رسالة إلى الملثّم: نخجل من ذكراك
مرّت الذكرى الأولى لاستشهاد الملثّم، الصوت الذي أيقظ أمّةً من موت أنفق حكّامها كثيراً من المال في صناعته، لكي تبقى الشعوب محبوسةً بين جدرانه الأربعة:
الاستبداد والخوف والعجز والتفاهة، بما يكفي (ظنّاً منهم) لانسحاب فلسطين من جدول الاهتمامات الرئيسة لدى المواطن العربي.
أحيا "طوفان" المقاومة في 7 أكتوبر (2023) الأمّة من غفلتها/ موتها الاختياري، وأحيا صوتك أيّها الملثّم إعلاماً شاخ وذبل، ووضع الحكّام في مرآة الشعوب، وأظهر أنّ عقوداً من التغييب والتخدير والتغفيل لم تنجح في إجبار المواطن العربي على الاستقالة من القضية المحورية، وربّما يفسّر هذا مرور الذكرى الأولى لاستشهادك من دون أن تحتفي بك الفضائيات التي أعاد لها الحياةَ صوتُك الذي كانت تترقّبه وتنوّه عن قدومه مرّة واثنتَيْن وعشراً، ذلك أنّ المناخ تقلّب والتاريخ انقلب، وعادت إمبراطورية القرصنة الأميركية بقيادة دونالد ترامب لتكون قبلة النظام العربي، والمرجع الرسمي والوحيد لعلاقته بموضوع غزّة، بعد أن منحوه الولاية والوصاية عليها، فبأيّ وجه يحتفي هؤلاء بذكرى قافلة الشهداء؟لم يتذكّرك أحد إلّا الإنسان العربي البسيط الأصيل الذي لا يزال محتفظاً بقلب يقظ ووجدان سليم، ذلك الإنسان الذي يعافر كي لا يستسلم لطوفان مضادّ من التصهين.
الآن، يا صديقي، لم يعد أحد يتذكّر المقاومة، وإن تذكّرها لا يجرؤ على الجهر بالانحياز لها، وإن تجرّأ فإنّه في مرمى العقوبات الأميركية، أو متّهم من سكّان حظائر التصهين بأنّه ليس عربياً.
لقد كنت، يا صديقي، آخر حبّة في عقد شهداء المقاومة الكبار، ذلك أنّه بعد استشهاد إسماعيل هنيّة ويحيى السنوار وحسن نصر الله ومحمّد الضيف، لم يبقَ أحد سواك في مواجهة ماكينات الدعاية السامّة التي روّجت أنّ المقاومة انتهت بعد أن تلقّت ضربات قاضية، فقد كان ظهورك وحده يكفي لينفض عن الأنفس المتعبة غبار الإحباط وفقدان الأمل، لتتواصل تلك الحالة من التبنّي والاحتضان لما يمثّله صوتك، وكأنّ جماهير الأمّة كانت تحارب بقلوبها وألسنتها مع أبطال المقاومة على أرض غزّة، وتعتبرك، ليس فقط الناطق باسم المقاومة، بل رمز هذه الجماهير وزعيمها المُنتخَب انتخاباً حرّاً وأخلاقياً ووجودياً.
نعلم أنّ ملثّماً آخر يحمل اسمك الأحبّ "أبو عبيدة" قد حمل الراية بعدك، ونثق في أنّه على دربك، لكنّه جاء للأسف الشديد في زمن يكره المقاومة ويلعنها، ولا يتّسع فضاؤه الإعلامي لصوتها، ولذلك كلّه، وغيره، نحن نخجل من ذكراك، تماماً كما نخجل من "طوفان الأقصى"، كما فهمناه منك وكما شرحته لنا:
كنّا نرفض ذلك كلّه، لأنّ صوتك وحده يكفينا للتشبّث باليقين، غير أنّ الواقع يقول إنّ حكّامنا فوّضوا ترامب لكي يلبّي كلّ أحلام العدو في غزّة.
نحن سيّئون بما يكفي للخجل من ذكرى الشهيد.











