‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وائل قنديل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وائل قنديل. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

رسالة إلى الملثّم: نخجل من ذكراك

رسالة إلى الملثّم: نخجل من ذكراك








مرّت الذكرى الأولى لاستشهاد الملثّم، الصوت الذي أيقظ أمّةً من موت أنفق حكّامها كثيراً من المال في صناعته، لكي تبقى الشعوب محبوسةً بين جدرانه الأربعة: 

الاستبداد والخوف والعجز والتفاهة، بما يكفي (ظنّاً منهم) لانسحاب فلسطين من جدول الاهتمامات الرئيسة لدى المواطن العربي.

أحيا "طوفان" المقاومة في 7 أكتوبر (2023) الأمّة من غفلتها/ موتها الاختياري، وأحيا صوتك أيّها الملثّم إعلاماً شاخ وذبل، ووضع الحكّام في مرآة الشعوب، وأظهر أنّ عقوداً من التغييب والتخدير والتغفيل لم تنجح في إجبار المواطن العربي على الاستقالة من القضية المحورية، وربّما يفسّر هذا مرور الذكرى الأولى لاستشهادك من دون أن تحتفي بك الفضائيات التي أعاد لها الحياةَ صوتُك الذي كانت تترقّبه وتنوّه عن قدومه مرّة واثنتَيْن وعشراً، ذلك أنّ المناخ تقلّب والتاريخ انقلب، وعادت إمبراطورية القرصنة الأميركية بقيادة دونالد ترامب لتكون قبلة النظام العربي، والمرجع الرسمي والوحيد لعلاقته بموضوع غزّة، بعد أن منحوه الولاية والوصاية عليها، فبأيّ وجه يحتفي هؤلاء بذكرى قافلة الشهداء؟

لم يتذكّرك أحد إلّا الإنسان العربي البسيط الأصيل الذي لا يزال محتفظاً بقلب يقظ ووجدان سليم، ذلك الإنسان الذي يعافر كي لا يستسلم لطوفان مضادّ من التصهين. 
أنت تعرف هذا الإنسان، ولعلك تذكر أنّه في الشهر الثالث من العدوان على غزّة، كنت قد اختفيت صوتاً وصورة لأسابيع روّج خلالها العدو وكارهو فكرة المقاومة أنّك لن تظهر مرّة أخرى، فخرجت عليهم في اليوم العاشر من ديسمبر/ كانون الأوّل 2023، لتتدفّق شلّالات من السعادة تغمر كلّ بيت عربي، تعبيراً عن شوق وقلق هائلين. 
اعتُبر وقتها أنّه لم يكن شوقاً لنجم جماهيري، بقدر ما هو ظمأ شديد لكلمات تُطمئن الناس على المقاومة وقدرتها على البقاء والصمود واجتراح مزيد من المعجزات القتالية والبطولات الشحيحة في هذه المرحلة القاحلة من تاريخ الأمّة.

الآن، يا صديقي، لم يعد أحد يتذكّر المقاومة، وإن تذكّرها لا يجرؤ على الجهر بالانحياز لها، وإن تجرّأ فإنّه في مرمى العقوبات الأميركية، أو متّهم من سكّان حظائر التصهين بأنّه ليس عربياً. 
هل تعلم يا حبيب الأمّة أنّ هناك من يحتفل بتجريد المقاومة من سلاحها باعتباره منتهى الحكمة وعين العقل؟ 
لقد صفّق بعضهم لبدء تولّي مجلس السلام حكم غزّة، برئاسة الداعم الأوّل والراعي الرئيس لجريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، دونالد ترامب، الذي بات المعيار السياسي والأخلاقي لكلّ قضايا الرسميين العرب، في دول الطوق، سورية ولبنان ومصر والأردن، وفي غير دول الطوق أيضاً. 
هو صاحب الحلّ والعقد، والملجأ الوحيد لأنظمة تستبدّ في التقارب مع الاحتلال بالقدر ذاته الذي تستأسد فيه على المقاومة، مشروعاً وفكرةً وقيمةً وطنيةً، ومعها طائفة الخبراء الاستراتيجيين الذين يتحدّثون عن فضل الرئيس ترامب، ويلعنون سادة المقاومة في جملة واحدة.
لقد كنت، يا صديقي، آخر حبّة في عقد شهداء المقاومة الكبار، ذلك أنّه بعد استشهاد إسماعيل هنيّة ويحيى السنوار وحسن نصر الله ومحمّد الضيف، لم يبقَ أحد سواك في مواجهة ماكينات الدعاية السامّة التي روّجت أنّ المقاومة انتهت بعد أن تلقّت ضربات قاضية، فقد كان ظهورك وحده يكفي لينفض عن الأنفس المتعبة غبار الإحباط وفقدان الأمل، لتتواصل تلك الحالة من التبنّي والاحتضان لما يمثّله صوتك، وكأنّ جماهير الأمّة كانت تحارب بقلوبها وألسنتها مع أبطال المقاومة على أرض غزّة، وتعتبرك، ليس فقط الناطق باسم المقاومة، بل رمز هذه الجماهير وزعيمها المُنتخَب انتخاباً حرّاً وأخلاقياً ووجودياً.

نعلم أنّ ملثّماً آخر يحمل اسمك الأحبّ "أبو عبيدة" قد حمل الراية بعدك، ونثق في أنّه على دربك، لكنّه جاء للأسف الشديد في زمن يكره المقاومة ويلعنها، ولا يتّسع فضاؤه الإعلامي لصوتها، ولذلك كلّه، وغيره، نحن نخجل من ذكراك، تماماً كما نخجل من "طوفان الأقصى"، كما فهمناه منك وكما شرحته لنا: 
معركة في طريق الحلم الأكبر والهدف الأسمى: معركة التحرير، والكفاح من أجل استعادة الأرض والتخلّص من احتلال هو الأكثر خسّةً وبشاعةً في التاريخ. 
كنّا بصوتك نملك اليقين بأنّ الطوفان ليس آخر المعارك، كما كان يهذي الكيان الصهيوني وهو يتحدّث عن أحلام اليوم التالي لتوقّف الحرب، ويسوّق لمرحلة ما بعد القضاء على المقاومة الفلسطينية، وما تُسمّى "ترتيبات" تفصيل السلطة الفلسطينية المسيطرة على قطاع غزّة، وفقاً لمقاسات الاحتلال وعلى هواه.
كنّا نرفض ذلك كلّه، لأنّ صوتك وحده يكفينا للتشبّث باليقين، غير أنّ الواقع يقول إنّ حكّامنا فوّضوا ترامب لكي يلبّي كلّ أحلام العدو في غزّة.

نحن سيّئون بما يكفي للخجل من ذكرى الشهيد.

الخميس، 27 أغسطس 2026

ترامب يعاقب القانون الدولي

 ترامب يعاقب القانون الدولي

وائل قنديل

سلسلة جرائم دونالد ترامب المُمتدّة من غزة وإيران إلى فنزويلا تكفي لأن يكون الأجدر بالملاحقة القضائية في كلّ الجهات المعنية بشأن العدالة في العالم، لكن المفارقة أنّ الرئيس الأميركي هو الذي يلاحق القانون الدولي، كما يطارد الشرعية الدولية في كلّ الاتجاهات، مُعلنًا أنّه وحده القانون والشرعية، ويضيف عليهما أنّه الأخلاق والحضارة.

في أحدث مطارداته العدالة الدولية استهدف ترامب رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، القاضية اليابانية توموكو أكاني، بفرض عقوبات عليها، شملت تجميد أي أصول لها ضمن الولاية القضائية الأميركية، ومنعها وأفراد عائلتها من دخول الولايات المتحدة، فضلاً عن تقييد وصولها إلى خدمات مالية أساسية.

وليست هذه السيدة اليابانية الحالة الأولى في لائحة ضحايا جنون العقوبات الأميركية، إذ إنها تقع في سياق الإجراءات الشاذة التي اتخذتها إدارة الرئيس ترامب، ضدّ مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، إذ طاولت هذه العقوبات تسعة من  18 قاضياً في المحكمة، ونائبي المدعي العام، والمدعي العام السابق، إضافة إلى موظف آخر في مكتب الادعاء. وكلّ هؤلاء متهمون بأنّهم يضايقون الكيان الصهيوني، ما يضعهم في فوهة بركان الغضب الأميركي عقاباً على التحقيقات الخاصة بملاحقة سياسيين وعسكريين إسرائيليين ضالعين في حرب الإبادة على قطاع غزّة، فضلاً عن تحقيقات خاصة بعسكريين أميركيين على خلفية الحرب في أفغانستان. 

هنا تصبح إسرائيل، وليس ترامب وحده، هي القانون وما يُخالفها هو الخروج عن القانون، ومن ثم استحقّ العقاب، والتهمة ينطق بها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بقوله عن المحكمة الجنائية الدولية إنها "محكمة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة بشكل قاتل"، وتسيء استخدام سلطتها وتتجاوز ولايتها.

الشاهد أنّ ترامب منذ اليوم الأول لظهوره يطبّق سياسة "أميركا فوق القانون وبالطبع فوق الجميع" وبالتالي تمتلك وحدها الحقّ في إعادة رسم خرائط العالم بما يحقّق مصلحتها، وهو ما ينعكس في استباحة حدود الدول وتوهّم سلطة مطلقة في اختيار حكام لدول الكوكب، وعزلهم وإزاحتهم واستبدالهم، والأخطر هو شرعنة أعمال القرصنة والنهب بزعم أنّ من شأن ذلك تحقيق سلام العالم على يد القيصر الساكن في البيت الأبيض.

التطبيق الأوضح لهذه الغطرسة الترامبية التي يتفوّق بها على نازية النازي نفسه كان في حرب الإبادة على غزّة، وقد كوفئ من النظام العربي على جرائمه بحقّ الشعب الفلسطيني بتنصيبه ملكاً على غزّة، يتولى أمورها وحده، من خلال مجلس سلام هو للتشكيل العصابي الدولي أقرب، كلّ وظيفته تأمين مناخ ملائم للكيان الصهيوني لكي يكمل سيطرته على القطاع عسكريًا وأمنيًا، وينتهي من نزع سلاحه من بندقية المقاوم حتى القلم والمسطرة في حديقة التلميذ الصغير، ويمارس عمليات القتل والقنص اليومية لكلّ من يشكّل خطرًا عليه ولو بعد عقدين من الزمان.

وتعبر هذه اللوثة الأميركية ضدّ القانون الدولي عن نفسها بأوضح ما يكون التعبير في كلّ مراحل العدوان الأميركي الإسرائيلي المُشترك ضدّ إيران من الاغتيالات لكل أركان النظام والتدمير والقصف بأسلحة مجرمة دوليًا وصولاً إلى الحصار الاقتصادي الشامل الذي يشبهه ترامب بالإنزال العسكري في الحرب العالمية الثانية (نورماندي) والمُذهل أنّ هناك عرباً ومسلمين يصفّقون لهذا الإنزال ويهتفون لصاحبه في استوديوهات التلفزة ويقسمون أيمانًا مغلظة على أنّه الحل الناجع لإسقاط إيران، في استسلام أو قل انسجام تام مع منطق الخروج على القانون الدولي واحتقاره، وهو ما فعله ترامب في العدوان على غزّة، ووجد تسليمًا كاملًا من العرب لسلطته على غزّة، والذي هو استسلام لبنيامين نتنياهو شخصيًا، مجرم الحرب بنص حكم المحكمة الجنائية الدولية الذي تضمّن مذكرة الاعتقال ضدّ نتنياهو وغالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ضدّ الشعب الفلسطيني في مايو/ أيار من العام 2025 وهو الحكم الذي ناضل من أجله لمدّة عام كامل حتى الموت المحامي الفرنسي جيل دوفير الذي قال بعد صدور الحكم: "الآن يمكنني أن أموت وأنا مرتاح" .

لم يكسر الحصار القضائي ضد نتنياهو والكيان الصهيوني أحد أكثر من العرب الذين استمرّوا في التعامل اقتصادياً وسياسياً مع حكومة مجرمي الحرب في وقت كان من المفترض أن يصبح الامتناع عن التعامل مع نتنياهو وكيانه ليس فقط موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا وقوميًا لازمًا، بل هو قبل ذلك التزام بقرار قانوني من أعلى محكمة دولية يقضي باعتقاله ومحاكمته، وهو القرار الذي استجابت له دول أوروبية مثل إيطاليا وبريطانيا وبلجيكا، وفرنسا قبل أن تتراجع في خضوع مذل للضغط الأميركي الإسرائيلي.

بالعودة إلى ملاحقات ترامب ونتنياهو لكلّ من يحترم قيم العدالة ونصوص القانون الدولي شملت العقوبات الأميركية فرانشيسكا ألبانيزي، المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي فرضت عليها عقوبات مُشدّدة لأنها تجرّأت وانتقدت الممارسات الإسرائيلية الإجرامية ضدّ الشعب الفلسطيني، ونشرت تقريرًا موثّقًا بالأدلة عن أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تنفّذها تل أبيب وتدعمها واشنطن، حيث اتهم التقرير أكثر من 60 شركة، من بينها شركات أميركية، بدعم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والعمليات العسكرية في غزة. وكما أعلن وزير خارجيته ماركو روبيو، فإنّ إدارج ألبانيز على قائمة العقوبات الأميركية جاء لأن عملها أدى إلى ما وصفه بملاحقات قضائية غير شرعية للإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

سورية: موعد لطيف مع الموساد

 سورية: موعد لطيف مع الموساد

وائل قنديل

التقى وزير خارجية سورية الجديد، أسعد الشيباني، مع رئيس الموساد الصهيوني في الأردن، فذهبت الإدارة الأميركية باتجاه الرفع الكامل "لسورية أحمد الشرع" من لائحة الإرهاب، وهنّأ وزير الخارجية المصري دمشق بهذه المكرمة الأميركية، وأعلن مظلوم عبدي قائد ما تسمّى قوات سوريا الديمقراطية حلّ المليشيا وتوديع العمل العسكري، لكن ذلك كلّه تزامن مع جولة وزير الحرب الصهيوني في عمق الأراضي السورية، ليعلن أنّ الاحتلال لن يتزحزح خطوة واحدة عن المناطق الجديدة التي استولى عليها في سورية.

إذا كنت ترى في اللقاء الدافئ بين وزير خارجية دولة عربية من دول المواجهة مع الاحتلال ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي عملًا جيّداً لا ينتمي إلى أردأ أنواع التطبيع، فإنّك من دون شك لن تجد رابطًا بين كلّ هذه الهدايا الأميركية وبين لقاء الأردن بين أسعد الشيباني، ممثّل أحمد الشرع، مع رئيس الموساد، والذي يندفع معلّقون سوريون كثيرون إلى تناوله باعتباره مُنجزاً جديداً من منجزات الإدارة الجديدة التي انتشلت سورية من حالة التردّي التي كانت عليها مع النظام البائد.

كما لن تجد غضاضة ولن تشعر بالإهانة وأنت تسمع رسالة وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى الشرع خلال زيارته التفقدية جنوب سورية 

"رسالتنا لرئيس سورية (أحمد الشرع) واضحة عندما تستيقظ في القصر بدمشق، وتنظر إلى جبل الشيخ وترى قواتنا فأنت تعلم أننا هنا من أجل الدفاع عن بلداتنا وحدودنا".

وأغلب الظن أنّك سوف ترغي وتزبد على الهواء مباشرة وأنت تحاول أن تقلّل من خطورة هذه الجولة وأثرها على سيادة سورية على أراضيها، وستقول مثل أحدهم وهو يردّ على سؤال مذيعة "التلفزيون العربي

" إنّها رسالة موجّهة إلى الناخب الإسرائيلي، وليست إلى الحكومة السورية، وأنّ ما قاله كاتس ليس سوى خطاب شعبوي لزوم معركة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وسوف تؤكّد، بكلّ اليقين، الذي لا يعلم أحد مصدره، أنّ هذه التصريحات من وزير الحرب الصهيوني مجرّد استفزازات شخصية، وليست قناعة حكومة الاحتلال، ثم تعلن بكلّ فخر أنّ "إسرائيل احتلت بضع مئات من الكيلومترات من أراضينا لكننا خرجنا من دائرة العقوبات الأميركية". 

تبدو صادمة هذه الحالة من التعايش بسعادة مع التطبيع لدى سياسيين ومثقفين من أكثر دولتين عربيتين كانتا عنواناً تاريخيًاً لجبهات رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، سورية ولبنان، مع اختلافاتٍ طفيفةٍ في أساليب التبرير ومنطلقاته، بين الاستناد إلى كون سورية الجديدة لا تزال وليدة وهشّة وغضّة، ومن الظلم أن نطالبها بأن تتبنّى مواقف قومية بمواجهة الاحتلال، وبين المنطق اللبناني الذي يكرّر من رأس الدولة إلى قاع التحليل الاستراتيجي التلفزيوني أنّه 

"ليس لنا إلا دونالد ترامب" يحرّرنا من الاحتلال الإسرائيلي، ومن الذين يقاومون الاحتلال الإسرائيلي أيضاً.

على أنّ القاسم المشترك هنا وهناك أنّ موضوع فلسطين لا يحضر إطلاقاً في الخطاب، بما يأخذنا مباشرة إلى طور مختلف من التطبيع، أو مفهوم جديد لقضية التطبيع، والتي كان معيارها طوال الوقت المسافة من القضية الفلسطينية بوصفها محور الصراع العربي الإسرائيلي، بل كان الذاهبون إلى التطبيع، حكومات أو أشخاصاً، يبرّرون مذهبهم بالبحث عن تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، بالحوار لا بالحرب، وهو الخيار الذي ثبت بطلانه وفساده نصف قرن من مسيرة السلام الزائف، ولا يحتاج جهداً كثيراً لإثبات فساده، فيكفي النظر إلى مساحة الكيان الصهيوني، ومساحة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة قبل نصف قرن ومقارنتها بالواقع الديموغرافي القائم الآن. من المهم كذلك النظر في أوزان الدول التي تعاطت مشروب السلام الأميركي حاليًاً، من حيث النمو الاقتصادي والتقدّم في مجالات التعليم والثقافة والفنون، تكفي نظرة سريعة على منتجات فن ما بعد التطبيع، ومنتجات ما قبله لتكتشف حجم الانهيار القومي الشامل.

مصر، صاحبة الريادة على طريق التطبيع، تنتظر عين الرضا والرحمة من الكيان الصهيوني، لكي تطمئن على مواردها من الطاقة، التي باتت رهينة الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، ولا تقوى على ردع العدو التاريخي حين يسيطر على المنفذ البرّي الوحيد الذي يربطها بفلسطين، وتظلّ ثلاث سنوات تشاهد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، فلا يصدر عنها سوى أنين بيانات شجب وإدانة مُرتعشة، ونداءات خجلى على دونالد ترامب، بل ووصل بها الحال إلى أن يقول عنها مبعوث ترامب "إذا خسرنا مصر فإنّ كلّ الإنجازات التي تحقّقت في التخلّص من حسن نصر الله ويحيى السنوار ستذهب أدراج الرياح. مصر نقطة ملتهبة، فكلّ ما تحقّق لنا في المنطقة، مثل التخلّص من السنوار ونصر الله وغيرهما، قد ينقلب رأساً على عقب لو خسرنا مصر".. هكذا تحدّث ستيف ويتكوف، مبعوث إدارة ترامب إلى الشرق الأوسط في مارس/ آذار من العام الماضي، وهو يحتفل باغتيال الشهيدين يحيى السنوار زعيم "حماس" الذي دخل التاريخ واحداً من الأبطال الأسطوريين في الكفاح والمقاومة، وحسن نصر الله زعيم حزب الله الذي يسميه العارفون بفضله وقيمته في الوطن العربي "سيد المقاومة"، وهو بالفعل أحد سادتها العظام.

رحم الله أيّاماً كان فيها التعريف الحقيقي للتطبيع يقول إنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يسوّق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحق.

الأحد، 23 أغسطس 2026

الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا

 الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا



وائل قنديل

يلخّص الحاخام الأكبر للكيان الصهيوني، ديفيد يوسف، قصّة الاحتلال كلّها في جملة واحدة، إذ يعلن صراحةً أنّ الفلسطينيين ليسوا شعباً، بل هم "الرعاع".

 ويقول بكلمات واضحة لا تقبل التأويل خلال جولة في القدس المحتلّة: 

"يزعمون أنّهم الشعب الفلسطيني، لكنّهم ليسوا شعباً. لم يكونوا يوماً شعباً، وليس لهم أيّ حقوق". ثمّ يفصّل: "غزّة هي أرض إسرائيل، غزّة لنا، ونابلس لنا، وجنين لنا، وكلّها لنا".
ليست هذه عقيدة الحاخامات أو صقور الصهيونية الدينية فقط، بل هي المحرّك الأوّل والوحيد للسياسة الإسرائيلية في فلسطين وفي الشرق الأوسط كلّه، إذ الجميع رعاع في عيني نتنياهو، وفي عيون معارضيه، وفي عيون اليسار واليمين والوسط، وإن تباينت أساليب التعبير عنها، من الوقاحة الصاخبة عند بن غفير وسموتريتش، إلى العنصرية الهادئة لدى الآخرين من الصهاينة الذين كانوا في السلطة ويخطّطون للرجوع إليها، فذلك ما قامت عليه إسرائيل، وهو أيضاً ما تعيش من أجله، وعليه، بوصفه دستورها الذي ينظّم كلّ شيء فيها.


الترجمة العملية لتصريحات الحاخام الأكبر تجدها في خطّة وزير المالية الصهيوني، الذي لا تغادر طاقية الحاخامات رأسه، سموتريتش، الذي أعلن في مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، أمس الثلاثاء، صياغةَ خطّة يعمل فيها بهدف جلب مليون مهاجر يهودي من أميركا الشمالية وأوروبا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، خلال عقد، وهي الخطّة التي عرضها على نتنياهو، مشيراً إلى سنّ تشريعات تسمح لمجتمعات يهودية كاملة في الخارج، في إطار ما أسماه "ثورة الاستيطان"، التي يقودها، للسيطرة على ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية.


على أنّ التجلّي الأوضح لهذه العقيدة، التي هي برنامج عمل لكلّ الحكومات الإسرائيلية، هو ما تراه من مشاهد يومية لطرد وإبعاد وقتل الإنسان الفلسطيني والسطو على أرضه وبيته وإنشاء بؤر استيطانية مكانها، في الضفّة الغربية، وما تعايشه يومياً منذ ثلاث سنوات في قطاع غزّة من إبادة جماعية وتطهير عرقي، وهي إجراءات وسياسات إسرائيلية ليست نتيجةً لـ"طوفان الأقصى"، بل هي السبب والمحرّك الأوّل لانتفاضة الفلسطينيين تمسّكاً بالأرض في مواجهة أوسع موجة من الإرهاب الاستيطاني، انطلقت مباشرةً مع وعد دونالد ترامب في نهاية فترة رئاسته الأولى بأنّ القدس المحتلّة هي العاصمة الأبدية للاحتلال، في طيّات ما عُرفت بـ"خطّة ترامب للسلام" أو "صفقة القرن"، التي أثارت موجاتٍ من الغضب الفلسطيني وقتها وفجّرت انتفاضة القدس.
لو أعدت قراءة ما طُرح وقتها تحت عنوان "خطّة ترامب للسلام" في ضوء وقائع العدوان الصهيوني الأوسع على غزّة منذ 7 أكتوبر (2023)، ستجدها تكاد تكون متطابقةً مع ما سُمّي "خطّة الجنرالات" التي نفّذها الاحتلال في شمال غزّة وجنوبها، وذلك في محاولة لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، يوسّع من حدود الاحتلال ويقلّص الوجود البشري الفلسطيني، في "شبه دولة" فلسطينية، وهي كما وردت في خيال دونالد ترامب، لا حدود مشتركة لها مع محيطها العربي، فلا شيء يربطها جغرافياً بمصر، إذ تتضمّن رؤيته أو ضلالاته إلغاء معبر رفح من الوجود، كما لا يبقى أيّ رابط جغرافي بين فلسطين والأردن، ولذلك كان طبيعياً أن يتلقّاها بنيامين نتنياهو في ذلك الوقت بفرحة طفل مدلّل منحوه لعبةً نادرةً، فاندفع يعلن أنّ "ترامب أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض، وأنّ خطّته التي تتضمّن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هي حدث تاريخي يشبه اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بدولة إسرائيل في 1948.
بالعودة إلى تصريحات الحاخام الأكبر وخطّة سموتريتش لجلب مليون يهودي في مقابل تهجير مليون فلسطيني، يمكن، من دون أيّ مبالغة، القول إنّ العامل الأكبر في انتقال مخطّطات الاحتلال إلى مرحلة العلانية والتحدّي هو الاحتضان الكامل من دونالد ترامب لأحلام الهيمنة الصهيونية، ثمّ يأتي بعد ذلك هذا الإيمان المطلق من النظام الرسمي العربي، بأنّ ترامب هو رجل السلام وصانعه ومانحه، على نحو ما ذهب إليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أحدث تصريحاته قبل يومَين، وهو يعلن حالة فقر مدقع في أدوات الحكومات العربية حيال فلسطين، إلى الحدّ الذي تقول فيه بوضوح إنّها لا تملك سوى مناشدة الراعي دونالد ترامب، رجل السلام، لكي يتدخّل للضغط على إسرائيل.
يكذب العرب الرسميون حين يعلنون أنّه لا حيلة لديهم سوى استعطاف ترامب. إذ يمكنك أن تحصي عشرين إجراءً رادعاً يمتلكه النظام العربي لردع الكيان الصهيوني، أبسطها وأسهلها أن تتوقّف الدولة العربية الأكبر عن رهن مستقبلها في الطاقة بيد الكيان الصهيوني حتّى منتصف القرن الحالي، مقابل خمسة وثلاثين مليار دولار تدفعها من لحم المصريين الحي لاستيراد الغاز الطبيعي المسروق من فلسطين المحتلّة.
يمتلك العرب أن يكونوا عرباً بالتعريف الجامع المانع للعروبة، وأن تكون مع الشقيق ضدّ عدوك وعدوه، وأن تفعّل خيار الكرامة حين تُهان ويُعتدى عليك، وتردّ الإهانة الصاع صاعين، أو على الأقلّ، تلوّح بحقّ الرد في الوقت المناسب، وألّا تكون منبطحاً طوال الوقت أمام حاخامات الاحتلال الذين يروننا رعاعاً لا أرض لنا، ثمّ يُستقبلون بحفاوة دافئة في عواصم العرب، كما استقبلت الإمارات الحاخام الأكبر لإسرائيل (يتسحاق يوسف) في ديسمبر/ كانون الأوّل 2020 في أول زيارة رسمية لبلد عربي، لافتتاح مؤسّسات يهودية ومعبد ومدرسة دينية، وكما حدث قبلها بعام واحد في 2019، حين فتحت المنامة ذراعيها لاستقبال الحاخام الأكبر للقدس وحاخام إسرائيل السابق شلومو موشي عمار في العاصمة البحرينية، بناء على دعوة رسمية من ملك البحرين، وكما صارت زيارات وفد من الحاخامات إلى مصر طقساً يكاد يكون سنوياً للجنرال عبد الفتّاح السيسي.
يمتلك العرب الكثير من الأسلحة وأوراق الضغط، لكنّها تبقى عديمة الفائدة إلّا حين يعرف الحاكم العربي كيف يكون ممثّلاً حقيقياً لشعبه العربي، كما يمثّل نتنياهو الشخصية الإسرائيلية على الوجه الحقيقي؟


وائل قنديل

24 اغسطس 2026

الأحد، 16 أغسطس 2026

رسائل إسرائيل إلى جوزاف عون

 رسائل إسرائيل إلى جوزاف عون

وائل قنديل


من فلسطين إلى لبنان، تسلك الإدارة الأميركية مسلك مَن يوزّع حصص الجغرافيا والديموغرافيا على الدول العربية، بالشروط والمواصفات المطلوبة لأمن الاحتلال الصهيوني، إذ يتطوّر مفهوم "المناطق التجريبية" المحدّدة أميركياً وإسرائيلياً إلى نوع من المكافآت والهبات التي تمنحها إدارة ترامب لمن ترضى عنها من الأنظمة، لتضعنا أمام معطياتٍ تقول، بكلّ وضوح، إنّ هذه الأنظمة تحت التدريب بمعرفة بنيامين نتنياهو شخصياً، بعد أن أعطته عملية التفاوض صكّاً يتيح له حرّية الحركة والتوسّع في الأراضي الواقعة تحت احتلاله.


هذه الوضعية الجديدة منحت رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني ميزة الذهاب إلى تنفيذ العمليات النوعية، باستهداف قائمة من الشخصيات والعائلات المرتبطة بمنهج المقاومة بالسلاح أو بالكلمة والقصيدة، على نحو ما فعلت آلة الإرهاب الصهيوني باغتيال الشاعرة والمترجمة زينب ناصر الدين، ومعها أبناؤها الأربعة، في غارات استهدفت مناطق وبيوتاً بعينها في جنوب لبنان، شملت اغتيال من وصفته إسرائيل بأنّه أحد القيادات في حزب الله.


ردّة الفعل اللبنانية الرسمية على الجريمة الصهيونية حملت لوعةً وهلعاً حقيقيَين، ليس على نزيف الدماء اللبنانية، وإنّما خشيةً على مستقبل الإطار الدافئ للمفاوضات المباشرة الذي تستمتع به الدولة اللبنانية ممثّلةً في رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، اللذَين صرخا في هتاف واحد: وا مفاوضتاه! 

فاعتبر الرئيس جوزاف عون أنّ هذه الانتهاكات الإسرائيلية تشكّل رسالةً سلبيةً واضحةً للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق اتفاق الإطار.
في الأثناء، لا تُعدم أصوات عربية تتكلّم في الداخل اللبناني أو تنوح على الفضائيات العربية، مندّدةً بحزب الله ومتهمةً إياه بارتكاب خروقات هو الآخر بتعريض أمن ضيوف لبنان الرسميّين، بموجب اتفاق الإطار ووعد المناطق التجريبية، للتهديدات، ما يستفزّ قوات الاحتلال الصهيوني ويجبرها على تنفيذ هذه العمليات.
كالعادة، تحضر الإدارة الأميركية عقب تنفيذ هذه الاعتداءات بين "أصدقاء الإطار"، فتشدّد، على لسان أحد مسؤوليها، على قدسية "عقيدة المناطق التجريبية"، تلك التي يتحكّم فيها بنيامين نتنياهو ويحدّد مواعيدها ومساحاتها، ثمّ لا يلتزم بها بالطبع، لتبدو القصّة كلّها وكأنّ فكرة المناطق التجريبية ليست إلّا ملاعب إسرائيلية يتولّى فيها الاحتلال تدريب الدولة اللبنانية على ممارسة السلطة، نظرياً، على مناطق صغيرة في جنوبها المحتلّ، بعد تحريره من هؤلاء الأشرار الذين لا يزالون يؤمنون بحقّ مقاومة الأعداء والغزاة.
لا تبدو الصورة في لبنان بعيدةً عن مثيلتها في فلسطين، إذ يبشّرنا الشاب الصهيوني المتعصّب جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبعوثه إلى المنطقة، بأنّ الإدارة الأميركية لقطاع غزّة قد تسمح لحركة حماس بالمشاركة في العملية السياسية الفلسطينية، شريطة أن تكون الخطوة الأولى في المشهد نزع السلاح بشكل كامل، قبل الحديث عن أيّ شيء آخر.

تزفّ وسائل الإعلام العربية نبأ تعطّف زوج ابنة ترامب، وموافقته على حضور شخصيات من "حماس" اجتماعه بثلاثي الوساطة (مصر وقطر وتركيا) في القاهرة، انتصاراً فلسطينيّاً، فيما يذهب بعضهم إلى أنّنا بصدد لحظة إذعان أميركي أمام الفلسطينيين. 
هكذا، مرّة واحدة، على الرغم من أنّ الشاب المخلص للكيان الصهيوني يتحدّث وكأنّه مندوب عن المالك الجديد لغزّة والمتصرّف في شؤونها، إذ يبدو كلامه عن الموافقة المشروطة بتسليم السلاح على حضور "حماس" في المشهد المقبل، وكأنّ "حماس" قد توجد سياسياً في مستقبل غزّة في ضيافة ترامب شخصياً.

يحدث هذا كلّه بينما تمضي عمليات زرع المستوطنات الجديدة في لحم الأرض الفلسطينية في مناطق الضفّة الغربية بوتيرة أسرع، وفي تناغم كامل بين قوات جيش الاحتلال ومليشيات المستوطنين، في مشاهد لا تختلف أبداً عن بدايات إنشاء الكيان على أنقاض فلسطين قبل نكبة 1948. 
ربّما كان الاختلاف الوحيد أنّه قبل 80 عاماً كان مسموحاً بالمقاومة، بل إنّ العرب اجتمعوا في 1948 على قرار واحد بتشكيل مجموعات قتالية ضدّ الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين، فيما عُرف بالنكبة. 
أمّا الآن، وبعد ما يقرب من ثمانية عقود، وكما علّق أحد الساخرين، يبدو العرب أقرب إلى تشكيل قوّة موحَّدة للقتال ضدّ رافعي شعار المقاومة للاستعمار الصهيوني، وضدّ كلّ من يعكّر العلاقة بينهم وبين الإدارة الأميركية وشريكها الصهيوني.

الخميس، 13 أغسطس 2026

مصر الساحل والمسحول

 مصر الساحل والمسحول



مثّل الرابع عشر من أغسطس/ آب تاريخاً يطارد المصريين في كل عام، الجناة قبل الضحايا، فيكتشف الجميع أن بقعة الدم لم تجف بعد، على الرغم من كل ما طرأ على مسرح المذبحة من تغييرات جذرية طالت اسم المكان ومعالمه الجغرافية. في مثل هذا اليوم من العام 2013 جرت الدماء أنهاراً في ميدان رابعة العدوية الشهير في شرق القاهرة، حين تحرّكت الآليات الحربية لتكتب نهاية دامية لصراع سياسي، كان بالإمكان أن يبقى سياسيّاً، غير أنه كان هناك من يريد شطب السياسة وإقصاء الجماهير من معادلات السلطة في بلدٍ لم يهنأ سوى أشهر معدودات بحصاد ثورةٍ شعبيةٍ بيضاء وقف العالم كله إجلالاً ، رفعت شعارات الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية.

مضت 13 عاماً على مقتلة حصدت آلاف الأرواح وصنعت من أجساد أصحابها طريقاً للعودة إلى حالة سلطة الفرد الواحد الباطش الذي أسبغ على نفسه صفات الفلاسفة والعباقرة والأبطال الأسطوريين، لتبدأ منذ ذلك اليوم مرحلة تصنيع المجتمع الوغد الذي يرقص بعضُه فوق جثث بعضه الآخر على موسيقى الوعود بالنماء والرخاء القادمين. 
كانت ذكرى هذا اليوم تصيب مرتكبي المذبحة بالفزع، إذ كان ضميرُ عالميٌّ لا يزال هناك قادراً على أن يرفع صوته ويشير بإصبعه على الجناة، ويسمّي الجريمة بالجريمة ويصف المذبحة بالمذبحة، ويجد من بعض الحكومات التي تدّعي اهتماماً بحقوق الإنسان وتبدي انشغالاً بالديمقراطية، بعض الانشغال بقضيةٍ عادلةٍ تؤرق العالم المتحضر، غير أن الذي حدث أن ذلك التسابق على ادّعاء الوصل بقضية الإنسان سرعان ما هدأ ثم انكمش ثم تبخّر مع سيادة منطق الربح على منطق العدل، ومعايير الصفقة على قيم الإنسانية، فسكت الكلام شيئاً فشيئاً عن الضحايا والجناة، بل ودخلنا مرحلة الاستثمار في مصائر من بقي على قيد الحياة من هؤلاء الضحايا، في بورصة التسليم والترحيل والإبعاد.

لم يعد الذين صنعوا المذبحة بحاجةٍ إلى محاولة الدفاع عن أنفسهم بنفي وقوع الجريمة أساساً، فانتقلوا من الدفاع إلى الهجوم، من خلال حملات مكثفة تتحدّث عن الجريمة باعتبارها إنجازاً حضاريّاً وعملاً ثوريّاً ووطنيّاً، فتتحول المجزرة إلى مفخرة، إلي الحد الذي صار فيه المتهمون بارتكابها يستخدمونها في الدعاية السياسية والانتخابية للزعيم الذي يريد أن يبقى في الحكم مدى الحياة ويهتف له جمهوره"معاك ليوم الدين".

مثيرُ للدهشة أن هذا التحول في تناول الرابع عشر من أغسطس/ آب جاء بعد مجازر العدو الصهيوني في قطاع غزّة، التي أخذت شكل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني بدءاً من العام 2023، حيث سمعتا كلاماً أقرب إلى الجنون يتردّد على ألسنةٍ احترفت لعق نعال الاستبداد، ليقول أحدهم عبر شاشة التلفزيون 
"الدولة لا تحتاج للترويج لمشروعات وهمية، وإنما تحقق الإنجازات على أرض الواقع والرئيس السيسي لا يحتاج للقطة، ويكفيه وقفة 3 يوليو و14 أغسطس من تطهير ميداني رابعة والنهضة من الإرهاب، ليظل زعيماً بهما".

مع التوسع أفقيّاً ورأسيّاً في عملية حرق التواريخ الموثقة ومحاولة تكريس رواياتٍ يشوبها الجنون في سرد ما حدث، ذهب آخر أبعد من ذلك، ليعلن أن اعتصام رافضي الانقلاب العسكري في ميدان رابعة العدوية كان بناءً على أوامر الغرب، حيث طلب من الإخوان المسلمين إنشاء دولةٍ جديدةٍ في أي مكان في رابعة أو سيناء، على أن يكون لهذه الدولة مقوّمات.

كان الذين سفكوا كل هذا الدم، والذين صفّقوا للمقتلة ونظّروا لها، يردّدون أنها كانت ضرورة لبناء الدولة القوية التي تبهر الكون بعظمتها، وها هم بعد 13 عاماً كاملة يتعثرون في ديون وفوائد ديون تنوء بحملها الجبال، ويتحوّلون من وضعية اللاعب الرئيس في كل قضايا المنطقة إلى وضعية الأدوار الهامشية الواعدة، ثم يحمّلون ضحاياهم المسؤولية عن هذا التردّي الذي قسّم المجتمع إلى نصفين: 
ساحل ومسحول، الساحل حيث طبقة الثراء الفاحش المسعور، والمسحول هو القطاع الأعظم من شعبٍ لا يقوى على الهتاف أو حتى الأنين، فقط يتفرّج علي "موائد الترند" التي تحفل كل يوم بأطباق جديدة تقول للمواطن المصري إن مجتمعك، بما فيه من جرائم يومية، هو العقبة في طريق النظام الذي لا يخطئ أبداً.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

الحصاد المرّ لوصاية ترامب على غزّة

 الحصاد المرّ لوصاية ترامب على غزّة



وائل قنديل


انتهت بهرجة التسويق الدعائي لسلام دونالد ترامب وتكشّفت الحقائق، وأوّلها أنّ ما أُطلق عليه "مجلس السلام المكلّف بحكم غزّة" ليس إلا ذراعاً أمنيةً صهيونيةً، تأتمر بما يقرّره بنيامين نتنياهو وتعمل على تنفيذه، كما أنّ كلّ ما وعدوا به الجانب الفلسطيني تبخّر وبان أنّه لم يكن سوى فخّ نصبته الإدارة الصهيونية في البيت الأبيض، كما أنّ القصّة كلّها، منذ قرّر العرب إرجاع الأمر كلّه إلى الرئيس الأميركي، كانت تدور حول هدفَين لا ثالث لهما، وقد تحقّقا. 

الأول: حصول الكيان الصهيوني من طريق السلام الكاذب على ما تبقّى من أسرى له لدى المقاومة الفلسطينية، الأحياء منهم والأموات. 

الهدف الثاني، والأكبر والأهم، إعلان فصائل المقاومة تسليم الأسلحة أو تخزينها أو تعطيلها، كما يفضّل المخدوعون توصيف الموقف، وهو ما حدث بالفعل قبل ثلاثة أيّام في لحظة تسيطر فيها قوات الاحتلال الصهيوني على نحو 70% من أرض غزّة.


تلك هي الحقائق على الأرض، وتلك هي نتائج النضال العربي الرسمي من أجل تسليم غزّة إلى الرئيس الأميركي ليتصرّف فيها تصرّف المالك والحاكم، وهي الحقائق المؤسفة التي لا يكفي للتقليل من قتامتها بيان مائع وفضفاض صادر عن الوسطاء الضامنين للاتفاق الذي منح إسرائيل كلّ شيء، ولم يعطِ الفلسطينيين شيئاً واحداً، حتّى إن كان في سطور البيان أنين غضب وشعور بالإحباط مع عودة المذابح الصهيونية إلى معدّلاتها وقت العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركياً على الشعب الفلسطيني.
من المهم، بل من الواجب، أن يراجع الوسطاء نصوص ما وافقوا عليه وفوّضوا به دونالد ترامب لكي يتولّى الأمر كلّه، ليتبيّنوا ماذا فعلت الوساطة بوصفها جزءاً من الإدارة الأميركية للملفّ الفلسطيني، ويسألوا أنفسهم: 

هل لا يملك العرب والمسلمون شيئاً ليقدّموه للقضية الفلسطينية سوى تنفيذ مخطّطات ترامب وخرائط طريقه المفروشة بالانحياز المتعصّب للكيان الصهيوني؟
هل يكفي بيان للتنديد تعبيراً عن الإحباط من عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي بنود خطّة سلام ترامب وعودة عمليات القتل والاغتيالات لأهل غزّة؟... 

مؤسف أنّ لغة البيان ومضمونه لا يختلفان كثيراً عن بيانات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ لا شيء سوى الأسى والتنديد ومناشدة من يهمّه الأمر التدخّل لوقف انتهاكات إسرائيل، بينما كان مُصدِّرو البيان هم العنصر الضامن والفاعل والضاغط الذي أقنع الطرف الفلسطيني بتجرّع سموم خطط ترامب، التي تعاطى معها الوسطاء كأنّها نصوص قانونية مقدّسة، إن في شرم الشيخ، أو قبل ذلك فيما عرف باسم "المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حلّ الدولتَين" (نيويورك، 22 سبتمبر/أيلول  2025).
 من الواجب العودة إلى النصوص والتمعّن فيها من أجل تقييم حقيقي للمسار البائس، من أوّله إلى لحظته الراهنة، وهو المسار الذي بدأ بمساواة الشقيق بالعدو وفق رؤية ترامب: 

"نحن الموقّعون أدناه، نُدرك أنّ السلام الدائم هو السلام الذي ينعم فيه الفلسطينيون والإسرائيليون بالازدهار، مع حماية حقوقهم الإنسانية الأساسية، وضمان أمنهم، وصون  كرامتهم".                                        

هذا اقتباس ممّا سمّي "إعلان ترامب من أجل السلام والازدهار الدائم"، الصادر عمّا تسمّى "قمّة شرم الشيخ للسلام" التي انعقدت في 13 أكتوبر/تشرين الأوّل 2025، ونتجت عنها ما سمّيت "خطّة السلام الشاملة" أو "خريطة الطريق"، متضمّنةً عشرين بنداً شكّلت وقتها إعلاناً لوقف القتال في غزّة والدخول فوراً إلى السلام الأميركي. 

أمّا الموقّعون على إعلان ازدهار ترامب فهم: 

دونالد ج. ترامب – رئيس الولايات المتحدة الأميركية، عبد الفتاح السيسي – رئيس جمهورية مصر العربية، تميم بن حمد آل ثاني – أمير دولة قطر، رجب طيّب أردوغان – رئيس جمهورية تركيا، بحسب النصّ المنشور.
البند الأول من خريطة طريق ترامب نصّ على أن "تكون غزّة منطقةً خاليةً من التطرّف والإرهاب ولا تشكّل تهديداً لجيرانها"، وغني عن التوضيح أنّ الترجمة الحرفية للتطرّف والإرهاب بحسب قاموس دونالد ترامب وفريقه هي المقاومة للاحتلال، أمّا البندان الثاني والثالث فنصّا على "يُعاد إعمار غزّة لمصلحة سكّانها الذين عانوا كثيراً"، ثمّ ثالثاً "إذا وافق الطرفان على هذا المقترح، تنتهي الحرب فوراً. تنسحب القوات الإسرائيلية إلى الخطّ المتّفق عليه للتحضير لإطلاق سراح الرهائن. 

في غضون ذلك، تُعلَّق كلّ العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، وتبقى خطوط القتال مجمّدةً إلى أن يتم استيفاء الشروط للانسحاب الكامل على مراحل". لنصل إلى بيت القصيد في الموضوع كلّه مع البند الرابع: "في غضون 72 ساعة من قبول إسرائيل العلني بهذا الاتفاق، يتم تسليم جميع الرهائن، أحياءً كانوا أم أمواتاً".
تلك كانت المقدّمات المنطقية لما يعلنه الصهيوني صراحةً ووقاحةً بعد إعلان مرحلة تسليم المقاومة سلاحها، إذ أطلّ الهدف الرئيس الثالث وهو مسألة تهجير أهل غزّة، إذ أُعلن أوّل أمس أنّ "مجلس السلام" الذي أنشأه دونالد ترامب قد وجّه طلباً رسمياً لإسرائيل لإعداد خطة واسعة النطاق لإجلاء فئات محدّدة من سكّان قطاع غزّة، وهو ما يعني تدشيناً فعلياً لمخطّط التهجير الطوعي،  بديلاً مهذّباً لجريمة التهجير الجماعي، حيث التزم مجلس السلام بالعمل على إيجاد دولٍ حول العالم تكون مستعدّةً لاستقبال الطلّاب والمرضى وتوفير الترتيبات اللازمة لاستقرارهم في تلك الدول.
هذا هو حصاد ما زرعه العرب بأيديهم منذ أن وقّعوا اتفاقات وإعلانات ترامب التى بُنيت على أنّ الصهيوني الميّت أغلى من الفلسطيني الحيّ. 

الاثنين، 13 يوليو 2026

وقد يُصنع تاريخ عظيم من لحظتَيْن فقط

 وقد يُصنع  تاريخ عظيم من لحظتَيْن فقط



وائل قنديل


رأيت قطر المرّة الأولى في أثناء توقّفي بها عبوراً 24 ساعة، في طريق العودة من أقصى شرق آسيا. كانت تبدو مثل صبيّة بدوية، لا هي طفلة ولا هي فتاة كبيرة، تبتسم للعابرين بطيبة وعذوبة، فتظنّ أنّها منبهرة بالضيوف الغرباء، حتّى تكتشف فيما بعد أنّها تمتلك من التعليم، ومن القدرة على الإبداع والتفوّق، ما يجعلك تشعر بالخجل من خيلاء التنميط والحكم على الأماكن البشرية.

كان هذا في فترة ازدهار "الربيع العربي" بعد 2011، إذ بدت الدوحة صغيرةً وهادئةً لا تعرف الصخب، على الرغم من أنّها كانت قد استيقظت قبل بضعة أشهر فقط، وتحديداً في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2010، على نبأ عظيم، إذ اختيرت لتنظيم كأس العالم لكرة القدم في العام 2022، غير أنّها لم تكن قد تحوّلت إلى ورشة عمل هائلة بعد.

لو قارنت بين صورتي قطر في 2011 وفي 2022 لأدركت أنّك بصدد ما يشبه المعجزة الحضارية، وكأنّ لحظة إعلان الفوز بتنظيم المونديال لم تكن فقط انتصاراً رياضياً، بل أظنّها كانت لحظة اتخاذ قرار بتغيير وجه الحياة في هذه المساحة الصغيرة من الأرض لكي تنطلق نحو صناعة دولة كبيرة.

وتلك هي قيمة الراحل الكبير الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إذ اختار الذهاب إلى نهضة شاملة في جوانب الحياة كلّها من بوابة كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى في العالم، ليكون مشروع تنظيم المونديال الأوّل في تاريخ الوطن العربي بمثابة إشارة ميلاد ربيع قطري يحمل ثورةً عمرانيةً واجتماعيةً واقتصاديةً شاملةً. 
تلك كانت اللحظة العظيمة الثانية في صناعة تاريخ عظيم لرجل عظيم.
أمّا اللحظة العظيمة الأولى في تاريخ الرجل، فقد كانت قبل الثانية بـ14 عاماً، حين كان إطلاق قناة الجزيرة، في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1996، أشبه بثورة إعلامية وفكرية، أحدث دوائر هائلة من التغيير في الوعي العربي العام، وحفرت مجرى جديداً عالمياً لصناعة البثّ التلفزيوني في الوطن العربي، إذ صار المواطن العربي يمتلك للمرّة الأولى محطّةً إخباريةً موثوقةً تنافس وتتفوّق، منذ البدايات، في سباق التغطيات الذي كان حكراً على محطّات أوروبية موجّهة إلى العالم العربي.

قد يكون لديك ملاحظات وانتقادات لأداء قناة الجزيرة، الآن وقبل الآن، غير أنّها، وللموضوعية والإنصاف، كانت ثورةً إعلاميةً هزّت مفهوم إعلام الدولة التقليدي في الدول العربية، ونسفت منطق الوصاية على وعي المتلقّي، والهيمنة عليه بإعلام التوجيه والإرشاد السائد في التلفزة الرسمية، وأوجدت ذائقةً جديدةً ومختلفةً لدي المشاهد، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في بنية الإعلام العربي، فاندفعت حكومات إلى محاولة استنساخ ومحاكاة تجربة الجزيرة، بيد أنّها لم تفلح في الاقتراب منها، لسبب بسيط للغاية هو أنّ هذه القنوات انطلقت بهدف استرجاع المشاهد العربي من البراح المعلوماتي الذي أتاحه له ربيع قناة الجزيرة، فيما كانت هي قد أخذت سبق الانطلاق بقصد تحرير هذه القارئ من زنزانة التلقين والإرشاد والتوجيه التقليدية.

لولا تلك اللحظة التاريخية الهائلة في العام الأول لتولّي الراحل الكبير الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، لما كانت اللحظة التاريخية الثانية بفوز الملفّ القطري المنافس في نهاية العام 2010 على تنظيم كأس العالم 2022 في قطر الجديدة التي تحدّت الجغرافيا والتاريخ، مستخدمةً رافعة المونديال لإنجاز نهضتها الشاملة.
كان مشروع قناة الجزيرة بداية ثورة على السائد والمتكلّس في التعليم والإعلام والثقافة، فيما كان تحدّي كأس العالم ثورةً أخرى على الرضوخ لمحدودية الجغرافيا، إذ تعاظمت قدرات الدولة من دون أن تخاصم ما سبق وتعتبره كأن لم يكن، فلم تبحث عن عاصمة جديدة تعلن من خلالها قطيعتها مع القديمة، بل جدّدت الدوحة شبابها العمراني والاقتصادي والاجتماعي من دون أن تغيّر مكانها.
ومع تحوّل حلم تنظيم المونديال إلى مشروع قومي يستهدف نهضةً حضاريةً شاملةً وشابّةً، كان قرار إسناد الأمر إلى قيادة جديدة شابّة تشبّعت بالحلم وعرفت مفاتيح تحقيقه، فكان قرار الرجل الحكيم بنقل السلطة إلى الجيل الشاب، جيل الحلم العفي، في خطوة استثنائية نادرة في تاريخ الدول غير الجمهورية.
ولذلك كلّه، وغيره كثير، يمكن القول إنّه لو لم ينجز فقيد قطر الكبير، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، سوى عالمية الإعلام العربي (الجزيرة) وتعريب كأس العالم (مونديال 2022)، لكفاه حتّى يدخل التاريخ ولا يخرج منه، واحداً من الزعماء الكبار في تاريخ الوطن العربي.






الجمعة، 10 يوليو 2026

وهم طلاق ترامب من نتنياهو

 وهم طلاق ترامب من نتنياهو

وائل قنديل


الإلحاح الشديد من معلقين عرب على تكرار أوهام الطلاق السياسي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتانياهو، أكثر الأشياء مدعاة للدهشة والسخرية، بعد الوهم الأكبر الخاص بترديد ثنائية الصهيوني الطيب والصهيوني الشرير.

مثل النار في حطب الكلام المجفف، انطلقت رواية الطلاق بين ترامب ونتنياهو في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية في سويسرا، فيما ذهب بعضهم إلى الصراخ بيقين إننا بصدد لحظة مفصلية في التاريخ، قرّر فيها الأميركي أن يدير ظهره للصهيوني، ويفتح ذراعيه لعناق تاريخي مع طهران، ينقذ المصالح الأميركية من نزق وجشع حكومة الاحتلال اليمينية المتطرّفة، بل وصل الأمر ببعضهم الآخر حد التغزّل في ترامب الجديد كليّاً، الذي لا يحب الحروب ويريد السلام.

هذه الحالة من الإفراط في خداع الجمهور، وربما خداع الذات، انهارت مع استعادة دونالد ترامب وجهه الحقيقي، وقبل ذلك استعادة حالة التوأمة بين المشروعين الإسرائيلي والأميركي، استباقاً للحظة العناق المنتظر في البيت الأبيض، حين يحل نتنياهو ضيفًا على رجاله المنزرعين في ردهات الإدارة الأميركية. 

وكالعادة، وكما هو متوقع، عاد الأميركي يلعق توقيعه على المذكرات والاتفاقيات ذات الصلة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ويرجع إلى أصله وشخصيته الحقيقية وأسلوبه الأثير في الحوار، عن طريق الطائرات المقاتلة والصواريخ.

يبرّر ترامب ضرباته على المدن الإيرانية طوال اليومين الماضيين بمخالفة طهران ما اتفق عليه بشأن الحركة في مضيق هرمز، غير أنه بالنظر إلى ما جرى، ما قام به الإيرانيون، من وجهة نظرهم هو الردّ على خرق نص المادة الخامسة من مذكّرة سويسرا. هل هو هرمز الذي أطار عقل ترامب المستعار ودفعه إلى ضرب إيران بأكثر من 20  ضعفاً مما جرى في هرمز؟

الشاهد أن مبعث عودة جنون ترامب صدمة مشاهد تشييع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامئني الذي اغتالته الدفعة الأولى من ضربات العدوان الأميركي الصهيوني، إذ اكتشف دونالد ترامب أن الشعب الإيراني كله خرج يبكي استشهاد مرشده، ويرفع الأعلام الحمراء ويتوعد بالثأر من المعتدين ويعلن كراهيته أميركا وإسرائيل. هنا وجد ترامب نفسه عارياً أمام مرآة أكاذيبه وأوهامه الخاصة بأن الإيرانيين كانوا ينتظرون ضربته الأولى، لكي يثوروا على النظام ويسقطوه ويستعيدون الشاه المجهز في ورش واشنطن.

كان المشهد كفيلاً بإصابة ترامب بلوثة القوة الباطشة من جديد، ليعاود إجرامه الذي يتغنّى به كلما نفذ واحدة من جرائمه، فيقصف الجسور وخطوط السكك الحديدية والمرافق العامة، كأن المقصود بالعقاب هذه المرّة هو الشعب وليس النظام. هذا الشعب الذي لا يزال في أميركا الشيطان الأكبر ويحتشد خلف قواته التي تتحدّى الغطرسة. على بعد أيام من زيارة نتنياهو المرتقبة البيت الأبيض، أطلع ترامب نتنياهو على آخر مستجدّات التحرّكات الأميركية في الخليج، والضربات الأخيرة على إيران. وقبل هذا، شدّد ترامب على قوة الروابط بينه وبين الصهيوني، وهذه هي العلاقة الطبيعية الحقيقية بينهما، وكما كان الحال في الحرب على غزة، والحربين على إيران، تبقى كل الشواهد تؤكّد أن دونالد ترامب ليس إلا النسخة الأكثر فظاظة ووقاحة من بنيامين نتنياهو، وأن إدارته أكثر توحشاً وشراسة في تحقيق أحلام المشروع الصهيوني.

مرّة أخرى، لن تجد أصدق تعبيراً عن هذا الأمر من كلام المذيع الصهيوني المحافظ واين آلن روت "الرئيس ترامب هو أفضل رئيس بالنسبة لليهود ولإسرائيل في تاريخ البشرية (...) واليهود في إسرائيل يعشقونه كما لو كان ملك إسرائيل". وينبغي ألا ننسى أن قضية الولاء الكامل والدعم المطلق للكيان الصهيوني كانت محور حملة ترامب الانتخابية بمواجهة الديمقراطيين، وستبقى كذلك.

الاثنين، 6 يوليو 2026

غزّة: ألف يوم... ألف عار

غزّة: ألف يوم... ألف عار

وائل قنديل

 هي ليست ألف يوم مرّت على عذاب، أو بالأحرى تعذيب غزّة، على يد عدو هو أسوأ ما عرفه تاريخ البشرية من وضاعة الإجرام وحقارة الهمجية، بل أيضاً ألف عار يلحق بأشقاء وإخوة غزّة وفلسطين أولاً، ثم المجتمع الإنساني الذي يُشارك في جريمة إبادة شعب كامل، بالإسنادين، العسكري والاقتصادي، وبالفرجة العاجزة وبالصمت المُتواطئ.

ألف عار يطاول الأشقاء بالعروبة والإخوة في الدين، والقيم الإنسانية حين يُترك شعب كامل في العراء، بلا ماء أو غذاء أو مسكن، تحت رحمة احتلال بلغ من الوقاحة والجبروت أنّه يستنكر أن يُسميه أحد احتلالًا ويذكر دولة اسمها فلسطين ويتذكّر شعبها بوصفه وجودًا إنسانيًا، غير أنّ العار الأكبر يظل لصيقًا بأولئك الأشقاء الذين رضخوا لمنطق الحصار، وتحوّلوا من دول طوق تحاصر الكيان الصهيوني من الجهات الأربع إلى طوق مُشارك في إحكام الحصار المفروض على مليوني فلسطيني ليست لديهم سوى نافذة وحيدة على العالم تركها الأشقاء لسيطرة الاحتلال.

الحصار على غزّة لا يتضمّن فقط حرمانها من الحصول على ما يكفي للغذاء والدواء والمياه وإعادة الإعمار، بل يشمل الحصار الأشدّ وهو حصار الضغط السياسي عبر وساطات هي جزء من ضغوط الإدارة الأميركية، صهيونية الهوى والهوية، حتى تسلّم غزّة سلاحها وتتبرّأ من مقاومتها، وتصبح محض معسكرات اعتقالٍ لمن بقي فيها من الشعب الفلسطيني، تحت حكم الكيان الصهيوني الذي شرع الآن في بناء مستوطنات جديدة في القطاع الذي سيطر على أكثر من ثلثي مساحته.

 حدث هذا كله بعد أن قرّر أشقاء غزّة تسليمها إلى دونالد ترامب عن طريق أكذوبة "مجلس السلام" الذي يقوده الرئيس الأميركي الذي عيّن نفسه حاكماً على غزّة ومتصرّفاً وحيداً بشؤونها، يعاونه في هذه العملية حكّام وسياسيون عرب ومسلمون، يستخدمهم فزاعات وعناصر ضغط على غزّة حتى تقبل بما يلقيه الاحتلال لها.

 فور الإعلان عن "مجلس السلام" بان أنّ المهمة الوحيدة تجريد غزّة من سلاحها، تلك المهمّة التي تولاها ترامب ومعه بعض العرب، كما أعلن هو بلسانه حين هدّد "حماس" وفصائل المقاومة بالقول "إن لم تنزع سلاحها: سيكون الأمر سيئا جدا جدا بالنسبة لهم"، ثم أضاف: "الدول التي كانت معهم أرادت إبرام الاتفاق ووافقت على أن ينزعوا سلاحهم، والآن إذا قالوا إنهم لن ينزعوا سلاحهم فإن تلك الدول نفسها ستذهب وتقضي عليهم، هناك 59 دولة تريد القضاء على حماس".

بعدها مباشرة، وبكلمات واضحة لا تقبل التأويل، ولا تحتمل رقاعة الاختباء وراء حجج الانتزاع من السياق أو الفهم الخاطئ، أعلن الكيان الصهيوني على لسان وزير الحرب يسرائيل كاتس، ما يلي: "لن ننسحب مطلقا من غزة، وسنقيم بؤرًا استيطانية شمال القطاع مكان المجتمعات التي نزحت عندما يحين الوقت المناسب.. نحن في مرحلة تطبيق السيادة عمليّاً". 

ثم أعقبه رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بالقول إنّ الخط الأصفر يعتبر حدوداً أمنية جديدة لإسرائيل.

باختصار، خلال ألف يوم خذل العرب غزّة عندما حاولت أن تتحرّر، ثم خذلوها عندما تحوّلوا إلى أوراق ضغط عليها بيد دونالد ترامب، ثم كان الخذلان الأكبر حين صارت بالنسبة لهم مجرّد نقطةٍ على خريطة الوجع الإنساني، اعتادوا بقاءها على هذا النحو من دون أن يكلّفوا أنفسهم مشقة الامتناع عن التطبيع الاقتصادي والسياسي مع عدو كان وما زال بالنسبة لشعوبهم يسمّى العدو التاريخي والوحيد.

مرّة أخرى، مؤسفٌ أن تنتقل مسألة تحرير فلسطين من الاحتلال، ومن كونها قضية الأمة العربية، مجتمعة، حيث تعتبر كلّ دولة عربية نفسها طرفاً أصيلاً في الصراع مع "العدو"، إلى قضية جانبية أقصى ما يمكن أن يقدّمه العرب لها التعاطف أو الوساطة.  ... 

غير أن الأسوأ من ذلك كله بلادة الاعتياد عند الجمهور العربي الذي بات مُتصالحاً مُستريحاً مع فكرة أنّه لا قدرة لديه على الضغط على حكوماته، المُتصالحة المستريحة هي الأخرى مع فكرة أنّها أصغر وأقلّ وأضعف من أن تقف في وجه الاحتلال، أو حتى تقاطعه. 


   03 يوليو 2026    وائل قنديل

الأحد، 5 يوليو 2026

مصر الهاربة إلى"الأوبتاجون"

مصر الهاربة إلى"الأوبتاجون"

وائل قنديل

حزمة من رسائل الرعب حملتها احتفالية الإعلان عن هجرة الدولة المصرية من شعبها وعاصمتها التاريخية إلى مكان آخر، بعيد ومنعزل وغريب في المبنى والمعنى يسمّى"الأوكتاغون"، تقليداً ومحاكاة عمياء لمبنى"البنتاغون" الأميركي، على الرغم من الفروق الهائلة في المنطلقات والوظائف. 

بحسب منطوق الجنرال المرصّع بأوزان ضخمة من النياشين والرتب أول من أمس فإن مشروع "الأوبتاغون" المصري يتجاوز فكرة مقرٍّ جديدٍ للهيئات العسكرية بعيداً عن الجماهير، إلى إقامة سور عازل بين الدولة كلها وهذه الجماهير، بدافع الخوف من غضبٍ محتمل، يسكن مثل كابوس مقيم في عقل الحاكم الذي يطلّ بكامل زينته العسكرية، معلناً: هذه الدولة عسكرية، ولن تكون غير ذلك.

ثمة مفارقة في التعبير عن القطيعة مع الجماهير بالانعزال في عاصمة بعيدة، في اللحظة التي يتم فيها حشد هذه الجماهير وتعبئتها سياسيّاً وإعلاميّاً خلف فريق الكرة الذي يلعب في كأس العالم، واستثمار هذه الهستيريا، مثل العادة، في تصنيف الجماهير إلى أخيار وأشرار، وطنيين وخونة، تبعًا للموقف من القائد الأعلى للفريق، الذي يتحوّل في هذه اللحظة المجنونة إلى"الوطن" أو"الوثن". 

من يختلف معه ويعارضه خائن وكافر بوطنه، تماماً مثل قسمة الشعب إلى طيبين وأشرار، ينبغي تخبئة الدولة منهم في قلعة محصّنة ذات أسوار وبروج لا يصل إليها بشر.

يقول الجنرال السيسي أمام الكل:"اسمحوا لي أقول لكم ليه القيادة الاستراتيجية موجودة في العاصمة الجديدة. لأن في يوم من الأيام تم حصار المحكمة الدستورية، ومجلس الوزراء، وكانوا يهدّدون وزارة الدفاع، وكانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي، حتى تُدار الأزمة تحت ضغط كبير جدّاً. وكان لا بد أن تخرج الدولة من العاصمة، وألا يتكرّر هذا الأمر مرّة أخرى. وأنا بتكلم بمنتهى الصراحة، والكلام ده مش هيتكرّر تاني، والأشرار والإرهابيون مش هيبطّلوا، لكن خلاص دلوقتي محدش يقدر يعمل كده في مصر تاني".

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يتحدث فيها السيسي عن مصر الهاربة من الأشرار إلى ما يشبه "الغيتو" بعيداً عن عاصمتها وتاريخها وشخصيتها الحضارية، فقد ذكر المضمون نفسه في مارس/ أذار 2026 في أثناء إفطار رمضاني مع الشرطة: 

"في 2011، كنت بشوف التليفزيون وهما بيهاجموا وزارة الداخلية في شارع محمد محمود، يمكن حدّ يستغرب قوي ويقول إنت بتستدعي ده ليه؟ إذا مكنّاش نتعلّم من كل.. من الدروس، أو نجيب دروس من كل موضوع بنتعرضله، يبقى إحنا مستفدناش من المشكلة أو من الأزمة أو من التحدّي اللي.. بيواجه الوطن، عشان ميتكرّرش تاني. وكان ساعتها، قُلت، كان وزير الداخلية، ربنا يدّيله الصحة، الوزير محمد إبراهيم، قُلتله لازم وزارة الداخلية تتنقل من القاهرة تيجي في حتّة.. في مكان تاني. ولازم الدولة تتحرّك من مكانها اللي موجودة فيه في القاهرة ده، إلى مكان تاني".

الإلحاح على مسألة أن "تتحرّك الدولة من مكانها" يتكرّر في كل مرّة مقروناً بتوصيف ثورة الشعب المصري في العام 2011 هي الشر المطلق، واعتبار أن جماهير هذه الثورة هي التعريف الوحيد للأشرار بحسب معجم "الأوكتاغون". 

وهي المسؤولة عن كل كوارث الحاضر والمستقبل، بدءاً من انهيار العملة المحلية والاقتراض المجنون الذي حمّل الجيل الحالي وأجيالاً لم تولد بعد أعباء ديون أنفقت الدولة العسكرية معظمها على عملية تهريب مصر من عاصمتها التاريخية وشعبها الشرير إلى عاصمة محصّنة تستعصي على الغضب وعلى الهتاف، وتحرّك الدولة من جذورها الاجتماعية والتاريخية والثقافية إلى حيث لا توجد جماهير تعارض وتطالب وتحتجّ وتفكر في ارتكاب خطيئة حضارية اسمها التفكير في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

خمسة عشر عاماً من سحق "ثورة الأشرار" وقتلها وتعليق جثتها على الأعمدة والحوائط وقمصان المنتخب لم تكن كافية لكي يتخلّص الاستبداد المسيطر على كل البشر والحجر من مخاوفه من جماهير غائبة ومغيبة عن أي فعل، إلا الهتاف للفريق وقيادته الحكيمة. وكما قال أفلاطون"الطاغية يظل حبيس حشد هائل من المخاوف".. لكنه لم يكمل بالقول "ولو هرب بدولته إلى أعماق المحيط".

الخميس، 25 يونيو 2026

زعيم العالم الحر

زعيم العالم الحر

وائل قنديل


ما الذي يدفع شخصًا تولّى السلطة في بلاده على خلفية أنّه النموذج المُناقض لهمجية وعنصرية دونالد ترامب قبل سنوات أن ينتقل من النقيض إلى النقيض، ويجلس مثل قطّة أليفة تتمسّح في حذاء سروال ترامب أمس، ويُسمعه ما تقول راقصة عجوز في زبون يُغرقها بعطاياه وأمواله؟ 

فاز أمين عام حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مارك روته، برئاسة حكومة بلاده (هولندا) في العام 2017، بعد أن طرح نفسه البديل الليبرالي الديمقراطي المُتحضّر ضدّ الترامبية الصاعدة ومرشّحها المنافس له، اليميني، العنصر المتطرّف المدعوم من البيت الأبيض، خيرت فيلددرز، غير أنّه بعد تسع سنوات يتحدّث بين يدي ترامب أمس، مُنافقاً، متزلّفاً، مُتغزّلاً بالرئيس الأميركي، مانحًا إياه لقب "زعيم العالم الحر". 

هكذا، مرّة واحدة، صار "سيد الإبادة الجماعية" رمزاً للحرية ومثالاً للأحرار، وكأنّه جيفارا أو مارتن لوثر كينغ، بنظر أمين عام حلف شمال الأطلسي، الذي جاء إلى البيت الأبيض يحمل الأرقام المُزيّفة وخرائط البيانات الكاذبة، ليقول لترامب: 

أنت سيدنا وقائدنا وقدوتنا، ويسبّ إيران، ويُشيد بكلّ جرائم الحرب التي ارتكبها "زعيم العالم الحر"، ويدّعي أنّ أوروبا كانت مشاركة له عسكريّاً في الحرب على إيران، ويزعم أنّ 500 طائرة أميركية أقلعت من إيطاليا وحدها لدعم الهجوم على إيران.

هنا يقدّم أمين عام حلف ناتو نفسه جندياً هزيلاً في حرب البروباغاندا التي يشنّها الرئيس الأميركي على رئيسة وزراء إيطاليا، دورجيا ميلوني، والتي يهبط فيها إلى مستوى امرأة ردّاحة في حارة شعبية، فيزعم إنّ السيدة كانت تطارده وتتوسّل إليه لالتقاط صورة معه، وهو ما دفعها إلى السخرية من مستوى خطاب رئيس أكبر دولة، مُعلنةً أنّها لا هي ولا إيطاليا تتوسّل لأحد.

وراء إهانات دونالد ترامب زعماء أوروبا، التي اتسعت لتشمل رئيس فرنسا ورئيسي وزراء بريطانيا وإسبانيا وغيرهم، أنّ الدول الأوروبية في معظمها رفضت زجّ نفسها في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واستخدام حلف ناتو فيها، فما الذي جعل أمين عام الحلف ينخفض إلى هذا المستوى من نفاق الرئيس الأميركي؟. ... هل يكفي أنّ دونالد ترامب يعتبر نفسه صاحب الفضل على مارك روته في وصوله إلى تولي منصب أمين عام الحلف، حيث قال حرفيًا: "روته لم يكن ليتولى منصب أمين عام ناتو لولا دعمي الشخصي".

يطرح دونالد ترامب نفسه دائماً بوصفه "صانع الملوك"، مُعترفاً بأنّه يتدخّل في الانتخابات المحلية للدول في كلّ القارات لإنجاح مرشّحين وإسقاط آخرين، مُتفاخراً بدوره في الحالتين الأحدث، انتخابات الأرجنتين ثم كولومبيا، حيث استطاع مرشّحان ترامبيان يمينيان، لا يخفيان انحيازهما الصهيوني الكامل، الفوز برئاسة البلدين، ميلي في الأرجنتين، ثم دي لاسبيريا في كولومبيا، فعن أيّ عالم حر يتحدّث أمين عام شمال الأطلسي (ناتو) عن ترامب زعيماً له؟

 في فنزويلا، كانت زعامة ترامب العالم الحرّ أوضح، حين غزا دولة عسكريّاً واختطف رئيسها المنتخب انتخابًا حرّاً، واعتقله في زنزانة أميركية واستولى على ثرواتها من النفط والمعادن، ثم راح يقدّم بعض الوعود ببعض الفتات إلى كلّ من قد ينتقدون جريمة غزو عسكري لكلّ دولة تتمرّد على جنونه، ثم وجدت أوروبا التي سكتت على الجريمة الأميركية في فنزويلا نفسها أمام القرصان نفسه، وقد اتجه شمالاً إلى أوروبا، حيث تحرّش بجزيرة تابعة لمملكة الدنمارك، وكأنّه يرى دول أوروبا العجوز مجموعة من جمهوريات الموز، ويمارس وصايته السياسية والعسكرية عليها. 

كيف يكون زعيماً للعالم الحر ذلك الذي  قفز من أكثر صفحات تاريخ الاستعمار القديم سواداً، واختبأ في كهوف الزمن، حتى أطلّ علينا ومعه مجموعة من القراصنة الصغار يردّد خطاباً منقولاً بالحرف من عالم الجريمة، ويفرضه علينا باعتباره عصارة حكمة سقراط وأفلاطون وهيغل وكانط، وخلاصة روح الأديان السماوية والوضعية؟

الجمعة، 24 أبريل 2026

التطبيع الحلو والتطبيع المر

التطبيع الحلو والتطبيع المر

 
وائل قنديل


 تبدو المسافة أبعد من بعد المشرقين بين موقفي الحكومات والشعوب العربية، بشأن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني، إذ ثمّة اندفاع هستيري للأنظمة العربية في هذا الاتجاه، يقابله امتناع شعبي طاغٍ عن تعاطي هذا الدواء القاتل الذي تريد الحكومة اللبنانية، كمثال، تجرّعه، بوصفه العلاج الوحيد المُتاح لقضايا الاقتصاد والسياسة.

كلّ هذا مفهوم وتُدركه الحكومات والشعوب معاً، أمّا غير المفهوم حقًاً فهو هذا الإصرار من بعض وسائل الإعلام على ممارسة التطبيع، بالمعنيين، الحرفي والاصطلاحي، له، من خلال استضافة وجوه صهيونية على شاشات عربية للاشتباك معها حول مسألة أنّ الشعوب ترفض التطبيع،

فهل يستقيم منطقاً أن تحارب التطبيع بممارسة التطبيع؟

يبدو أنّنا سنضطر إلى تعريف التطبيع للمرّة الألف، ربما، ولنتخذ مثالاً ما استقرّت عليه نقابة الصحافيين المصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي حدّدت موضوع التطبيع في: 

التطبيع المهني والنقابي: 

ويشمل تبادل الزيارات بين أعضاء النقابة وأعضاء المُنظّمات أو الروابط الصحافية الإسرائيلية. ... 

الممارسات الصحافية المباشرة: 

يُمنع إجراء مقابلات صحافية مع مسؤولين إسرائيليين أو التعاون مع وسائل إعلام تابعة للاحتلال. ... الزيارات الميدانية: يُحظر على الصحافيين زيارة الأراضي المُحتلة بتأشيرة إسرائيلية أو عبر قنوات رسمية تابعة للاحتلال.

 ... المشاركة في فعاليات مُشتركة: 

يمتدّ الحظر ليشمل حضور مؤتمرات، أو ورش عمل، أو مهرجانات تشارك فيها جهات إسرائيلية رسمية، حيث يُعتبر ذلك نوعاً من إضفاء "الصبغة الطبيعية" على وجود الاحتلال. ... أن يستضيف مذيع عربي شخصية صهيونية، ويتبادل معها المناقشات والقفشات ثم يهلّل بعضهم: 

الله عليك، يا أستاذ، لقد أحرجته. لقد أفحمته!

السؤال هنا: 

هل يختلف مفهوم التطبيع من فترة إلى أخرى، وبالتالي يختلف الرأي فيه باختلاف المراحل والأشخاص؟ 

الشاهد أنّ الكيان الصهيوني كما هو، بل ازداد إجراماً وتوحّشاً وعنصرية، والاحتلال توسّع وانتقل من الحدود التي كان يقف عندها عندما افتتح العرب (مصر أنور السادات) مسار التطبيع، إلى حدود جديدة في عمق لبنان وسورية وفلسطين، ويحلم بالمزيد. وبالتالي، تنتفي مبرّرات التعاطي معه بالتطبيع الإعلامي، بزعم كشفه أو فضحه، عبر استضافته وإلقاء الأسئلة والاتهامات عليه، فهذا بالضبط ما يتمناه الصهيوني، أن يكون وجوده معك عاديّاً، حتى لو هزّأته وسخرت منه وهزمته في الجدال.. وفي نهاية اللقاء تبتسم، ساخراً أو مُنتشياً وتشكره على وقته معك. 

هذا تطبيع بائسٌ ورخيص لا يزال مستمّراً على شاشات عربية، منها "الجزيرة مباشر" التي استضافت صهيونيّاً وقحاً تكلّم عن اصطفاف دول عربية، منها "الشقيقة مصر"، بحسب ما قال الإسرائيلي، ضدّ إيران ومحور المقاومة، ليدخل معه المذيع في وصلة من التحدّي العبثي بأنّ الشعب المصري يرفض التطبيع، ويأبى أن يصف متحدّث صهيوني مصر بالشقيقة... 

يا له من بؤسٍ تطبيعيٍّ زاعق، غير أنّ الأكثر بؤساً أن يساير بعض الجمهور هذه اللعبة ويصيح: 

الله عليك، يا أستاذ، لقد أفحمته ولقنته درساً، وكأنّه يصفّق لأسوأ أشكال التطبيع وأخطرها.

سيُقال لك، في هذا الصدد، إنّ هذا يخدم قضية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال عن طريق دحض مزاعم العدو وأقواله. 

هذا هراء آخر، حيث لا يوجد فلسطيني عاقل، يتمسّك بحقّه في التحرّر من الاحتلال ومقاومته، يمكن أن يوافق على وجود وجوه وأصوات قاتليه على منصّات الإعلام العربي. 

وهنا يمكن الرجوع إلى أدبيات حركات المقاومة الفلسطينية ووثائقها في هذا الخصوص، حيث اجتمع ممثلون للفصائل الفلسطينية والمؤسّسات الصحافية في غزّة في 20 فبراير/ شباط 2021 ووقّعوا ميثاق شرف لمواجهة التطبيع الإعلامي، نصّ على التعهّد بعدم الظهور على أيٍّ من المنصّات التابعة للاحتلال تحت أيّ مُبرّر، وعدم استضافة أو دعوة أو التعامل بأيّ شكل مع أيّ ممثّل رسمي أو غير رسمي للاحتلال على أيٍّ من الوسائل الإعلامية، وتجريم مشاركة الصحافيين والمؤسّسات الصحافية والعربية في مؤتمرات وندوات وورش عمل مع الصحافيين والإعلاميين والمؤسّسات الإعلامية الإسرائيلية.

مؤسفٌ أنّ المواقف من التطبيع باتت تتباين بحسب فاعله، فيكون حلوًاً إن مارسه من ننحاز له، ومُرًاً لو جاء ممن نقف ضدّه. ومرّة أخرى: بالفطرة، وبالمنطق، وبالمعادلات الحسابية البسيطة، فإنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يقوم بتسويق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مُقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحقّ.