‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفالات إحسان الفقية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفالات إحسان الفقية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 أبريل 2026

آفة التسويف..

آفة التسويف..

إحسان الفقيه

كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة.

قديمًا كانوا يقولون:
"أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة.

الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: 
"المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا".
 المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه.

وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته.

ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت.

وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان.

وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي.

مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال:
لماذا التسويف؟ 
ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته.

وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة.

وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت.

وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.

الأحد، 22 مارس 2026

ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

إحسان الفقيه

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:


"ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه.

فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به".

ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه.

لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى.

فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. 

وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي.

وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل.

في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين.

هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب.

الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران.

من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. 
فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس.

أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: 
هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم.

الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين.

الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.

السبت، 14 مارس 2026

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

 

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
    إحسان الفقيه
               

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام إلى صفوفهم في حربهم مع التغلبيين فيما عُرف بحرب البسوس، فصارت مثلًا سائرا بين العرب لمن ينأى عن إقحام نفسه في نزاع لا مصلحة له في خوضه.

وما لدول الخليج من ناقة ولا جمل في الصراع الدائر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وليس لها مصلحة في التخندق مع أحد الطرفين ضد الآخر، ومع ذلك تصطلي أرضها بالصواريخ الإيرانية التي تستهدفها بدعوى ضرب الأهداف الأمريكية في دول الخليج.

قبل اندلاع الحرب اتجهت دول الخليج لإعادة صياغة العلاقات مع إيران بشكل إيجابي، وإقامة علاقات هادئة مبنية على تبادل المصالح وحسن الجوار، لكن ما إن تفجر الصراع حتى بادرت إيران إلى توجيه صواريخها صوب دول الخليج التي لم تنطلق طائرة واحدة من القواعد الأمريكية الموجودة على أرضها.

وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني أعرب عن اعتذاره لدول الخليج، إلا أن الهجمات الصاروخية لا تزال تُشن إلى زمن كتابة هذه السطور.

الاستهداف الإيراني لدول الخليج على خلفية الحرب غير مبرر، فهي ليست وحدها من تضم أراضيها قواعد أمريكية، فوفقا لتقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يستخدم ما يزيد على 128 منشأة عسكرية في 51 دولة، وكثير منها يقع في المدى الصاروخي الإيراني، فلماذا تصر إيران على استهداف دول الخليج بشكل أساسي؟

الذي يظهر أن إيران تسعى إلى تحقيق أكثر من هدف باستهدافها دول الخليج:

الأول: هو إحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية والتي تمثل دول الخليج أحد أهم روافد الطاقة التي تصل لمختلف دول العالم، وذلك بهدف دفع دول العالم للضغط على أمريكا وإسرائيل في إيقاف الحرب.

الثاني: محاولة إجبار دول الخليج على التخندق مع إيران في الصراع الدائم على طريقة «من لم يكن معنا فهو ضدنا» والتي أرساها جورج بوش الابن قبيل غزو العراق.

ثالثا: ضرب اقتصاد دول الخليج والتي تربطها علاقات إيجابية بالولايات المتحدة.

على الجانب المقابل، تسعى إسرائيل وأمريكا إلى دفع دول الخليج لتكون طرفا مباشرًا في الصراع، حتى تتحمل هذه الدول كلفة الحرب مع إيران، وتصبح حربًا إقليمية واسعة تتورط فيها دول الخليج.

يراد لدول الخليج الانخراط في حرب ضد إيران تضعف موارد البلدين، وتنشّط في الوقت ذاته سوق السلاح الغربي والذي حتما سيدفع دول الخليج إلى طرق أبوابه لتغطية متطلبات الحرب، والأهم من ذلك هدم الأسس التي شكلت النهضة الخليجية، وهي الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستقرار الاقتصادي، ما جعلها مراكز عالمية للتجارة والمال والاستثمار.

دول الخليج حتى هذه اللحظة تدير الأزمة باقتدار، وتلتزم ضبط النفس والدفاع عن أراضيها ضد الصواريخ الإيرانية وهو حقها المشروع قطعًا، وتعزيز السبل الدبلوماسية لإنهاء الحرب، فهي تعلم يقينا أنه يراد لها الانخراط في الحرب لتكون إحدى أدوات تغيير خارطة الشرق الأوسط التي يعمل عليها نتنياهو وحلفاؤه، والتي تكون فيها الهيمنة المطلقة في المنطقة لدولة الاحتلال، تمهيدًا لترجمة حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والذي لم يعد حديثًا مقصورًا على التجمعات الدينية، بل صار الساسة يصرحون به على الرغم من أنه بمثابة إعلان حرب على الدول العربية.

ضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو فهم لقواعد اللعبة، وصبر إستراتيجي يحفظ لدول الخليج قدرتها على التأثير في بيئتها الإقليمية، وتجنُّب الانصياع لما تفرضه أطراف أخرى من مسار الصراع.

المخاوف تزداد حول احتمال طول أمد الحرب، والذي حتما سيزيد من الضغوط على دول الخليج التي تلتزم ضبط النفس، فلا يُدرى إلى أي مدى ستصمد هذه السياسة، فنرجو ألا تصل الأمور إلى ما وصل إليه الحارث بن عباد، والذي أنشد بعد قتل التغلبيين ولده رغم اعتزال الحرب:

قَد تَجَنَّبتُ وائِلاً كَي يُفيقوا

فَأَبَت تَغلِبٌ عَلَيَّ اِعتِزالي

مقالات ذات صلة

الخميس، 12 مارس 2026

إلى من ينتظرون الفرد المخلص

 إلى من ينتظرون الفرد المخلص

إحسان الفقيه


سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي.

الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية.

لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري.

نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها.

حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين.

وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص.

يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال.

الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته.

أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق.

كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات.

لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: 
تمنوا، 
فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- 
فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، 
ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح.

لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق.

ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.

الأحد، 8 مارس 2026

كبسولة لتقوية الإرادة

كبسولة لتقوية الإرادة

إحسان الفقيه

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة.

الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام.

وها هنا يقول صاحب وحي القلم:
 
«وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة».

ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة.

تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع.

وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته.

الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية.

ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث 
(فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم).

وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار.

هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام.

وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة.

شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات.

لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.

الاثنين، 14 يوليو 2025

هل سقطت نظرية «أم القرى» في سوريا الجديدة؟

هل سقطت نظرية «أم القرى» في سوريا الجديدة؟

 إحسان الفقية

 «في دليل آخر على عبثية التصنيفات الأمريكية، سحبت واشنطن زعيم القاعدة في سوريا من قائمتها الإرهابية». ربما يستنتج القارئ بسهولة أن المقصود بزعيم القاعدة في سوريا هو الرئيس أحمد الشرع، لكن ربما يُفاجأ بأن صاحب هذا التصريح المنشور على منصة أكس، هو محمد جواد ظريف أحد أبرز الشخصيات السياسية في إيران الخمينية، وأهم شخصياتها التفاوضية، كان له دور بارز في وقف الحرب الإيرانية العراقية، وشارك في جميع مفاوضات بلاده منذ الثمانينيات عموما، وأسند إليه الرئيس الأسبق حسن روحاني منصب كبير المفاوضين النوويين، وكان هو من أقنع القيادة الإيرانية، بدعم الولايات المتحدة في حربها ضد طالبان الأفغانية، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتولى عدة مناصب مهمة منها وزير الخارجية، ونائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية.

إذن، عندما يصدر مثل هذا التصريح عن شخصية بحجم ظريف، يصف فيه رئيس سوريا المعترف به دوليا والرمز المعبر عنها، بالإرهاب، فإنه يقطع الاحتمال لأن يكون نابعا من وجهة نظر فردية حانقة على الرئيس السوري الحالي، بل جاءت معبرة عن استياء إيراني من سقوط نظام الأسد وتولي خصومه العسكريين إدارة البلاد.
هذا الاستياء ظهر مع بداية سقوط النظام والمتغيرات الجديدة، فقد اتهم المرشد الأعلى خامنئي، أمريكا وإسرائيل وتركيا بالتخطيط لإسقاط الأسد، واعتبر قوى المعارضة السورية تسعى لاحتلال سوريا، ووصف انتصار الثورة بالفوضى، مهددا باستعادة الشباب الغيور للمناطق المحررة، على حد وصفه، ما دعا الخارجية السورية، لتقديم الاحتجاج على ما اعتبرته تدخلا إيرانيا في الشأن السوري. 

إيران، الحليف الاستراتيجي للنظام البائد، كانت الداعم الأبرز لبشار في حربه ضد الفصائل الثورية، لم يقتصر الدعم على الجانب اللوجستي والمادي، فكتائب الحرس الثوري الإيراني كانت أبرز الكيانات المقاتلة على الأرض في سوريا، إضافة إلى الخبراء العسكريين الذين تدفقوا من إيران لدعم النظام. ومع نجاح الثورة في الإطاحة ببشار ونظامه، خسرت إيران سوريا، أحد أبرز مرتكزات نفوذها في المنطقة، وتقف الآن مترقبة متوجسة في دراسة مستقبل علاقتها بسوريا الجديدة. 

هذا الإخفاق يستدعي الحديث عن نظرية «أم القرى»، التي أسس لها وشرحها المنظّر الأكاديمي محمد جواد لاريجاني، في كتابه «مقولات في الاستراتيجية الوطنية». 

هذه النظرية ترتكز على فكرة أن إيران هي أم القرى، وليست مكة، باعتبارها حاملة الإسلام الصحيح، وتنص الوثيقة التي تحمل روح النازية، على وجوب قيادة إيران للعالم الإسلامي عن طريق الولي الفقيه، ووجوب التوسع في الجوار، ويتم تطبيقها، كما أوضح لاريجاني على مفهوم أساسي وهو، قوة العمل والنشاط خارج الحدود.

لم تتضح صورة العلاقات الإيرانية مع النظام الجديد، غير أن الإدارة السورية يبدو أنها لا تمانع في إقامة علاقات مع إيران، في سياق نهجها العام في تصفير النزاعات

فكرة الهيمنة حاضرة في الذهنية الإيرانية، منذ ثورة الخميني، الذي شرع على الفور في تصدير الثورة الإيرانية، إلا أن لاريجاني صاغ المشروع الذي عملت عليه طهران، وانطلقت به لتعزيز نفوذها في عدة دول في المنطقة. ففي العراق، تمكنت إيران من بسط نفوذها الذي تقاسمته وأمريكا، بعد أن ساعدت الأخيرة في احتلال العراق باعتراف القادة الإيرانيين أنفسهم. كما تمدد نفوذها من خلال أذرعها في لبنان (حزب الله اللبناني) واليمن (الحوثي)، إضافة إلى الجيوب الموالية لها في عدة دول عربية.
أما سوريا، فكانت حلقة بالغة الأهمية في المشروع الإيراني، الذي يترجم نظرية «أم القرى»، وقد عبّر مهدي طائب رجل الدين الإيراني البارز المرتبط بالحرس الثوري عن هذه الأهمية بقوله: (لو خسرنا سوريا فلا يمكن أن نحافظ على طهران).
عملت إيران على الهيمنة الكاملة على سوريا، وكان من نتائج تدخلها في سوريا دعما للأسد، إحداث تغيير ديموغرافي في سوريا، عن طريق تهجير السكان أصحاب الأرض، وإحلال عناصر إيرانية وأخرى موالية لإيران.
أغدقت إيران على نظام بشار الدعم المادي السخي، رغم مشاكلها الاقتصادية الداخلية، بهدف إبقاء المنطقة العربية مشتعلة، والسيطرة على آلية صنع القرار في دمشق، وحصلت في المقابل على موافقة ببيع ورهن أملاك للدولة السورية مقابل استمرار الدعم. 

استلهمت إيران في تعاملها مع سوريا خطة مارشال الأمريكية نسبة إلى وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال، التي قضت بتفعيل وإنعاش اقتصادات أوروبا التي أنهكتها الحرب العالمية الثانية، لتكون سوقا للمنتج الأمريكي، ولإغلاق الطريق على المد الشيوعي في أوروبا. وقد كشفت وثائق رسمية سرية تم العثور عليها في سفارة طهران بدمشق في أواخر 2024 عقب انهيار نظام بشار، أن إيران كادت أن تهيمن على سوريا باستثمارات طويلة الأمد بقيمة 400 مليار دولار، مُدرجة في الوثيقة، التي أعدتها وحدة متخصصة في الدراسات الاقتصادية من الحرس الثوري الإيراني داخل سوريا، الديون الضخمة المتراكمة على النظام السوري لصالح إيران.
جاء نجاح الثورة السورية في الإطاحة بنظام الأسد، ليضع العصا في مشروع نظرية «أم القرى»، تزامنا مع تقويض القوة العسكرية لحزب الله بسبب العدوان الإسرائيلي، وإضعاف ما يعرف بمحور المقاومة. وإلى اليوم لم تتضح الصورة الكاملة التي ستكون عليها العلاقات الإيرانية مع النظام الجديد، غير أن الإدارة السورية يبدو أنها لا تمانع في إقامة علاقات مع إيران، في سياق نهجها العام في تصفير النزاعات. 

إننا إذ نتناول المشروع الإيراني، فلا يصح ترجمته على أنه موقف ذو بُعد طائفي حيال إيران، التي ترعى المنهج الشيعي، فنحن نتناول المشروع باعتباره مشروعا تخريبيا في المنطقة العربية لا علاقة له بالأيديولوجيات، فعندما أقدم صدام حسين على غزو الكويت لم نضع في الميزان أية أيديولوجيات أو انتماءات، إنما هو العدوان والعدوان وحده، مهما كان صادرا عن أي أحد كائنا من كان.
كما أود التنبيه على الحتمية البغيضة التي يضعها البعض، والوقوع في آفة الإلزام بما لا يلزم، وأعني أولئك الذين يعتبرون التحذير من الخطر الإيراني ضربة للمقاومة في فلسطين، باعتبار أن إيران كانت تمد المقاومة بالدعم، فنحن نقف مع الحق الفلسطيني ومقاومة الاحتلال قلبا وقالبا، لكن ماذا عن هذه الدماء التي سفكتها إيران في الدول العربية؟ وماذا عن مشروعها التخريبي في المنطقة والذي لا يجهله أحد؟ يضاف إلى ذلك، أن الدعم الذي قدمته إيران للمقاومة قبضت ثمنه وهو تجميل وجهها لدى العالم الإسلامي والعربي، لكن أين هو الدعم الآن؟ وهل تحركت إيران يوما من أجل غزة؟ الواقع أثبت أنها لا تتحرك عسكريا إلا إذا تعلق الأمر بحدودها، وها هي في المفاوضات مع ترامب حيال حربها مع إسرائيل، لم تضع غزة التي تُباد في الحسبان، ولم يكن وقف العدوان على غزة على طاولة التفاوض. ونحن قطعا لا نستطيع إلقاء اللوم عليها وحدها، فكل دولة تسعى لمصالحها الخاصة في هذا العصر الذي سقط من قاموس الدول نجدة الملهوف ونصرة المظلوم، لكن في الوقت نفسه ينبغي أن لا ننظر إلى إيران على أنها دولة مقاومة للاحتلال نصرة للقضية الفلسطينية، وينبغي أن لا نجعل السكوت عن الجرائم الإيرانية معيارا لدعم فلسطين.

الأحد، 13 يوليو 2025

ذكرى مذبحة سربرنيتسا.. الجرح الذي لا يندمل

ذكرى مذبحة سربرنيتسا.. الجرح الذي لا يندملalsharq
إحسان الفقيه




«لن يتكرر ذلك أبدًا»، شعار تبناه المجتمع الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة عشرات الملايين من البشر، لمنع تكرار جرائم الإبادة، بيد أنه كان مجرد شعار زائف أضيف إلى ركام هائل من الشعارات الجوفاء على هامش ضمير هذا المجتمع المنافق.

فبين عامي 1992-1995، أباد الصرب ما يزيد على 300 ألف من مسلمي البوسنة والهرسك على مسمع ومرأى من العالم، كانت جرائم إبادة جماعية على الهوية صمت إزاءها الغرب مانعًا الدول الإسلامية من التدخل، ولم تتدخل أمريكا والناتو إلا بعد تهيئة الأوضاع لضمان منع قيام كيان إسلامي في أوروبا.

جرائم الصرب ضد مسلمي البوسنة لم تتوقف خلال هذه الحرب، لكن تأتي مذبحة سربرنيتسا التي حلت ذكراها الثلاثون أبرز هذه المذابح الجماعية، والتي ذبح فيها الصرب ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة أمام أنظار – بل بتواطؤ- القوات الأممية التي كلفت بحماية المنطقة.

الأمم المتحدة حددت 11 يوليو ليكون اليوم العالمي لتذكر مذبحة سربرنيتسا، ولم تفلح ثلاثون عاما مضت على المجزرة في غلق هذا الجرح النازف في جسد البوسنة، فلا يزال أهلها إلى اليوم يلملمون عظام ذويهم ممن تم تحديد هويتهم لدفنهم في مقبرة بوتوتشاري، وبعضهم لم يجد من فقيده سوى قطعة من العظم، يدفنها بعد سنوات من البحث والتنقيب منتظرًا أن يضم إليها البقية، فالصرب لم يكتفوا بذبحهم ودفنهم في مقابر جماعية، بل نقلوا الجثث أكثر من مرة وقاموا بتفريقها بين عدة مقابر لإخفاء معالم الجريمة، فهناك أكثر من ألف من ضحايا المجزرة لا يزالون مفقودين.

جرح سربرنيتسا لم يبرأ، وآثار الحرب المدمرة باقية إلى اليوم، منذ أن تم توقيع اتفاق دايتون الجائر، الذي قسم أرض البوسنة إلى دولة للصرب تتمتع بالحكم الذاتي، ودولة أخرى لمسلمي البوسنة والكروات، ليس لأهلها سيادة على دولتهم، حيث تقبع سلطة الحكم النهائي في أيدي زمرة من السياسيين الغربيين، فهي عبارة عن سلطة احتلال أوروبية تشبه الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية.

في أحد فصول الكوميديا السوداء للمجتمع الدولي ومنظماته الكرتونية، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ذكرى المذبحة من تصاعد خطاب الكراهية، موضحا أن هذا اليوم ليس فقط لإحياء الذكرى، بل هو أيضا يوم للتنبّه واتخاذ الإجراءات، ورصد إشارات التحذير المبكرة والتدخل قبل اندلاع العنف، وأنه علينا احترام القانون الدولي، والدفاع عن حقوق الإنسان، وصون كرامة الجميع، والسعي للسلام والمصالحة.

أفلا يخبر أحدهم الأمين العام للأمم المتحدة، أن سربرنيتسا يعاد استنساخها في غزة، ما معنى هذه التصريحات التي وكأنها تخاطب عالما آخر ليس فيه تلك الإبادة الجماعية التي يتعرض لها سكان غزة منذ ما يقارب العامين.

المجتمع الدولي الذي تعاطف مع ضحايا الهولوكوست، يقف اليوم متفرجًا وهو يشاهد المتاجرين بالهولوكوست الذين ابتزوا به العالم، وهم يحرقون أهل غزة.

لم يتدخل الغرب وعلى رأسه أمريكا يومًا في قضايا الأمة العربية والإسلامية إلا إذا حركته مصالحه. 
في حرب البوسنة لم تتدخل أمريكا والناتو إلا بعد ثلاث سنوات من الكارثة، أرادت أمريكا إضعاف مسلمي البوسنة حتى لا يكون هناك نواة لكيان إسلامي مستقل في أوروبا يمكن أن يتحالف مع تركيا مستنهضا الذاكرة العثمانية في البلقان. 
ولأن الصرب مدعومون من روسيا، فقد أرادت أمريكا وأعوانها تهيئة الأمور طيلة هذه السنوات بإنهاك القوى المتصارعة لتضمن القبول بالإملاءات الأمريكية بما يحقق مصلحة منع قيام كيان إسلامي في أوروبا، والتصدي للنفوذ الروسي في آن واحد.

واليوم تمر المجازر اليومية التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بحق سكان غزة أمام الغرب الذي لا يحرك ساكنا، ويكتفي بالدعوة إلى المفاوضات والتهدئة، ويحمل المقاومة الفلسطينية المسؤولية عن استمرار القتال، لأن مصلحة أمريكا في وجود وتمدد هذا الكيان اللقيط في المنطقة كرأس حربة للإمبريالية الغربية لرعاية مصالحها في المنطقة وقطع الصلة بين الأمة بشقيها الأفريقي والآسيوي ومنع قيام أي وحدة عربية أو إسلامية، لذلك التعويل على الغرب في حل قضايانا هو رهان خاسر، ستكرر معه سربرنيتسا في كل موضع من جسد هذه الأمة.

الجمعة، 11 يوليو 2025

الدور الصهيوني في تفكيك الأسرة

 الدور الصهيوني في تفكيك الأسرة

ما من شك أن الحركة الصهيونية قائمة على حلم السيطرة على العالم، ويرفدها في تحقيق هذا الحلم كونها متنفذة في المؤسسات والمنظمات الدولية، وأروقة السياسة لدول عظمى، إضافة إلى الاقتصاد والإعلام العالميين.

ولأن الأسرة هي حلقة الوصل بين الفرد والمجتمع، ولأنها نواة المجتمع، فقد ركز اليهود في عملهم للسيطرة على العالم على هدم الأسرة لإضعاف الدول وتدميرها، ومن يطالع بروتوكولات حكماء صهيون يقرأ قولهم: «سوف ندمر الحياة الأسرية بين الأميين ونفسد أهميتها التربوية»(1).

وعلى الرغم من أن البعض يشككون في نسبة هذه البروتوكولات، فإن الواقع يشهد لأن أكثرها تحقق بالفعل؛ ما يعزز من القول بصحة نسبتها إلى أساطين الصهيونية.

وهناك عدة أدوات اتخذتها الصهيونية لتفكيك وهدم الأسرة، منها:

- إفساد العقيدة:

من أبرز أدوات هدم الأسرة التي تستخدمها الصهيونية، إفساد العقيدة، وهذا الدور يمارسونه منذ قرون طويلة، فهم الذين «أوجدوا بولس الذي نسخ المسيحية وحولها من كونها ديانة توحيد إلى ديانة وثنية، وهم الذين زرعوا في قلب العالم الإسلامي عبدالله بن سبأ الذي قام بدوره بتأسيس المذاهب الباطنية في وسط المجتمع الإسلامي حتى كادت تلك المذاهب أن تزيل العقائد الإلهية من قلوب المسلمين»(2).

من أبرز أدوات هدم مؤسسة الأسرة التي تستخدمها الصهيونية إفساد العقيدة

ومن خلال نظريات ماركس في الاقتصاد والتفسير المادي للتاريخ، وفرويد في علم النفس، ودارون في أصل الأنواع، وغيرها من النظريات الهدامة، ومن خلال نشر العلمانية في العالم، تمكن اليهود من إفساد عقائد الشعوب ونشر الإلحاد.

بهذه الأفكار الضالة المضللة، تغزو الصهيونية الأسرة في قعر بيتها، عن طريق فرض المناهج التعليمية التي تتضمن مثل هذه الأفكار، كالترويج لنظرية دارون في أصل الأنواع واعتبارها نظرية ذات شأن علمي كبير؛ ما بذر الشك في قلوب بعض الأبناء.

كما يتم من خلال صناعة السينما تأصيل فكرة احترام جميع الملل ولو كانت مؤسسة على عبادة الأوثان والأبقار والبشر والشيطان، وكذلك ترويج فكرة حصر الدين في العلاقة الروحية بين الإنسان وربه، فتربى كثير من الأبناء والبنات على فكرة الانفصال بين الدين وواقع الحياة، فمن ثم أدى ذلك إلى تجاوز الضوابط الأخلاقية التي جاء بها الإسلام.

- إعادة تعريف الأسرة:

الأسرة كما هو معلوم مؤسسة اجتماعية بين رجل وامرأة توافرت لديهما الشروط الشرعية للاجتماع، يلتزم كل منهما بما له وما عليه، ويدخل معهما في مفهوم تلك الأسرة ما تثمره تلك العلاقة الشرعية من أولاد وبنات.

أما في أدبيات الأمم المتحدة التي تتنفذ فيها الصهيونية، فهي تتناول الأسرة بأشكال أخرى كحق من حقوق الإنسان بزعمها، معتبرة أن الصورة النمطية للأسرة لا توجد إلا في المجتمعات الإسلامية المتخلفة، وتروج لأن هذه الصورة النمطية للأسرة تقف أمام الحداثة.

وعلى هذا الأساس الذي تتبناه الأمم المتحدة، فإن مفهوم الأسرة يشمل اجتماع ذكر وأنثى في غير زواج، أو اجتماع ذكر وذكر، أو اجتماع أنثى وأنثى.

وتسعى هذه المؤسسات التي تعبث بها الصهيونية، إلى قبول الدول العربية والإسلامية فكرة الجنس خارج إطار الزواج، وذلك من خلال انعقاد مؤتمرات السكان والتنمية، وهي سلسلة مؤتمرات ذات طابع عالمي تعقد في العالم الإسلامي، تعيد صياغة مفهوم الأسرة من جديد، لتقفز خارج الإطار الذي حدد التشريع الرباني ملامحه.

الصهيونية عملت على تعقيد الزواج والدعوة إلى تأخير سن زواج البنات

ومع الأسف الشديد، تأثر المسلمون نسبياً بهذه الأفكار الهدامة، وصارت هذه العلاقات خارج إطار الزواج لها نصيب مخيف في واقعنا.

وعملت الصهيونية في سبيل تحقيق ذلك من خلال عملائها في بلادنا، إلى تعقيد فكرة الزواج والدعوة إلى تأخير سن زواج البنات، والتوجيه من خلال وسائل الإعلام إلى ضرورة الاستمتاع بالحياة بلا ضابط، والتوجيه من خلال الدراما إلى اتخاذ الخليلات والعشيقات، إضافة إلى الترويج لموانع الحمل وتبرير الإجهاض؛ ما أدى إلى ذيوع الانحلال الخلقي.

- تثوير المرأة وتمردها:

لقد عملت الصهيونية على غرس أفكار في عقول المرأة لتصبح معولاً لهدم الأسرة، فمن هذه الأفكار:

انتهاك قوامة الرجل وعدم الاعتراف بها، أو اختزالها تحت دعاوى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

ومزاحمة المرأة للرجل في ميادين العمل بحجة إثبات الذات، وترتب على ذلك فقدان المرأة لدورها التربوي تجاه أبنائها.

والدعوة إلى الحرية التي تعني حريتها في اختيار ملبسها وتبرجها وسفورها، أو مصادقة الرجال والاختلاط المحرم؛ ما أدى إلى خلخلة العلاقة بين كثير من الأزواج والزوجات، وكذلك أدى إلى خروج كثير من البنات عن طاعة أوليائهن تحت مظلة الاستقلالية والنضوج.

.. ودفعت بعض الحكومات العربية إلى سن قوانين مصادمة للشريعة تهدم بنيان الأسرة

- العبث بقوانين الأسرة:

دفعت الصهيونية وأعوانها بعض الحكومات الإسلامية والعربية إلى سن قوانين مصادمة للتشريع الإسلامي من شأنها أن تهدم بنيان الأسرة، مثل تقييد تعدد الزوجات بدعوى المحافظة على حقوق المرأة والأبناء، وأوجدوا مشكلة من الفراغ، وهذا بدوره قد أسهم في اتخاذ بعض الرجال عشيقات خارج إطار الزواج؛ ما ينعكس سلباً على استقرار العلاقة بين الزوجين، لكن الإعلام والدراما المغرضة التي جعلت التعدد كارثة مهينة لا ينبغي أن تقبلها المرأة، قد أوصل المرأة في بعض الأحيان إلى قبول فكرة أن يخونها زوجها والتغاضي عن ذلك وتجاهله، مقابل ألا يتزوج عليها.

كما أن هناك قوانين في بعض الدول جرّمت ضرب الأبناء (الذي هو جائز بضوابط وضعها الشرع من باب التأديب) وصاغته تحت بند تجريم العنف والتعذيب، فخلقت حالة من التمرد لدى بعض الأبناء والبنات، وقد وصلت الحال إلى وجود دعاوى قضائية من بعضهم تجاه آبائهم وأمهاتهم باستخدام الضرب تجاههم.

ربما يتهمنا البعض بالوقوع أسارى لنظرية المؤامرة، أو التهويل من شأن الصهيونية، لكن الواقع يشهد لأكثر من ذلك بكثير، فاللوبي الصهيوني في أمريكا مثلاً هو الذي يحرك السياسة الأمريكية تجاه بلادنا وخاصة القضية الفلسطينية، وهناك عدد هائل من المراجع الغربية ومذكرات القادة والزعماء الغربيين يتحدثون بأكثر مما نتحدث عنه من سطوة ونفوذ اليهود ووقوفهم وراء الحروب والانقلابات وتفكيك الدول، فالأمر ليس فيه تهويل من شأنه الصهيونية.

المصادر

(1) بروتوكولات حكماء صهيون، ص163.

(2) دور اليهود في إفساد العقيدة الإلهية والآثار التي تترتب على ذلك، حسن محمد إبراهيم، ص8.


الاثنين، 7 يوليو 2025

هل تتحطم أحلام غزة على صخرة أهداف نتنياهو؟

هل تتحطم أحلام غزة على صخرة أهداف نتنياهو؟

إحسان الفقية

يعيش سكان قطاع غزة ساعات عصيبة يترقبون خلالها ما ستسفر عنه المفاوضات حول الهدنة، تختلط لديهم مشاعر التفاؤل والأمل، والتوتر والخوف، في آن واحد، فيما تطلق المنابر الإعلامية على هذه الحالة «التفاؤل الحذر». مردّ التفاؤل، المرونة التي أبدتها المقاومة تجاه المقترح، الذي وافقت عليه، رغم أنه يخلو من الضمانات الكافية لعدم خرقها من قبل الاحتلال، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المقاومة، سواء في كلفة استمرار الحرب، التي يدفعها أهل غزة، أو في ضعف مخزون السلاح بسبب طول أمد المعارك وانعدام وجود دعم خارجي، أو في فقد الحركة للعديد من قادتها البارزين.
أما الحذر والقلق والخوف، فمردّه بطبيعة الحال إلى تعسف نتنياهو وحكومته المتطرفة التي لا تفقد شهيتها في شن الحرب، وما إذا كانت هناك لديهم رغبة جادة في القبول بمقترح الهدنة.
على الصعيد الشخصي، لا تتجاوز نسبة تفاؤلي بإمضاء الهدنة خمسة في المئة، وحتى إن استجاب نتنياهو بالفعل للمقترح فالمرجح أن لا يدوم التزامه ببنودها، والرجل بارع في خلْق مبررات انتهاك الاتفاقيات كما نعلم، وهو ما شاهدناه بعد فترة وجيزة من بدء عمليات تبادل الأسرى.
دواعي عدم التفاؤل تعود إلى أن الهدنة تصطدم بأهداف نتنياهو الرئيسية في الحرب، وهي:
أولا: القضاء على المقاومة الفلسطينية بشكل نهائي، وهو ما يصرح به في كل محفل ومقام، هو يعلم أن فلسطين بلا مقاومة يعني أن يتم ابتلاعها بالكامل، وأن التفاوض معها يمنحها الاستمرارية في وجودها، وحتى بعد أن خفضت المقاومة سقف تطلعاتها، وقدمت تنازلات تتناسب مع الوضع الراهن وأظهرت مرونة غير مسبوقة، فلن يعجز نتنياهو عن وضع العصا في العجلة وعرقلة المفاوضات، وأرى أن التعديلات التي أجرتها حركة حماس على البنود – والمتعلقة بعدة مسائل منها ما يتعلق بالمساعدات ومنها ما يتعلق بإعادة تموضع قوات الاحتلال- سوف تكون مبرر نتنياهو لعدم القبول بالهدنة، خاصة في ظل ضغط اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يخلو قاموسه من معاني الحلول السلمية في القضية الفلسطينية.

القضاء على المقاومة الفلسطينية بشكل نهائي، هو ما يصرح به نتنياهو في كل محفل ومقام، هو يعلم أن فلسطين بلا مقاومة يعني أن يتم ابتلاعها بالكامل

ثانيا: اصطدام الهدنة بخطة عربة جدعون، التي تقضي بإفراغ شمال القطاع من السكان، وتوسيع المنطقة العازلة بعد توسيع رقعة الإبادة للمدن والمنشآت ومظاهر الحياة، خاصة في مناطق شمال وشرق محافظة الشمال، وشرق مدينة غزة، وشرق خان يونس في الجنوب، لوأد كل فرص العودة الفلسطينية إليها.
لقد كان من نتائج هذه العملية، إحداث تغيير ديموغرافي جذري في قطاع غزة، إذ أنها بسبب الإبادة والنزوح، جعلت الكثافة السكانية محصورة في غرب غزة والمحافظة الوسطى وغرب خان يونس، وفصلت هذه المناطق بعضها عن بعض، وحشرت سكان القطاع في حوالي 15% من الأرض.
نتنياهو يسعى لتنفيذ خطة الإجلاء، متكئا على مشروع صفقة القرن الذي أقره ترامب سابقا، ومن ثم ليس له بديل عن استئناف العدوان تحت أي مبرر.
ثالثا: الهدنة سوف تصطدم كذلك بالنتائج التي حققها جيش الاحتلال في المنطقة، وفقا لخريطة الشرق الأوسط الجديد، فقد استطاع بجر الولايات المتحدة إلى حربه مع إيران من إضعاف قوة إيران، كما استطاعت أن تحد من قدرة أذرع إيران في المنطقة، إضافة إلى فرضها واقعا عسكريا في سوريا لا تستطيع الحكومة السورية في الوقت الحالي التصدي له، خاصة في ظل انكفاء الإدارة السورية الجديدة على البناء الداخلي وتصفير النزاعات.
فنتنياهو يرى أنه قاب قوسين من تحقيق أهدافه الاستراتيجية في المنطقة، لذا يصعب القول إنه سوف يقبل بالهدنة ويبدأ في تنفيذ بنودها. في تقديري الشخصي، لا تكفي الضغوطات التي تعترض نتنياهو لوقفه عن المضي باتجاه خيار الحرب، فقضية الأسرى يظهر جليا أنها ليست الهم الأكبر له، بعد أن قتلت صواريخه بعضهم، واستطاع افتكاك عدد منهم في الصفقات السابقة، فكأنه يقول للجماهير الإسرائيلية يكفي هذا العدد، وليس بخافٍ على أي متابع أن الخلاص منهم سيجعله يتنفس الصعداء، خاصة أن الضغط الجماهيري لم يفلح رغم كل فعالياته المستمرة في ثني نتنياهو عن القتال.
أما ترامب الذي يتوقع الكثيرون أنه سوف يعلن في اللقاء الذي يجمعه بعد ساعات من نتنياهو عن وقف إطلاق النار، فقد أظهر سياق الحرب أن ضغط ترامب ليس بالقوة الكافية، لردع الطموحات الصهيونية، وربما نجده بعد هذا اللقاء يلقي اللائمة على تعنت حماس في التعديلات التي أجرتها على الهدنة واتهامها بعرقلة الحلول السلمية. وحتى القيادات العسكرية المعارضة، لا أرى أنها ستجبر نتنياهو على القبول بالهدنة، وهو الرجل الذي يستطيع تغيير القيادات العسكرية كما اتضح من قبل، خاصة في ظل وجود يمين متطرف قوي يدفعه للمضي باتجاه الحرب.
قلت سابقا وأعيدها اليوم، نتنياهو أطلق مشروعه في تغيير خريطة الشرق الأوسط والمضي باتجاه دولة إسرائيل الكبرى، وهو يعلم أن ثمن تحقيق هذه الأهداف ليس هينا، ولكنه يعلم كذلك أن التراجع سوف يكلفه أكثر على المستوى السياسي. تقريبا هي المرة الأولى التي تمنيت فيها أن تخطئ توقعاتي، فالهدنة سوف تكون بمثابة انتظام للأنفاس المتهدجة في غزة، والذين يواجهون بلا أدنى مبالغة أكبر كارثة في الألفية الجديدة.

الخميس، 26 يونيو 2025

عندما يتفرق القطيع “عندما يتفرّق القطيع تقوده “العنزة الجرباء”

 “عندما يتفرّق القطيع تقوده “العنزة الجرباء”


إحسان الفقية



ﻣﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﺣﺸﻲ ﺍﻹﺭﻫﺎﺑﻲ ﺍﻟﻤﺠﺮﻡ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ ﻳﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻔﺼﻮﻣﻴﻦ ﺍﻟﻌﺮﺏ؟ ﻭﻣﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﺮﺟﻌﻲّ ﺍﻟﻤﺘﺨﻠﻒ ﻳﺎ ﻣﻦ ﺗﺪّﻋﻮﻥ ﺃﻧﻲ ﻭﺃﻣﺜﺎلي أصحاب ﺍﻟﺮﺟﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺨﻠّﻒ لأننا فقط لا نقبل باسم التسامح أن نجلِد أنفسنا ونتغاضى عن كوارثكم ..

في البداية عليكم أن تعرفوا

أن المبشرين البروتستانت الذين يقولون في الإذاعات (الله محبة) و(على الأرض السلام)، ويريدون نشر قيم الحرية والعدالة والديموقراطية في العالم، قاموا بأبشع جرائم عرفتها الخليقة عبر تاريخها المتطاول.

أمريكا التي تسيطر عليها الطائفة البروتستانتية التي رضعت من أمها العتيقة (الماسونية العالمية)، التي تسيطر على أمريكا منذ النشأة؛ إذ لم يتولّ الرئاسة في أمريكا -البالغ عدد من وصلوا فيها للبيت الأبيض حتى الآن ٤٦ رئيسًا أولهم (جورج واشنطن) عام ١٧٨٩ – إلا رئيس كاثوليكي واحد هو (جون كيندي) عام ١٩٦١، والذي اغتاله البروتستانت عام ١٩٦٣، ولما ترشح أخوه (روبرت كيندي ) اغتيل أيضًا ولما كبُر ابنه اغتيل أيضًا.

أما بعد: ﺍﻗﺮﺅﻭﺍ ﻫﺬﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺒﻴﺪ، ﻭﺑﻠّﻐﻮﺍ ﻗﻮﻣﻲ ﺃﻧﻲ ﻟﻦ ﺃﻛﻮﻥ ﺷﺮﻳﻜﺔ ﺑﺄﻱ ﺗﻔﺮﻳﻂ ﻭﻟﻮ ﺃُﺣﻴﻂ ﺑﻲ ولطالما أُحيط :

حقيقة الغرب بعيدا عن مساحيق التجميل

١ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﺭﻏﻢ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺷﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻐﺮﺏ، ﻭﻟﻢ ﻳﺸﻬﺪ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻣﺜﻴﻼ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻜﻮﻧﻴﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﻭﻛﺎﻥ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻘﺘﻠﻰ ٧ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺠﺮﺣﻰ ٢١ ﻣﻠﻴﻮﻧﺎ.

٢ – ﻭﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻣﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻜﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﺑﻠﻎ ﻋﺪﺩ ﺍﻟﻘﺘﻠﻰ ٥٠ ﻣﻠﻴﻮﻧﺎ ﻭﺍﻟﺠﺮﺣﻰ ٩٠ ﻣﻠﻴﻮﻧﺎ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺑﻠﻐﺖ ﻧﻔﻘﺎﺕ ﺍﻟﺤﺮﺏ ٣٧ ﺗﺮﻟﻴﻮﻥ ﺟﻨﻴﻪ ﺍﺳﺘﺮﻟﻴﻨﻲ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺗﻜﻠﻔﺔ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺒﺎﻫﻈﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪﺓ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺟﻨﻴﻪ .

٣ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﺭﻏﻢ ﻫﻤﺠﻴﺔ ﻭﻭﺣﺸﻴﺔ ﺍﻟﻐﺮﺏ، ﻭﻋﻠﻰ ﺭﺃﺳﻪ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﺖ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻫﻮﻻ ﻭﻓﻈﺎﻋﺔ ﺣﻴﻦ ﻗﺘﻠﺖ ﺑﻘﻨﺒﻠﺘﻬﺎ ﺍﻟﻨﻮﻭﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ٥٠٠ ﺃﻟﻒ ﺇﻧﺴﺎﻥ.

٤ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ، ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻃﺎﻋﻮﻥ ﺍﻟﻘﻨﺒﻠﺔ ﺍﻟﺬﺭﻳﺔ ﺃﺛّﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺒﻌﺪﻭﻥ ﻋﻨﻬﺎ ١٠٠ ﻣﻴﻞ، ﺑﻞ ﺇﻥ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﺍﻹﺻﺎﺑﺔ ﻇﻬﺮﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺒﻌﺪﻭﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﺁﻻﻑ ﺍﻷﻣﻴﺎﻝ .

٥ – ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﺩ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺸﻐﻮﻓﺔ ﺑﺎﻟﻘﺘﻞ ﻭﺍﻟﻔﺘﻚ ﻭﺍﻟﺘﻌﺬﻳﺐ، ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ ﺗﺼﻨﻊ ﻗﻨﺒﻠﺔ ﺗﻔﻮﻕ ﺍﻟﻘﻨﺒﻠﺔ ﺍﻟﺬﺭﻳﺔ ﻓﻲ ﻗﻮﺗﻬﺎ ﺑﻤﻠﻴﻮﻥ ﻣﺮﺓ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻘﻨﺒﻠﺔ ﺍﻟﻬﻴﺪﺭﻭﺟﻴﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﺮﻯ ﺍﺧﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﻴﻂ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﻣﺎﺭﺱ ١٩٥٤.

٦ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ، ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ؛ ﻣﻊ ﺃﻥ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻭﺯﻋﻴﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﺤﺮ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻗﺘﻠﺖ ٣ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻭ ٤٠٠ ﺃﻟﻒ ﻓﻴﺘﻨﺎﻣﻲ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺗﻨﺼﻴﺐ ﺭﺋﻴﺲ ﻣﻮﺍﻟﻲ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﻴﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﻗﻢ ﺑﺎﻋﺘﺮﺍﻑ ﻭﺯﻳﺮ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ (ﺭﻭﺑﺮﺕ ﻣﺎﻛﻨﺎﻣﺎﺭﺍ).

٧ – ﻟﻢ ﻧﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﻤﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻫﺠّﺮ ٧ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻻﺟﺊ ﻓﻠﺴﻄﻴﻨﻲ ﻣﻦ ﺃﺭﺿﻬﻢ، ﻭﻭﻫﺒﻬﺎ ﻟﻠﻴﻬﻮﺩ ﺑﺰﻋﻢ ﻭﻭﻋﺪ ﺗﻠﻤﻮﺩﻱ ﺗﻮﺭﺍﺗﻲ ﻭﺗﺤﻘﻴﻖ ﺣﻠﻢ ﺍﻟﻬﺮ ﻣﺠﺪﻭﻥ ﺍﻟﺒﺎﺋﺲ .

٨ – ﻟﻢ ﻧﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ، ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﻗﺪﺓ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺣﻮّﻝ ﺟﺰﺭ ﺳﺎﻣﺎﺭ ﺍﻹﻧﺪﻭﻧﻴﺴﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺼﺮﺍﻧﻴﺔ ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ ﻭﺍﻟﺤﺪﻳﺪ ﻭﺃﻃﻠﻘﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﺳﻢ ( ﺍﻟﻔﻠﺒﻴﻴﻦ ) ؛ ﻧﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻓﻴﻠﻴﺐ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻠﻚ ﺃﺳﺒﺎﻧﻴﺎ .

٩ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺻﺤﻔﻲ ﺃﻣﺮﻳﻜﻲ ﺭﺍﻓﻖ ﺍﻟﺤﻤﻠﺔ ﺍﻟﺪﻣﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﺰﺭ ﺳﺎﻣﺎﺭ ﻣﺎ ﻧﺼّﻪ : ( ﺇﻥ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ ﺍﻷﻣﻴﺮﻛﻴﻴﻦ ﻗﺘﻠﻮﺍ ﻛﻞ ﺭﺟﻞ ﻭﻛﻞ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﻭﻛﻞ ﻃﻔﻞ ﻭﻛﻞ ﺳﺠﻴﻦ ﻭﺃﺳﻴﺮ ﻭﻛﻞ ﻣﺸﺘﺒﻪ ﻓﻴﻪ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀ ﻣﻦ ﺳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺷﺮﺓ ﻭﺍﻋﺘﻘﺎﺩﻫﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻠﺒﻴﻨﻲ ﻟﻴﺲ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﻛﻠﺒﻪ، ﻭﺧﺼﻮﺻﺎ ﺃﻥ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﻗﺎﺋﺪﻫﻢ ﺍﻟﺠﻨﺮﺍﻝ ( ﻓﺮﺍﻧﻜﻠﻴﻦ ) ﻛﺎﻧﺖ : (ﻻ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﺳﺮﻯ ﻭﻻ ﺃﺭﻳﺪ ﺳﺠﻼﺕ ﻣﻜﺘﻮﺑﺔ ) . ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﺴﻴﺤﻴﻴﻦ ﺟﻤﻴﻌﺎ، ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻟﻢ ﻧُﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﻘﻞ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺎﻟﺤﻖ ﻣﺎ ﺍﺩّﻋﻮﻩ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺑﺎﻟﺒﺎﻃﻞ .

١٠ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﺼﻠﻴﺒﻲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ٨٠ ﺃﻟﻒ ﻣﺴﻠﻢ ﻭﻣﺴﻠﻤﺔ ﻓﻲ ﺟﺰﻳﺮﺓ ﻣﺪﻏﺸﻘﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﺑﻀﺮبة ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﺴﺮﻓﺔ ﻟﻢ ﺗﺸﻬﺪﻫﺎ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻋﺒﺮ ﺗﺎﺭﻳﺨﻬﺎ ﺍﻟﻤﺘﻄﺎﻭﻝ ﻭﻟﻢ ﻳﺸﻬﺪﻫﺎ ﺃﺩﺏ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﻋﻠﻰ ﻣﺮ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ .

١١ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺴﺊ ﻟﻬﺎ، ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻹﻳﻄﺎﻟﻲ ﺍﻟﻔﺎﺷﻲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ٧٠٠ ﺃﻟﻒ ﻟﻴﺒﻲ ﻭﻧﻔﺬ ﺣﺮﺏ ﺇﺑﺎﺩﺓ ﻟﻨﺼﻒ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﻴﻦ ﺍﻵﻣﻨﻴﻦ، ﻭﻟﻢ ﻧﻄﺎﻟﺐ ﺑﺎﻟﺜﺄﺭ ﻟﻬﻢ، ﺑﻞ ﺩﻳﻨﻨﺎ ﻗﺪ ﻧﺪﺏ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﺍﻟﺼﻔﺢ ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ.

١٢ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﻭﻓﻲ ﻣﺬﺑﺤﺔ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺧرّﺍﻃﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺳﺘﺸﻬﺪ ﻓﻴﻬﺎ ٤٠ ﺃﻟﻒ ﻣﻮﺣﺪ ﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﻭﺍﺣﺪ .

١٣ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﻓﻲ ﺣﺮﺏ ﺍﻟﺒﻮﺳﻨﺔ ﻭﺍﻟﻬﺮﺳﻚ . ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺃﺣﺪ ﺿﺒﺎﻁ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻳﻘﻮﻝ : ( ﺇﻧﻪ ﻗﻀﻰ ﺷﻬﻮﺭًﺍ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻻ ﻳﺴﺘﻤﻊ ﺇﻻ ﻟﻄﻠﻘﺎﺕ ﺍﻟﺮﺻﺎﺹ ﻭﻻ ﻳﺮﻯ ﺳﻮﻯ ﻗﺬﺍﺋﻒ ﺍﻟﺼﺮﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻮﺍﻟﻰ ﺗﺒﺎﻋًﺎ ﻓﻮﻕ ﺃﺷﺒﺎﺡ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ، ﻭﻫﻲ ﻋﻄﺸﻰ ﻟﻤﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻭﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﺬﺑﺤﺔ ﺳﺮﺑﺮﻧﻴﺘﺸﺎ ﺍﻟﻤﺮﻭﻋﺔ.

١٤ – ﻟﻢ ﻧﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ، ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﺮﻑ ﻗﺎﺋﺪ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺼﺮﺑﻴﺔ ( ﻓﻮﺷﺘﻴﻚ ) ﻟﻤﺠﻠﺔ ﺩﻳﺮ ﺷﺒﻴﺠﻞ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﻗﺎﻝ ﺑﺎﻟﺤﺮﻑ: ( ﻟﻘﺪ ﻗﺘﻠﺖُ ﻭﺣﺪﻱ ﻣﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻭﻗﻤﺖ ﺷﺨﺼﻴًﺎ ﺑﺈﻃﻼﻕ ﺍﻟﺮﺻﺎﺹ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺳﺮﻯ ﻟﻠﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻴﻬﻢ ) . ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺒﻬﺘﻪ ﺍﻟﺼﺤﻔﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﻫﺪﺍﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺮﻡ ﻗﺘﻞ ﺍﻷﺳﺮﻯ ﻗﺎﻝ : ( ﻟﻢ ﺃﺟﺪ ﺳﻴﺎﺭﺍﺕ ﻟﻨﻘﻠﻬﻢ ﻭﺃﻥ ﺃﺭﺧﺺ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﻫﻮ ﻗﺘﻠﻬﻢ ﺑﺎﻟﺠﻤﻠﺔ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﺟﻬﺰ ﺭﻓﺎﻗﻲ ﻋﻠﻰ ٦٤٠ ﻣﺴﻠﻤﺎ .. ﻭﻛﻨﺖ ﺃﻗﻮﻡ ﺃﺣﻴﺎﻧًﺎ ﺑﺨﺮﻕ ﻋﻴﻮﻥ ﺍﻻﺳﺮﻯ ﻭﺗﻌﺬﻳﺒﻬﻢ ﺃﻭ ﺗﻬﺸﻴﻢ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ ﺑﺒﻂﺀ ﺣﺘﻰ ﻳﻌﺘﺮﻓﻮﺍ ﺑﻤﺎ ﺃﺭﻳﺪ ) .

١٥ – ﻛﻤﺎ ﻳﺆﻛﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻭﻳﺆﻛﺪ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻋﺪﺍﺀ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﻟﻺﺳﻼﻡ ﻣﺎ ﺻﺮﺡ ﺑﻪ ﺟﺰﺍﺭ ﺍﻟﺼﺮﺏ ﺍﻷﺭﺛﻮﺫﻛﺲ ﺍﻷﺻﻮﻟﻴﻴﻦ ﻭﻣﺠﺮﻡ ﺍﻟﺤﺮﺏ ( ﺳﻠﻮﺑﻮﺩﺍﻥ ﻣﻴﻠﻮ ﺳﻮﻓﻴﺘﺶ ) ، ﻭﺫﻟﻚ ﺣﻴﻦ ﺳُﺌﻞ ﻋﻤﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﻓﻲ ﻣﺴﻠﻤﻲ ﺍﻟﺒﻮﺳﻨﺔ ﻓﻘﺎﻝ : ( ﺇﻧﻨﻲ ﺃُﻃﻬّﺮ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ ﻣﻦ ﺃﺗﺒﺎﻉ ﻣﺤﻤﺪ ) .

١٦ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧﺼﻔﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ؛ ﺭﻏﻢ ﺃﻥّ ( ﺳﺮﺑﺮﻧﻴﺘﺸﺎ ) ﻭ( ﺑﻴﻬﺎﺗﺶ ) ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﻣﺎ ﺣﺪﺙ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻟﻴﺴﺘﺎ ﺇﻻ ﺍﺛﻨﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﺍﻟﺒﻮﺳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻢ ﻓﻴﻬﺎ – ﻃﺒﻘًﺎ ﻟﻺﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ – ﻗﺘﻞ ﻭﺗﻌﺬﻳﺐ ﻭﺣﺮﻕ ﻣﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻦ ٣٠٠ ﺃﻟﻒ ﻣﺴﻠﻢ ﺃﻏﻠﺒﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻭﺍﻷﻃﻔﺎﻝ، ﻣﻨﻬﻢ ٧٠ ﺃﻟﻒ ﻗﻀﻮﺍ ﻧﺤﺒﻬﻢ ﻓﻮﺭًﺍ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﺯﺭ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭ٥٠ ﺃﻟﻒ ﻣﻌﺎﻕ ﻭﻣﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻦ ١٢٠ ﺃﻟﻒ ﻣﻔﻘﻮﺩ ﻛﻤﺎ ﺗﻢ ﻫﺪﻡ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ٨٠٠ ﻣﺴﺠﺪ ﻭﻃﺮﺩ ﺟﻤﺎﻋﻲ ﻗﺴﺮﻱ ﻟﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻦ ﻣﻠﻴﻮﻧﻴﻦ ﻭﻧﺼﻒ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻼ ﻣﺄﻭﻯ ﻭﻻ ﻃﻌﺎﻡ ﻭﻻ ﺧﻴﺎﻡ.

١٧ – ﻟﻢ ﻧﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻣﻬﺎ، ﻭﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﺗﺜﺒﺖ ﺍﻏﺘﺼﺎﺏ ﻣﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻦ ٧٥ ﺃﻟﻒ ﺟﻨﺪﻱ ﺻﺮﺑﻲ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﺎ ﻳﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﻣﻌﺴﻜﺮًﺍ ﻷﻛﺜﺮ ﻣﻦ ٧٠٠ ﺃﻟﻒ ﻃﻔﻠﺔ ﻭﺳﻴﺪﺓ ﺯﺭﻋﺖ ﺃﺭﺣﺎﻡ ﺍﻵﻻﻑ ﻣﻨﻬﻦ ﺑﺄﺟﻨّﺔ ﺫﺋﺎﺏ ﻭﻛﻼﺏ ﺑﺸﺮﻳﺔ ﺗﻨﺘﺴﺐ ﺇﻟﻰ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﺯﺍﺋﻔﺔ ﻃﺎﻏﻴﺔ ﻣﺘﻮﺣﺸﺔ ﻻ ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﻻ ﺗﻤُﺖّ ﻟﻺﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻻ ﻟﻠﻘﻴﻢ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺑﺄﺩﻧﻰ ﺻﻠﺔ .

١٨ – ﻭﻟﻢ ﻧﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻳﻮﻣﺎ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺮﺃﻯ ﻭﺃﻣﺎﻡ ﺍﻵﺑﺎﺀ ﻭﺍﻷﺑﻨﺎﺀ ﻭﺍﻷﺯﻭﺍﺝ ﻭﻛﺎﻥ ﺟﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﻳﺘﺤﺮﻙ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺃﻱ ﻣﻨﻬﻦ وابلا ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺻﺎﺹ ﻳﺨﺘﺮﻕ ﺭﺃﺳﻪ ﻳﺮﺩﻳﻪ ﺻﺮﻳﻌًﺎ ﻣﻀﺮﺟًﺎ ﻓﻲ ﺩﻣﻪ .. ﻭﻭﺳﻂ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺤﻴﻢ، ﺗﺮﻭﻱ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﺍﻥ ﺁﻻﻑ ﺍﻷُﺳﺮ ﺗﻌﺮﺿﺖ ﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺗﻔﻮﻕ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﻭﻛﻠﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻞ ﻣﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ .

١٩ – ﻳﺆﻛﺪ ﺫﻟﻚ ﺗﻘﺮﻳﺮ ( ﺷﻔﺎﺭﺗﺰ ) ﻋﻀﻮ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻲ ﻭﻋﻀﻮ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﻧﺸﺮﺍﺕ ﻣﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﺒﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﺑﺘﺎﺭﻳﺦ /١٦ ٧/١٩٩٢ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮﺍﻥ ( ﺭﺃﻳﺖ ﺑﻌﻴﻨﻲ ) ﻭﻓﻴﻪ ﻳﻘﻮﻝ : ( ﺭﺃﻳﺖ طفلاً ﻻ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﻋﻤﺮﻩ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻣﻘﻄﻮﻉ ﺍﻷﺫﻧﻴﻦ ﻣﺠﺪﻭﻉ ﺍﻷﻧﻒ .. ﺭﺃﻳﺖ ﺻﻮﺭ ﺍﻟﺤﺒﺎﻟﻰ ﻭﻗﺪ ﺑﻘﺮﺕ ﺑﻄﻮﻧﻬﻦ ﻭﻣُﺜّﻞ ﺑﺄﺟﻨﺘﻬﻦ، ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﺸﻴﻮﺥ ﻭﻗﺪ ﺫُﺑﺤﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺭﻳﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﺭﻳﺪ . ﺭﺃﻳﺖ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﺍﺕ ﻣﻤﻦ ﻫُﺘﻜﺖ ﺃﻋﺮﺍﺿﻬﻦ ﻭﻣﻨﻬﻦ ﻣﻦ ﺗﺤﻤﻞ ﺍﻟﻌﺎﺭ ﻭﻟﻢ ﻳﺒﻖ ﻟﻮﻻﺩﺓ ﻣﺎ ﺑﺄﺣﺸﺎﺋﻬﻦّ ﺳﻮﻯ ﺃﺳﺎﺑﻴﻊ . ﺭﺃﻳﺖ ﺻﻮﺭًﺍ ﻟﻢ ﺃﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻳﺔ ﺷﺎﺷﺎﺕ ﺗﻠﻴﻔﺰﻳﻮﻧﻴﺔ ﻏﺮﺑﻴﺔ ﺃﻭ ﺷﺮﻗﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻷﺭﺽ .. ﻭﺃﺗﺤﺪﻯ ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻷﺣﺪ ﺍﻟﺠﺮﺃﺓ ﻭﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ ﻟﺒﺜﻬﺎ).

٢٠ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ، ﻭﻟﻢ ﻧﺘﻬﻤﻬﺎ ﺑﺎﻹﺭﻫﺎﺏ ﺑﺘﺴﻠﻴﻂ ﺍﻟﻜﻼﺏ ﺍﻟﻤﺪﺭﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻬﺎﻡ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺔ ﻟـ ٣٠٠ ﻣﻌﺘﻘﻞ ﻓﻲ ﺳﺠﻦ “ﺃﺑﻮ ﻏﺮﻳﺐ” ، ﺑﻌﺪ ﻓﺘﺢ ﺃﺭﺟﻠﻬﻢ ﻋﻨﻮﺓ ﻋﺒﺮ ﻗﻴﻮﺩ ﺣﺪﻳﺪﻳﺔ ﻓﻲ ﺃﻳﺪﻳﻬﻢ ﻭﺃﺭﺟﻠﻬﻢ ﻣﺜﺒﺘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﺋﻂ ﻭﻭﻓﺎﺗﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻮﺭ.

٢١ – ﻟﻢ ﻧﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻻ ﺣﻤّﻠﻨﺎ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻋﻦ ﻣﺼﺮﻉ ٦٠ طفلاً ﻣﻦ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻓﻲ ﺳﺠﻦ “ﺃﺑﻮ ﻏﺮﻳﺐ ” ﺑﻌﺪ ﺗﻘﻄﻴﻊ ﺃﻃﺮﺍﻓﻬﻢ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﻣﻬﺎﺗﻬﻢ .. ﻋﺒﺮ ﺭﺑﻂ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺔ ﻭﺍﻷﻟﺴﻨﺔ ﻟﻠﻌﺪﻳﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺎﻷﺳﻼﻙ ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎﺋﻴﺔ .

٢٢ – ﻟﻢ ﻧُﺠﺮّﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ ﺭﻏﻢ ﻭﺣﺸﻴﺔ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺑﻮﺵ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﻴﻦ ﻓﻲ ﺳﺠﻮﻥ ﺍﻟﻤﻮﺻﻞ ﻭﺃﻡ ﻗﺼﺮ ﻭﺑﻮﻛﺎ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻭﻋﻠﻰ ﻣﺠﺎﻫﺪﻱ ﻃﺎﻟﺒﺎﻥ ﻓﻲ ﺳﺠﻮﻥ ﺃﻓﻐﺎﻧﺴﺘﺎﻥ ﻭﻓﻲ ( ﺟﻮﺍﻧﺘﺎﻧﺎﻣﻮ ) ﺑﻛﻮﺑﺎ . ﻭﻟﻢ ﻧﺠﺮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻻ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﺑﻤﺎ ﻧﺸﺮﺗﻪ ﺻﺤﻴﻔﺔ ( ﺩﻳﻠﻲ ﺳﺘﺎﺭ ) ﻣﻦ أن ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻗﺪ ﺃﻣﺪﺕ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﻴﻦ ﺑﺂﻟﻴﺎﺕ ﻭﻧﻈﻢ ﺗﻌﺬﻳﺐ ﻻﻧﺘﺰﺍﻉ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻓﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﺳﺮﻯ ﻭﻣﻌﺘﻘﻠﻲ ﺍﻟﺴﺠﻮﻥ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﺔ، ﺣﺘﻰ ﺑﺎﺕ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﻮﻥ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﻮﻥ ﻳﺴﺘﻤﻌﻮﻥ ﺑﻌﻨﺎﻳﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺇﻟﻰ ﺧﺒﺮﺍﺀ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻴﻴﻦ ﻟﻠﺘﺰﻭﺩ ﺑﺨﺒﺮﺍﺗﻬﻢ ﺍﻟﺴﺎبقة ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ.

٢٣ – عندما استوطن البروتستانت أراضي الهنود الحمر المسماة زورًا (أمريكا)، رفعوا شعارًا اجتثاثيًا هو (التدمير أسهل من التنصير).

تضمّن كتاب: (العملاق) الذي كتبه (يوردجاك) عام ١٦٦٤، نصائح للقيادات البروتستانتية جاء فيه:

(إن إبادة الهنود الحمر والخلاص منهم أرخص بكثير من أي محاولة لتنصيرهم أو تمدينهم؛ فهم همج، برابرة، عراة، متخلفون وهذا يجعل تمدينهم صعبًا).

٢٤ – أسفرت سياسة الإبادة الأمريكية تلك عن أكبر جريمة في التاريخ؛ ففي خلال قرنين قُتل ١٢٢ مليون هندي أحمر في سبيل تحقيق (الحلم الأمريكي)، وليُسدل الستار الحزين على حضارات (المايا، والازيتا، والبوهانن)، وأقيم صرح أمريكا زعيمة (العالم الحر وحمامة السلام وتمثال الحرية) على جماجم وأشلاء الملايين من البشر.

٢٥ – بعد فراغ أمريكا من العبيد (الحُمر) قرروا استيراد العبيد (السُمر)، فتحول البروتستانت إلى بحّارة يجوبون سواحل إفريقيا لاصطياد (العبيد) بحشرهم في سفن الموت، وقد جلب الأمريكيون ما لا يقل عن ١٢ مليونًا من الأفارقة المُسترقّين، جاءوا بهم من أعالي البحار مُقرّنين في الأصفاد، يا من تتحدثون عن السَبْي في الإسلام والتهجير والاستعباد.

٢٦ – تؤكد التقارير أن ما لا يقل عن ٢٥ مليونًا من الأفارقة الذين تم شحنهم من (جزيرة جور) الواقعة في مواجهة العاصمة السنغالية (داكار)، قد قضوا نحبهم قبل أن يصلوا إلى العالم الجديد في رحلات الموت والعذاب، وكانوا إذا وصل أحدهم إلى سن لا يستطيع خدمة دعاة (الرحمة والسلام) -أقصد الأمريكيين الأوائل- كانوا يقومون بقتل عبيدهم بـ (رصاصة الرحمة)، وكانوا يحزنون ويتقطّعون أسفًا على ثمن الرصاصة القاتلة (ربما).

٢٧ – عام ١٩٧٨، صدر تقرير عن منظمة اليونسكو يتحدث عن هول الكارثة الإنسانية التي حلّت بإفريقيا من أجل (بناء) أمريكا دولة (المحبة والسلام)، جاء فيه: (أن إفريقيا فقدت من أبنائها في تجارة الرقيق نحو ٢١٠ ملايين نسمة)، ومع هذا لايزال بعض المفصومين العرب يرفعون عقيرتهم قائلين: أمريكا سيدة السلام ومُحررة العبيد وأميرة سيداو.

٢٨ – في أتون الحرب العالمية الثانية في عام ١٩٤٥، أمر الجنرال (جورج مارشال) رئيس الأركان الأمريكي بتنفيذ أكبر عملية قصف تدميري وجحيم مُستعر واسع النطاق في التاريخ للمدن اليابانية الكثيفة السكان، فتم إطلاق ٣٣٤ طائرة أمريكية لإلقاء القنابل الحارقة لتدمر ما مساحته ١٦ ميلًا مربعًا، ولتقتل في ساعات نحو ١٠٠ ألف شخص، ناهيك عن تشريد نحو مليون آخرين!

٢٩ – ثم خُتم ذلك المشهد الدموي بشلال مرعب من الدماء عندما أقدم الأمريكيون على استعمال السلاح النووي، وكانوا أسبق البشر إلى استعماله عندما أسقطوا قنبلتين فوق هيروشيما وناجازاكي لتحصُد مئات الألوف بلا أدنى تفريق بين مدني وعسكري أو رجل وامرأة، طفل أو نبات أو جماد أو حيوان أو كتاب أو دفتر مذكّرات، يا من تتباكون كما النائحات المستأجرات على شعور الإيزيدية والمسيحي حين يتمّ تهجيرهم -المزعوم- من الموصل وبعض بلدات العراق- وتركّزون على ألبوم الصور وفستان ليلة زفاف الجدّة الكردية التي لم تتزوج بعد وفاة بعلها، والتي احتفظت بسرواله الذي يحمل رائحته في دولاب لم تحترم داعش فيه حميمية السروال!

٣٠ – في الخمسينيات من القرن الماضي وقعت الحرب الكورية عندما عزل الأمريكيون الحكومة الشعبية وأغرقوا البلاد في حرب طاحنة أشاعت نارًا ودمارًا. يقول (ناعوم تشومسكي) الكاتب وعالم اللسانيات الأمريكي واصفًا نتائج تلك الحرب: ( أشعلنا حربًا ضروسًا، سقط خلالها ١٠٠ ألف قتيل… وفي إقليم واحد صغير سقط ٣٠ ألفًا إلى ٤٠ ألفًا من القتلى أثناء ثورة قام بها الفلاحون).

٣١ – أمريكا رائدة الديمقراطية هي أكثر دولة تحارب الديمقراطية في العالم. (تشومسكي) أيضًا –الله لا يحرمنا من تصريحاته- يقول:

(أعاقت حكومتنا الحكومات البرلمانية وأسقطت بعضها في إيران عام ١٩٥٣، وجواتيمالا عام ١٩٤٥، وتشيلي عام ١٩٧٢، ولم تكن أساليب الإسقاط طبيعية ولم يكن القتل العادي هو عمل القوات؛ بل قتل القسوة والتعذيب السادي: تعليق النساء من أقدامهن بعد قطع أثدائهن، وفض بكارتهن، وقطع الرؤوس وتعليقها على خوازيق، ورطم الأطفال بالجدران حتى يموتوا).

*أين اليونيسيف المُتباكية على مشاعر الأطفال الذين تعرّضوا للتهجير من بيوتهم خوفًا من دموية (الغولة) داعش، وأين كاميرات محطّاتنا الفضائية التي لطالما ركّزت على دفاتر الرسم وخرابيش الأطفال على الجدران؟

٣٢ – بلغ عدد القتلى الفيتناميين عند انتهاء الحرب عام ١٩٧٣، حسب التقرير الذي نشرته مجلة نيويورك تايمز في (٨/١٠/١٩٩٧) والذي أشار إلى أن نتائج الحرب الأمريكية في فيتنام أسفرت عن:

( ٣.٦ مليونن قتيل، و٦ مليون جريح، و١٣ مليون لاجئ).

٣٣ – ما حدث بين عامي ١٩٥٢ و١٩٧٣، فلا يستحق الخوض فيه؛ لأن القتلى لا تجري في عروقهم دماء أمريكية أو صهيوإنجيلية، فقد قتل الأمريكان بين العامين المذكورين زهاء ١٠ مليون صيني وكوري وفيتنامي وروسي وكمبودي.

٣٤ – وفي (جواتيمالا) قتل الجيش الأمريكي صاحب الكفاءة والشجاعة الخارقة أكثر من ١٥٠ ألف (مُزارع ) في الفترة ما بين ١٩٦٦ إلى ١٩٨٦، بالإضافة إلى قتل مئات الآلاف من الأشخاص في مجازر عديدة في إندونيسيا ونيكاراجوا والسلفادور وهندرواس، وفي أنجولا وموزمبيق وناميبيا وغيرها من دول القارة الإفريقية!

٣٥ – أمريكا راعية الحرية والديمقراطية هي من ساندت أعتى طغاة العالم أمثال: (سوموزا) في نيكاراجوا، و(بينوشيه) في تشيلي، و(ماركوس) في الفلبين، و(بوتو) في باكستان، و(باتيسيتا) في كوبا، و(دييم) في فيتنام، و(دوفاليه) في هايتي، و(سوهارتو) في إندونيسيا، و(فرانكو) في إسبانيا، و(آل أسد) في سوريا، و(محمد رضا بهلوي) في إيران، و(السيسي ) في مصر.

٣٦ – وجاء دور العراق الذي تصفه نبوءات التوراة والميثولوجيا المُحرّفة بأنه مصدر(خطر) على يهود، فقامت أمريكا وبدعم مادي وبشري من دول العبيد العربي بتدمير العراق لتقرّ أعين اليهود وليبوء العبيد وعلماؤهم بما باؤوا به، بينما أنت مُنهمك بعدّ الرؤوس التي أجهزت عليها سكاكين الدواعش.

٣٧ – نشرت صحيفة الجارديان البريطانية في ديسمبر ١٩٩١، تقريرًا نقلت فيه عن العقيد الأمريكي (بانتوني مارينوم) وهو يصف عمليات طمر العراقيين في الخنادق أحياء، قال العقيد مارينوم:

(من المحتمل أن نكون قد قتلنا بهذه الطريقة آلاف الجنود… لقد رأيت العديد من أذرع العراقيين وهي تتململ تحت التراب وأذرعها ممسكة بالسلاح).

٣٨ – سئل ( كولن باول) رئيس الأركان الأمريكي سابقًا ووزير الخارجية لاحقًا عن عدد القتلى من العراقيين، فقال: (لست مهتمًا إطلاقًا).

*نعم يا بني قومي.. لم يكن مهمًا عند (باول) أن ٢٠٠ ألف عراقي قُتلوا أثناء انسحابهم من الكويت، حتى سُمّي الطريق الذي سلكوه بـ(طريق الموت). ويصف أحد الطيارين المشاركين بقوله:

(كان الأمر كأنني أُطلق النار على سمك في برميل فأين يهرب؟ وكيف نُحصي الصيد والضربة الواحدة تصيب عشرات الأهداف؟).

٣٩ – لم يقتصر الأمر على العسكريين بل قتل ٨ آلاف من المدنيين منهم ٤٣٠ قضوا في ملجأ العامرية أثناء القصف الوحشي الهمجي الذي أطلق عليه الأمريكان اسم: (الحرب النظيفة)؛ لأنها تقوم على استراتيجية التصويب الدقيق باستخدام الحرب الإلكترونية (الذكية) التي تصبح غبية؛ بل وشديدة الغباء وتخطئ الهدف عندما يريدون.

ولكنها استراتيجية تُجنب الأمريكيين الاحتكاك المباشر الذي (قد) يُسفر عن سقوط ( ضحايا) عسكريين أمريكيين (أبرياء)، هم أبطال هناك بين أقوامهم!

٤٠ – هاجمت طائرة أمريكية من نوع (الشبح) ملجأ العامرية بصاروخ (ذكي جدًا) موجه بالليزر، مُحدثًا فتحة في السقف لينفجر في مستشفى الملجأ، وبعد ٤ دقائق تم توجيه صاروخ (شديد الغباء) عبر الفتحة نفسها التي أحدثها الصاروخ الأول ليغلق الانفجار الأبواب الفولاذية التي يبلغ وزنها ٦ أطنان وسمكها نصف متر، ويحرق المئات من المرضى فورًا وتبخّر كثيرون منهم بالحرارة التي بلغت آلافًا عديدة والمتولدة من حمم الانفجار العالي الرهيب، وكان مصير المئات منهم الغليان حتى الموت في مياه المراجل الضخمة المدمرة!

٤١ – بعد المجزرة النضاحة بالدماء تم العثور على ١١ شخصًا قذف بهم الانفجار العنيف خارج الملجأ لمئات الأمتار، وبعد ساعات مُلتهبة استُخرج من الملجأ البقايا السوداء المشوهة (٤٣٠ قتيلًا) وقُدّر أن المئات منهم احترقوا وتبخّروا ولم تعُد ثمّة وسيلة لتحديد هويتهم، ووصف شهود عيان منهم (توم دالي) العضو العُمّالي في البرلمان البريطانى آثار النساء والأطفال المتفحمة على جدران الملجأ، قائلًا: (تفحمت طبعات أقدام وأيدٍ صغيرة على الجدران والسقوف، وانطبعت على جدران الطابق الأسفل عند علامة الماء في الخزانات المتفجرة آثار اللحم البشرى على ارتفاع خمسة أقدام).

٤٢ – السجلّ المروّع والألم الذي يرويه لنا كتاب: (التنكيل بالعراق) لمؤلف إنجليزى هو (جيف سيمونز)، اقرأوا الكتاب لتدركوا أي نوع من الإجرام والوحشية يدمغ أمريكا.. إهداء الكتاب يقول:

(إلى المليون طفل عراقي الذين قتلتهم الحرب البيولوجية الأمريكية في عقد التسعينيات، وإلى مئات الآلاف الآخرين الذين سيلحقون بهم في الأشهر والسنوات القادمة).

٤٣- على الغلاف الخلفي للكتاب يقول نعوم تشومسكى: (التنكيل بالعراق سِجلٌ حافل بالجرائم الرهيبة المستمرة، يصدم القارئ، ومن شأنه أن يشعرنا جميعًا بالعار)، ويقول النائب البريطاني (تونى بن) واصفًا الكتاب: (إنه سِجلٌ مُتّقد بالغضب وأكاديمي موثق في آن معًا).

*ماذا عنك أنت.. هل تشعر -حقًّا- بالعار؟!

*ماذا أهديت لأطفال العراق؟

سيرقدون بسلام لو -فقط- أشرت إلى المجرمين بعينيك لا بأصابعك ولا بأسماء الإشارة ولا بدعوة للانتقام.

٤٤ – مليونان من العراقيين قتلتهم الحرب البيولوجية الأمريكية في التسعينيات كما يذكر ذات الكتاب، مُراسل مجلة نيوزويك الأمريكية يقول: (مررنا بجنود موتى راقدين، وكانوا بلا علامة عليهم، ووجدنا آخرين بُتروا بترًا شديدًا، ساقان في سروالهما على بعد ٥٠ ياردة من نصف الجسم الأعلى)!

٤٥ – صحفي بريطاني آخر علّق قائلًا: (كانت الحرب نووية بكل معنى الكلمة، جرى تزويد جنود البحرية بأسلحة نووية تكتيكية والأسلحة المطورة أحدثت دمارًا يشبه الدمار النووي. استخدمت أمريكا متفجرات الوقود الهواء المسماة Blu-٨٢، وهو سلاح زنته ١٥٠٠٠ رطل وقادر على إحداث انفجارات ذات دمار نووي حارق لكل شيء في مساحة تبلغ مئات الياردات)!

٤٦ – تقرير سرّي لهيئة الطاقة الذرية البريطانية يقدر ما خلفته أمريكا وقوات التحالف في ميادين الحرب في العراق بما لا يقل عن ٤٠ طنًا من اليورانيوم المنضب، لتتوالى كوارث الحرب الأكثر تسميمًا في التاريخ من غبار وذرات اليورانيوم التي ستستمر في الهبوب على شبه الجزيرة العربية إلى مدى طويل جدًا.

٤٧ – تم تلويث الجو والهواء والتربة والأنهار والأشجار والأحجار بكميات مفزعة من الإشعاع السرطاني، والكارثة مستمرة لآلاف السنوات القادمة والأطفال في العراق يلعبون بدُمى مصنوعة من قذائف اليورانيوم والنتيجة موت سرطاني بطيء مُحتّم.

ﺳﺆﺍﻟﻲ ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﻣﺎ ﺳﺒﻖ ﻣﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ: ﻣﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﺣﺸﻲ ﺍﻹﺭﻫﺎﺑﻲ ﺍﻟﻤﺠﺮﻡ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ ﻳﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻔﺼﻮﻣﻴﻦ ﺍﻟﻌﺮﺏ؟ ﻭﻣﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﺮﺟﻌﻲّ ﺍﻟﻤﺘﺨﻠﻒ ﻳﺎ ﻣﻦ ﺗﺪّﻋﻮﻥ ﺃﻧﻲ ﻭﺃﻣﺜﺎلي أصحاب ﺍﻟﺮﺟﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺨﻠّﻒ لأننا فقط لا نقبل باسم التسامح أن نجلِد أنفسنا ونتغاضى عن كوارثكم ..

بعض المراجع:

١- (التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة)، الكاتب البريطاني جيف سيمونز. ٢- (النبوءة والسياسة)، الكاتبة الأمريكية جريس هالسل.

٣- (يد الله)، الكاتبة الأمريكية جريس هالسل.

٤- (البعد الديني في السياسة الأمريكية)، د. يوسف الحسن.

٥- تقرير مجلة نيويورك تايمز في (٨/١٠/١٩٩٧)، تحت عنوان: (خسائر أمريكا: حرب فيتنام).

٦- تقرير صحيفة الجارديان البريطانية ٢٠ديسمبر ١٩٩٠، تحت عنوان: (نقرة لعرض الصورة في صفحة مستقلة دفن الجنود العراقيين أحياء).

٧- (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، أبو الحسن الندوي.

٨- (المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى)، سعيد أيوب.

٩- (صيحة تحذير من دعاة التنصير)، الشيخ محمد الغزالي.

١٠- (سفر المزامير العهد القديم)، الكتاب المقدس.

١١- (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، فرانسيس فوكوياما.