأعداء، ولذا فإنه لزامًا علينا أن نحافظَ عليها، ولا نستجيبُ لطوفانِ المدِّ الثقافيِّ والتغريبيّ، وأن نعتزَّ بثقافتِنا الإسلاميةِ المتميزة، واللهُ غالبٌ على أمرهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون.

 

برنامج: للقصة بقية

آلام التغريبة الافريقية

 للقصة بقية 

من مناطق عبور إلى استقرار للمهاجرين الأفارقة.. ما الذي تغير في دول المغرب العربي؟


 باتت دول المغرب العربي نقطة جذب للمهاجرين من جنوب أفريقيا، ولم تعد مجرد منطقة عبور في ظل تزايد التضييق على الهجرة إلى أوروبا بالسبل النظامية أو غيرها، خاصة أن هذه الدول تنعم بالاستقرار الأمني.

وبهذا الصدد، تابع برنامج "للقصة بقية" (2020/12/28) استقرار عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة في تونس والجزائر والمغرب، لكن تقارير دولية ومنظمات حقوقية وثقت تعرضهم لخداع تجار البشر، وللاستغلال في أسواق العمل، وترافق هذا مع ممارسات قاسية من التمييز والعنصرية أودت بحياة العديد منهم.

تفطنت حكومات هذه الدول للمشكلة القادمة من جنوب القارة، فبادرت تونس بالمصادقة على قانون يجرم العنصرية، وأقرت الجزائر قانونا يجرم العنصرية وخطاب الكراهية في فبراير/شباط الماضي.

كما أقر مجلس الأمة الجزائري محاربة التمييز والعنصرية والجهوية وخطاب الكراهية في أبريل/نيسان من هذا العام، ورغم نشر تقارير عن تشديد المغرب لإجراءات تجديد الإقامة للمهاجرين فإنه يمنح المهاجرين بطاقة إقامة ويسمح لهم بالعمل بشكل قانوني.

من جهته، أوضح الأكاديمي والباحث السياسي بومدين بوزيد أن الموقف من "الغريب أو الأجنبي" مرتبط برفض الآخر، فبعد الأزمات التي عاشتها بعض الدول الأفريقية أصبحت تلجأ إلى شمال إفريقيا.

واعتبر بوزيد أنه تم ارتكاب بعض الأخطاء هي التي تسببت في العنصرية؛ أولها عدم بذل مجهودات من طرف المؤسسات الرسمية لإدماجهم.

كما أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورا في خلق العداء والعنصرية، موضحا أن الأمر قد يتحول إلى ظاهرة في حال عدم ظهور قوانين تجرم العمل وعدم القدرة على دمج هؤلاء المهاجرين في النسيج الاجتماعي في بلدان المغرب العربي.

من جانبه، ذهب الباحث في علم الاجتماع السياسي رشيد الجرموني إلى أن الأمر يتعلق بغياب رؤية إستراتيجية لدمج المهاجرين الأفارقة بسبب أن الدول الأوروبية تضغط لجعل دول شمال أفريقيا تكبح الأعداد الكبيرة من المهاجرين المتوجهين إلى أوروبا.

وأضاف أن دول شمال إفريقيا تعاني من التمييز العنصري، وذلك يعود بالأساس إلى غياب قوانين تؤطر علاقة هؤلاء المهاجرين بمنطقة العبور ومنطقة الاستقرار، موضحا أن هناك بعض المبادرات كقانون تسوية الوضعية في المغرب.


الاثنين، 28 ديسمبر 2020

المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. (1) سُنة المدافعة

المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. 
(1) سُنة المدافعة

                  

ناصحون
الحق والباطل في صراع لا يفتر ولا ينتهي الى قيام الساعة. والدور الأمريكي اليوم يمثل الباطل، ويعاونه بقية الغرب الصهيو صليبي. والعداء موجه لأهل السنة قلب الإسلام. في الصراع سنن، وله مصالح على الأمة وعلى الحياة.


مقدمة

اقتضت حكمة الله تعالى سنن التدافع بين الحق والباطل، وفي هذا الصراع تنجلي الحقائق وتجلو الحياة..

وصراع اليوم وأحداثه حلقة من حلقات ممتدة، ليست بدعا من التاريخ ولا طارئا من الأمر. ولا بد من فهم ذلك وإدراك الحقائق الدالة عليه، من الكتاب المنزل، ومن الواقع المعاش.

والغفلة عن المشروع الأمريكي خطر كبير، وهو لا يقلّ عن الخطر الصفوي ولا الصهيوني، وهو جارٍ كسنة من سنن الله في المدافعة بين الحق والباطل، وفي قلب الحق يقف أهل السنة يحملون الحق ويحمونه، ويتحملون التبعة من أجل الله ثم من أجل البشرية..

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

حرب سافرة ومستعرة على الحق وأهل السنة

فلا يخفى على أدنى متأمل ما تشهده هذه السنوات الأخيرة من حرب سافرة حاقدة ماكرة، يشنها الغرب الكافر، وعلى رأسه أم الكفر: أمريكا؛ التي تتولى كبْر ذلك على الإسلام وأهله، ولا سيما أهل السنة منهم.

ولسنا في حاجة لإثبات ذلك بالوثائق والمواقف والأدلة فهي من الوضوح بحيث يدركها اليوم الصغير، والكبير، والشيخ، والعجوز، والمثقف، والأمي.

ولئن عُذر أحدٌ في خفاء هذا العداء والحرب فيما مضى من عقود؛ فإنه لا يعذر اليوم، وقد تساقطت الأقنعة، وتعرت النوايا، وظهرت فيه المعايير المزدوجة، والمكاييل التي تكيل بمكاييل مختلفة، وإن المسلم المتدبر لكتاب ربه، عز وجل، وما فيه من السنن الإلهية، التي لا تتبدل، والتوجيهات الربانية التي تبين لنا حقيقة أعدائنا الكفرة، وتحذرنا منهم، ومما تخفي صدورهم من الكيد والمكر للمسلمين.

[اضغط  للمزيد عن: العقل الأمريكي ودور الدين وطبيعة الدولة]

تلقي حقائق العقائد، وحقائق الصدور، مما أنزل الله

إن المسلم المتدبر لذلك كله يصير بذلك أسعد الناس بمعرفة عدوه، وأخذ الحذر منه، والبراءة منه، وإظهار العداوة له، والتحذير من مكره وكيده.

يقول الله عز وجل: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 118 – 120].

ويقول سبحانه: ﴿وَلَن ترضى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، ويقول سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]، ويقول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].

ويقول تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أهل الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]، ويقول سبحانه: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 8].

والآيات من كتاب الله عز وجل في التحذير من الكفار، وبيان عداوتهم للمسلمين كثيرة.

والمسلم المتدبر لكتاب ربه تكفيه هذه الآيات وأمثالها، في توجيه العداوة للكفار، والبراءة منهم، والحذر من مكرهم، وجهادهم.

ولا يحتاج المسلم في إثبات هذه العداوة والبراءة إلى مزيد من الأدلة الواقعية حتى يوقن بذلك؛ لأنه موقن بكلام ربه، سبحانه، ولكن ما يظهره الله عز وجل من وقائع وفضائح، وسقوط للأقنعة تُزيد المؤمن إيماناً ويقيناً.

[اضغط للاطلاع على: حرب أمريكا على التوحيد]

سنة الله الجارية في الصراع بين الحق والباطل

إن المدافعة والصراع بين الحق والباطل سنة إلهية، اقتضتها حكمةُ الله عز وجل، وعلمُه ورحمتُه، منذ أن هبط آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليه..

قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4].

وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأرض وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].

آثار سُنة التدافع

يقول الأستاذ عبد العزيز كامل عن هاتين الآيتين:

“والمعنى من الآيتين: لولا دفع الله بأس المشركين بممانعة وجهاد الموحدين، وحكمهم بالوحي المنزل؛ لزاد الفساد، واستحكم الظلم، وحُرم العباد من عبادتهم لرب العباد.

فالتدافع هو الأصل بين سبيل الأبرار والفجار، ليس في ميادين المعارك العسكرية فقط، بل قبل ذلك في ساحات المواجهة الفكرية، وحقيقته صراع بين من يحملون المنهج السوي من أتباع الرسل، وبين من يحتمون بسواهم من ملل الجهالات والمقالات والأهواء.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 13 – 14].

والصراعات تكون أيضاً بين باطل وباطل، وقد يكون ذلك خير لأهل الإيمان، كما كان الصراع بين الفرس والروم، حيث أنهك كل منهم الآخر لتسهل المهمة بعد ذلك على عباد الله الموحدين في الانتصار عليهما.

إن صراعات عصرنا ليست استثناء في كون أصلها صراعاً بين عقيدة وعقيدة.

والصراع الدولي اليوم ـ الناشب في ميادين متعددة على أرض العالم الإسلامي ـ يتضح فيه يوماً بعد يوم أنه صراع بين الحق والباطل..

بين حق الاسلام وباطل الأعداء، الذي تأتي فيه الصهيونية الأمريكية بشقيها اليهودي والنصراني في مقدمتهم، حيث أطلقت أمريكا على حربها هذه: “الحرب العالمية على الإرهاب” بعد ان لعبت بمصطلح “الإرهاب” لكي يكون مرادفاً للإسلام وأهله، الذين وقفوا في وجهها، لكي يكون هذا المصطلح صالحاً؛ لأنه يطلق على أشخاص دون أشخاص، ودول دون دول، وجماعات دون جماعات، وممارسات دون ممارسات”. (1)

[اضغط هنا للمزيد عن: سنن الإعداد والتدافع

مصالح المدافعة بين الحق والباطل

هذا الصراع، وقدّره لحِكَم ومصالح عظيمة، أظهر الله عز وجل لنا بعضها، وأخفى عنا بعضها، ومن هذه الحِكَم التي تضمنتها الآيات السابقة:

1- درء مفاسد عظيمة

في سنة المدافعة درء لمفاسد عظيمة عن العباد، في أديانهم وأنفسهم، وعقولهم وأموالهم وأعراضهم، إذ لو أن الله عز وجل لم يقيض للباطل من يرده ويدفعه من أهل الحق، لفسدت الأرض ومن عليها، كما ذكر الله عز وجل ذلك.

2-استخراج عبوديات

في سنة المدافعة يستخرج الله عبودية أوليائه وحزبه، في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون.

3-تمحيص وابتلاء، وتمييز

في سنة الصراع بين الحق والباطل تمحيص وابتلاء، يتميز فيها المؤمن الصادق، الذي يستحق مرضاة الله عز وجل وجنته، من المنافق الذي كان يخفي نفاقه في الأمن، فتأتي شدة الصراع لتظهر نفاقه، وفي هذا مصلحة للمؤمنين.

قال سبحانه: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].

4-إبراز الحق وإظهاره

في سنة الصراع والمواجهة بين الحق والباطل مصلحة عظيمة، في كون هذا الصراع الشديد يبرز الحق ويظهره للناس، ويتعرف عليه الناس الجاهلون به، ويصلب عوده، ويظهر للناس صدق أهله، وبطلان أعدائه..

وهذا لا يأتي بتعايش الحق مع الباطل، ومسالمة كل طرف للطرف الآخر.

يقول الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى:

من بعض فوائد ذلك: أن يعلو الحق على الباطل، وأن يتبين الحق، ويتضح اتضاحاً عظيماً..

لأن معارضة الباطل للحق مما تزيده وضوحاً وبياناً، وكمال استدلال، وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة، وبأهل الباطل من العقوبة. (2)

[اطلع هنا على: خسارة الأمة نتيجة تغييب الهوية الاسلامية من الصراع]

وقفات وبيان حقائق

وبعد هذه المقدمة التي لا بد منها أدخل في صلب هذه المقالة وموضوعها، ألا وهو “المشروع الأمريكي في حرب الإسلام السني”، ولكي يسهل تناول الموضوع وفهمه أصوغه في الوقفات الآتية:

الوقفة الأولى:

رأس الأفعــى

إن ما يدور الآن من أحداث مؤلمة في بلاد الشام، والعراق، واليمن، وفلسطين، وأفغانستان، ومصر، وليبيا، وما يخطط لغيرها من البلدان الأخرى، إن هو إلا نتيجة لمخطط إجرامي قذر، يشنه الغرب الكافر بزعامة رأس الفساد والإفساد والصد عن سبيل الله “أمريكا الطاغية”، وذلك في مشروعها الإفسادي وحربها العالمية للإسلام السني وأهله، وهذا ما يصرحون به، ولا يخفونه كما سيأتي تفصيله لاحقاً، إن شاء الله تعالى..

وأود التنبيه في هذه الوقفة إلى أمر مهم ألا وهو: ضرورة أن نعلم بأن رأس الأفعى في هذه الحرب المشوبة على المسلمين هي أمريكا الطاغية، دون التهوين من شركائها في هذه الحرب.

إن المشروع الأمريكي هو الأخطر في المنطقة فينبغي على الدعاة والمجاهدين أن يعوا هذا الخطر.

أقول هذا القول لِما لمسْتُه من غفلة عن هذا المشروع، مقابل المشروع الإيراني والروسي في المنطقة، الذي أخذ حقه من البيان والفضح..

لقد نجحت أمريكا إلى حد كبير في صرف أنظار كثير من المسلمين ـ ومنهم بعض الدعاة والمجاهدين ـ عن خطرها، وحاولت توجيه الكرْه والعداوة إلى إيران ومشروعها الرافضي، فكثرت البيانات والتحذيرات من الخطر الصفوي، وهذا حق وواجب، ولكن هذا يجب ألا يصرفنا عن خطر وجرائم المشروع الأمريكي الأمريكي ومن سار في فلَكه فإنهم أخطر ما يكون على المسلمين.

بل يمكن القول بأن المشروع الصفوي الرافضي والروسي إن هو إلا أداة من أدوات تنفيذ المشروع الأمريكي، وتمريره في المنطقة، فينبغي أن يأخذ حقه من الفضح، وبيان خطره، وأن لا ينسينا الحديث عن خطر المشروع الروسي والصفوي بيان الخطر الأمريكي، وضرورة التصدي له، ولألاعيبه وأهدافه.

وعندما نقول “المشروع الأمريكي” فإننا نعني بذلك وجود أموال، وعلماء، وعملاء وأجهزة استخبارات، ومراكز أبحاث، ووسائل إعلام، وأسلحة .. وكلها مجندة لخدمة المشروع.

الوقفة الثانية:

لماذا تركز أمريكا في حربها على الاسلام السني؟

كان العداء في القرن الماضي والمدافعة بين قطبين كافرين من القوى الكبرى: المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا، ومن معها في حلف الأطلسي، وبين المعسكر الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي ومن حالفه في حلف وارسو، واستمرت الحرب الباردة بين المعسكرين عقودًا من الزمن..

وقد استخدمت أمريكا بعض الدول الإسلامية في حرب المعسكر الشرقي بحجة إلحاده، وعقيدته الشيوعية، ودعمت المجاهدين الأفغان في حرب الاتحاد السوفيتي، إبّان غزوه لأفغانستان، لا حباً للمجاهدين، وإنما لإسقاط الروس وإضعافهم، وحصل بفضل الله عز وجل، ثم جهاد المجاهدين، أن انسحبت روسيا منهزمة من أفغانستان، ثم تلى ذلك السقوط الذريع للاتحاد السوفيتي وتشرذمه.

بعد ذلك انفردت أمريكا كقوة عظمى في العالم، ولكن الله عز وجل بعلمه وحكمته ورحمته وعزّته وسنته التي لا تتبدل قيض لهذه القوة المتغطرسة، دين الإسلام وأهله من المجاهدين، وبدأت المدافعة بين المعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا، وبين المعسكر الاسلامي..

وأيقنت أمريكا أن عدوها الأول هو الإسلام وأهله، ولا سيما بعد الصحوة الإسلامية العارمة، واشتعال جذوة الجهاد في أمكنة كثيرة من بلدان المسلمين، حتى وصل الخطر إلى عقر ديارهم، فأجلبت بخيلها ورجلها، وكشفت عن ساق الحرب، وشنتها على أكبر خطر يهددها، ألا وهو: دين الله الخالد، الإسلام، وحملته من الدعاة والمجاهدين.

أهل السنة في قلب الصراع

ومن خلال هذه الحرب اكتشفت أمريكا وبما تملكه من مراكز بحوث وأحداث متتالية أن المنتسبين للإسلام ليسوا سواء، وليسوا كلهم أعداء لها، فصنفت المسلمين إلى معتدلين، وأصوليين متطرفين..

فأخرجت من حربها من تراه في نظرها من الموالين لها، ممن تسميهم بالمعتدلين من اللبراليين والعصرانيين والمتصوفة الخرافيين، والباطنة المنافقين من الرافضة والشيعة، ورأت أنهم لا يشكلون خطراً عليها، بل لقد رأت فيهم صيداً ثميناً، وذراعاً قوية، استخدمته ووظفته في حرب التيار السلفي الذي استعصى عليها، وأعلن عداوتها والبراءة منها، وحرص على مفاصلتها وجهادها، بالبيان والسنان، فحصرت حربها فيهم (كمرحلة أولى، يتلوها حرب المسلمين كافة، وسوريا والعراق خير شاهد)..

فاستعرت نار الحرب، وحمي وطيسها بين معسكر الإيمان ومعسكر النفاق والكفران.

ولم تكن هذه الحرب على الصعيد العسكري فحسب، بل على صعيد آخر أكبر منه، وأخطر، ألا وهو “حرب الأفكار، وتشويه العقيدة السلفية النقية”.. وأصعدةٍ أخرى.

توصيات “راند”

وهذا تقرير “راند” الشهير، وهو من مراكز الأبحاث الأمريكية الخطيرة المؤثرة في صنع القرار الأمريكي، يقول في تقريره الشهير: “بناء شبكات إسلامية معتدلة”:

بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقود حربًا علي الصعيدين الحربي والفكري، فهي تقود معركة بالأسلحة، ومعركة بالأفكار، حيث لن تكون الغلبة على الجانب الآخر إلا بتشويه الأيدلوجيات المتطرفة في أعين معتنقيها ومؤيديه

ويوصي التقرير في مواطن أخرى:

 “بأن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي، لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيار الإسلامي، التي يصفها التقرير بالجملة أنها تيارات متطرفة”

كما يوصى التقرير أن يستخدم التيار التقليدي والصوفي في مواجهة الإسلام السلفي، وقد تم تعريف التيار التقليدي والصوفي في هذا التقرير أنه:

“التيار الذي يصلي في الأضرحة، خلاف ما تدعو إليه الوهابية، ويميل إلى التصوف والتعصب للمذاهب”. (3)

عداء أهل السنة لتمثيلهم الإسلام بنقائه 

والحاصل: أن (طاغية العصر) أمريكا وحلفاءها من الغرب، ومن دار في فلَكها من الطواغيت والمنافقين، قد حددوا عدوهم الاستراتيجي الذي ينبغي أن توجه إليه الحرب بكل أشكالها..

وأنه “جميع التيارات السلفية التي تنطلق من عقيدة التوحيد، والولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله تعالى”.

والله عز وجل غالب على أمره، وله الأمر من قبل ومن بعد، والعاقبة للمتقين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

يقول د/ عبد العزيز كامل:

“الصراع بين الصحيح والمحرف من العقائد وهو جوهر “حرب الأفكار” الراهنة، والإسلام “غير المحرف” يمثله في أنصع صورة، منهج أهل السنة والجماعة..

ولهذا فإن حملة هذا المنهج هم المستهدفون الأوائل في حرب الأفكار، مرة باسم الأصوليين، ومرة باسم السلفيين، ومرة ثالثة باسم الوهابيين..

ولهذا نجد تقارير “معهد راند” وغيرها، تصب في اتجاه تجييش العالم بكفاره ومنافقيه ومرتديه ومبتدعيه ضد أنصار هذا المنهج الذي يمثل الدين الصحيح. (4)

خاتمة

لا تزال الدراسات والأطروحات الغربية جارية، فيما يخص أهل الإسلام، ومحاولة إخراجهم عن دينهم والحيدة بهم عن الطريق. لكن هذا المكر لا يحيق إلا بأهله. والله غالب على أمره.


هوامش:

  1. انظر: مقال “حرب الأفكار بين بأس الأمريكيين ويأسهم” د/ عبد العزيز كامل، مجلة البيان الإسلامية العدد (238) بشيء من الاختصار والتصرف اليسير.
  2. تفسير السعدي، ص (582).
  3. انظر: قراءة في تقرير “راند” 2007 باسم خفاجي، مجلة البيان عدد: 236.
  4. عن مقال “حرب الأفكار بين بأس الأمريكيين وبأسهم” مجلة البيان عدد: 238.

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي: